كبير مفوضي المناخ: السعودية ستبقى «مملكة الطاقة» التقليدية والمتجددة

خالد أبو الليف أكد لـ «الشرق الأوسط» أن «رؤية 2030» نموذج لحل الضرر المزدوج لأزمات البيئة

خالد أبو الليف كبير المفاوضين السعوديين لاتفاقيات المناخ
خالد أبو الليف كبير المفاوضين السعوديين لاتفاقيات المناخ
TT

كبير مفوضي المناخ: السعودية ستبقى «مملكة الطاقة» التقليدية والمتجددة

خالد أبو الليف كبير المفاوضين السعوديين لاتفاقيات المناخ
خالد أبو الليف كبير المفاوضين السعوديين لاتفاقيات المناخ

تزامن انعقاد قمة المناخ «كوب27» في مدينة شرم الشيخ المصرية، مع إطلاق السعودية مجموعة فائقة من المبادرات والحلول الإبداعية للأزمة المناخية العالمية، عبر تخصيص منصة كبرى للمملكة في المؤتمر الدولي، كان من بين أبرز أحداثها نسخة ثانية لمبادرتي «السعودية الخضراء» و«الشرق الأوسط الأخضر»، اللتين انطلقتا برعاية واسعة النطاق من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وعلى مدار أيام المؤتمر، تعددت إعلانات المملكة فيما يخص المناخ، والحلول غير التقليدية للتعامل مع الأزمة العالمية، سواء باستزراع مليارات الأشجار في الصحاري، أو إطلاق مؤشرات بيئية متخصصة في المجال الطاقي، أو مستحدثات تقنية جديدة لتقليص الانبعاثات، وكذلك اتفاقيات متعددة مقدَّرة بمليارات الدولارات لإنتاج الطاقات المتجددة. «الشرق الأوسط» التقت خالد أبو الليف، كبير المفاوضين السعوديين لاتفاقيات المناخ، ليحدثنا بتوسع عن الجهود الجبارة التي كانت خلف الكواليس... وإلى نص الحوار:
> السعودية -المعروفة تقليدياً بأنها عملاق نفطي- حالياً تقود ثورة طاقية، سواء من خلال تقنيات الهيدروجين الأخضر أو الاقتصاد الدائري الكربوني أو الطاقات المتجددة... حدِّثنا عن ذلك.
- منح الله المملكة جميع الموارد الطبيعية في مجال الطاقة، عندنا طاقة الشمس، فالشمس لدينا تبث أكبر قوة طاقة في هذا الخط الجغرافي. عندنا الرياح، خصوصاً في المنطقة شمالي غرب المملكة التي توجد بها قدرات كبيرة جداً لتوليد الكهرباء. لدينا المعادن النادرة، ولها مستقبل رائع... وذلك بالطبع بالإضافة إلى الكنوز الهيدروكربونية تحت الأرض. ولذلك كنا دائماً نسمي السعودية «مملكة الطاقة».
كل ما نحتاج إليه إذاً هو إيجاد التقنيات وتوطينها، والتأكد أن تصبح جزءاً لا يتجزأ من الاقتصاد الوطني، ليس فقط من أجل توفير احتياجاتنا من الطاقة، بل أيضاً من أجل تصديرها، من خلال الربط الكهربائي مع دول الخليج والعراق ومصر.
بالإضافة إلى ذلك هناك الهيدروجين، الذي يمكن أن نولّده بنوعيه الأخضر والأزرق، والأول يعتمد كثيراً على المياه، ومن المعروف أن المملكة من كبرى دول العالم في تقنيات تحلية المياه وبإمكانات هائلة في هذه الصناعة. ومن الغاز يمكن إنتاج الهيدروجين الأزرق مع تقنيات التقاط الكربون وتخزينه... وكلها فرص يمكن أن نستفيد منها بشكل كبير.
وحتى بالنسبة للنفط والغاز، فالمملكة لديها إمكانات للتحكم في الغازات التي تنتج عن حرقها، بحيث يتم التقاطها ثم تحويلها إلى جزء من النظام الاقتصادي، سواء عبر إعادة تدويره أو استخدامه، أو التخزين تحت الأرض في مكامن خاصة لدينا إمكانات كبيرة منها، وهو ما يطلق عليه الاقتصاد الدائري الكربوني.
> هل تعطي كل المبادرات الحالية فرصة لأن تقود السعودية نهضة الطاقة المتجددة عالمياً جنباً إلى جنب مع الطاقة التقليدية؟
- لا شك عندي أبداً في قدرة المملكة على ذلك، لماذا؟ لأن المملكة يمكنها إنتاج كميات كبيرة من الطاقات المتجددة والهيدروكربونية، وفي ذات الوقت الحفاظ على التزاماتها البيئية وأهداف حفض الانبعاثات. كل هذه الأمور أُخذت بالفعل في الاعتبار من خلال النهج الذي تبنّته المملكة منذ اجتماع مجموعة العشرين في الرياض وإعلان مبادئ الاقتصاد الدائري الكربوني بمحاوره الرئيسية، وأولها الطاقة المتجددة وتطويرها الدائم.
لكن في ذات الوقت الكل يعرف أن الطاقة المتجددة وحدها لا يمكن أن تحقق أهداف اتفاقية باريس، والتي تنشد في نهاية المطاف توازناً ما بين الانبعاثات وإزالتها، بحث لا يكون هناك أي تراكم في الجو لغازات الاحتباس الحراري.
وكل الدراسات تقول إنه منذ الآن حتى 2050 سيكون الوقود الأحفوري موجوداً ومطلوباً وجزءاً من مزيج الطاقة العالمي. ولذلك فنحن نسير جنباً إلى جنب لريادة هذه المصادر المختلفة للطاقة، مع التأكد من ملاءمتها البيئية عبر التقنيات الحديثة.
> المملكة شأنها شأن كثير من الدول الشرق أوسطية تعاني من تبعات التغير المناخي أكثر من الأقاليم العالمية الأخرى، ما الأضرار التي ترى أنها حدثت خلال العقد الماضي؟
- حقيقةً، على قدر ما لدينا الكثير من الموارد في الطاقة التي منحنا الله، إلا أن المملكة تعد واحدة من كبرى الدول التي تأثرت من التغير المناخي، بل أيضاً من السياسات التي ستقوم على التغير المناخي، وما تتطلبه الأخيرة من أعباء اقتصادية للعلاج، ولذلك نحن في عناء مزدوج... لكننا تعاملنا مع الضررين؛ فبالنسبة لتأثيرات التغير المناخي، بدأنا النظر لهذه التأثيرات على قطاعات المياه والغطاء النباتي والتصحر، وهي من الملفات المهمة جداً في السعودية ومخصص لها مشاريع وبرامج كثيرة... ولعل المبادرات الخضراء التي أطلقها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان تعد من الحلول الكبرى لهذه التأثيرات والأضرار.
أما بالنسبة للضرر الاقتصادي، فـ«رؤية المملكة 2030» تعالج هذه الجزئية، كونها تركز على التنوع الاقتصادي، وتقليل الاعتماد على النفط وتطوير القطاع بيئياً في ذات الوقت. ومن شأن هذه السياسات أن ترفع قدرة المملكة على التعامل مع الضغوط الاقتصادية الناجمة عن التعامل مع آثار علاج مشكلات المناخ.

