المعارك الأدبية وحيوية الاختلاف

تشكل جزءاً من النسيج العام للثقافة التي لا تعرف الثبات أو الجمود (1 - 2)

لويس عوض - توفيق الحكيم - محمود شاكر - طه حسين
لويس عوض - توفيق الحكيم - محمود شاكر - طه حسين
TT

المعارك الأدبية وحيوية الاختلاف

لويس عوض - توفيق الحكيم - محمود شاكر - طه حسين
لويس عوض - توفيق الحكيم - محمود شاكر - طه حسين

تعد المعارك الأدبية الحقيقية نموذجاً دالاً على حيوية الجماعة الثقافية من جهة، وقدرة الثقافة ذاتها على استيعاب مساحات أشد من التعدد، والاختلاف من جهة ثانية.
وربما مرت المعارك الأدبية بأطوار متعددة، أبرزتها السجالات الأدبية والفكرية الممتدة في ثقافتنا العربية منذ أواخر القرن التاسع عشر وصولاً إلى اللحظة الراهنة، عبر تحولات في الكيفية، وعِظم المعارك وهوانها، بل وآلياتها المستخدمة.
ويمكن أن نتعاطى مع المعارك الأدبية بوصفها جزءاً من النسيج العام للثقافة التي لا تعرف الثبات، أو الجمود، أو التصورات الأحادية صوب العالم، والواقع والأشياء، ولذا ليس بغريب في هذا السياق أن تصبح قضايا من قبيل الصراع بين القديم والجديد، الأصالة والمعاصرة، التراث والحداثة مجلى لهذه المعارك، وعناوين أكثر موضوعية في التعبير عن جوهر بعضها، حيث تصبح المعارك الفكرية هنا علامة على انحيازات رؤيوية بالأساس، ومن ثم جمالية أيضاً.
وليست المعارك الأدبية حكراً على أمة دون غيرها، أو صنواً لثقافة عدا الأخرى، فقد شهد الأدب العالمي معارك عديدة، كان من أبرزها المعركة التي دارت بين مذهبين أدبيين رئيسين في العصر الحديث، وهما الكلاسيكية والرومانسية، حيث سعت الرومانسية إلى خلخلة البنى المركزية التي تنهض عليها الكلاسيكية، من قبيل إيلاء العقل الأهمية القصوى، وإغفال الوجدان، والانطلاق من فكرة المحاكاة للعالم الخارجي، وتجاهل المشاعر الذاتية للإنسان الفرد، حيث كانت الكلاسيكية نظامية صارمة للغاية، بينما كانت الرومانسية مثالية النزعة، وجدانية الطابع، تتجه صوب الداخل الثري للإنسان، وحينما أتت الواقعية مثلاً نحت باللائمة على أولئك الرومانسيين الذين لا يسعهم سوى الغناء لهذا العالم ألماً! وبدت الواقعية منصرفة إلى الواقع المعيش، ومع حلقاتها المتباينة (الواقعية النقدية/ الواقعية الاشتراكية/ الواقعية السحرية)، وغيرها، مثلت ثورة عنيفة على التيارات الأدبية التي سبقتها، وهكذا يمكن النفاذ إلى جوهر المذاهب الأدبية الأخرى لنجد هذه الروح الشاكة والناقدة لما سبق لها، ومن الحتمي هنا أن نشير إلى طبيعة الذهنية الأوروبية التي ترى العالم نسبياً، متغيراً، ومن ثم فالتجديد سمة مركزية، والتجاور وليس الصراع علامة على ذهنية منفتحة باستمرار.
لكن هل يمكن التأصيل لمنحى المعارك الأدبية في تراثنا العربي، وهل ثمة مرتكزات داخله حملت هذه الروح الولود المتجددة؟ يمكن في هذا المسار أن نشير ولو من بعيد إلى الصراع الفني الذي دار بين أنصار البحتري وأنصار أبي تمام على سبيل المثال، هذا الصراع الذي دعا ناقداً مثل الآمدي في كتابه «الموازنة» إلى الاشتباك معه، وإن بدأ الآمدي في جوهر كتابه وبنيته العميقة منتصراً للقديم بوصفه تماهياً مع عمود الشعر العربي آنذاك.
ولا يمكن أن تفوتنا المعارك الشعرية التي اتخذت في غالبها وجهة الهجاء بين جرير والفرزدق، وما قاله مالك بن الأخطل في تبيان المباعدة الفنية بين شعريهما بقوله «الفرزدق ينحت من صخر، وجرير يغرف من بحر».
ويمكن أن نحيل في هذا المسار أيضاً، ولكن وفق وجهة مغايرة، إلى ما طرحه القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني في كتابه «الوساطة بين المتنبي وخصومه».
