خطوة واعدة لإنتاج لقاح لفيروس التهاب الكبد الوبائي «سي»

صورة تظهر الطول الكامل لمركب البروتينين مع ثلاثة أجسام مضادة محايدة (معهد سكريبس للأبحاث)
صورة تظهر الطول الكامل لمركب البروتينين مع ثلاثة أجسام مضادة محايدة (معهد سكريبس للأبحاث)
TT

خطوة واعدة لإنتاج لقاح لفيروس التهاب الكبد الوبائي «سي»

صورة تظهر الطول الكامل لمركب البروتينين مع ثلاثة أجسام مضادة محايدة (معهد سكريبس للأبحاث)
صورة تظهر الطول الكامل لمركب البروتينين مع ثلاثة أجسام مضادة محايدة (معهد سكريبس للأبحاث)

الخطوة الأساسية لإنتاج لقاح لفيروس كورونا، بدأت برسم خرائط عالية الدقة للبروتين السطحي الشائك الذي يرصع سطح الفيروس (بروتين سبايك). إلا أن هذه الإمكانية لم تكن متاحة لفيروس التهاب الكبد الوبائي (سي)، لذلك ظل حلم إنتاج لقاح له بعيد المنال.
الآن، يبدو أن العالم أصبح أقرب خطوة نحو إنتاج لقاح للفيروس، بعد أن تمكن علماء من معهد سكريبس للأبحاث بأميركا، وجامعة أمستردام بهولندا، من رسم خرائط عالية الدقة للبروتينات الحرجة التي ترصع سطح الفيروس، وتمكنه من دخول الخلايا المضيفة، واستطاعوا بمزيد من التفصيل توضيح المواقع الرئيسية للضعف على بروتين الفيروس، والتي يمكن الآن استهدافها بشكل فعال باللقاحات. وجرى الإعلان عن هذا الإنجاز في 21 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بدورية «ساينس».
ويعاني ما يقرب من 60 مليون شخص على مستوى العالم، من عدوى مزمنة بفيروس التهاب الكبد الوبائي، حيث يصيب الفيروس خلايا الكبد، وعادة ما ينشئ عدوى «صامتة» لعقود، حتى يصبح تلف الكبد شديدا بدرجة كافية لإحداث أعراض، وهو سبب رئيسي لأمراض الكبد المزمنة د وسرطانات الكبد الأولية وعمليات زرع الكبد. إن أصول هذا الفيروس غير مؤكدة، لكن يعتقد أنه ظهر منذ عدة مئات من السنين على الأقل، ثم انتشر في نهاية المطاف عالميا، خاصةً عن طريق عمليات نقل الدم، في النصف الأخير من القرن العشرين.
وفي حين تم القضاء على الفيروس في الغالب من بنوك الدم بعد اكتشافه الأولي عام 1989، فإنه يستمر في الانتشار بشكل رئيسي عن طريق مشاركة الإبر بين متعاطي المخدرات عن طريق الحقن في البلدان المتقدمة، وباستخدام أدوات طبية غير معقمة في البلدان النامية. وتعتبر الأدوية المضادة للفيروسات فعالة، لكنها باهظة الثمن للغاية بالنسبة للعلاج على نطاق واسع.
ويمكن للقاح فعال في نهاية المطاف القضاء على الفيروس باعتباره عبئا على الصحة العامة، ومع ذلك لم يتم تطوير مثل هذا اللقاح، إلى حد كبير بسبب الصعوبة غير العادية في دراسة مركب بروتين غلاف الفيروس، والذي يتكون من بروتينين فيروسيين يسميان (E1) و(E2). وتكون صعوبة التصوير عالي الدقة لمركب هذين البروتينين، هو أنه أشبه بكيس من «السباغيتي الرطب»، دائما ما يغير شكله، ووجد الباحثون أنه يمكنهم استخدام مزيج من ثلاثة أجسام مضادة لفيروس التهاب الكبد الوبائي (سي) على نطاق واسع لتحقيق الاستقرار في مركب البروتينين في شكل طبيعي. والأجسام المضادة المعادلة على نطاق واسع هي تلك التي تكون قادرة على الحماية من مجموعة واسعة من السلالات الفيروسية، من خلال الارتباط بمواقع غير متغيرة نسبيا على الفيروس بطرق تقطع دورة حياة الفيروس.
وباستخدام المجهر الإلكتروني منخفض الحرارة، قام الباحثون بتصوير مركب البروتينين المثبت بالأجسام المضادة، وبمساعدة برنامج تحليل الصور المتقدم، تمكن الباحثون من إنشاء خريطة هيكلية للبروتينين ذات وضوح ومدى غير مسبوقين، وبدقة المقياس الذري تقريبا.
تضمنت التفاصيل معظم هياكل البروتينين (E1) و(E2)، بما في ذلك واجهة البروتينين الرئيسية، ومواقع ربط الأجسام المضادة الثلاثة، كما سلطت البيانات الهيكلية الضوء على غابة من جزيئات «الجليكان» المرتبطة بالسكر فوق البروتينين.
وغالباً ما تستخدم الفيروسات «الجليكانات» لحماية نفسها من الجهاز المناعي لمضيف مصاب، لكن في هذه الحالة، أظهرت البيانات الهيكلية أن جليكانات فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي (سي) لها دور رئيسي آخر على ما يبدو، وهو المساعدة على تثبيت هيكل البروتينين الضعيف معا.
تقول ليزا إيشون ويلسون، باحث ما بعد الدكتوراه بمعهد «سكريبس للأبحاث» في تقرير نشره الموقع الإلكتروني للمعهد، بالتزامن مع الدراسة «الحصول على هذه التفاصيل عن البروتينين سيساعد الباحثين على تصميم لقاح يستخرج الأجسام المضادة بقوة لمنع الإصابة بفيروس التهاب الكبد الوبائي».


