كمال منور: الغرب غيّر نظرته نحو الخليج بفضل انتعاش المشهد الثقافي

يرأس أربعة غاليريهات فنية باريسية هي بمثابة «مغارة علي بابا»

كمال منور
كمال منور
TT

كمال منور: الغرب غيّر نظرته نحو الخليج بفضل انتعاش المشهد الثقافي

كمال منور
كمال منور

من ابن مهاجر بسيط، تمكن كمال منور في ظرف عقدين من الزمن من احتلال مكانة مرموقة على الساحة الفنية الفرنسية. وهو حالياً على رأس أربعة غاليريهات فنية باريسية هي بمثابة «مغارة علي بابا» وواجهة رسمية لأعمال أشهر مبدعي الفنون التشكيلية المعاصرة في العالم دانيال بيرن، دوغلاس غوردن، فرانسوا مورولي وأنيش كابور، وأيضاً أعمال لشباب واعدين أمثال كامي هنرو، لطيفة الشخش، ومحمد بورويسة. التقيناه في مكتبه في باريس بين رحلتين للمشاركة في تظاهرات ثقافية فنية بين الرياض وأبوظبي، وكان لنا معه هذا الحوار:

> تشهد دور العرض الفنية عودة قوية بعد أن مرت بفترة ركود خلال الأزمة الصحية، إلى أي حد تستطيع هذه الفضاءات المساهمة في إنعاش الحياة الثقافية مقارنة بالمتاحف مثلاً؟
- أولاً الغاليري أو معرض الفن خلافاً للمتحف فضاء ثقافي مفتوح للجميع، وما على الشخص الذي يريد أن يستمتع بالتحف والأعمال الفنية ويوسع دائرة ثقافته إلا أن يدفع الباب ويدخل ولن يُطلب منه شيء لأنها مجانية عكس المتحف أو «البينالي» الذي غالباً ما يطلب من الزوار دفع ثمن تذاكر الدخول، كما أن ميزتها مقارنة بالمؤسسات الأخرى هي أنها تدون انطباعات فنانين من أوقاتنا المعاصرة وتعرض خلاصة إبداعاتهم وهم أحياء يرزقون عكس المتاحف مثلاً التي غالباً ما تكرم المبدعين ممن فارقوا عالمنا... وإضافة إلى أنها تمنح تشكيلة متنوعة من الفنون الإبداعية من فن تشكيلي وبلاستيكي ورسم وتصوير جداري وفوتوغرافي، فإن الأعمال المعروضة تعكس انشغالات المجتمع وهموم الواقع المَعيش في الوقت الراهن، وليس في الماضي.
> ومع ذلك، ورغم أهمية الغاليريهات في المشهد الثقافي، فإنها تبقى عرضة لمفاهيم خاطئة فهناك من يعتبرها نوادي مغلقة لنخبة قليلة من المحظوظين، وهناك من يعتبرها قاعات تعرض خربشات عبثية باهظة الثمن لا يتردد عليها إلا الأغنياء وميسورو الحال... كيف تردون على ذلك؟
- حين بدأت نشاطي منذ أكثر من عشرين سنة مضت كنت مبهوراً بعالم الفن التشكيلي والمعارض الفنية وإنتاجات المبدعين، وفي نفس الوقت شديد القلق تنتابني مشاعر الضيق والإحباط، وكنت أسأل نفسي عما إذا كنت قد اخترت الطريق الصحيح؟ كنت أعيش بهذه العقدة يومياً.... هل أستطيع أنا ابن المهاجر الجزائري البسيط، خريج جامعة الاقتصاد أن أفرض نفسي وسط هذه النخبة المختارة؟ كنت أفتقد الثقة لأنني ببساطة لم أكن أشعر بالانتماء لهذه الفئة... وفعلاً في حقبة ثمانينات وتسعينات القرن الماضي كان البعد النخبوي لهذه الفضاءات الثقافية حاضراً بقوة. اليوم ما نلاحظه هو أن الأمور تغيرت كثيراَ... تعالَيْ معي إلى أي غاليري باريسي وسترين أن الجمهور الذي يزور هذه الفضاءات الثقافية تنوع بشكل كبير، فهو مزيج من مختلف الأوساط الاجتماعية، فهناك الطلبة والأساتذة والمتقاعدون والعمال. ولعلمك الكثير من هؤلاء لا يقتنون شيئاً من المعارض بل يكتفون بالاستمتاع بالتحف فقط. ومن يشتري هذه القطع في الأخير هم عدد قليل من المجمعين الخواص وهم يشكلون أقل من في واحد في المائة من الزوار، هذا لا يمنع هذه الأغلبية البسيطة من الاستمتاع بمتابعة كل ما هو جديد في هذا المجال دون أن يكلفها ذلك شيئاً.
> تداعيات الجائحة على المجال الثقافي كانت كارثية وكثير من المؤسسات لم تخرج من هذه الأزمة سالمة، فماذا عن غاليريهات الفن، كيف واجهتم هذه الأزمة؟
- هذه الفترة كانت فعلاً صعبة، ولكننا ولحسن الحظ تلقينا مساعدات حكومية تمثلت في ضمان القروض ودفع منح البطالة للمتعاونين الذين اضطروا لوقف نشاطهم بسبب الحجر. وأنا شخصياً أعتقد أن لهذه الفترة إيجابياتها أيضاً فقد سمحت لنا بالتركيز على أنفسنا. فالناس عامة مأخوذون في دوامة الحياة يركضون لاهثين في كل النواحي ليل نهار... هذه الأزمة جعلتنا نتوقف قليلاً لنسلط اهتمامنا على ما هو مهم: الصحة وحب الأهل.
> المعروف أنك تدير أربعة من أهم غاليريهات الفن التشكيلي في باريس واكتشفت بنفسك عدة مواهب أصبحت أسماءً لامعة في هذا المجال كالفنانة كاميي هونرو أو محمد بورويسة فما هو السر؟ هل هي «حاسة سادسة» تمكنك من التنبؤ بالمواهب المستقبلية؟
- ليست هناك وصفة معينة، أنا أسافر كثيراً، وأتحدث كثيراً مع المبدعين شباباً أو كهولاً، ومن مختلف الجنسيات، أطلع على رؤاهم الفنية وإنتاجاتهم وشيئاً فشيئاً أصل إلى تكوين فكرة عن قدرات وإمكانات المبدعين. وهو أكثر من مجرد الحدس فأنا حين أقرر فتح أبواب مؤسساتي لفنان ما فلأنه موهوب، ويظهر جدية في العمل وعزيمة واستعداداً للتعاون معي.
> بحكم نشاطك واحتكاكك الدائم بالمبدعين، ماذا تعلمت عنهم؟
- المبدعون يعلموننا التحليق عالياَ، يعلموننا الجرأة والتفاؤل. وهم بحسب تجربتي معهم نوعان: من يقدم رؤية واضحة يسهل التنبؤ بها، ومن يستخدم أساليب متميزة سواء في المواد المستخدمة أو في طريقة العرض أو في الإشكاليات المطروحة، وهي ليست بالضرورة رؤية يتفق عليها الجميع لأنها كتابة جديدة، نحن في مؤسساتنا نرعى الفريق الثاني الذي يقدم أعمالاً لم يسبقه إليها وهو ما يجعله متميزاً بكل المعايير.
> حدثنا عن مشوارك المهني... كيف وصلت لإدارة أهم دور عرض الفن التشكيلي في باريس؟