وفي العصر الحديث بدأت المعارك الأدبية منذ أواخر القرن التاسع عشر تقريباً، بدأت متسربلة بحيز اللغة، وإطارها الصلب، وكان من الطبيعي أن تبدأ هذه المعركة في ميدان المسرح، الذي يتجه إلى المتلقي العام، وقد باعدت السبل بينه وبين الفصحى، وفي سياق فن جماهيري بالأساس، يتوجه في طابعه الكلي إلى متلق غير نوعي، كانت مسرحيات مارون النقاش تدير حواراتها الدرامية بالعامية، وبما أفضى إلى ممانعة ورفض من قبل البعض، وإذا كان المسرح بحكم طبيعة تلقيه وإعداده وتنفيذه قد خاض غمار المعركة بداية، فإن إشكالية الفصحى والعامية قد اتسع صداها في السرد أكثر، وتحديداً عبر الاتهام الصارخ المبكر نسبياً الذي رمى به الأديب عيسى عبيد القاص محمد تيمور، حين استعمل اللغة المحكية في نصوصه القصصية، ووصف عبيد الكتابة بالعامية بالفكرة «المتطرفة الخطرة»، وفق ما أورده الأديب يوسف الشاروني في مؤلفه «لغة الحوار بين العامية والفصحى في حركات التأليف والنقد في أدبنا الحديث».
ولم تكن معارك الفصحى والعامية كتلة واحدة، بل حوت تنويعات متعددة داخلها، انتقلت فيها من حيز التجريم لاستخدام العامية في الأدب، والاتهامات التي أخذت صيغاً دينية وقومية، من قبيل العداء للغة القرآن الكريم، ومحو العربية، وظلت هذه الاتهامات متداولة بين أوساط النخب، ومثلت سردية جاهزة يمكن أن تراها في الهجمة الشرسة التي طالت سلامة موسى وعبد العزيز فهمي؛ ومن بعدهما لويس عوض.
إن الاستقصاء التاريخي للمعارك الأدبية، ومن أبرزها معركة الفصحى والعامية ليس هاجساً لنا هنا، وإنما نسعى إلى تفكيك ما جرى، وفهمه على نحو دقيق، وإبداء بعض الملاحظات الموضوعية التي تعيننا على فهم طبائع الأشياء، وتحولاتها في الآن نفسه، ومن ثم سنرى ثمة حضوراً متزايداً للبعض في هذه المعركة تحديداً، ونخص بالذكر الشيخ المحقق محمود شاكر الذي انطلق من تصورات ماضوية، تماهت فيها اللغة مع المقدس، وأصبح التخلي عنها من وجهة نظره حرباً على العقيدة ذاتها، وقد قدم الشيخ دفاعاً رصيناً في معظمه عن اللغة العربية، لكن فاته أنماط التطور الدلالي التي تمر بها أي لغة من اللغات، فاللغة كائن حي، تنمو بالممارسة اللغوية، ومن ثم فهي قرينة التحولات السياسية والثقافية، وليست إطاراً جامداً على الإطلاق. وقد تعددت معارك الشيخ شاكر في هذا السياق، ولعل من أبرز معاركه ما كتبه معقباً على دعوة عبد العزيز باشا فهمي بشأن كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية، وهي دعوة خرقاء لا محل لها من الممارسة الاجتماعية قبل التعبير اللغوي ذاته. وقد دعا سلامة موسى إلى ما سماه «التسوية» في سياق تصوره للتقريب بين الفصحى والعامية، وهذا ما أغضب الشيخ شاكر، وجعل من موسى محلاً دائماً للهجوم.
وبعد أن أصدر سلامة موسى كتابه «البلاغة العصرية واللغة العربية» الذي دعا فيه إلى استخدام الأسلوب التلغرافي بدلاً من الأسلوب البياني، وإلى كتابة الحروف العربية باللغة اللاتينية، وصف عباس العقاد، موسى، في مقال مقذع بأنه «يكتب ليحقد، ويحقد ليكتب».
وربما كانت المعركة الأكثر اشتعالاً في هذا المسار تلك التي كانت بين الشيخ شاكر والدكتور لويس عوض، وقد عاد كل منهما إليها في فترات مختلفة من حياته، ومن ثم في مقالاته وكتبه، ويمكن أن نشير هنا إلى كتاب محمود شاكر «أباطيل وأسمار» الذي دعا فيه لويس عرض بـ«أجاكس عوض»، اتكاء على شخصية أجاكس شديد البطش والبأس، محدود العقل والحكمة في ملحمة هوميروس، وهو ما رد عليه لويس عوض حين أطلق على الشيخ شاكر اسم «مجاهد بن الشماخ»، نسبة إلى الشماخ الشاعر العربي القديم، وحصراً لشاكر في منطقة لا يفارقها ولا يجيد في غيرها.