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي يتجاوز البحث ليعيد صياغة تجربة المستخدم الرقمية

تكنولوجيا يعيد الذكاء الاصطناعي كتابة عناوين الأخبار في نتائج البحث عنها، مهددا الدقة والاحترافية المهنية

الذكاء الاصطناعي يتجاوز البحث ليعيد صياغة تجربة المستخدم الرقمية

تقود شركة «غوغل» موجة تحولات جذرية في خدماتها الرقمية، متجاوزة دورها التقليدي بوصفها محرك بحث لتصبح شريكاً تفاعلياً في أدق تفاصيل العمل والتعلم.

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا المنزل الذكي في عصر الذكاء الاصطناعي

المنزل الذكي في عصر الذكاء الاصطناعي

في خضم الضجة الهائلة المحيطة بالذكاء الاصطناعي، يسهل نسيان أن شركات التكنولوجيا كانت تحاول قبل فترة وجيزة إقناعنا بفكرة مبتكرة: المنزل الذكي- نظام متكامل

بريان إكس. تشين (نيويورك)
علوم التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

تمكن فريق من الباحثين لأول مرة من تحديد مجموعة محددة من الجينات التي تنشط في أثناء التواصل اللحظي بين خلايا الدماغ،

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم الدكتورة كريستينا أرغيسو تسعى لتطوير نباتات قادرة على مقاومة الآفات من دون أن تخسر إنتاجيتها (جامعة ولاية كولورادو)

ابتكار علمي يعزز إنتاج المحاصيل الزراعية من دون مبيدات

قبل نحو 6 عقود، أحدث عالم الوراثة الأميركي نورمان بورلاوغ، الملقب بـ«أبو الثورة الخضراء»، تحولاً جذرياً في تاريخ البشرية؛ فمن خلال تطوير أصناف قمح قصيرة القامة…

محمد السيد علي (القاهرة)
تحليل إخباري رواد الفضاء الأربعة في مهمة «أرتميس ‌2» (ناسا)

تحليل إخباري القمر مختبراً... كيف يشكّل «أرتميس» بروفة «ناسا» لرحلات المريخ؟

برنامج «أرتميس» يستخدم القمر لاختبار التقنيات والتحمل البشري واللوجيستيات تمهيداً لبعثات المريخ واستكشاف الفضاء العميق بشكل مستدام.

