كبير مفوضي المناخ: السعودية ستبقى «مملكة الطاقة» التقليدية والمتجددة

خالد أبو الليف أكد لـ «الشرق الأوسط» أن «رؤية 2030» نموذج لحل الضرر المزدوج لأزمات البيئة

خالد أبو الليف كبير المفاوضين السعوديين لاتفاقيات المناخ
خالد أبو الليف كبير المفاوضين السعوديين لاتفاقيات المناخ
TT

كبير مفوضي المناخ: السعودية ستبقى «مملكة الطاقة» التقليدية والمتجددة

خالد أبو الليف كبير المفاوضين السعوديين لاتفاقيات المناخ
خالد أبو الليف كبير المفاوضين السعوديين لاتفاقيات المناخ

تزامن انعقاد قمة المناخ «كوب27» في مدينة شرم الشيخ المصرية، مع إطلاق السعودية مجموعة فائقة من المبادرات والحلول الإبداعية للأزمة المناخية العالمية، عبر تخصيص منصة كبرى للمملكة في المؤتمر الدولي، كان من بين أبرز أحداثها نسخة ثانية لمبادرتي «السعودية الخضراء» و«الشرق الأوسط الأخضر»، اللتين انطلقتا برعاية واسعة النطاق من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وعلى مدار أيام المؤتمر، تعددت إعلانات المملكة فيما يخص المناخ، والحلول غير التقليدية للتعامل مع الأزمة العالمية، سواء باستزراع مليارات الأشجار في الصحاري، أو إطلاق مؤشرات بيئية متخصصة في المجال الطاقي، أو مستحدثات تقنية جديدة لتقليص الانبعاثات، وكذلك اتفاقيات متعددة مقدَّرة بمليارات الدولارات لإنتاج الطاقات المتجددة. «الشرق الأوسط» التقت خالد أبو الليف، كبير المفاوضين السعوديين لاتفاقيات المناخ، ليحدثنا بتوسع عن الجهود الجبارة التي كانت خلف الكواليس... وإلى نص الحوار:
> السعودية -المعروفة تقليدياً بأنها عملاق نفطي- حالياً تقود ثورة طاقية، سواء من خلال تقنيات الهيدروجين الأخضر أو الاقتصاد الدائري الكربوني أو الطاقات المتجددة... حدِّثنا عن ذلك.
- منح الله المملكة جميع الموارد الطبيعية في مجال الطاقة، عندنا طاقة الشمس، فالشمس لدينا تبث أكبر قوة طاقة في هذا الخط الجغرافي. عندنا الرياح، خصوصاً في المنطقة شمالي غرب المملكة التي توجد بها قدرات كبيرة جداً لتوليد الكهرباء. لدينا المعادن النادرة، ولها مستقبل رائع... وذلك بالطبع بالإضافة إلى الكنوز الهيدروكربونية تحت الأرض. ولذلك كنا دائماً نسمي السعودية «مملكة الطاقة».
كل ما نحتاج إليه إذاً هو إيجاد التقنيات وتوطينها، والتأكد أن تصبح جزءاً لا يتجزأ من الاقتصاد الوطني، ليس فقط من أجل توفير احتياجاتنا من الطاقة، بل أيضاً من أجل تصديرها، من خلال الربط الكهربائي مع دول الخليج والعراق ومصر.
بالإضافة إلى ذلك هناك الهيدروجين، الذي يمكن أن نولّده بنوعيه الأخضر والأزرق، والأول يعتمد كثيراً على المياه، ومن المعروف أن المملكة من كبرى دول العالم في تقنيات تحلية المياه وبإمكانات هائلة في هذه الصناعة. ومن الغاز يمكن إنتاج الهيدروجين الأزرق مع تقنيات التقاط الكربون وتخزينه... وكلها فرص يمكن أن نستفيد منها بشكل كبير.
وحتى بالنسبة للنفط والغاز، فالمملكة لديها إمكانات للتحكم في الغازات التي تنتج عن حرقها، بحيث يتم التقاطها ثم تحويلها إلى جزء من النظام الاقتصادي، سواء عبر إعادة تدويره أو استخدامه، أو التخزين تحت الأرض في مكامن خاصة لدينا إمكانات كبيرة منها، وهو ما يطلق عليه الاقتصاد الدائري الكربوني.
> هل تعطي كل المبادرات الحالية فرصة لأن تقود السعودية نهضة الطاقة المتجددة عالمياً جنباً إلى جنب مع الطاقة التقليدية؟
- لا شك عندي أبداً في قدرة المملكة على ذلك، لماذا؟ لأن المملكة يمكنها إنتاج كميات كبيرة من الطاقات المتجددة والهيدروكربونية، وفي ذات الوقت الحفاظ على التزاماتها البيئية وأهداف حفض الانبعاثات. كل هذه الأمور أُخذت بالفعل في الاعتبار من خلال النهج الذي تبنّته المملكة منذ اجتماع مجموعة العشرين في الرياض وإعلان مبادئ الاقتصاد الدائري الكربوني بمحاوره الرئيسية، وأولها الطاقة المتجددة وتطويرها الدائم.
لكن في ذات الوقت الكل يعرف أن الطاقة المتجددة وحدها لا يمكن أن تحقق أهداف اتفاقية باريس، والتي تنشد في نهاية المطاف توازناً ما بين الانبعاثات وإزالتها، بحث لا يكون هناك أي تراكم في الجو لغازات الاحتباس الحراري.
وكل الدراسات تقول إنه منذ الآن حتى 2050 سيكون الوقود الأحفوري موجوداً ومطلوباً وجزءاً من مزيج الطاقة العالمي. ولذلك فنحن نسير جنباً إلى جنب لريادة هذه المصادر المختلفة للطاقة، مع التأكد من ملاءمتها البيئية عبر التقنيات الحديثة.
> المملكة شأنها شأن كثير من الدول الشرق أوسطية تعاني من تبعات التغير المناخي أكثر من الأقاليم العالمية الأخرى، ما الأضرار التي ترى أنها حدثت خلال العقد الماضي؟
- حقيقةً، على قدر ما لدينا الكثير من الموارد في الطاقة التي منحنا الله، إلا أن المملكة تعد واحدة من كبرى الدول التي تأثرت من التغير المناخي، بل أيضاً من السياسات التي ستقوم على التغير المناخي، وما تتطلبه الأخيرة من أعباء اقتصادية للعلاج، ولذلك نحن في عناء مزدوج... لكننا تعاملنا مع الضررين؛ فبالنسبة لتأثيرات التغير المناخي، بدأنا النظر لهذه التأثيرات على قطاعات المياه والغطاء النباتي والتصحر، وهي من الملفات المهمة جداً في السعودية ومخصص لها مشاريع وبرامج كثيرة... ولعل المبادرات الخضراء التي أطلقها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان تعد من الحلول الكبرى لهذه التأثيرات والأضرار.
أما بالنسبة للضرر الاقتصادي، فـ«رؤية المملكة 2030» تعالج هذه الجزئية، كونها تركز على التنوع الاقتصادي، وتقليل الاعتماد على النفط وتطوير القطاع بيئياً في ذات الوقت. ومن شأن هذه السياسات أن ترفع قدرة المملكة على التعامل مع الضغوط الاقتصادية الناجمة عن التعامل مع آثار علاج مشكلات المناخ.