> «السعودية الخضراء» و«الشرق الأوسط الأخضر» مبادرتان ملهمتان لتخضير أحد أكثر مناطق العالم تصحراً... ورعاية ولي العهد تعطي عمقاً ومصداقة أكبر لهما، كيف وصلنا إلى تلك المحطة؟
- التحدي الأكبر كان ما يشاع في العالم من أن التخلص من الوقود الأحفوري والمواد الهيدروكربونية هو الحل، لكن كلنا نعرف أن ذلك لا يمكن أن يكون حلاً واقعياً. وما رأيناه من أزمة طاقة في أوروبا أخيراً ما هو إلا إثبات أن هذا النهج خاطئ.
بعد أن وقَّعت المملكة اتفاق باريس، بدأنا نبحث كيف يمكن أن نتعامل مع الأمر بجدية، وكانت التوجه هو أن نجد شيئاً متوازناً، يشجّع على المضيّ قدماً في مجالات الطاقة المتجددة من جانب، لكن يحافظ على أمن الطاقة العالمي من الجانب الآخر مع ضرورة معالجتها بما يتناسب مع أهداف المناخ.
في الجانب الأول كان الأمر سهلاً... استثمرنا فيه ووضعنا مستهدفات كبيرة لكنها قابلة للتحقيق، مثل إنتاج 50% من الكهرباء من مصادر متجددة و50% من الغاز.
أما الجانب الأصعب فكان الشق الثاني وهو البحث عن حلول غير تقليدية ولا مسبوقة، منها مبادرات الكربون الدائري التي تراعي البيئة والاقتصاد معاً؛ ثم واصلت الرحلة حتى محطة المبادرات الخضراء التي تستهدف إعادة تشكيل المنطقة بكاملها.
> خلال رحلتك عبر قمم «كوب» ما الذي تراه مختلفاً هذا العام؟
- حقيقةً عبر 30 عاماً مضت من قمم المناخ، كانت القمم فيها كلام كثير يركز على السياسات، لكن لم نرَ أي تطبيق في الواقع، كان المفترض أن تأخذ الدول الصناعية زمام المبادرة منذ عام 1990 كونها المتسببة في ظاهرة الاحتباس الحراري، لكن أضعنا 3 عقود في الحديث دون أن نفعل الكثير... بل إن الاتفاقية الأم كانت تطالب بخفض الانبعاثات 5%، لكن الواقع أنها زادت نظراً لغياب الآليات والتنفيذ.
وبدلاً من مساعدة الدول النامية لتحقيق التنمية المستدامة، حاولت بعض الدول الصناعية أن تضع عليها العبء، لكنّ مفاوضي الدول النامية كانت لديهم المقدرة على الإصرار على تأكيد المبادئ الأصلية وعدم التنازل.
وهنا جاءت مصر وبعثت قيمة أن «كوب 27» قمة للتنفيذ، وكان الشعار «من الطموح إلى العمل»، وأثبت الشرق الأوسط أنه بالفعل قادر على القيادة. وفي المثل القريب المبادرات السعودية التي لم تحدث في أي منطقة من قبل.
> ما استفادة المنطقة من انعقاد قمتين متتاليتين في الشرق الأوسط وكيف سيسهم ذلك في جعل المنطقة جزءاً من الحل؟
- كل يوم تثبت منطقة الشرق الأوسط أنها ريادية وقائدة، فمن المعروف أن المنطقة مسؤولة عن 3% من حجم الانبعاثات العالمي، لكنّ المجهودات التي تقوم بها المنطقة توازي تقريباً 10% من إجمالي المجهودات في العالم... وهذه المقارنة تجعلنا في «ريادة الحل لمشكلات التغير المناخي» بنسبة 100%.