نسيم رمضان (لندن)

الذكاء الاصطناعي: 20 ثانية للموافقة على ضربة عسكرية… و1.2 ثانية لرفض طلب تأمين صحي

الذكاء الاصطناعي: 20 ثانية للموافقة على ضربة عسكرية… و1.2 ثانية لرفض طلب تأمين صحي
TT

الذكاء الاصطناعي: 20 ثانية للموافقة على ضربة عسكرية… و1.2 ثانية لرفض طلب تأمين صحي

الذكاء الاصطناعي: 20 ثانية للموافقة على ضربة عسكرية… و1.2 ثانية لرفض طلب تأمين صحي

في أول 24 ساعة من الحرب مع إيران، شنت الولايات المتحدة ضربات على ألف هدف. وبحلول نهاية الأسبوع، تجاوز العدد الإجمالي 3000 هدف، أي ضعف ما تم استهدافه في مرحلة «الصدمة والترويع» خلال غزو العراق عام 2003، وفقاً لوزير الحرب بيت هيغسيث، كما كتب فيصل حق (*).

دور الذكاء الاصطناعي العسكري

وقد أصبح هذا العدد غير المسبوق من الضربات ممكناً بفضل الذكاء الاصطناعي. وتصرّ القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) على أن العنصر البشري يبقى مشاركاً في كل قرار يتعلق بتحديد الأهداف، وأن الذكاء الاصطناعي موجود لمساعدتهما على اتخاذ «قرارات أكثر ذكاءً وبسرعة أكبر». لكن يبقى الدور الذي يمكن أن يلعبه البشر تحديداً عندما تعمل الأنظمة بهذه السرعة، غير واضح.

توفير الوقت... لقتل الفلسطينيين

قد يُقدم استخدام إسرائيل للذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف خلال حربها على «حماس» بعض الأفكار. فقد أفاد تحقيق أُجري العام الماضي بأن الجيش الإسرائيلي نشر نظام ذكاء اصطناعي يُدعى «لافندر» Lavender لتحديد المشتبه بهم من المسلحين في غزة.

وكانت الرواية الرسمية هي أن جميع قرارات الاستهداف كانت تخضع لتقييم بشري. لكن وفقاً لأحد العاملين في شركة «لافندر»، فإنه ومع ازدياد ثقة الموظفين بالنظام، اقتصرت فحوصهم على التأكد من أن الشخص المستهدف، ذكر. وهو يقول: «كنت أقضي 20 ثانية لكل شخص مستهدف. لم يكن لوجودي أي قيمة مضافة كإنسان، باستثناء كوني مجرد موافقة. لقد وفر ذلك الكثير من الوقت».

رفض طلب صحي - أسرع

وقد ساد هذا النمط نفسه في عالم الأعمال. ففي عام 2023، كشفت «بروبابليكا» عن أن شركة «سيغنا»، إحدى أكبر شركات التأمين الصحي في أميركا، استخدمت خوارزمية لتحديد المطالبات التي تستدعي الرفض. وكان أطباؤها، الذين يُلزمهم القانون بممارسة حكمهم السريري، يوقّعون على قرارات الخوارزمية على دفعات، ويقضون في المتوسط ​​1.2 ثانية في كل حالة. وقد رفض أحد الأطباء أكثر من 60 ألف مطالبة في شهر واحد. يقول طبيب سابق في «سيغنا»: «ببساطة، نضغط على زر الإرسال، ونرسل. لا يستغرق الأمر أكثر من 10 ثوانٍ لمعالجة 50 مطالبة في المرة الواحدة».

الانفصال عن القرار يجرّده من جوهره

يكتب الروائي ميلان كونديرا عن ثقل مواجهة خطورة أفعالنا الدائمة. إن الانفصال عن ثقل قراراتنا يُجرّدها من جوهرها ومعناها.

يَعِد الذكاء الاصطناعي بتخفيف عبء العمل الصعب والمُرهِق ذهنياً، فهو يُسهّل العمل. تصبح القرارات أسرع وأسهل. وفي الكثير من المجالات، يُعدّ هذا تقدماً حقيقياً. لكن بعض القرارات بالغة الأهمية لدرجة أننا يجب أن نشعر بثقلها.