> «السعودية الخضراء» و«الشرق الأوسط الأخضر» مبادرتان ملهمتان لتخضير أحد أكثر مناطق العالم تصحراً... ورعاية ولي العهد تعطي عمقاً ومصداقة أكبر لهما، كيف وصلنا إلى تلك المحطة؟
- التحدي الأكبر كان ما يشاع في العالم من أن التخلص من الوقود الأحفوري والمواد الهيدروكربونية هو الحل، لكن كلنا نعرف أن ذلك لا يمكن أن يكون حلاً واقعياً. وما رأيناه من أزمة طاقة في أوروبا أخيراً ما هو إلا إثبات أن هذا النهج خاطئ.
بعد أن وقَّعت المملكة اتفاق باريس، بدأنا نبحث كيف يمكن أن نتعامل مع الأمر بجدية، وكانت التوجه هو أن نجد شيئاً متوازناً، يشجّع على المضيّ قدماً في مجالات الطاقة المتجددة من جانب، لكن يحافظ على أمن الطاقة العالمي من الجانب الآخر مع ضرورة معالجتها بما يتناسب مع أهداف المناخ.
في الجانب الأول كان الأمر سهلاً... استثمرنا فيه ووضعنا مستهدفات كبيرة لكنها قابلة للتحقيق، مثل إنتاج 50% من الكهرباء من مصادر متجددة و50% من الغاز.
أما الجانب الأصعب فكان الشق الثاني وهو البحث عن حلول غير تقليدية ولا مسبوقة، منها مبادرات الكربون الدائري التي تراعي البيئة والاقتصاد معاً؛ ثم واصلت الرحلة حتى محطة المبادرات الخضراء التي تستهدف إعادة تشكيل المنطقة بكاملها.
> خلال رحلتك عبر قمم «كوب» ما الذي تراه مختلفاً هذا العام؟
- حقيقةً عبر 30 عاماً مضت من قمم المناخ، كانت القمم فيها كلام كثير يركز على السياسات، لكن لم نرَ أي تطبيق في الواقع، كان المفترض أن تأخذ الدول الصناعية زمام المبادرة منذ عام 1990 كونها المتسببة في ظاهرة الاحتباس الحراري، لكن أضعنا 3 عقود في الحديث دون أن نفعل الكثير... بل إن الاتفاقية الأم كانت تطالب بخفض الانبعاثات 5%، لكن الواقع أنها زادت نظراً لغياب الآليات والتنفيذ.
وبدلاً من مساعدة الدول النامية لتحقيق التنمية المستدامة، حاولت بعض الدول الصناعية أن تضع عليها العبء، لكنّ مفاوضي الدول النامية كانت لديهم المقدرة على الإصرار على تأكيد المبادئ الأصلية وعدم التنازل.
وهنا جاءت مصر وبعثت قيمة أن «كوب 27» قمة للتنفيذ، وكان الشعار «من الطموح إلى العمل»، وأثبت الشرق الأوسط أنه بالفعل قادر على القيادة. وفي المثل القريب المبادرات السعودية التي لم تحدث في أي منطقة من قبل.
> ما استفادة المنطقة من انعقاد قمتين متتاليتين في الشرق الأوسط وكيف سيسهم ذلك في جعل المنطقة جزءاً من الحل؟
- كل يوم تثبت منطقة الشرق الأوسط أنها ريادية وقائدة، فمن المعروف أن المنطقة مسؤولة عن 3% من حجم الانبعاثات العالمي، لكنّ المجهودات التي تقوم بها المنطقة توازي تقريباً 10% من إجمالي المجهودات في العالم... وهذه المقارنة تجعلنا في «ريادة الحل لمشكلات التغير المناخي» بنسبة 100%.