إن هذه التباينات جميعها لا تكشف فحسب عن محض اختلافات لغوية، وإنما تكشف عن رؤى مغايرة للعالم، حيث يرى كل كاتب من الكتاب الثلاثة (شاكر، وموسى، وعوض) الأمر من زاويته الفكرية، والمعيب حقاً كانت الاتهامات الظاهرة والمضمرة التي طالت سلامة موسى ولويس عوض، وحمل موقفهما على الوجهة الدينية.
ورأينا دعوات متعددة، تسعى إلى مجاوزة الخلافات التي يشتد أوارها بين الحين والآخر، ومن اللافت أن هذه الدعوات العملية خرجت من رحم الفن ذاته، وكان من أبرزها ما طرحه توفيق الحكيم بشأن استخدام لغة وسيطة، سماها «اللغة الثالثة»، وقد رأيناها في مسرحيته «الصفقة» على سبيل المثال، ويمكن أن ننظر إلى ما طرحه توفيق الحكيم بوصفه حلاً فنياً بالأساس، لا ينفصل عن تصوراته الجمالية المغايرة عن السائد والمطروق أيام صدور روايته المؤسسة لما يمكن تسميته فيما بعد «رواية الذات»، وأعني رواية «يوميات نائب في الأرياف».
وفي الخمسينات والستينات من القرن الماضي أخذت معركة الفصحى والعامية ظلالاً فنية أكثر نضجاً في التعاطي معها، تتصل بالأساس بالعلاقة بين وعي الشخصية الروائية والخطاب الذي تطرحه، وقد انحاز مثلاً يوسف إدريس إلى العامية في حواراته انحيازاً كلياً، خالقاً من خلالها الإيهام بواقعية الحدث القصصي أو الروائي، في مقابل كثيرين آثروا كتابة الحوار بالفصحى، وآخرين سعوا إلى تشكيل منطق جمالي حاكم للغة الحوار، على غرار ما صنعه نجيب محفوظ في كتابة حواراته بالفصحى الخاضعة لمنطق اللهجة العامية، وكان هذا خياراً جمالياً مركباً يتبناه محفوظ، وعسيراً في الوقت نفسه.
وقد أصدر الروائي يوسف القعيد روايته «لبن العصفور» بالعامية المصرية في التسعينات من القرن الماضي، وقد أثارت جدلاً، أعاد إلى الأذهان الجدل الذي شهدته صدور رواية «قنطرة الذي كفر» المكتوبة بالعامية أيضاً للدكتور مصطفى مشرفة في فترة الستينات.
ومن اللافت أيضاً تواتر معارك الفصحى والعامية في الفضاء الثقافي العربي حتى اللحظة الراهنة، ففي عام 2020 فازت الكاتبة التونسية فاتن الفازع بجائزة علي الياجي عن روايتها «شرع الحب» المكتوبة بالدارجة التونسية، وقد حمل هذا الإعلان صخباً أثاره عديدون، وبما أعاد للواجهة من جديد تلك القضية القديمة/ المتجددة في الآن نفسه.
ثمة معارك أدبية، اتسمت بتغليب الموضوعية، وسلكت مساراً تقنياً بالأساس، من قبيل الانتقادات الفنية التي وجهها طه حسين لثلاث من القصائد الشعرية التي جعلت من مناسبة صدور ترجمة كتاب «الأخلاق» لأرسطو على يد أحمد لطفي السيد موضوعاً لها.
كان أحمد لطفي السيد مفكراً تنويرياً بامتياز، وكان أستاذاً وصديقاً وداعماً لطه حسين باستمرار، إلا أن ذلك لم يحُل دون أن يُقرع طه حسين مادحي ترجمة أحمد لطفي السيد لكتاب أرسطو الشهير «الأخلاق»، حيث خاض طه حسين غمار معركة موضوعية مع ثلاثة من الشعراء الكبار، وهم أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وأحمد نسيم، الذين سطروا القصائد في امتداح الترجمة، وامتداح الكتاب الذي لم يقرأوا نصه الأصلي الذي كتبه أرسطو، وقد أثبت طه حسين ما أورده بشأن هذه المعركة في الجزء الثالث من «حديث الأربعاء»، وكان نقده حاملاً نزوعاً ساخراً عن أولئك الذين وظفوا قريحتهم الشعرية فيما لا يعلمون! وكان طه حسين قد كتب في أكثر من موضع عن هذا الكتاب، وأوفاه حقه متناً أصلياً لأرسطو، وترجمة دقيقة نافذة للمعلم لطفي السيد.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