- بعد شهادة في الاقتصاد بدأت العمل عام 1999 في غاليري صغير لا يتعدى 50 متراً مكعباً في شارع سان جيرمان دي بري. وقتها كنت متخصصاً في فن التصوير، وشيئاً فشيئاً توجهت نشاطاتنا نحو الفن التشكيلي، حتى أصبحنا اليوم مؤسسة مهمة في المشهد الفني الفرنسي، فنحن نمثل أكثر من 40 فناناً ونسلط الضوء على أعمالهم من خلال المعارض الموزعة في أربعة غاليريهات باريسية، ولكن أيضاً من خلال المشاركة في عدة تظاهرات داخل وخارج البلاد. وصلنا في نشاطنا لمرحلة النضج بعد عشرين سنة من المثابرة. في المستقبل إذا كتبت لي الصحة وطول العمر أنوي توسيع دائرة نشاطنا نحو مزيد من تاريخ الفن؛ ولذا فقد التحقت بفرقة المعرض المديرة السابقة لمتحف «أورسي» السيدة سيلفي باتري وهي شخصية مهمة على الساحة الفنية الفرنسية.
> ما توقعاتك بخصوص مستقبل الفن التشكيلي؟ هل أنت متشائم بالنظر إلى الأوضاع الاقتصادية والسياسية الحالية؟
- ككل مجالات الحياة فإن الأزمة طالت سوق الفن أيضاً، لا حظنا ذلك في الفترة الأخيرة حيث هجر هواة الفن الشكيلي قاعات العروض إلى الشبكة العنكبوتية التي أصبحت تعرض وتبيع التحف والقطع الفنية أيضاً، وهي ليست مشكلة بحد ذاتها، فما تغير هو طريقة التواصل، وقد بدأنا نتأقلم مع تغيرات العصر لأن الجمهور أصبح عالمياً. لكن الجديد هو أن التشاؤم أصبح ميزة العصر... كل شيء أصبح يبدو صعباً: اقتصادياً واجتماعياً ومادياً ونفسياً وكأن العالم كله على حافة هاوية. وبين أخبار الحروب والتضخم وتسريح العمال يبقى الفن مهماً تحديداً لأنه المتنفس الوحيد الذي يلجأ إليه الناس للترويح عن أنفسهم.
> هل تتابع تطور المشهد الثقافي والفني في منطقة الخليج؟
- المشهد الثقافي في هذه المنطقة من العالم يشهد تطوراً ملحوظاً. وبحكم نشاطي في هذا المجال لاحظت القفزة العملاقة التي حققتها دول هذه المنطقة في السنوات العشر الأخيرة، بين المتاحف الكثيرة التي رأت النور والتظاهرات الثقافية المتنوعة والسياسات الثقافية المشجعة لهذه المبادرات. التطور كان باهراً وكعنصر مشارك فعال في المشهد الفني الغربي لاحظت أيضاً تغير نظرة الغرب الذي كان في السابق يربط هذه المنطقة بالبترول والثروات الطبيعية فقط، وهو اليوم يصحح معتقداته بفضل انتعاش المشهد الثقافي والفني وكل هذه الديناميكية الإيجابية.
> كلمة حول مشاركتكم في مهرجان «نور للرياض»؟
- «غاليري كمال منور» دُعيت للمشاركة في مهرجان «نور الرياض» المستمر حتى 19 نوفمبر (تشرين الثاني)؛ ولذا فقد قدمنا إليها بمجموعة من أهم الفنانين أمثال دنيال بيرن وأليسيا كواد ودوغلاس غوردن وفرانسوا مورلي وهم معروفون على الساحة العالمية. وعكس ما كان مشاعاً في بعض وسائل الإعلام فلم نتلق أي ضغوط بشأن المحتوى الذي سنقدمه، بل على العكس من ذلك فالترحيب والتنظيم كانا في القمة، وشعرنا بأن السلطات السعودية تبذل جهوداً حثيثة لدفع البلاد لأن تصبح وجهة سياحية وثقافية جديدة في المنطقة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
TT