مقالات ذات صلة

نمو القطاع غير النفطي السعودي يتسارع بيونيو... والطلبات الجديدة قمة 4 أشهر

الاقتصاد General view of the Saudi capital Riyadh (AFP)

نمو القطاع غير النفطي السعودي يتسارع بيونيو... والطلبات الجديدة قمة 4 أشهر

أظهر مؤشر بنك الرياض لمديري المشتريات تسارعاً ملحوظاً في وتيرة نمو القطاع الخاص غير المنتج للنفط في السعودية مع نهاية الربع الثاني.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
عالم الاعمال شعار مجموعة «إس تي سي stc»

مجموعة «stc» تبني منظومة متكاملة لدعم ريادة الأعمال والابتكار

بنت مجموعة «إس تي سي stc» منظومة متكاملة لتمكين رواد الأعمال، تربط الشركات الناشئة بفرص النمو والتوسع، وتعزز قدرتها على المنافسة وخلق القيمة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص كورنيش جدة يتألق كأحد أبرز الوجهات الحاضنة للمشروعات السياحية والفندقية الرائدة (واس)

خاص طفرة الضيافة السعودية... 50 علامة عالمية تسابق الزمن وتضخ 120 مليار دولار

تواصل السعودية ترسيخ مكانتها كإحدى أسرع أسواق الضيافة نمواً في المنطقة، مدفوعة بالتوسع في المشروعات السياحية والوجهات الجديدة.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد مبنى هيئة السوق المالية في الرياض (الشرق الأوسط)

«السوق المالية» السعودية تبدأ ترخيص أول سوق للسلع والمعادن لتداول عقود المشتقات

فتحت هيئة السوق المالية السعودية باب استقبال طلبات الترخيص لممارسة أعمال سوق السلع والمعادن في المملكة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص كورنيش جدة غرب السعودية والأحياء المجاورة (واس)

خاص «الشرق الأوسط» تنشر تفاصيل لائحة تملُّك غير السعوديين للعقار

بدأت الملامح الإجرائية للائحة التنفيذية لنظام تملك غير السعوديين للعقار بالظهور، واضعةً الشفافية والأمان المالي في مقدمة أولوياتها.