موسم دراما رمضان المقبل يطوي خلافات فنانين مصريين

مسلسل «تمكين» يجمع ياسمين صبري ومحمد سامي وعمرو سعد (حساب عمرو سعد على «فيسبوك»)
مسلسل «تمكين» يجمع ياسمين صبري ومحمد سامي وعمرو سعد (حساب عمرو سعد على «فيسبوك»)
TT

موسم دراما رمضان المقبل يطوي خلافات فنانين مصريين

مسلسل «تمكين» يجمع ياسمين صبري ومحمد سامي وعمرو سعد (حساب عمرو سعد على «فيسبوك»)
مسلسل «تمكين» يجمع ياسمين صبري ومحمد سامي وعمرو سعد (حساب عمرو سعد على «فيسبوك»)

من المقرر أن يشهد الموسم الدرامي الرمضاني المقبل «تجمعات فنية» كانت بعيدة عن توقعات الجمهور الذين عاصروا أحداث «التلاسن والتراشق» الإعلاميين بين أبطال أبرزهم ياسمين صبري ومحمد سامي من ناحية، وباسم سمرة ومحمد رمضان من ناحية أخرى.

ومن عبارة محمد سامي الشهيرة لياسمين صبري «إن شاء الله ما عجبك» بعد انتقادها نهاية مسلسل «الأسطورة»، الذي شهد اجتماعهما قبل 10 سنوات، وإعلانها عدم العمل معه مجدداً مهما كان حجم المشروع الفني وقيمته؛ يبدو أن موسم دراما رمضان المقبل سيكون فرصة لـ«سد الفجوات» وإنهاء الخصام، بعد إعلان مشاركة ياسمين في مسلسل «تمكين» من إخراج محمد سامي.

ومن سخرية لاذعة وسجال على الهواء، بعد انتشار مقطع فيديو للفنان باسم سمرة وهو يدفع محمد رمضان في إحدى المناسبات الشعبية، وتعليق رمضان على الواقعة بأن سمرة «لم يكن في وعيه»، ورد باسم سمرة بدعوة محمد رمضان إلى الوقوف أمامه في فيلم روائي قصير ويكون الحكم للجمهور حينها على أدائهما؛ قلب إعلان مشاركتهما في مسلسل «عشماوي» كل الموازين، وعاد خصما الأمس ليجتمعا في عمل واحد، وتحول الخلاف الذي كان حديث «السوشيال ميديا» إلى تعاون فني مرتقب.

لم تقتصر «القطيعة الفنية» على الممثلين فقط، لكنها طالت التعاون الإنتاجي بعد انتشار أخبار تفيد بوجود مشكلات إنتاجية بين محمد رمضان والمنتج صادق الصباح بعد تقديمهما مسلسل «ابن حلال» قبل 12 عاماً، الذي حقق حينها نجاحاً لافتاً، وكان بداية الانطلاقة والبطولة الدرامية لـرمضان، لكن التعاون لم يتكرر بعكس التوقعات، حتى جاء «عشماوي» ليفتح صفحة إنتاجية جديدة.

