قضايا خرجت من مساراتها... وسجالات بأدوات أكثر تقنية

المعارك الأدبية وحيوية الاختلاف (2-2)

عباس محمود العقاد - محمود حسن إسماعيل - إبراهيم ناجي
عباس محمود العقاد - محمود حسن إسماعيل - إبراهيم ناجي
TT

قضايا خرجت من مساراتها... وسجالات بأدوات أكثر تقنية

عباس محمود العقاد - محمود حسن إسماعيل - إبراهيم ناجي
عباس محمود العقاد - محمود حسن إسماعيل - إبراهيم ناجي

يمكن أن نرى المعارك الأدبية في لحظتنا الراهنة، من مداخل متعددة، فثمة معارك اتكأت بنيتها على قضايا متجددة باستمرار، من قبيل معركة الفصحى والعامية في أدبنا الحديث، والتي أشرنا إليها في المقال السابق، وثمة معارك أدبية أخرى اعتمدت في بنيتها على أطروحات نظرية قدمها نقاد ومفكرون بارزون، من قبيل ما طرحه طه حسين في كتابه «في الشعر الجاهلي»، وطرحه الإشكالي حول قضية الانتحال في الشعر العربي، وثمة معارك ثالثة اتخذت مسارات أخرى تتمحور حول قضايا عمومية تتصل بنزعات التجديد، في مقابل التمترس حول القديم، وقد اتخذ هذا النمط من المعارك شكولاً متعددة، من قبيل المعركة بين الشعر العمودي، والشعر الحر، أو بين بعض رواد قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، وثمة نمط رابع ينتمي إلى الآن وهنا، يعززه الفضاء الافتراضي، يتحول في ظاهره إلى فضاء للتلاسن؛ لكنه لم يخلُ في جانب منه من إطار موضوعي يتصل بالجوائز الأدبية، وحدود التلاص والتناص وغيرها.
يبرز طه حسين بكتابه الإشكالي «في الشعر الجاهلي» الذي لم يكتفِ فيه بإلقاء حجر في المياه الثقافية؛ لكنه مثّل نسقاً لآلية التفكير النقدي القائم على المساءلة والمراجعة النقدية المستمرة، وأياً ما كان الأمر، فإن ما طرحه طه حسين كان جديراً بالمناقشة، وهذا عين ما كان، وإن اشتط مهاجموه كثيراً في التعبير عن رفضهم الذي تحول في بعضه إلى سباب لا يليق بهم، ولا بالمفكر التنويري البارز في ثقافتنا العربية المعاصرة.
أصدر طه حسين كتابه «في الشعر الجاهلي» في عام 1926، وقد استخدم الكتاب آليات العقل النقدي؛ حيث جعل الأشياء جميعها محلاً للسؤال، اعتماداً على منهج الشك الديكارتي (أنا أفكر، إذن أنا موجود)، ومثلت بعض الفقرات داخله مركزاً في طرح الفكرة الرئيسة التي انطلق منها، من قبيل: «شككت في قيمة الأدب الجاهلي، وألححت في الشك، وانتهيت إلى أن الكثرة المطلقة مما نسميه أدباً جاهلياً، ليست من الجاهلية في شيء، إنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام»، ثم قطع برأيه قائلاً: «فالشعر الذي يُنسب إلى امرئ القيس، أو إلى الأعشى، أو إلى غيرهما من الشعراء الجاهليين، لا يمكن من الوجهة اللغوية والفنية أن يكون لهؤلاء الشعراء»، وحظيت هذه الفقرة ومثيلاتها بانتقادات واسعة، سواء من بعض الأدباء والباحثين، أو من المؤسسات الدينية، وربما لم تحظَ قضية نوعية بمثل ما حظيت به قضية «في الشعر الجاهلي» من مساجلات تواترت طيلة القرن العشرين، وربما حتى لحظتنا الراهنة؛ حيث لم تزل مثاراً للبحث الأكاديمي التقليدي الذي يسعى في جله إلى الانتصار لنقيض الفكرة التي طرحها طه حسين، ومن جهة أخرى كانت هذه المعركة من أولى القضايا التي دخل فيها القضاء على خط التماس. وجميعنا يذكر تلك المرافعة المستنيرة التي قدمها رئيس نيابة مصر آنذاك السيد محمد نور، مبرئاً طه حسين مما نسب إليه.