بندر مسلم (الرياض)

انكماش الطلبات والنشاط التجاري غير النفطي الكويتي بضغط من توترات المنطقة

ناقلة نفط تبحر في مياه الخليج العربي قبالة سواحل مدينة الكويت (أ.ف.ب)
ناقلة نفط تبحر في مياه الخليج العربي قبالة سواحل مدينة الكويت (أ.ف.ب)
TT

انكماش الطلبات والنشاط التجاري غير النفطي الكويتي بضغط من توترات المنطقة

ناقلة نفط تبحر في مياه الخليج العربي قبالة سواحل مدينة الكويت (أ.ف.ب)
ناقلة نفط تبحر في مياه الخليج العربي قبالة سواحل مدينة الكويت (أ.ف.ب)

تأثر الأداء الاقتصادي للقطاع الخاص غير المنتج للنفط في دولة الكويت خلال شهر يونيو (حزيران) الماضي باستمرار النزاعات الإقليمية وضغوط الأسعار، مما دفع بالنشاط التجاري والطلبات الجديدة نحو الانكماش بوتيرة أسرع.

وأظهرت القراءة الأخيرة لمؤشر مديري المشتريات (PMI) الصادر عن مجموعة «ستاندرد آند بورز غلوبال» يوم الأحد، تراجعاً واضحاً في مستويات التشغيل والتوظيف مع إغلاق النصف الأول من العام الحالي.

وسجل المؤشر الرئيسي لجمهورية الكويت انخفاضاً من 47.2 نقطة في شهر مايو (أيار) الماضي إلى 46.4 نقطة في شهر يونيو، ليستقر دون مستوى الـ50 نقطة المحايد للشهر الرابع على التوالي، وهو ما يعكس تدهوراً قوياً في ظروف أعمال القطاع الخاص غير النفطي.

صدمة الصادرات والمشكلات الحدودية مع العراق

وأشارت الشركات المشاركة إلى أن تراجع الطلبات الجديدة يعود بشكل رئيسي إلى انخفاض أعداد العملاء وتردد بعضهم أمام زيادات الأسعار. ولم تقتصر التحديات على السوق المحلية، بل امتدت بقوة إلى الأسواق الخارجية؛ إذ تسبب الصراع الإقليمي والمشكلات المتعلقة بالحدود مع العراق في هبوط حاد لطلبات التصدير الجديدة.

وباستثناء فترة الإغلاق التام المصاحبة لجائحة «كوفيد-19» في شهر أبريل (نيسان) من عام 2020، سجلت الأعمال التجارية الجديدة القادمة من الخارج في شهر يونيو أشد معدل انخفاض لها منذ بدء الدراسة في شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2018.

وفي تحليله للمشهد الاقتصادي الكويتي، أفاد أندرو هاركر، مدير الاقتصاد في «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتلجنس» قائلاً: «على الرغم من ظهور بعض المؤشرات الإيجابية في الأسابيع الأخيرة فيما يتعلق بإمكانية التوصل إلى حل للنزاع في المنطقة، فإن الشركات في الكويت استمرت في الشعور بالآثار السلبية خلال شهر يونيو. إن ارتفاع الأسعار والمنافسة الشديدة على الطلبات الجديدة النادرة - وخاصة من الخارج - يحدان من فرص النمو في الوقت الحاضر ويتركان الشركات في وضع التقليص».

وأضاف هاركر مستشرفاً الآمال المعقودة على المرحلة المقبلة: «مع دخولنا النصف الثاني من العام، تأمل الشركات أن يساهم توقيع مذكرة التفاهم لوقف الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران في خلق بيئة سوق أكثر استقراراً وتحسين ظروف الأعمال العامة».

تسريح العمالة

وعلى الصعيد الداخلي، استجابت الشركات لضعف الإنتاج بتقليص أعداد موظفيها للشهر الرابع على التوالي بمعدل يتوافق مع تراجعات شهر مايو الماضي. كما أدى تراجع أعباء العمل إلى انكماش سريع وحاد في عمليات شراء مستلزمات الإنتاج هو الأسرع منذ أبريل 2020، في حين تراجع المخزون بأسرع وتيرة مسجلة في تاريخ السلسلة.

وفي المقابل، واجهت الشركات تحدي ارتفاع نفقات التشغيل كالكهرباء والتسويق والنقل. ولحماية مستويات الربحية وتغطية تلك التكاليف، رفعت المؤسسات أسعار بيع منتجاتها وخدماتها مجدداً، ليتسارع معدل تضخم أسعار الإنتاج إلى أسرع وتيرة له منذ شهر سبتمبر من عام 2021، مسجلاً أعلى مستوى في خمس سنوات تقريباً.


نمو القطاع غير النفطي السعودي يتسارع بيونيو... والطلبات الجديدة قمة 4 أشهر

General view of the Saudi capital Riyadh (AFP)
General view of the Saudi capital Riyadh (AFP)
TT

نمو القطاع غير النفطي السعودي يتسارع بيونيو... والطلبات الجديدة قمة 4 أشهر

General view of the Saudi capital Riyadh (AFP)
General view of the Saudi capital Riyadh (AFP)

أظهرت القراءة الأخيرة لمؤشر بنك الرياض لمديري المشتريات (PMI) الصادر يوم الأحد، تسارعاً ملحوظاً في وتيرة نمو القطاع الخاص غير المنتج للنفط في السعودية مع نهاية الربع الثاني من العام الحالي.