محمد رمضان وباسم سمرة في «عشماوي» (حساب باسم سمرة على «فيسبوك«)

وفي السياق، تعود الفنانة غادة عبد الرازق إلى العمل مع المنتج ممدوح شاهين في مسلسلَين خلال رمضان، هما «روح وجسد» و«خيوط من ذهب»، رغم ظهوره الإعلامي أخيراً، ووصفها بأنها «مزعجة».

وتتنوع خلافات الفنانين عادة بين أولوية تصدّر «الملصقات الترويجية»، و«ترتيب الأسماء»، وعدم الالتزام بمواعيد التصوير، و«قيمة الأجر»، و«قص المشاهد»، وغيرها من «المناوشات الفنية».

وأجمع نقاد، خلال حديثهم لـ«الشرق الأوسط»، على أن تنحية الخلافات جانباً والتعاون الفني مجدداً بعد خصام أمران طبيعيان، ويندرجان تحت بند «المصالح تتصالح»، إذ أكد الناقد الفني عماد يسري أن «الخلافات الفنية موجودة في الوسط منذ سنوات طويلة وبأشكال مختلفة، وتنحيتها جانباً يمكن أن ينتج دراما جماهيرية، وإضافة لأطراف عدة بالعمل، وإعادة اكتشاف لموهبة ربما لن تظهر إلا بوجودهما معاً».

بدوره، يرى الناقد الفني طارق الشناوي أن «الخلافات جزء حميم من الحياة الفنية، ولا يمكن فصلها في ظل التنافس والدائرة المشتركة التي تؤدي إلى وجود مشكلات وصراعات»، مضيفاً: «لدينا مثل شهير ينطبق على مجالات عدة، وهو أن (المصالح تتصالح)».

ومن أشهر الخلافات الفنية المعلنة في الوسطَين الفني والإعلامي كان خلاف عادل إمام ونور الشريف مع نادية الجندي، فالأول شاركها بطولة فيلم «خمسة باب»، ولم يكرر التعاون مجدداً رغم مشوارهما السينمائي الطويل، بسبب حديث عن خلافات في كواليس التصوير، وتناول أسباب «منع الفيلم» حينها من العرض، أما خلافها مع نور الشريف الذي دفعه إلى عدم التعاون معها مطلقاً طوال مسيرته فكان بسبب استبعاده من المشاركة في أحد أفلامها بعد تحضيراته، بحجة أنه لا يليق بالشخصية، إلى جانب الخلاف الشهير بين عبد الوهاب وأم كلثوم، والعودة إلى العمل معاً.

من جانبها، أكدت الناقدة الفنية الدكتورة آمال عثمان «أن الوسط الفني شهد خلافات كثيرة وصلت إلى حد التراشق والتلاسن في العلن وفي الكواليس»، مضيفة: «شاهدنا طي صفحات كثيرة من الخصام، فالمبادئ تتغير أحياناً، وهذا لا يعيب ولا يقلل من قدر أحد». وتابعت: «هناك فارق بين الخصومة الشخصية والخصومة الفنية، والأخيرة يمكن إنهاؤها وزوالها سريعاً ما دام العمل الذي يمكن أن يجمعهما موجوداً».


توم هانكس يعود للمسرح بقصة عن الحب عبر الزمن

توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)
توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)
TT

توم هانكس يعود للمسرح بقصة عن الحب عبر الزمن

توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)
توم هانكس وكيلي أوهارا وكايلي كارتر في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (نيويورك تايمز)

بعد غياب 14 عاماً عن المسرح يعود النجم الأميركي توم هانكس إلى مسارح برودواي بمسرحية من تأليفه تحمل عنوان «عالم الغد». ووفقاً لتقرير موقع «ديدلاين»، سيتعاون هانكس مع كيلي أوهارا، وهي ممثلة مخضرمة في برودواي، وحائزة على جائزة توني عام 2015 عن إعادة تقديمها لمسرحية «The King and I» في المسرحية التي ستُعرض على مسارح برودواي في خريف عام 2027.