وقد بدأت المعركة عقب صدور الكتاب مباشرة، من خلال عدد من البلاغات التي قدمها أزاهرة، وصولاً إلى شيخ الأزهر نفسه محمد أبو الفضل الجيزاوي. وقد دخل البرلمان المصري على الخط أيضاً؛ حيث هاجم النائب الوفدي عبد الحميد البنان، ومن خلفه حزبه ذو الشعبية الواسعة آنذاك، طه حسين، في حين وقف «الأحرار الدستوريون» موقفاً داعماً لطه حسين، وخصوصاً النخبة المثقفة التي انتمت إليه وقتها، أو في فترات سابقة، من قبيل: أحمد لطفي السيد، وعلي عبد الرازق، ومصطفى عبد الرازق، ومحمد حسين هيكل.
توفرت قضية الصراع بين القديم والجديد على مناحٍ عدة، كان من أبرزها منحى الأسلوب الذي شهد جولات مختلفة من الصراع الفكري بين مؤيدي اللغة القشيبة التي تعيد إنتاج الماضي، والأخرى ابنة عصرها التي تحتفظ بالجزالة الواجبة دون تقعر. وقد بلورت المعركة الأدبية بين مصطفى صادق الرافعي والدكتور محمد حسين هيكل هذا التباين، في طبيعة النظرة إلى اللغة ودورها في الخطاب. وقد عبر محمد حسين هيكل عن تلك المعركة تعبيراً دالاً في مؤلفه «في أوقات الفراغ»، الذي انتقد فيه بموضوعية شديدة أسلوب الرافعي في مؤلفه «تاريخ آداب العرب» لائماً عليه استحضاره الغريب والمهجور من اللفظ، مبيناً أثر ذلك في عدم دقة المعنى. وقد أبان هيكل عن المرجعيات التي اعتمد عليها الرافعي في صدوره في الكتابة عن هذا المنحى الأسلوبي القديم الذي يراه لصيقاً بالعربية، والأكثر تماهياً مع جذورها. فالرافعي يرى أن الرجل متى سكن المدن ذهبت فصاحته «وبدأت سليقته تتحضر، فكأنما انصدع مفصل العربية من لسانه»، وهي نظرة جامدة ترى اللغة في ثباتها، وتنطلق من تصور سكوني بإزائها، متجاهلة أن نماءها الحقيقي في تجددها، وقدرتها على التغير الزمكاني، دون أن تفقد سلامتها اللغوية، وبلاغتها العميقة المتجددة هي أيضاً بتجدد العصر ومفرداته المختلفة.
وقد ثارت قضية القديم والجديد على مستوى الأسلوب مرة أخرى، عبر طرفين مركزيين، هما: طه حسين، والرافعي. فقد كتب الرافعي في مجلة «الرسالة»: «رسالة في العتب» بأسلوبه الموغل في القدم المشار إليه، وقد استرعى هذا الأمر انتباه طه حسين الذي رد على رسالته بمقال أورده في «حديث الأربعاء» ذكر فيه نصاً: «أما أنا فأعتذر للكاتب الأديب؛ إذ أعلنت مضطراً أن هذا الأسلوب الذي ربما راق أهل القرن الخامس والسادس للهجرة، لا يستطيع أن يروقنا في هذا العصر الحديث الذي تغير فيه الذوق الأدبي، لا سيما في مصر، تغيراً شديداً». وكان الرافعي قد احتج بأن الأسلوب الذي كتب به رسالته في العتب هو «موضع الانفراد، والغاية التي تتقاصر دونها الأعناق منذ القرن الرابع إلى آخر التاسع»؛ بل وزاد على ذلك بأن اتهم معارضيه -ومن أبرزهم طه حسين- بالضعف في سلوك هذا المنحى «وتقصيرهم عن حده»، فرد طه حسين بعبارته الشهيرة: «لا حاجة لنا إلى أن نجيد هذا الأسلوب، وإننا لا نريد أن نجيده».
شهد ملف السرقات الأدبية سجالات متعددة، كان أكثرها اشتعالاً متصلاً بما كتبه عباس العقاد حول الشاعر إبراهيم ناجي، والردود التي صنعها الشاعر محمود حسن إسماعيل الذي كتب قائلاً: «نقد الشاعر المعروف عباس محمود العقاد في مقاله (دواوين شعرية) المنشور بالعدد الصادر في 13 يونيو (حزيران) سنة 1934 من (الجهاد)، ديوان (وراء الغمام) للشاعر الوجداني الدكتور ناجي، وقد كان من أثر الضغط الشديد في التحامل وإنكار الناحية الفنية في الديوان، أن زل قلمه بما فضح نقده، ومكَّن الظن في إشباع نقده بالعداء الشخصي، ذلك أنه نسب إلى الدكتور ناجي انتزاعه بعض المعاني من شعره».