ميزة التأني قبل القصف

يجب أن يستغرق الأمر وقتاً لاتخاذ قرار بقتل شخص أو رفض طلب رعاية صحية. يجب أن يكون من الصعب تحديد المباني التي يجب قصفها. في مثل هذه القرارات، تُؤدي الصعوبة وظيفةً، فهي ميزة وليست عيباً. إنها آلية تُجبر المؤسسات على التفكير ملياً فيما تفعله. عندما يُزيل الذكاء الاصطناعي هذا العبء، لا تصبح المؤسسة أكثر كفاءة، بل تُصبح عاجزة.

هذا ليس تقدماً... بل انحطاط أخلاقي

عندما يُزيل الذكاء الاصطناعي عبء اتخاذ القرارات بشأن من يعيش ومن يموت، فهذا ليس تقدماً، بل هو انحطاط أخلاقي.

إذا كان الإنسان في هذه العملية لا يقضي سوى ثوانٍ معدودة في كل قرار، فإن مسألة ما إذا كان النظام ذاتياً أم خاضعاً لإشراف بشري تصبح مسألة لفظية في جوهرها. علينا أن نُصرّ على وجود العنصر البشري في هذه العملية أيضاً.

السماح للإنسان أن يكون إنساناً

في مثل هذه الحالات، يجب السماح للإنسان بأن يكون إنساناً، حتى لو كان ذلك يعني أنه أبطأ وأقل دقة وكفاءة. هذا هو الثمن الذي ندفعه مقابل شيء ضروري للغاية: نحتاج إلى أن يشعر الإنسان بثقل القرارات التي يتخذها؛ لأن الصعوبة تُولّد الاحتكاك الذي يدفع الناس إلى التوقف والتساؤل والاعتراض.

الثقافة المؤسسية

عندما تصبح القرارات الصعبة سهلة، تتغير المؤسسة نفسها. يتوقف الناس عن التساؤل؛ لأنه لا يوجد ما يستحق التساؤل - فالنظام قد حسم أمره، ودور الإنسان هو التأكيد. يتراجع الاختلاف لأن الاختلاف يتطلب جهداً، وقد تم التخلص من هذا الجهد. تتضاءل المساءلة لأن الجميع يعلم أن الحاسوب هو من يتخذ القرارات.

لم تكن طبيبة شركة «سيغنا» التي رفضت 60 ألف مطالبة في شهر واحد قاسية. لقد وُضعت في نظام لا يتطلب فيه رفض المطالبة جهداً أكثر من نقرة زر. وفعل النظام شيئاً أكثر خبثاً من مجرد إفساد حكمها - لقد جعل حكمها غير ضروري. لهذا السبب؛ فإن قضية «سيغنا» ليست قصة عن شخص واحد سيئ، بل هي قصة عما يحدث لأي مؤسسة تُفرغ قراراتها الصعبة من ثقلها بشكل منهجي.

تكلفة «إفراغ المساءلة»

لإفراغ المساءلة تكلفة تظهر في ثلاثة جوانب للشركات.

- أولاً، المسؤولية القانونية. لا يمكن مقاضاة الخوارزمية أو فصلها أو تحميلها مسؤولية أخطائها. يمكن للمؤسسة التي وظّفته أن تفعل ذلك. إن الرقابة الشكلية ليست منطقة رمادية قانونية، بل هي مسؤولية تنتظر تدخل المحامين.

- ثانياً، الهشاشة المؤسسية. عندما يتوقف البشر عن المشاركة الفعّالة في اتخاذ القرارات، يتوقفون عن التعلم منها. عندما يبدو أن الآلة تُصيب دائماً، لا أحد يكتسب القدرة على التمييز بين الخطأ والخطأ. والمؤسسات التي تُهمّش دور البشر في عملية اتخاذ القرار تُصبح معتمدة على أنظمة لم تعد تفهمها تماماً. وهذا يُؤدي إلى هشاشة في اللحظات التي تتطلب المرونة.