يعود الثنائي إلى المسرح معاً بعد نجاح عرض المسرحية خارج برودواي في مسرح «ذا شيد» بنيويورك عام 2025. شارك هانكس في كتابة المسرحية مع جيمس غلوسمان، وسيتولى الإخراج كيني ليون، الحائز على جائزة توني عن إحياء مسرحية «A Raisin in the Sun» عام 2014.

توم هانكس كيلي أوهارا في مسرحية «هذا العالم من الغد» في مسرح شيد في مانهاتن أكتوبر 2025 (مسرح شيد)

تدور أحداث «عالم الغد» حول بيرت ألينبيري، رجل يعيش في أواخر القرن الحادي والعشرين، يسافر عبر الزمن ليعود إلى يوم واحد في معرض نيويورك العالمي عام 1939 في كوينز، على أمل تغيير مستقبله. ومن خلال هذه الرحلات المتكررة، يكتشف بيرت كيف يمكن لخيارات الناس في الحب أن تُشكّل حياتهم وتفتح أمامهم أبواباً لفرص جديدة.

تستوحي المسرحية أحداثها من قصص قصيرة من مجموعة هانكس القصصية «Uncommon Type» الصادرة عام 2017. يؤدي هانكس دور بيرت، بينما تجسد أوهارا شخصية كارمن، المرأة التي يلتقيها خلال رحلاته.

وفي بيان له، قال المخرج كيني ليون: «أنا متحمس للغاية لمواصلة العمل على هذه المسرحية الأميركية الجديدة الرائعة. لا يوجد وقت أفضل من الآن لاستكشاف قصة الحب والسفر عبر الزمن هذه من غلوسمان وهانكس. أكثر ما أتطلع إليه هو أن يحظى المزيد من الجمهور بفرصة مشاهدة التناغم الرائع بين كيلي أوهارا وتوم هانكس على خشبة المسرح»، كما رحب المنتج برايان أنتوني مورلاند بانتقال المسرحية إلى برودواي، واصفاً تقديمها لجمهور أوسع بأنه شرف كبير، ومسلطاً الضوء على رسالتها عن الحب عبر الزمن.

وفي حديثه مع مجلة «بلايبيل» خلال عرض المسرحية العام الماضي، ناقش هانكس محاورها الرئيسية عندما سُئل عن معناها قائلاً: «لو لم يذهبا إلى المعرض العالمي عام 1939، لما التقيا بحب حياتهما. وأقول لكم الآن، حتى أنتم تمرون بلحظات كهذه في حياتكم. هذا هو جوهر دراسة التاريخ. لطالما أذهلني ذلك الجانب الغريب من السلوك البشري الذي يقول: لا تحدث الأشياء إلا عندما تكون في المكان المناسب في الوقت المناسب، ولا تدري إن كنت في المكان المناسب أو إن كان الوقت مناسباً للوجود هناك - فالتاريخ هو الذي يقرر ذلك نيابةً عنك. وأعتقد أن هذا أمرٌ رائع».

كان آخر ظهور لهانكس على مسارح برودواي في مسرحية «Lucky Guy»، حيث رُشِّح لجائزة توني عن أدائه فيها. سيشهد إنتاجه القادم أول ظهور له على مسارح برودواي منذ أكثر من 14 عاماً. كما أنه سيؤدي دور أبراهام لينكولن في مسرحية «لينكولن في الباردو»، وهي عمل يجمع بين التمثيل الحي وتقنية إيقاف الحركة، مقتبس من رواية جورج سوندرز.


كيف كان شكل إنسان «دينيسوفان» القديم؟

تصوّر فنّي للملامح الوجهية القوية لإنسان «دينيسوفان» (الأكاديمية الصينية للعلوم)
تصوّر فنّي للملامح الوجهية القوية لإنسان «دينيسوفان» (الأكاديمية الصينية للعلوم)
TT

كيف كان شكل إنسان «دينيسوفان» القديم؟

تصوّر فنّي للملامح الوجهية القوية لإنسان «دينيسوفان» (الأكاديمية الصينية للعلوم)
تصوّر فنّي للملامح الوجهية القوية لإنسان «دينيسوفان» (الأكاديمية الصينية للعلوم)

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون من الأكاديمية الصينية للعلوم عن المظهر المُحتمل لإنسان «دينيسوفان» القديم، استناداً إلى أجزاء من جمجمة وفكّ، بالإضافة إلى أحافير أخرى لعظام وأسنان عُثر عليها بين عامَي 1976 و1979 في موقع «شوجياياو» الأثري شمال الصين.