وجاء هذا التحسن مدفوعاً بطفرة في الطلبات والأعمال الجديدة هي الأقوى منذ أربعة أشهر، مما ساهم في استعادة النشاط التجاري لزخمه القوي، برغم استمرار التحديات المرتبطة بضعف الصادرات والضغوط التضخمية المتزايدة.

وسجل المؤشر الرئيسي المعدل موسمياً ارتفاعاً من 52.8 نقطة في شهر مايو (أيار) الماضي إلى 53.3 نقطة في شهر يونيو (حزيران)، ليستقر فوق مستوى الـ50 نقطة المحايد، مما يشير إلى تحسن قوي في ظروف التشغيل الإجمالية وبيئة الأعمال المحلية.

انتعاش الطلب المحلي

وعزا التقرير الانتعاش الأخير إلى تدفق الأعمال الجديدة وزيادة مستويات الإنفاق محلياً، مدعومة بحصول الشركات على موافقات لمشروعات جديدة، وتجدد نشاط المبيعات المؤجلة سابقاً نتيجة تراجع حدة المخاوف من التوترات الإقليمية، مما ساهم في تعزيز ثقة المستثمرين والمستهلكين على حد سواء داخل المملكة.

وأظهرت البيانات استقراراً متسقاً في نمو الإنتاج؛ حيث أفاد نحو 18 في المائة من الشركات المشمولة في الدراسة بزيادة معدلات نشاطها، في حين سجلت 2 في المائة فقط من الشركات انخفاضاً في مستوى الإنتاج خلال شهر يونيو.

وفي تعليقه على نتائج المؤشر، أكد الدكتور نايف الغيث، كبير الاقتصاديين في بنك الرياض، على متانة الأداء الاقتصادي قائلاً: «إن النمو القوي للإنتاج، بالتوازي مع أسرع زيادة في الطلبات الجديدة منذ أربعة أشهر، يؤكد أن النشاط التجاري استعاد زخمه الإيجابي مع نهاية الربع الثاني. وتبرهن هذه النتائج مجدداً على مرونة الاقتصاد المحلي، وقدرة القطاع غير النفطي على توفير ركيزة صلبة للنمو الاقتصادي الشامل للمملكة».

وأضاف الغيث ملقياً الضوء على استراتيجيات الشركات التشغيلية: «من الناحية التشغيلية، حافظت الشركات على انضباطها الصارم؛ حيث لم تشهد مستويات التوظيف تغيراً جوهرياً، في حين انخفضت الأعمال المتراكمة لأول مرة منذ عام كامل. هذا المؤشر يعكس نجاح الشركات في استيعاب ضغط العمل المتزايد دون إحداث قيود على الطاقة الإنتاجية، مع إعطاء الأولوية القصوى لكفاءة التشغيل والتوسع المدروس».

تراجع الصادرات

على الجانب الآخر، أوضح التقرير أن الانتعاش في السوق المحلية جاء مناقضاً لأداء الصادرات؛ إذ انخفضت الطلبات الجديدة من العملاء الأجانب للشهر الرابع على التوالي، متأثرة بالصعوبات اللوجستية الإقليمية واشتداد المنافسة في الأسواق الخارجية.

كما ظلت الضغوط السعرية تمثل العقبة الأبرز أمام الشركات؛ حيث اختتمت أسعار مستلزمات الإنتاج أقوى ربع سنوي لتضخم التكاليف منذ 15 عاماً نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والشحن وتكاليف الأجور. ودفع هذا الضغط المستمر نحو 22 في المائة من الشركات إلى رفع أسعار بيع منتجاتها وخدماتها، مسجلة ثاني أسرع وتيرة زيادة لأسعار البيع في نحو ست سنوات.

وعلق الدكتور نايف الغيث على معالجة الشركات لهذه التحديات قائلاً: «على الرغم من استمرار ارتفاع ضغوط التكاليف، يبدو أن الشركات قادرة على إدارتها بذكاء ودون التأثير جوهرياً على مستوى التفاؤل العام أو حجم النشاط. وهذا بدوره يعكس المرونة الكامنة في الشركات وقدرتها العالية على تحقيق التوازن الدقيق بين الحفاظ على الربحية والتوسع المستدام في السوق».