وقد ضرب العقاد مثالاً شعرياً لبيت إبراهيم ناجي: «مر الظلام وأنت ملء خواطري... ودنا الصباح ولم أزل مشغولاً». ثم ذكر أن البيت السابق مأخوذ من شعره، وتحديداً في بيت العقاد الذي يقول فيه: «فإذا صحوت فأنت أول خاطري... وإذا غفا جفني فأنت الآخر».
ومن الطريف أن البيت الذي احتج العقاد بأنه مأخوذ من شعره، قد ارتد عليه، فبعد أن ذكر محمود حسن إسماعيل أن ملاحظة العقاد فاسدة، وأنه «لا أثر للانتزاع مطلقاً»، أردف قائلاً بأن هذا البيت الشعري للعقاد محمول على بيت البارودي: «فإذا صحوت فأنت أول ذكرتي... وإذا غفوت فأنت آخر زادي»، وأنه لو كان ثمة سطو، فهو ها هنا.
وربما يمكن النظر إلى هذه المعركة في إطار المعارك الأدبية بين التيارات الأدبية المختلفة، فالعقاد رأس جماعة «الديوان»، وناجي أحد أبرز وجوه جماعة «أبوللو». وقد تدور المعارك الأدبية داخل التيار الأدبي الواحد، من قبيل الإقصاء الذي مارسه العقاد والمازني ضد رفيقهما في جماعة «الديوان» عبد الرحمن شكري، وهو ما استفز الناقد رمزي مفتاح ليكتب كتاباً كاملاً سمَّاه «رسائل النقاد... قراءات في جاهلية العقاد»، مهاجماً فيه عباس العقاد بشكل أساسي، ومدافعاً عن شكري.
تعددت المعارك بين طه حسين والعقاد، وكان من أبرزها الخلاف الذي دار حول أبي العلاء المعري؛ حيث عدَّ العقاد «رسالة الغفران» فقيرة الخيال، وهو ما رد عليه طه حسين متسائلاً عن هذا الفهم المغلوط الذي تلبَّس العقاد تجاه أبي العلاء.
وقد خرجت بعض المعارك الأدبية عن نطاقاتها الموضوعية إلى مسارات شخصية، من قبيل ما حدث بين زكي مبارك وطه حسين؛ حيث بدأت المعركة فكرية بالأساس؛ حيث اختلف الاثنان على زمنية وجود النثر الفني في الثقافة العربية، ففي حين رآه زكي مبارك يعود إلى العصر الجاهلي، رأى طه حسين أنه يعود إلى العصر الأموي. كذلك عارض زكي مبارك فكرة طه حسين بالعودة إلى حضارة اليونان، وتَمَثُّل فلسفة وثقافة اليونان. وقد خرجت المعركة عن غايتها الأدبية حين رفض طه حسين تجديد عقد زكي مبارك في الجامعة، فيما عُرف في التاريخ الأدبي بمعركة «لقمة عيش» التي نُسب فيها لزكي مبارك قولته المشهورة: «ولو جاع أولادي لشويت طه حسين وأطعمتهم لحمه».
وفي اللحظة الراهنة، ليس ثمة مكان في عالمنا العربي دون أن يشهد سجالاً على مواقع التواصل الاجتماعي، ففي عالم من السيولة اللانهائية، يشهد ما يعرف باهتزاز المعنى، ستكون عبارة إمبرتو إيكو صالحة إلا قليلاً، للتعبير عن جوهر الفضاء الافتراضي: «إن أدوات مثل (تويتر) و(فيسبوك) تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى»، يعتقدون بأنهم حاصلون على جائزة «نوبل»، فيما سمَّاه إيكو «غزو البلهاء»، وربما إشكالية العبارة هنا كونها عمومية.
وقد جعل الفضاء الافتراضي بتنويعاته المتعددة للمعارك الأدبية أدوات أخرى، أكثر تقنية، غير أنه أربك المشهد الثقافي العربي، باستحضاره الخفة، وتعزيره قيم السوق، وباتت الآليات نفسها متعددة، فيكفي أن يكتب أي شخص منشوراً من خمس جمل أو أقل لتتواتر التفاعلات، من قبيل ما حدث بعد وفاة الروائي الكبير بهاء طاهر، وإن أظهر هذا السجال إمكانية أن يتشارك قراء عاديون مع الكُتاب والمثقفين في الدفاع عن المعنى، وبما يمنح معارك الفضاء الافتراضي طزاجة هائلة، وراهنية مستمرة في التماس مع ذلك الآن وهنا.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