- ثالثاً، الثقة. قد يرغب العملاء والموظفون والجهات التنظيمية في معرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قد اتخذ قراراً. لكنهم سيرغبون بالتأكيد في معرفة ما إذا كان هناك من يتحمل المسؤولية الحقيقية عنه. والإجابة، إنه في كثير من المؤسسات هي: لا، وهذه الإجابة لها عواقب وخيمة على علاقات المنظمة بالجهات المسؤولة أمامها.

الخلاصة

يُقال لنا إن الذكاء الاصطناعي يُحررنا - من الأعمال الشاقة، ومن بطء الإجراءات، ومن عبء القرارات الصعبة. وغالباً ما يكون كذلك. لكن ليس كل عبء مشكلة يجب حلها. أحياناً، تكون الأعباء هي الهدف. إنّ الثقل الذي ينبغي أن يشعر به القائد قبل إصدار أمرٍ بشنّ ضربة، والجهد الذي يبذله الطبيب قبل رفض تقديم الرعاية - ليسا مجرد أوجه قصور يمكن التخلص منها بسهولة. بل هما الآليتان اللتان تضمنان نزاهة المؤسسات فيما يتعلق بالسلطة التي تمارسها.

بالطبع، ستكون المؤسسات التي تتخلص من هذا الثقل أسرع وأخفّ وزناً. وقد يبدو، لفترة من الزمن، أنها تحقق النصر. لكن هذه المؤسسات ستكون أيضاً هي التي ستكتشف، بعد فوات الأوان، أن الصعوبة كانت ثمن كونها صاحبة القرار - وفي اللحظة التي تتوقف فيها المؤسسة عن دفع هذا الثمن، لا يحق لها اتخاذ أي قرار على الإطلاق.

* مجلة «فاست كومباني»


رواد «أرتيميس 2» يحطمون الرقم القياسي لأبعد مسافة يقطعها بشر في الفضاء

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أوريون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أوريون» (أ.ف.ب)
TT

رواد «أرتيميس 2» يحطمون الرقم القياسي لأبعد مسافة يقطعها بشر في الفضاء

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أوريون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أوريون» (أ.ف.ب)

اجتاز رواد الفضاء الأربعة ضمن مهمة «أرتيميس 2»، الاثنين، أبعد نقطة وصل إليها رواد «أبولو» عن الأرض عام 1970، ويستعدون لتمضية ساعات في التحليق فوق مناطق غير مكتشفة من القمر وجانبه المخفي.

وحُطِّم الرقم القياسي البالغ 400 ألف و171 كيلومتراً الذي حققته مهمة «أبولو 13»، وبات من المتوقع أن يجتاز رواد الفضاء الأميركيون كريستينا كوك وفيكتور غلوفر وريد وايزمان، والكندي جيريمي هانسن، مسافة تزيد عن 406 آلاف كيلومتر من الأرض خلال تحليقهم حول القمر.

وقالت مديرة اتصالات الطاقم جيني غيبسونز للرواد الأربعة من مركز التحكم التابع لوكالة الفضاء الأميركية (ناسا) في هيوستن بولاية تكساس: «الغرفة ملأى اليوم بفرحة (استكشاف) القمر، وأظن أنكم تشعرون بذلك أيضاً».

وأوضحت كريستينا كوك، المستكشفة المخضرمة التي تصنع التاريخ كأول امرأة تحلق على سطح القمر، أن رواد الفضاء كانوا «ملتصقين بالنوافذ»، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورغم أن الرواد الأربعة لن يهبطوا على سطح القمر، فإن الرحلة تشكل حدثاً تاريخياً، إذ لم يسبق لأي من مهمات أبولو (1968-1972) أن ضمّت ضمن طواقمها نساء، أو رواد فضاء سوداً، أو رواد فضاء من غير الأميركيين.

وقال جيم لوفيل، الرائد في مهمتي أبولو 8 و13، للرواد في رسالة سجّلها قبل أشهر قليلة من وفاته عام 2025: «هذا يوم تاريخي».