اقتصاد مصر يتخطى الصعاب... و«وثيقة ملكية الدولة» قد تدفع لنمو 7 %

استطاعت مصر أن تستفيد من تداعيات حرب إيران بشكل إيجابي نوعاً ما (إكس)
استطاعت مصر أن تستفيد من تداعيات حرب إيران بشكل إيجابي نوعاً ما (إكس)
TT

اقتصاد مصر يتخطى الصعاب... و«وثيقة ملكية الدولة» قد تدفع لنمو 7 %

استطاعت مصر أن تستفيد من تداعيات حرب إيران بشكل إيجابي نوعاً ما (إكس)
استطاعت مصر أن تستفيد من تداعيات حرب إيران بشكل إيجابي نوعاً ما (إكس)

تخطَّى اقتصاد مصر، تداعيات حرب إيران، في سابقة شكَّلت مفاجأةً للمؤسسات الدولية، بعد أن أظهر أداءً متماسكاً لحد بعيد، وسجَّل نمواً بنسبة 5 في المائة في الرُّبع الثالث من العام المالي - من يناير (كانون الثاني) إلى مارس (آذار) -، ليصل النمو خلال أول 3 أرباع من العام المالي - من يوليو (تموز) 2025 إلى مارس 2026 - إلى 5.2 في المائة.

تبدأ السنة المالية في مصر في الأول من يوليو من كل عام.

فمع بداية حرب إيران، في 28 من فبراير (شباط) الماضي، والذي توقَّع البعض استمرارها على الأقل لنهاية العام الحالي، ازدادت الضغوط على الاقتصاد المصري، خصوصاً بعد أن تمَّ إغلاق مضيق «هرمز»، الذي كان يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية، وارتفاع أسعار الطاقة لمستويات قياسية.

فقرَّرت الحكومة المصرية، رفع أسعار المحروقات بنسبة كبيرة استثنائية، وكذلك الكهرباء المنزلية، مما رفع من الضغوط التضخمية على موازنات الأسر، وأيضاً الاقتصاد الكلي. وارتفعت المخاوف من نقص حاد في السلع قد تواجهها السوق المصرية نتيجة ارتفاع تكلفة شحن السفن والتأمين عليها، وبالفعل رفعت بعض الشركات أسعارها على الفور مع استمرار الضبابية السياسية حول أمد الحرب.

تزامن مع كل ذلك هبوط كبير بأكثر من 10 في المائة تقريباً للعملة المصرية أمام الدولار، وذلك بعد أن خرج نحو 18 مليار دولار استثمارات أجنبية من أدوات الدين المصرية.

ويرى صندوق النقد الدولي، أنَّ الإجراءات السريعة والحاسمة التي اتخذتها السلطات المصرية، ومن بينها تعديلات أسعار الوقود والكهرباء، وترشيد استهلاك الطاقة في الجهات الحكومية، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق لتخفيف الضغوط الخارجية والمالية، إلى جانب زيادة الإنفاق الاجتماعي لحماية الفئات الأكثر ضعفاً، جعلت تأثير الحرب في الشرق الأوسط على الاقتصاد المصري «محدوداً نسبياً».

استفادة من الأزمة

رغم كل ذلك، فإنَّ الحكومة المصرية تتبنى خططاً اقتصادية طموحة للوصول بمعدل النمو الاقتصادي إلى أكثر من 7 في المائة خلال العام المالي 2029 - 2030، حيث تستهدف الحكومة التركيز على قيادة القطاع الخاص لعجلة النمو، والذي يتوقع أن يُشكِّل مساهمة تتجاوز 65 في المائة من إجمالي الاستثمارات، وذلك من خلال «وثيقة ملكية الدولة»، عبر التخارج من بعض القطاعات وتركها للقطاع الخاص.

وقد يرى البعض أنَّ الحكومة المصرية متفائلة جداً في هذه التقديرات، غير أنَّ بنك «إتش إس بي سي» توقَّع بالفعل منتصف يونيو (حزيران) الماضي، نمواً بنحو 7 في المائة خلال عام 2029 - 2030، وعدَّل البنك معدل النمو للعام 2028 - 2029 بنحو 6 في المائة، مقابل 5.5 في المائة توقعات نمو للعام المالي 2027 - 2028. بينما توقع أن تصل معدلات النمو للعام المالي الحالي عند 4.7 في المائة، و5.4 في المائة في العام المالي المقبل.