مصر: انتقاد الفنانين القدامى يثير تباينات حول حرية الرأي

الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)
الفنان رشدي أباظة في فيلم «الزوجة 13» (يوتيوب)

أثار تكرار وقائع انتقاد الفنانين القدامى تباينات حول حرية التعبير في مصر، متى تدخل التصريحات في إطارها... ومتى تتجاوزها لتصبح «إساءة». وكانت أحدث الوقائع جرت أخيراً حين وجَّه الممثل المصري الشاب أحمد عبد الله محمود تصريحات عدّتها أسرة الفنان الراحل، رشدي أباظة، وجمهوره تحمل «إساءة» لـ«دنجوان السينما المصرية».

وحضر أحمد عبد الله محمود جلسة تحقيق بنقابة المهن التمثيلية المصرية؛ بسبب الأزمة التي أثارتها تصريحاته التلفزيونية الأخيرة حول الفنان الراحل رشدي أباظة، والتي عدّها متابعون وأسرته تحمل «إساءة» للفنان الراحل.

وتصدَّر اسم رشدي أباظة قوائم البحث على «غوغل» بمصر، الثلاثاء، مع نشر تصريحات الفنان الشاب بشكل موسَّع حول أسطورة السينما المصرية، الراحل رشدي أباظة. وخلال التحقيقات أكد الفنان الشاب تقديره للفنان الكبير الراحل، ووصفه بأنه «أحد أعمدة الفن العربي»، وشدَّد على أنَّ ما بدر منه لم يكن بقصد الإساءة لتاريخ «الدنجوان»، وفق وسائل إعلام محلية.

وأبدى محمود اعتذاره لأسرة الفنان الراحل، وأكد احترامه الكامل لهم، كما قدَّم اعتذاره للأسرة الفنية، ونقابة المهن التمثيلية.

وسبقت هذه الواقعة وقائع عدة تعرَّض فيها ممثلون شباب لفنانين راحلين، ما عدَّه متابعون إساءةً للفنانين الراحلين، ومن ذلك توجيه الاتهام للفنانَين عمر متولي وزميله الفنان أحمد فتحي بإهانة الفنان الراحل شكري سرحان، ووقتها تقدَّم نقيب الممثلين الدكتور أشرف زكي باعتذار لأسرة الفنان الراحل.

وقبل أسابيع واجه الفنان أحمد ماهر أزمةً مشابهةً خلال حديثه عفوياً عن المخرج الراحل جلال توفيق، والد الفنانَين ياسر ورامز جلال، ما عدّه الفنانان إساءة لوالدهما، وأصدرا بياناً يرفضان فيه هذه التصريحات، وقدَّم لهما ماهر اعتذاراً بعد تدخل نقابة المهن التمثيلية في الأمر، واعتذار الفنان أشرف زكي أيضاً للفنانَين.

رشدي أباظة (موقع السينما دوت كوم)

ويرى الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، أن أي فنان من حقه أن يقول رأيه في فنان آخر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن إبداء الرأي بمحبة أو كراهية فنان معين يدخل في إطار حرية الرأي، «لكن المشكلة أننا أصبحت لدينا عصبية غير طبيعية في التعامل مع الأسماء الراحلة»، مشيراً إلى الضجة التي أُثيرت حول عمر مصطفى متولي حين قال عن شكري سرحان إنه أخذ أكثر من حقه، ووصفها بأنه «رأي شخصي، لكنه خرج من جلسة أصحاب على (البودكاست) إلى العلن فأصبح قضية».

وكان الفنان أحمد عبد الله محمود قد أشار للفنان رشدي أباظة بأنه لو كان حياً لحصل على نصف أجره بالأعمال الفنية «سيدات»، الأمر الذي تسبَّب في حالة غضب ورفض لهذه التصريحات من قبل أسرة الفنان وجمهوره، إلى أن تدخلت نقابة المهن التمثيلية للتحقيق في هذا الأمر.

وإن كان سعد الدين يرفض ما يسميه «التجاوز ضد الفنانين الراحلين والتباسط في الحديث عنهم»، فإنه في الوقت نفسه يتساءل عن «السبب في تدخل نقابة المهن التمثيلية في كل موضوع، وإجراء تحقيق، وفي النهاية ينتهي بالتصالح».

وأكد أن الفنانين الشباب الموجودين حالياً «يجب أن يعرفوا أنه لا يصح الكلام عن الجيل الأقدم من الرواد بشكل مسيء في الإعلام، خصوصاً في عالم (السوشيال ميديا)، الذي لم يعد يترك شاردة أو واردة».

ويرى الناقد والمؤرخ الفني المصري، محمد شوقي، أن «الآونة الأخيرة شهدت بالفعل تصريحات مستفزة عن رموزنا الفنية بشكل غير لائق، كما حدث من الفنان محمد ممدوح الذي صرَّح بأنه لا يحب الاستماع لأم كلثوم، والفنان أحمد فتحي من قبل حين قال إن شكري سرحان لا يستحق النجومية التي حصل عليها، وهناك أكثر من شخص تحدَّثوا عن إسماعيل ياسين وأنه لا يمثل ظاهرةً في الكوميديا، وهناك تصريحات نالت من فاتن حمامة تنكر عليها لقب (سيدة الشاشة العربية)».