وأضاف: «أهلاً بكم في مقرّي السابق»، معرباً عن فخره بتسليم الراية إليهم. وقدّم لهم نصيحة، قائلاً: «أعلم أنكم ستكونون مشغولين للغاية، لكن لا تنسوا الاستمتاع بالمنظر».

وعرض قائد المهمة، الأميركي ريد وايزمان خلال البث، شعار مهمة «أبولو 8» الذي حمله طاقم «أرتيميس» على متن المركبة.

وفي تاريخ استكشاف الفضاء، لم يغامر أي رائد فضاء روسي أو صيني بالتوغل إلى ما بعد 400 كيلومتر من الأرض، وهي المسافة إلى المحطات المدارية حول الأرض. وحدها المركبات الفضائية التي عادت لرصد القمر هي التي فعلت ذلك.

انطلاق مهمة «أرتيميس 2» إلى مدار القمر من «مركز كينيدي الفضائي» في فلوريدا بالولايات المتحدة (أ.ب)

وتستمر فترة رصد القمر قرابة سبع ساعات، بدءا من الساعة 18:45 بتوقيت غرينتش، بحيث سيملأ القمر نافذة مركبة «أوريون» الفضائية.

وسيبدو القمر لهم بحجم «كرة سلة على طرف اليد»، وفق ما صرّح نواه بيترو، رئيس مختبر الجيولوجيا الكوكبية التابع لوكالة «ناسا».

«قشعريرة»

تدرب أفراد الطاقم الأربعة لأكثر من عامين على التعرف على التكوينات الجيولوجية ووصفها بدقة للعلماء على الأرض، ولا سيما درجات اللون البني والبيج للتربة.

وتناوب الرواد على وصف المنظر الكامل للقمر أمامهم، الاثنين.

وقالت كوك: «هناك شيء لم أره في السابق في الصور، لكن يمكن ملاحظته بشكل كبير هنا: كل هذه الفوهات الحديثة شديدة السطوع».

وأضافت: «إنها في الواقع تشبه عاكس ضوء مثقوباً بثقوب صغيرة يمر الضوء من خلالها. وهي شديدة السطوع مقارنة ببقية أنحاء القمر».

وإلى جانبها، أعرب غلوفر عن دهشته، قائلاً: «أتمنى لو كان لدي المزيد من الوقت لأجلس هنا وأصف ما أراه».

من جهته، أفاد هانسن برؤية ظلال خضراء وبنّية على سطح القمر.

وقد تساعد كل هذه الملاحظات العلماء على فهم جيولوجيا القمر وتاريخه بشكل أفضل.

ويُبث الحدث مباشرة على منصات متعددة مثل «نتفليكس» و«يوتيوب»، باستثناء 40 دقيقة ستقطع خلالها الاتصالات بسبب حجب القمر.

كانت كيلسي يونغ، كبيرة علماء المهمة، وعدت في مؤتمر صحافي عُقد نهاية الأسبوع الفائت، بأن «سماع هذا الطاقم وهو يصف سطح القمر سيُثير فيكم القشعريرة».

وبينما سبقهم رواد فضاء أبولو إلى هذا الإنجاز، قبل أكثر من 50 عاماً، فإن معظمنا «لم يكن قد وُلد بعد، لذا ستكون هذه تجربة فريدة من نوعها بالنسبة الينا»، بحسب ما قال ديريك بوزاسي، أستاذ علم الفلك والفيزياء الفلكية في جامعة شيكاغو.

بعثة «أرتيميس 2» في طريقها إلى القمر (ناسا - أ.ف.ب)

الشروق والغروب

سيحلق رواد الفضاء خلف القمر ليكتشفوا جانبه البعيد الذي لا يُرى أبداً من الأرض.

ومن المرجح أن يروا «مناطق من هذا الجانب البعيد لم يتمكن أي من رواد فضاء أبولو من رصدها»، وفق ما صرح جايكوب بليتشر، رئيس قسم استكشاف العلوم في «ناسا»، معرباً عن حماسته الشديدة لهذا الاحتمال.