مقالات ذات صلة

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

تحليل إخباري ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس) p-circle 00:33

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة محمد شهباز شريف للمملكة تجسيداً لعمق العلاقة

جبير الأنصاري (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)

18 مليون خدمة و4 ملايين مستثمر... قفزة نوعية لبيئة الأعمال في السعودية

تشهد بيئة الأعمال في السعودية تطوراً متسارعاً؛ مدعوماً بحزمة من الإصلاحات والخدمات الرقمية المتكاملة، حيث تجاوز عدد الخدمات المقدمة 18 مليون خدمة.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد اجتماع سابق للمجلس برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الأمير محمد بن سلمان (واس)

«مجلس الشؤون الاقتصادية» السعودي يستعرض حصاد «رؤية 2030» لعام 2025

عقد مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية اجتماعاً عبر الاتصال المرئي. وتابع نتائج عدد من الملفات بما فيها «رؤية 2030».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء الملك عبد العزيز في السعودية (الهيئة العامة للموانئ)

«أوكسفورد بزنس غروب»: السعودية ترسخ مكانتها مركزاً بحرياً عالمياً في ظل «رؤية 2030»

تتسارع وتيرة التحول في القطاع البحري السعودي، إذ باتت المملكة تعيد رسم خريطة دورها في منظومة التجارة الدولية، مستندةً إلى استثمارات ضخمة وبنية تحتية متنامية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الموقع الإلكتروني للهيئة العامة للموانئ)

نمو قياسي للصادرات غير النفطية في السعودية خلال 2025

حققت الصادرات غير النفطية في السعودية نمواً قياسياً خلال عام 2025، حيث ارتفعت بنسبة 15 في المائة إلى 624 مليار ريال (166 مليار دولار) في 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.