ويفرِّق شوقي بين حرية الرأي في الفنانين وبين الإساءة لهم قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «التصريحات الأخيرة التي أطلقها الفنان أحمد عبد الله محمود، ابن الممثل الكبير الراحل عبد الله محمود، لا تليق أبداً، خصوصاً مع اللفظ الذي أطلقه وأزعج أسرته وجمهوره والنساء أيضاً».

وأشار المؤرخ الفني إلى أنَّ «رشدي أباظة كان يمثل نموذجاً لابن البلد الخلوق الذي يعرف الأصول ويعتني بكل مَن حوله، ولم يكن يحصل على أجره حتى يطمئن أن عمال موقع التصوير حصلوا على أجورهم، وله كثير من المواقف التي تشير إلى شخصيته الاستثنائية، حتى إنه في مرضه الأخير جاءه عرض سخي من الرئيس السادات لعلاجه على نفقة الدولة فقال (أنا أتعالج على نفقة الجماهير) في إشارة إلى أمواله التي هي من عائد التذاكر عن أعماله السينمائية». وعدَّ شوقي أنَّ «التطاول على الرموز الفنية مرفوض تماماً».

ويعد الفنان رشدي أباظة (1926 - 1980) من أبرز نجوم السينما المصرية وعُرف بألقاب مثل «الدنجوان»، و«فتى الشاشة»، وقدم كثيراً من الأفلام السينمائية الناجحة مثل «تمر حنة»، و«الرجل الثاني»، و«الزوجة رقم 13»، و«وا إسلاماه»، و«صغيرة على الحب»، و«كلمة شرف».


«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
TT

«دموع الفرح»...ما هي؟ وما فوائدها النفسية؟

البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)
البكاء يحفّز الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج (بيكسلز)

أحياناً، يغمرنا شعور بالفرح أو الحزن لدرجة تجعلنا نبكي. عادةً ما نربط الدموع بالحزن أو الألم؛ لذا قد يبدو غريباً أن يبكي الإنسان وهو سعيد. ومع ذلك، للبكاء آثار إيجابية على صحتنا النفسية، ويمكن أن يساعدنا على التحكم بمشاعرنا وتنظيمها، وفقاً لموقع «ويب ميد».

ما دموع «الفرح»؟

لا يُعرف بالضبط سبب ذرفنا دموع السعادة أو الفرح، أو كيف تختلف عن دموع الحزن أو الغضب. لكن بشكل عام، عندما نبكي نتيجة شعور إيجابي أو تجربة ممتعة، يُطلق على هذه الدموع «دموع الفرح».

الدموع ليست مجرد علامة على الحزن، بل يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع رئيسية حسب سبب ظهورها:

الدموع القاعدية: تبقى هذه الدموع في العين طوال اليوم، وتعمل كمرطب ومطهر. تحتوي على الماء والملح، إضافة إلى مخاط وزيت يحميان الدموع من التبخر.

الدموع النفسية أو العاطفية: تُذرف استجابةً لأحداث عاطفية، وتحتوي على هرمونات التوتر، وتساعد الجسم على التعامل مع المشاعر المكبوتة.

الدموع المُهيّجة: تنهمر عند دخول جسم غريب للعين أو التعرض لمهيجات، مثل الدموع الناتجة عن تقطيع البصل.

فوائد البكاء

يحفّز البكاء الجسم على إفراز هرمونات تساعد في تحسين المزاج، مثل الأوكسيتوسين والإندورفين. وعادةً ما يؤدي البكاء إلى شعور بالراحة النفسية وتحسن المزاج لاحقاً. لكن محاولة كبت الدموع أو الشعور بالخجل عند البكاء قد يكون له أثر معاكس، ويؤدي إلى تدهور الحالة المزاجية. كما تلعب الثقافة دوراً في تجربة البكاء؛ فالأشخاص في الدول الغنية غالباً ما يشعرون بالراحة والتفاؤل بعد البكاء.

أنواع دموع السعادة

أظهرت دراسة حديثة وجود أربعة أنواع رئيسية من الدموع الإيجابية:

دموع التسلية: تظهر عند الضحك الشديد، أو عندما تستمتع بشيء مسلٍّ إلى درجة لا تستطيع معها كبح دموعك.