ورصد الطاقم لمحة من حوض أورينتال، وهو فوهة بركانية عملاقة تُلقّب بـ«الوادي الكبير للقمر» ولم تُشاهد بكاملها حتى الآن إلا عبر مركبات فضائية.

وقال هانسن: «الأمر يشبه تماماً التدريب، ولكن في ثلاثة أبعاد، وهذا مذهل حقاً!».

وفي وقت لاحق الاثنين، قرر الرواد إطلاق اسم كارول تايلور وايزمان، الزوجة الراحلة لقائد المهمة، على فوهة قمرية.

وأعلن هانسن خلال بث مباشر: «هناك معلم في بقعة رائعة على سطح القمر (...) في نقاط معينة خلال عبور القمر، ستتمكنون من رؤيته من الأرض». وتابع: «إنها بقعة صافية على سطح القمر، ونود أن نسميها كارول».

وستُمكّنهم رحلتهم القمرية أيضاً من مشاهدة كسوف الشمس، حيث تختفي الشمس خلف القمر، وشروق الأرض وغروبها خلف القمر.

ويُذكّر هذا بصورة «شروق الأرض» الشهيرة التي أحدثت ثورة في نظرتنا للعالم عام 1968 خلال مهمة «أبولو 8».

وإذا سارت هذه المهمة وتلك التي تليها العام المقبل على ما يُرام، تُخطّط «ناسا» لإنزال رواد فضاء على سطح القمر عام 2028.


التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري
TT

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

التقاط «السيمفونية الجينية» للدماغ البشري

تمكن فريق من الباحثين لأول مرة من تحديد مجموعة محددة من الجينات التي تنشط في أثناء التواصل اللحظي بين خلايا الدماغ، الأمر الذي يتيح فرصة غير مسبوقة لفهم الآليات الجزيئية التي تقف وراء الأفكار والمشاعر والسلوك البشري.

وتمثل هذه النتائج التي نُشرت في 19 فبراير (شباط) الماضي في دورية Molecular Psychiatryقفزة نوعية كبرى، فحتى وقت قريب كان العلماء الذين يدرسون وظائف الدماغ من منظور جيني يعتمدون بشكل أساسي على فحص الأنسجة بعد الوفاة. وهو ما يشبه النظر إلى دماغ صامت لمحاولة فهم كيفية عمله عندما يكون حياً. أما النهج الجديد الذي ابتكرته الفرق البحثية في كلية «إيكان للطب» في ماونت سايناي بنيويورك، فقد مكّن العلماء من مشاهدة هذه العملية وهي تجري في الزمن الحقيقي.

ويوضح قائد الدراسة الدكتور ألكسندر تشارني، أستاذ الطب النفسي وعلم الأعصاب والعلوم الجينية في كلية إيكان للطب نيويورك، أهمية هذا التحول قائلاً: «لعقود من الزمن كان فهمنا للتعبير الجيني في الدماغ البشري محصوراً في الدراسات التي تجرى على الأنسجة بعد الوفاة. أما هذا العمل فيتيح لنا الآن فحص البنية الجزيئية للتواصل العصبي وهو يحدث داخل أفراد أحياء، مما يقربنا خطوة كبيرة من ربط الجينات مباشرة بوظائف الدماغ في الوقت الفعلي».

جسر بين عالمين منفصلين

وركزت الدراسة على عملية «النقل العصبي» (Neurotransmission)، وهي تلك الإشارات الكهربائية والكيميائية التي تنتقل بين الخلايا العصبية، وتشكل الأساس لكل فكرة وذكرى وحركة يقوم بها الإنسان. ولالتقاط هذه العملية الدقيقة دمج الفريق البحثي بين تقنيتين متطورتين.

حلل الباحثون أنماط التعبير الجيني في منطقة «قشرة الفص الجبهي» Prefrontal Cortex لأكثر من مائة مريض كانوا يخضعون لعمليات جراحية عصبية. وبالتزامن مع ذلك جمعوا قياسات مباشرة للإشارات العصبية من أدمغة هؤلاء المرضى في أثناء وعيهم الكامل. ومن خلال دمج البيانات الجزيئية مع التسجيلات الفسيولوجية الحية تمكن الفريق من تحديد مجموعة متجانسة من الجينات يرتفع وينخفض نشاطها بتناغم مع انطلاق الإشارات العصبية.