ارتفاع أسعار «تسالي العيد» يُعكِّر مزاج المصريين

الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)
الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)
TT

ارتفاع أسعار «تسالي العيد» يُعكِّر مزاج المصريين

الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)
الشوكولاته من مفردات مائدة العيد في مصر (الشرق الأوسط)

أمام زحام أحد محال بيع التسالي (المَقلة)، بمحافظة المنوفية (دلتا النيل)، وفي حين تتراص أجولة الترمس الحلو والمُر بكثرة، وتتطاير روائح تحميص الفول السوداني من آلاته، وقفت المصرية زينب عبد الله تنتقي حبوبها وبعض القطع من الشوكولاته وأصناف الحلوى، المعروضة بكميات كبيرة أمام المحل.

وقالت الستينية، في حين يزن البائع لها 3 أكياس بلاستيكية، قامت بتعبئتها بالحبوب والحلوى: «العيد يعني البسكويت والكعك، وبجواره طبق العيد المكوّن من الترمس والسوداني والحلوى، فلا يوجد بيت مصري يخلو من هذه التسالي، فهي التي تُكمل فرحة العيد ولمّة العائلات».

وبينما يخبرها البائع أن سعر الكيس الواحد بقيمة 500 جنيه (الدولار يساوي 52.29 جنيه مصري)، أضافت لـ«الشرق الأوسط»: «هذا العام الأسعار مرتفعة مقارنة بالأعوام الماضية، ولكن لا بد من شراء التسالي والحلوى، فهي عادة موسمية، أقوم بتوصيلها لبناتي المتزوجات وأطفالهن قبل العيد لإدخال الفرحة عليهن، لكن الأسعار المرتفعة حوَّلت فرحة استقبال العيد إلى عبء اقتصادي إضافي».