واستطاعت مصر أن تستفيد من تداعيات حرب إيران، بشكل إيجابي نوعاً ما، ففي قطاع الطاقة، ظهر خط أنابيب «سوميد»، الذي يربط البحر الأحمر والبحر المتوسط، ويعد ممراً استراتيجياً حيوياً لنقل النفط السعودي ودول الخليج إلى الأسواق العالمية. كما قامت مصر بتأجير صهاريج عملاقة للنفط لبعض دول الخليج، في الموانئ المصرية.

وأعلنت مصر مؤخراً، تسديد كامل المديونيات المتأخرة المستحقة للشركات الأجنبية بقطاع الغاز والنفط في البلاد، مما يجذب من جديد استثمارات جديدة قد ترفع معها معدلات الإنتاج في القطاع، لمستويات «الاكتفاء الذاتي» من الغاز والزيت الخام.

وعادت قناة السويس، التي كانت قد تأثرت عائداتها بشدة جراء الأوضاع الإقليمية المضطربة، إلى المشهد من جديد، لتمر بعض السفن من خلالها بعد إغلاق مضيق «هرمز».

كما حافظت السياحة المصرية، على معدلها الطبيعي، في ظلِّ هذه الأوضاع، رغم أنَّ القطاع شهد إلغاءات للحجوزات بشكل كبير في بداية حرب إيران.

المالية العامة

يرى تقرير صادر عن مؤسسة «BMI» التابعة لـ«فيتش سولوشنز»، السبت، أنَّ المالية العامة في مصر، تتجه إلى تحقيق تحسُّن أسرع من المتوقع خلال السنة المالية 2026 - 2027، مع تقلص عجز الميزانية إلى أدنى مستوى منذ سنوات، مدعوماً بانخفاض تكلفة الدين، وتراجع أسعار النفط، وتعافي الجنيه المصري.

ورفعت المؤسسة نظرتها الإيجابية لأداء المالية العامة، متوقعة تراجع العجز الكلي للميزانية إلى 6.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2026 - 2027، مُقارنةً بتقدير يبلغ 7 في المائة في السنة المالية 2025 - 2026، بعدما كانت تتوقَّع سابقاً تسجيل عجز عند 7.6 و7.9 في المائة على التوالي.

كان صندوق النقد الدولي، قد وصف أداء مصر المالي بأنَّه قوي، مشيراً إلى تجاوز مستهدفَي الفائض الأولي والإيرادات الضريبية بنهاية مارس 2026، بفضل تعبئة الإيرادات المحلية وبقاء الإنفاق ضمن سقف الموازنة.

ويتوقَّع الصندوق ارتفاع الفائض الأولي من 4.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2025 - 2026 إلى 5 في المائة في السنة المالية 2026 - 2027، مع زيادة نسبة الضرائب إلى الناتج بنحو 1.2 نقطة مئوية هذا العام.

وتتوقَّع مؤسسة «BMI» أنْ يؤدي خفض أسعار الفائدة بنحو 400 نقطة أساس خلال عام 2027 إلى تقليص تكلفة خدمة الدين بشكل أكبر، خصوصاً أنَّ معظم الدين العام في مصر مُقوَّم بالجنيه المصري وقصير الأجل، إذ يُمثِّل الدين المحلي نحو 75 في المائة من إجمالي الدين العام، بينما يستحق نحو 40 في المائة منه خلال عام واحد، ما يجعل تكلفة الاقتراض تستجيب سريعاً لتراجع أسعار الفائدة.

الدين العام من الناتج المحلي

وعلى صعيد الدين العام، تتوقَّع المؤسسة انخفاضه إلى 72.2 في المائة من الناتج المحلي في 2026 - 2027، مقارنةً بنحو 78.3 في المائة في العام المالي السابق، مواصلاً مساره النزولي منذ بلوغه ذروة بلغت 95.4 في المائة في نهاية السنة المالية 2022 - 2023. ويُعزى ذلك إلى تحسُّن النمو الاقتصادي وتراجع العجز، إلى جانب جهود الحكومة لإطالة آجال استحقاق الدين والحد من مخاطر إعادة التمويل.

ورغم النظرة الإيجابية، فإنَّ التقرير يُحذِّر من أنَّ المخاطر لا تزال تميل نحو اتساع العجز المالي إذا ارتفعت أسعار النفط أو بقيت أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، أو تعرض الجنيه المصري لضغوط جديدة، وهو ما قد يزيد من أعباء الدعم وخدمة الدين.

في المقابل، فإنَّ تسريع برنامج الطروحات الحكومية أو بيع الأصول الاستراتيجية قد يوفِّر إيرادات إضافية تعزِّز وضع المالية العامة وتتجاوز التوقعات الحالية.