دموع المودة: تنهمر عند شعور مفاجئ بالدفء والامتنان، مثل حضور حفل زفاف أو التفاعل العاطفي مع شخص عزيز.

دموع الجمال: تحدث عند الانبهار بمشهد طبيعي ساحر أو موسيقى مؤثرة، فتغمرنا الدهشة والجمال.

دموع الإنجاز: تظهر عند تحقيق هدف مهم أو التغلب على تحدٍّ، لتعكس شعوراً بالفخر والانتصار.

كيف تؤثر دموع الفرح على الصحة؟

تلعب دموع الفرح دوراً مهماً في الحفاظ على التوازن العاطفي. فالأشخاص الذين يبكون فرحاً عند شعورهم بالإرهاق العاطفي قد يتعافون بسرعة أكبر من المشاعر التي دفعتهم للبكاء. كما يمكن أن يشعر الإنسان بعاطفتين متضادتين في آن واحد استجابةً لموقف واحد، وهو ما يُعرف بالتعبير المزدوج. ويساعد هذا النوع من التعبير العاطفي على تنظيم المشاعر ومنعها من السيطرة على سلوك الفرد.


ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
TT

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)
من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً، فهناك حالة من التعطش الدائم للبقاء في ذلك العالم الذي خلقته المؤلفة، وتصويرها للحياة في عصر «الريجنسي» (أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر «1787– 1817» والمعروف بعصر الوصاية على العرش «Regency era») وبطلاتها اللواتي تحولن لأيقونات تغالب الزمن، من إليزابيث بينيت في «كبرياء وتحامل» إلى إيما وودهاوس في «إيما» وألينور وماري آن داشوود في «العقل والعاطفة»، وفاني برايس في «مانسفيلد بارك»، وصولاً لآخر وأنضج بطلاتها آن إليوت في «إقناع».

وقع القراء في حب بطلات أوستن، وافتتنت السينما والتلفزيون بهن، فتوالت الأفلام والمسلسلات والكتب المستوحاة من الروايات، ولا يكاد يمر وقت طويل حتى يعلَن عن معالجة درامية جديدة للروايات الشهيرة (لم تنجح أغلب المحاولات، ولكن ذلك لم يوقف الكتاب وصناع الأفلام والمسلسلات عن الدخول لمعترك إعادة روايات تلك الكاتبة للحياة مرات ومرات).

الأخوات بينيت في «الكبرياء والتحامل» عام 2005 (آي إم دي بي)

ميس أوستن

لم تتوقف المعالجات عند الدراما والسينما؛ بل تجاوزت ذلك لتتوالى الروايات الحديثة التي استلهمت موضوعاتها من الروايات «الأوستنية»، ولتتحول بعد ذلك بدورها لمعالجات درامية، لتظل الساحة مشبَّعة بشخصيات جين أوستن؛ سواء تلك التي كتبتها فعلاً، أو بالشخصيات المتخيَّلة التي نُسجت من القماشة ذاتها، وإن كانت النتائج ليست دائمة مقنعة ولا ذات مستوى يرقى لعبقرية جين أوستن.

ملصق مسلسل «ميس أوستن»

ودأب التلفزيون البريطاني على إنتاج الروايات درامياً بشكل مستمر. ومن بعد الروايات الأصلية لأوستن، انطلقت المعالجات الدرامية لوريثاتها. الأحدث في هذه السلسلة التي لا تنتهي كان مسلسل «ميس أوستن» من إنتاج «بي بي سي» الذي عرض قبل أشهر، وهو مأخوذ من رواية بالاسم نفسه للمؤلفة جيل هورنبي، صدرت عام 2020. الكتاب عن كاساندرا أخت جين أوستن، والتي كانت كاتمة أسرارها والعين الساهرة على سمعة أختها الراحلة، لدرجة أنها أحرقت جزءاً كبيراً من الرسائل الشخصية التي كتبتها جين أوستن في حياتها.

الشقيقة الأخرى

وفي انتظار الإنتاج الجديد من «نتفليكس» لرواية «الكبرياء والتحامل» المتوقع صدوره هذا العام، عرضت «بي بي سي» مسلسل بعنوان «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» وهو معتمد على رواية للكاتبة جانيس هادلو صدرت في عام 2020.