الفول السوداني شهد ارتفاعاً في أسعاره قبل حلول عيد الفطر (الشرق الأوسط)

ويحتفل المصريون بعيد الفطر مثل غيرهم من الشعوب بعدد من التقاليد والعادات المتوارثة منذ عقود طويلة، ولعل من أهم مفرداتها بعد البسكويت والكعك تقديم ضيافة العيد عبر أطباق المسليات، التي تضم الترمس والحمص والفول السوداني، وأصناف الحلوى التقليدية، من قطع الشوكولاته والملبس والبنبون والنوغا والملبن والطوفي المحشو بالكريمة والشوكولاته وجوز الهند، والتي لا تكتمل مائدة العيد إلا بها.

وينتشر بيع تلك الأصناف قبل حلول العيد في العديد من المحال والأسواق، سواء المتخصصة في بيع الحلوى الشرقية والغربية، أو المتخصصة في بيع التسالي والمحمصات، وكذلك متاجر البقالة والمراكز التجارية، والتي تجد جميعها زحاماً للشراء.

وبعد أن رحلت الأم زينب بأكياسها، أخبرنا البائع محمد ربيع، أن سعر كيلو الفول السوداني هذا العام بين 100 و150 جنيهاً، وكيلو الحمص بين 60 و120 جنيهاً حسب الحجم، والترمس المُر 50 جنيهاً، والترمس الحلو 70 جنيهاً، أما أصناف الشوكولاته فتبدأ من 160 جنيهاً للكيلو.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «رغم ارتفاع الأسعار فإن معدلات الإقبال كبيرة مثل كل عام في هذا التوقيت، لكن الاختلاف أن كثيراً من الزبائن اتجهوا إلى تقليل الكميات، والشراء بالغرام وليس بالكيلو كما هو معتاد، حتى لا يحملوا أنفسهم عبئاً مادياً إضافياً».

ارتفاع أسعار تسالي العيد في مصر (الشرق الأوسط)

وحول أسباب ارتفاع الأسعار بأسواق «تسالي العيد»، يوضح محمد عرفة العطار، عضو شعبة العطارة بالغرفة التجارية بالقاهرة، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك حزمة من العوامل الاقتصادية تضافرت لتؤدي لهذه الزيادة، يأتي على رأسها تذبذب سعر الصرف الذي ألقى بظلاله على تكلفة السلع المستوردة، كما لا يمكننا إغفال تأثير التوتر الإقليمي والحرب على إيران على اضطراب حركة النقل الدولية ورفع أسعار النفط عالمياً».

ويستطرد: «أما محلياً، فقد تأثرت حركة النقل مع ارتفاع أسعار الغاز والسولار، ما رفع تكلفة الشحن الداخلي إلى الأسواق، وهو ما انعكس بشكل مباشر على سعر البيع النهائي للمستهلك».

ورفعت الحكومة المصرية، الثلاثاء، أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، مشيرةً إلى «الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، والتي أدّت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد، والإنتاج المحلي».

ورغم ذلك، يشير عضو شعبة العطارة إلى أنه على عكس التوقعات التي قد تُشير إلى تراجع القوة الشرائية، لاحظنا أن معدلات الاستهلاك هذا العام مرتفعة مقارنة بالسنة الماضية، فالمواطن المصري متمسك بطقوسه الاحتفالية مهما كانت الظروف، مبيناً أن تسالي العيد التقليدية تجد إقبالاً وبقوة، وتحتفظ بمكانتها على مائدة العيد، والسر هنا يكمن في تفاوت الطبقات الاجتماعية داخل المجتمع المصري، وذلك رغم المنافسة من المنتجات الجاهزة، مثل المكسرات والمُقرمشات التي فرضت نفسها، وأصبحت لها شريحة واسعة من المستهلكين.