وأضاف التقرير أن «تخفيف الضغوط المتعلقة بالحرب من شأنه أن يدعم طلب المستثمرين على الأصول المصرية، في حين أنَّ ارتفاع سعر الصرف من شأنه أن يحسِّن الظروف لتنفيذ عمليات التخارج بشروط أكثر ملاءمة».

تجدر الإشارة إلى أنَّ فريق «صندوق النقد الدولي» والسلطات المصرية توصلا إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة السابعة في إطار برنامج «التسهيل الممدد»، والمراجعة الثانية ضمن «تسهيل الصمود والاستدامة»، بما يمهِّد لصرف نحو 1.6 مليار دولار بعد موافقة المجلس التنفيذي للصندوق.

وقال الصندوق، في بيان، إنَّ إتمام المراجعتين سيتيح لمصر الحصول على نحو 1.5 مليار دولار، ضمن برنامج «التسهيل الممدد»، إضافة إلى نحو 136 مليون دولار، ضمن «تسهيل الصمود والاستدامة». وبذلك يرتفع إجمالي التمويلات المصروفة لمصر بموجب الترتيبين إلى نحو 7.2 مليار دولار.

يأتي الاتفاق الجديد بعد توصُّل الصندوق والسلطات المصرية في ديسمبر (كانون الأول) إلى اتفاق بشأن المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج «التسهيل الممدد»، والمراجعة الأولى ضمن «تسهيل الصمود والاستدامة»، ما مهَّد حينها للحصول على تمويلات بقيمة 2.7 مليار دولار.

كانت مصر اتفقت في مارس 2024 على رفع قيمة برنامج التمويل القائم مع الصندوق من 3 مليارات دولار إلى 8 مليارات دولار، ضمن حزمة دعم أوسع شملت تمويلاً واستثمارات من شركاء دوليِّين، وذلك مع تفاقم الأزمة الاقتصادية بفعل تداعيات الحرب الإسرائيلية على غزة.

وتحظى المراجعات الدورية التي يجريها الصندوق بمتابعة وثيقة من المستثمرين الأجانب. وتُعدُّ المراجعة السابعة قبل الأخيرة ضمن برنامج مصر مع الصندوق، وعادة ما يتبع الاتفاق على مستوى الخبراء اجتماع للمجلس التنفيذي بعد أسابيع قليلة، للإفراج عن شريحة القرض.

الصناعة المصرية... ودور الدولة

أمام هذه المعطيات، يتبقى للاقتصاد المصري، كثير من الإجراءات الإصلاحية والهيكلية، حتى يترسَّخ دور القطاعات الصناعية والإنتاجية في الاقتصاد الكلي، مما قد يسهم في توفير الاحتياجات الأولية للسلع الضرورية، وبالتالي تقليل الضغط على فاتورة الاستيراد والنقد الأجنبي.

وفي هذا الصدد، ظهر وزير الصناعة المصري خالد هاشم، من خلال بعض التصريحات غير الاعتيادية، ليضع يده على النقاط المسكوت عنها في القطاع، والتي أبرزها أن الميزان التجاري لنحو 12 مجلساً تصديرياً من 13 مجلساً «سلبي».

ووعد الوزير بتعديل هذا الوضع، قبل إطلاق التصريحات الرنانة حول الوصول بالصادرات المصرية إلى 100 مليار دولار سنوياً، من نحو 48 ملياراً سجَّلتها في عام 2025.

وجدَّد صندوق النقد، التأكيد على أنَّ التَّقدُّم الحاسم في الإصلاحات الهيكلية لا يزال ضرورياً لدعم النمو بقيادة القطاع الخاص وتعزيز قدرة الاقتصاد على الصمود. ويشمل ذلك تسريع إصلاحات بيئة الأعمال، وضمان تكافؤ الفرص، وتعزيز الحوكمة والشفافية.

وشدَّد على أنَّ التنفيذ السريع والحاسم لوثيقة سياسة ملكية الدولة، وتسريع برنامج التخارج في القطاعات التي التزمت الدولة بتقليص وجودها فيها، سيكونان عاملَين أساسيَّين لتكافؤ الفرص، ودعم خلق الوظائف، وتوسيع الفرص أمام المصريين.

وكانت «بلومبرغ» أشارت في يونيو الماضي، إلى أنَّ مبيعات مصر الأخيرة لأصول مملوكة للدولة قد استوفت أهداف مراجعة صندوق النقد، ما مهَّد الطريق للإفراج عن 1.6 مليار دولار. وأضافت أنَّ القاهرة استوفت أيضاً معايير أخرى ضمن اتفاقها مع الصندوق، من بينها تطبيق نظام سعر صرف مرن.