ضغوط الحرب الإيرانية تلاحق الشركات الأوروبية وتكبح توقعات الأرباح

أفق مدينة فرانكفورت الألمانية (رويترز)
أفق مدينة فرانكفورت الألمانية (رويترز)
TT

ضغوط الحرب الإيرانية تلاحق الشركات الأوروبية وتكبح توقعات الأرباح

أفق مدينة فرانكفورت الألمانية (رويترز)
أفق مدينة فرانكفورت الألمانية (رويترز)

تلقي الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران بظلالها على توقعات الشركات الأوروبية، من شركات الطيران إلى تجارة التجزئة، رغم الآمال بتحقيق أرباح قوية في الربع الأول، مع ضغط ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد وتباطؤ النمو على التوقعات المستقبلية.

وقالت شركة «تيسكو»، أكبر شركة تجزئة غذائية في بريطانيا، إن حالة عدم اليقين المرتبطة بالنزاع قد تؤثر على الأرباح، في حين خفضت شركة صناعة الشوكولاته «باري كاليبوت» توقعات الأرباح بسبب اضطرابات في سلاسل الإمداد المرتبطة بالحرب، وفق «رويترز».

كما حذرت شركة «إيزي جيت» البريطانية، يوم الخميس، من خسارة أكبر في النصف الأول، ما ضغط على سهمها، في حين قالت شركة التجزئة البريطانية «دانلم» إن العملاء يقيّدون إنفاقهم بسبب حالة عدم اليقين المرتبطة بالنزاع.

ويعتمد الكثير على مدة استمرار الصراع بين إيران وإسرائيل، وسط آمال متزايدة باتفاق سلام قد يعيد فتح مضيق هرمز ويخفف تدفقات النفط التي رفعت الأسعار العالمية.

وقد أدت التوترات الإقليمية المتصاعدة إلى اضطراب الأسواق، ما أثار مخاوف من أن يؤدي نزاع طويل الأمد إلى مزيد من ارتفاع أسعار النفط، وبالتالي زيادة التضخم وتراجع الطلب الاستهلاكي.

مستويات النشاط لم تنهَر «بشكل حاد» بعد

من المتوقع أن تُعلن الشركات الأوروبية عن أرباح «مستقرة نسبياً» للربع من يناير (كانون الثاني) إلى مارس (آذار)، حسب سياران كالاغان، رئيس أبحاث الأسهم الأوروبية في «أموندي»، رغم أن الحرب الإيرانية أثرت على نحو ثلث هذه الفترة.

وقال كالاغان: «يستغرق الأمر وقتاً حتى تنتقل أسعار النفط المرتفعة إلى الاقتصاد، لذا لم تنخفض مستويات النشاط بشكل حاد».

ورغم أن المستثمرين يقدّرون أن تعرض الشركات الأوروبية الكبرى المباشر للشرق الأوسط لا يتجاوز نسباً منخفضة من خانة الآحاد، فإن التباطؤ الاقتصادي، واضطرابات سلاسل الإمداد، وعدم اليقين، وارتفاع التضخم تُعد المخاطر الرئيسية.

ومع ذلك، فإن حجم التأثير سيعتمد على مدة استمرار الحرب. وقد تراجعت الأسهم الأوروبية في الأسابيع الأولى من الصراع، لكنها تعافت لاحقاً مع تحسن المعنويات.

وقال بن ريتشي، رئيس أسهم الأسواق المتقدمة في «أبردين»: «لا أعتقد أن نتائج الربع الأول ستكون مخيبة للآمال، لكن التوقعات لبقية العام قد تكون كذلك».