الحلوى الملونة تزين واجهات المتاجر المصرية وأرففها في عيد الفطر (الشرق الأوسط)

ومع بدء العد التنازلي لاستقبال عيد الفطر، تُضيء أوراق الحلوى الملونة واجهات المتاجر وأرففها، ما يبعث على البهجة، إلا أن الأسعار المرتفعة هذا العام انتقصت من هذه الصورة.

داخل أحد متاجر بيع الحلوى والبونبون بالقاهرة، وقف الأربعيني ياسر محمد، الذي يعمل موظفاً إدارياً في إحدى شركات الأدوية، حائراً ومتجولاً بعينيه بين أصناف الشوكولاته المعروضة، في حين يشير طفلاه إلى الأنواع المحببة لهما، والتي يرغبان في شرائها.

ويفسر محمد سبب حيرته، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «أقل سعر 200 جنيه للكيلو، وهو سعر مرتفع للغاية. حضرت للبحث عن أنواع اقتصادية، ولكنها لم تعجب أطفالي؛ لذا سأقتصر على شراء كمية قليلة ترضية لهما، والاكتفاء بها مع كعك العيد الذي أعدته زوجتي في المنزل؛ حيث أحاول توفيق الميزانية بشراء كميات أقل».

أصناف الحلوى وتسالي العيد تنتشر في العديد من المحال والأسواق (الشرق الأوسط)

في حين يشير صاحب المتجر، محمود مصطفى، إلى أن الإقبال كبير رغم ارتفاع أسعار المنتجات، لأن الناس تعدّ التسالي ركناً أساسياً على مائدة العيد، فهي «تفتح النفس وتكمل الفرحة»، كما أنها مناسبة للزيارات والهدايا.

ويُضيف لـ«الشرق الأوسط»: «الغالبية تميل إلى أنواع الحلوى الشعبية، أو الكاندي الملون بنكهاته المختلفة، الذي يجذب الأطفال وسعره مناسب، وأمام ارتفاع الأسعار حاولنا عرض أكبر تشكيلة من الأنواع المختلفة المستوردة والمحلية، بما يناسب كل الميزانيات، ويلبي كل الرغبات».

Your Premium trial has ended


رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)

رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)
TT

رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)

رقص من تلقاء نفسه... روبوت يخرج عن السيطرة (فيديو)

في لحظة غير متوقعة، تحوّل مطعم «الهوّت بوت» إلى مسرح مليء بالضحك والدهشة، عندما بدأ روبوت الخدمة في الرقص والتحرك من تلقاء نفسه.

تفاجأ الموظفون، وتجمّع الزبائن وهم يضحكون ويصورون المشهد، بينما يحاول البعض تهدئة الوضع دون جدوى.

وأوضح أحد مستخدمي الإنترنت أن الروبوت خرج عن السيطرة، ورفض التوقف عن الرقص، ما خلق جواً كوميدياً حياً داخل المطعم.

ويبدو أن هذا الموقف، رغم فوضويته، يسلّط الضوء على الجانب الطريف وغير المتوقع للتكنولوجيا في حياتنا اليومية، ليذكّرنا بأن الروبوتات، رغم ذكائها، قد تضفي لمسات من الفكاهة والدهشة على روتيننا المعتاد، وتحوّل لحظات عادية إلى ذكرى لا تُنسى.


جهاز سويدي ذكي يدرّب الغربان على جمع القمامة

جهاز سويدي ذكي يدرّب الغربان على جمع القمامة
TT

جهاز سويدي ذكي يدرّب الغربان على جمع القمامة

جهاز سويدي ذكي يدرّب الغربان على جمع القمامة

أثار جهاز مبتكر لتدريب الغربان في السويد على جمع النفايات الحضرية اهتماماً واسعاً بعد انتشار مقاطع فيديو توثق أداء الطيور الذكية لمهام غير مألوفة في الشوارع والحدائق، ليُعيد النقاش حول حلول مبتكرة لمشكلات النفايات الحضرية. وفقاً لموقع «إنترناشونال بيزنس تايمز».