ويؤكد الدكتور برايان كوبيل، مدير مركز التعديل العصبي في كلية إيكان للطب نيويورك والمشارك بالدراسة، الأهمية الكبيرة للجمع بين هذين التخصصين العلميين، قائلاً: «من خلال الجمع بين التسجيلات داخل الجمجمة والتحليل الجزيئي نقوم ببناء جسر بين عالمين كانا يُدرسان تقليدياً بشكل منفصل. هذا النهج يقدم لنا صورة أوضح عن كيفية عمل الدوائر العصبية على المستويين الكهربائي والجيني معاً، مما يحمل آثاراً عميقة على تطوير أساليب التعديل العصبي والعلاجات الدقيقة».

إطار لفهم الأمراض العقلية

كما أكدت الدراسة أن هذا «البرنامج النسخي» Transcriptional Program المكتشف حديثاً ليس مجرد ظاهرة عشوائية بل هو نمط يتكرر عبر مجموعات مختلفة من المرضى، ويتوافق مع المسارات البيولوجية المعروفة المرتبطة بالإشارات العصبية الاستثارية والوظائف التشابكية بين الخلايا العصبية.

أما الآثار المترتبة على هذا الاكتشاف فستكون واسعة النطاق؛ فاضطراب عملية النقل العصبي هو السمة الأساسية المشتركة في جميع الاضطرابات النفسية والعصبية الكبرى تقريباً، بما في ذلك الاكتئاب والفصام والصرع ومرض ألزهايمر. ومن خلال تحديد الجينات التي تدعم التواصل العصبي السليم أصبح لدى العلماء الآن هدف أكثر وضوحاً لفهم مواطن الخلل في الأمراض المختلفة.

ويشير الدكتور إغناسيو سايز، أستاذ علم الأعصاب وجراحة المخ والأعصاب في كلية إيكان للطب وأحد المشاركين بالدراسة، إلى أن هذه الدراسة تُحدث نقلة نوعية أيضاً في طريقة تفسير البيانات الجينية المعقدة، قائلاً: «تكمن قوة هذه الدراسة في قدرتها على دمج بيانات النسخ الجيني واسعة النطاق مع قياسات مباشرة لنشاط الدماغ. كما إن تحديد برنامج نسخي منسق يرتبط بالنقل العصبي يوفر لنا إطاراً جديداً لفهم كيفية تأثير الاختلافات الجينية على وظائف الدماغ وقابليته للإصابة بالأمراض».

مشهد حيّ لا خرائط ساكنةتقليدياً، اعتمد العلماء على الدراسات الجينية لتحديد عوامل الخطر المرتبطة بالأمراض النفسية؛ أي تحديد الجينات التي قد تكون معطلة. لكن معرفة الجين المعطل لا تكفي وحدها لتفسير كيفية اختلال عمل الدوائر العصبية في الزمن الحقيقي. ويأتي هذا البحث الجديد ليشكل جسراً يربط بين المخاطر الجينية والنشاط الفعلي للدماغ.

ومن خلال تحديد الشكل «الصحي» للأنماط الجينية في أثناء عملية التواصل الدماغي النشط يمكن للباحثين الآن فهم الاضطرابات الجزيئية التي تحدث في الأمراض النفسية بشكل أفضل. وقد يؤدي هذا في النهاية إلى تطوير أدوات تشخيصية أكثر دقة تعتمد على الآليات البيولوجية للمرض بدلاً من الأعراض فقط، بالإضافة إلى علاجات دقيقة مصممة لتصحيح أخطاء جينية محددة في مسارات الإشارات العصبية.

وفي المحصلة يحول هذا البحث دراسة الدماغ البشري من تمرين تشريحي ساكن إلى استكشاف ديناميكي للكائن الحي. فمن خلال التقاط اللحظة التي يتشكل فيها الفكر على المستوى الجيني يضع العلماء الأسس اللازمة للجيل المقبل من الرعاية النفسية والعصبية.