وقد ظهرت بالفعل بعض نتائج قطاع أشباه الموصلات التي دعمت توقعات الأرباح القوية نسبياً، إذ أعلنت شركة «إيه إس إم إل»، أكبر مورد عالمي لمعدات صناعة الرقائق، نتائج فصلية أفضل من المتوقع ورفعت توقعاتها السنوية مع استمرار طفرة الذكاء الاصطناعي. كما سجلت شركة «أيكسرون» الألمانية لآلات الرقائق طلبات قوية ورفعت توقعاتها للإيرادات لعام 2026.

قطاع الطاقة يرتفع والاستهلاك يتراجع

تؤثر الحرب بشكل متباين على القطاعات المختلفة. إذ يُتوقع أن تسجل شركات مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي القياسي نمواً في أرباح الربع الأول بنسبة 4.2 في المائة، وفق تقرير «إل إس إي جي»، لكن ذلك يعود بشكل أساسي إلى قطاع الطاقة.

وقد دعمت أسعار النفط المرتفعة شركات الطاقة، ومن المتوقع أن تحقق الشركات الأوروبية الكبرى أرباحاً أعلى بنسبة 24 في المائة مقارنة بالعام الماضي. وأشارت شركة «توتال إنيرجيز» إلى استفادتها من ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب، رغم توقف 15 في المائة من إنتاج المجموعة الفرنسية.

كما يُتوقع أن يستفيد قطاع الطاقة المتجددة أيضاً. وقال هانس يورغ باك، كبير مديري المحافظ في «دي دبليو إس»، إن الأزمة أبرزت اعتماد أوروبا على واردات الوقود الأحفوري.

وقال: «الخلاصة يجب أن تكون تسريع إدخال مصادر الطاقة البديلة والاستثمار في الشبكات».

وفي المقابل، قد تضر معدلات التضخم المرتفعة شركات الاستهلاك والسلع الفاخرة، لكنها قد تفيد البنوك، حسب كالاغان.

وقال: «هناك حديث واسع عن احتمال رفع البنوك المركزية لأسعار الفائدة، وقد يقوم البنك المركزي الأوروبي برفعها مرتين إضافيتين بإجمالي 50 نقطة أساس، ما قد يكون إيجابياً للقطاع المصرفي الأوروبي».

وقد أشارت شركتا «إل في إم إتش» و«هيرميس» إلى أن مبيعات الربع الأول تأثرت بالحرب في إيران، التي قلصت الإنفاق في الشرق الأوسط وأخرت تعافي القطاع.

فائزون انتقائيون

ورغم وجود بعض «الفائزين الانتقائيين»، فإن الصراع لا يدعم أرباح الشركات الأوروبية بشكل عام، حسب كريستوف بيرغر، كبير مسؤولي الاستثمار في الأسهم الأوروبية لدى «أليانز جي آي».

وكان بيرغر قد توقع قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) نمواً في أرباح الشركات الأوروبية بنسبة عالية من خانة الآحاد إلى خانة العشرات، لكنه خفّض توقعاته الآن إلى نمو «جيد» لكنه دون مستويات مزدوجة الرقم للربع الأول.

وقالت «إل إس إي جي» إن الإيرادات في الربع الأول يُتوقع أن تنخفض في المتوسط بنسبة 0.6 في المائة باستثناء قطاع الطاقة، ما يشير إلى أن جهود خفض التكاليف وإعادة الهيكلة قد تؤتي ثمارها.

إعادة شراء الأسهم

ورغم أن بعض الشركات خفّضت توزيعات الأرباح المقترحة، فإنه لا توجد مؤشرات على أن هذا تحول عام حتى الآن، حسب المستثمرين.

في المقابل، زادت الشركات من عمليات إعادة شراء الأسهم لوقف تراجع الأسواق، حسب ماركوس موريس إيتون، مدير المحافظ في «أليانس بيرنشتاين».

وقال: «شهدنا زيادة ملحوظة في عمليات إعادة شراء الأسهم، حيث توفر التقييمات الحالية عائداً جيداً على الاستثمار للعديد من الشركات».