ودرس الباحثون هذه البقايا، واستخدموا نماذج حاسوبية ثلاثية البُعد لإعادة بناء عظام الجمجمة والفكّ، ثم قارنوا هذه الأشكال بأحافير تعود إلى إنسان نياندرتال والبشر المعاصرين وغيرهم من أشباه البشر القدامى.

ولتحديد هوية هذه البقايا، حدَّد باحثون بقيادة تشياومي فو، من الأكاديمية الصينية للعلوم، 18 بروتيناً قديماً استُخلصت من هذه البقايا، وحللوا تسلسلاتها ومقارنتها ببيانات مستمدّة من أشباه بشر قدامى آخرين ومن البشر المعاصرين.

ونظراً إلى أنّ الاختلافات الطفيفة في التسلسلات تعمل بمثابة «بصمات جزيئية»، فإنّها تكشف عن العلاقات التطوّرية، وتساعد في تحديد موقع هذه الأحافير على شجرة العائلة البشرية.

ووفق الباحثين، تمثّل الدليل الجوهري في نوع محدّد من بروتين الكولاجين يُعرف باسم «COL1A2-996K»، الذي وُجد لدى إنسان «دينيسوفان» دون إنسان «نياندرتال» أو البشر المعاصرين.

والآن، بفضل نتائج دراستهم المنشورة في دورية «نيتشر» الشهيرة، بدأت بعض الفجوات المعرفية المهمّة تتّضح، وتحديداً ما يتعلّق بمظهر إنسان «دينيسوفان» القديم والأماكن التي عاش فيها.

وكتب العلماء في بيان، الجمعة: «بناءً على علم الوراثة الجزيئي والسمات المورفولوجية المشتركة، يمكن تصنيف بقايا موقع (شوجياياو)، التي كانت تُنسب سابقاً إلى سلالات أخرى، على أنّها تعود إلى إنسان (دينيسوفان)».

سمات مشتركة

بعد ذلك، ركّز الفريق على استنتاج المظهر المحتمل لإنسان «دينيسوفان». ووفق نتائج الدراسة، كانت جماجم إنسان دينيسوفا منخفضة ومسطّحة نسبياً، ذات عظام سميكة وحوافّ حاجب بارزة وملامح وجه مسطّحة.

ويبدو أنّ سماته الجسدية تمثّل مزيجاً من خصائص أشباه البشر الأسلاف، وسمات أخرى مشتركة مع إنسان نياندرتال والأنواع البشرية اللاحقة.

ورغم ندرة السجلّات الأحفورية المتاحة عن هذه المجموعة البشرية المنقرضة، يُعتقد أنها عاشت في شرق آسيا خلال مرحلة امتدّت من نحو 300 ألف إلى 45 ألف عام مضت، وكانت تربطها صلة قرابة وثيقة بإنسان «نياندرتال».

وإلى جانب أدلّة أحفورية أخرى، تدعم هذه النتائج فكرة أنّ إنسان دينيسوفا كان واسع الانتشار في أنحاء شرق آسيا، بما يتجاوز بكثير كهوف سيبيريا الباردة أو جبال التبت التي غالباً ما يرتبط بها.

بالإضافة إلى ذلك، تشترك هذه الأحافير في سمات رئيسية مع بقايا عُثر عليها في مواقع مختلفة عبر شرق آسيا؛ لذا يرجّح الباحثون أنّ كثيراً من الأحافير الأخرى المكتشفة في هذه المنطقة قد تنتمي إلى سلالة إنسان دينيسوفا ذاتها.

وفي الختام، شدَّد الباحثون على «أنّ إدراج أفراد إضافيين من أشباه البشر القدامى الذين عاشوا في شرق آسيا خلال أواخر العصر البليستوسيني الأوسط، إلى جانب أحافير شوجياياو، يوسّع نطاق التباين الشكلي لدى إنسان دينيسوفا في شرق آسيا».