ابتكرت شركة ناشئة سويدية هذا النظام، الذي يكافئ الغربان بالطعام مقابل جمع النفايات، وخصوصاً أعقاب السجائر التي تشكل غالبية القمامة في الشوارع. إلا أن التحقيقات الأخيرة كشفت أن المشروع التجريبي لم يترقَ إلى مرحلة التشغيل الكامل، رغم الضجة الإعلامية التي صاحبت ظهوره على منصات التواصل الاجتماعي.

شراكة ذكية بين الطبيعة والتكنولوجيا

يعتمد الجهاز على مبدأ بسيط وفعال: تتعلم الغربان جمع قطع صغيرة من القمامة ووضعها في فتحة مخصصة، وعند التحقق من صحة العنصر بواسطة أجهزة استشعار وكاميرات متطورة، يحصل الطائر على مكافأة غذائية صغيرة. هذه العملية تخلق حلقة تعزيز إيجابية تشجع الطيور على تكرار المهمة، ما يفتح المجال أمام تعاون طبيعي بين الإنسان والطبيعة بشكل مبتكر.

ويُبرز النظام قدرة الغربان على التعلم الاجتماعي، إذ تتقن بعض الطيور العملية أولاً، بينما تتعلم الأخرى بالملاحظة، ما يسمح بانتشار المهارة بسرعة داخل القطيع. ويؤكد المصممون أن الطيور برية وتشارك طواعية، دون أي إجبار، مع سرعة تعلم ملحوظة وقدرتها على تمييز النفايات المستهدفة بدقة.

ذكاء الطيور كحل بيئي

أشار المؤيدون إلى أن الغربان تمتلك مهارات حل المشكلات التي تعادل ذكاء طفل صغير، مما يجعلها مؤهلة لأداء أدوار بيئية مفيدة. وهدف هذه المبادرة تخفيف العبء على عمال النظافة في البلديات وتقديم حل مبتكر لمشكلة القمامة المستمرة، بأسلوب يعكس احترام الطبيعة وذكاء الكائنات الحية.

تم الكشف عن المشروع في مدينة سودرتاليا قرب ستوكهولم خلال أسبوع العلوم لعام 2022، حيث قدم مؤسس شركة «Corvid Cleaning»، كريستيان غونتر هانسن، النموذج الأولي كبديل اقتصادي لمعالجة النفايات. وتقدر ميزانية تنظيف الشوارع في السويد بنحو 20 مليون كرونة سنوياً، ما يعادل 1.8 مليون دولار، مع كون أعقاب السجائر تشكل نحو 62 في المائة من إجمالي النفايات.

ورغم الطموح، أعلنت الشركة إفلاسها في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بعد تسجيل إيرادات متواضعة وفقدان جميع موظفيها، لتتضح الحقيقة بأن استخدام الجهاز على نطاق واسع كان مبالغاً فيه، وأن الانتشار الإعلامي جاء نتيجة سوء فهم لتغطية المشروع التجريبي.

تجربة تلهم المستقبل

مع استمرار تداول مقاطع الفيديو الفيروسية في عام 2026، يبرز مشروع الغربان السويدية كرمز للإبداع وابتكار حلول مستدامة، رغم توقف الشركة. ويطرح السؤال الكبير حول إمكان تحويل هذه التجارب الصغيرة إلى مبادرات عملية قابلة للتطبيق على نطاق واسع، مع مراعاة صحة الطيور وحماية البيئة.

يبقى الجهاز الذكي الذي يدرّب الغربان على جمع النفايات الحضرية فكرة ملهمة، تجمع بين الذكاء الطبيعي والابتكار التكنولوجي، لتذكرنا بأن الطبيعة قد تكون أحياناً الشريك الأمثل للبشر في مواجهة التحديات الحضرية.