بدايةً، لا يمكن إغفال تأثير أسلوب جين أوستن على المؤلفة هادلو، فهي نسجت عالماً جديداً مستمد من عائلة بينيت في الرواية الأصلية. تبدأ أحداث «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» من النقطة نفسها التي انطلقت منها «الكبرياء والتحامل»؛ حيث يدور نقاش عائلي حول وصول رجل أعزب ثري للبلدة، والخطط التي تبدأ الأم في حياكتها لضمانه زوجاً لواحدة من بناتها الست. تتشابه أحداث كثيرة بين الرواية الأصلية ورواية هادلو؛ لكن المختلف في الرواية الجديدة هو أن المؤلفة أخذت شخصية ماري الشقيقة الوسطى لتنسج حولها قصة مختلفة.

في «الكبرياء والتحامل» شخصية ماري هزلية، تعاملها أوستن على أنها شخصية تحب القراءة ومطلعة بشكل كبير، ولكنها تفتقر للجاذبية والجمال اللذين كان المجتمع في ذلك الزمن يتطلبهما من أي فتاة لتصبح جديرة بإعجاب الخُطَّاب. طوال الرواية لا تثير شخصية ماري في القارئ سوى الشفقة أو النفور من تعليقاتها الجافة، وعرضها للمعلومات التي تقرأها كطريقة للتعليق المتعالي على تصرفات شقيقاتها.

رواية «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» لجانيس هادلو

ولكن جانيس هادلو قررت المغامرة بإخراج شخصية ماري من تلك الدائرة التي قبعت فيها. نجد أنفسنا أمام ماري التي تعيش مع التعليقات السلبية لوالدتها وشقيقاتها الأصغر سناً، تسمع بنفسها تعليق لوالدتها بأنها لن تستطيع الزواج بسبب افتقادها للجمال. وتقرر بينها وبين نفسها أن الكتب والقراءة وعزف البيانو هي كل ما يمكنها التميز فيه. ورغم أنها لا تستطيع -أو لا تريد- تحدي والدتها المسيطرة، فإنها تصر على ارتداء نظارة لتحسين نظرها، وهو أمر يعرضها للهجوم من والدتها، ولكن أيضاً للتشجيع من والدها.

في رواية هادلو تتزوج الشقيقات كلهن ما عدا ماري التي تعيش مع والديها، وبعد وفاة والدها تنتقل مع والدتها للعيش مع شقيقاتها؛ جين ثم إليزابيث، وفي الحالتين تجد نفسها محصورة في دور المرافقة لوالدتها المتذمرة دائماً. تحاول الهروب من وضعها لتنتقل للعيش مع عائلة خالها في لندن، وهنا ترى عالماً جديداً، وعائلة ترى فيها الميزات التي عجزت عائلتها القريبة عن رؤيتها وتقديرها. في لندن تتفتح شخصية ماري للحياة كما تتفتح الزهرة، ترى عالماً جديداً يقدِّر فيه الناس ثقافتها وميلها للقراءة، وتتعرف على شخصين يتنافسان على اهتمامها، ورغم يقينها بأن طريقها في الحياة لن يتوَّج بالزواج، فإنها تجد من يجد فيها الزوجة التي يريد.

من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

الرواية تغامر بالدخول لعالم جين أوستن المعروف، والتقاط الشخصية الأقل تأثيراً على الأحداث، لتصنع منها بطلة، تتعمق في مشاعرها وأحاسيسها، وترينا تطور الشخصية من فتاة منزوية محبطة إلى فتاة ناضجة تتحدث بثقة عن قراءاتها وآرائها، وتدافع عن نفسها عند تطاول البعض عليها.

الرواية والمسلسل ينجحان في إضافة اسم جانيس هادلو في طابور طويل من المتأثرين والمتأثرات بأدب جين أوستن، ولكنها تدخل الطابور برواية لها أسلوب مميز، به مزيج من الفكاهة والجدية والتشويق.

ربما لن ينجح أي كاتب ولا كاتبة في إعادة أسلوب جين أوستن أو رواياتها، ولكن تبقى هناك تلك المساحة الصغيرة التي يمكن للكاتب الماهر تحويلها لملعبه الخاص، وخلق شخصيات لها طابعها الخاص، حتى لو كانت مستوحاة من روايات شهيرة.