«تسونامي الجوع»... تهديد عالمي تصنعه الطبيعة وتفاقمه الصراعات

سوريا والسودان ولبنان والصومال واليمن بين بؤر القلق

التجويع بقطع الإمدادات يُستخدم كتكتيك حربي في بعض الصراعات (الأمم المتحدة)
التجويع بقطع الإمدادات يُستخدم كتكتيك حربي في بعض الصراعات (الأمم المتحدة)
TT

«تسونامي الجوع»... تهديد عالمي تصنعه الطبيعة وتفاقمه الصراعات

التجويع بقطع الإمدادات يُستخدم كتكتيك حربي في بعض الصراعات (الأمم المتحدة)
التجويع بقطع الإمدادات يُستخدم كتكتيك حربي في بعض الصراعات (الأمم المتحدة)

لم تكن قمة الأمم المتحدة للمناخ (COP 27)، المنعقدة حالياً في مدينة شرم الشيخ المصرية، مناسبة فقط لـ«التحذير من تداعيات التغيرات المناخية، وحشد الجهود الدولية للحد من تأثير تلك التداعيات»، بل إنها ذكّرت بخطر يتهدد ملايين البشر معظمهم في المنطقة العربية وأفريقيا، هذا الخطر وفقاً لأحدث التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة، هو «تسونامي الجوع»، الذي بات تهديداً حقيقياً جراء الزيادة غير المسبوقة في معدلات نقص الغذاء، سواء بسبب العوامل الطبيعية، أو الصراعات الأهلية والنزاعات المسلحة.
وتحدث خبراء إلى «الشرق الأوسط»، عن أسباب تفاقم مخاطر المجاعات في مناطق بعدد من الدول، خاصة في ظل توقعات أممية بأن يمتد «تفاقم انعدام الأمن الغذائي الحاد في الفترة بين أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إلى يناير (كانون الثاني) 2023».

ولعل أحدث إفادة تتعلق بالنزاع في إثيوبيا، أمس (السبت)، التي يمثلها إعلان طرفي الصراع الاتفاق على تسهيل إيصال «المساعدات الإنسانية لكل من يحتاجونها» في منطقة تيغراي، دليل متزايد على دقة التحذيرات التي أطلقتها مؤسسات أممية وإنسانية بشأن مخاطر الجوع التي تهدد نطاق المعارك.
وبحسب تقرير لـ«برنامج الأغذية العالمي»، التابع للأمم المتحدة، الصادر منتصف مارس (آذار) الماضي، وحمل عنوان «بؤر الجوع الساخنة - الإنذار المبكر»، فإن هناك حاجة إلى إجراءات إنسانية عاجلة في 20 «بؤرة ساخنة للجوع» حول العالم.
ووفقاً للتقرير، لا تزال إثيوبيا ونيجيريا وجنوب السودان واليمن، تعيش في «حالة التأهب القصوى»، باعتبارها بؤراً ساخنة ذات ظروف كارثية، وقد دخلت أفغانستان والصومال لأول مرة ضمن هذه الفئة.
كما لا تزال – بحسب التقرير أيضاً - الكونغو الديمقراطية وهايتي والساحل الأفريقي والسودان وسوريا، في وضع مثير لـ«القلق البالغ» مع تدهور الأوضاع الحرجة، وكذلك انضمت كينيا إلى القائمة، وأضيفت أيضاً سريلانكا ودول غرب أفريقيا الساحلية كبنين والرأس الأخضر وغينيا، وأوكرانيا وزيمبابوي، إلى قائمة البلدان ذات البؤر الساخنة، في حين جاءت أنغولا ولبنان ومدغشقر وموزمبيق بقائمة «بؤر الجوع الساخنة».

المجاعة تهدد الملايين

وذكر التقرير السنوي الذي نشرته الشبكة العالمية لمكافحة أزمات الغذاء (GNAFC)، وهي تحالف دولي للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والوكالات الحكومية وغير الحكومية التي تعمل معاً لمعالجة أزمات الغذاء، في مايو (أيار) الماضي، أن نحو 193 مليون شخص في 53 دولة أو إقليماً، قد عانوا من انعدام الأمن الغذائي الحاد في أوقات الأزمات، أو مستويات أسوأ خلال العامين الأخيرين.
وبحسب المنظمة، اتسعت دائرة الدول التي سقطت في هاوية فقدان الأمن الغذائي خلال عام 2022، وهو ما أرجعه التقرير إلى الصراعات التي اعتبرها «المحرك الرئيس لانعدام الأمن الغذائي»، وأن البلدان التي تتعامل بالفعل مع مستويات عالية من الجوع الحاد معرضة بشكل خاص للمخاطر التي أوجدتها الحرب في أوروبا الشرقية.
كما دقت الأمم المتحدة ناقوس الخطر بشأن مخاطر المجاعة التي تهدد ملايين الأشخاص عبر العالم، منها على سبيل المثال لا الحصر، منطقة القرن الأفريقي المهددة بأسوأ جفاف منذ أكثر من 40 سنة، في خامس موسم على التوالي دون تساقطات مطرية، مما يتسبب في تدمير سبل العيش، وتفاقم الوضع الإنساني في إثيوبيا والصومال وأنحاء من كينيا، بما في ذلك خطر المجاعة في الصومال.

ومنذ بداية هذا العام، دفعت أزمة الغذاء العالمية المتصاعدة 260 ألف طفل إضافيين - أي طفل واحد كل 60 ثانية - نحو المعاناة من الهزال الشديد في 15 بلداً تتحمل أشد وطأة للأزمة، بما فيها بلدان منطقة القرن الأفريقي ومنطقة الساحل الوسطى. ويأتي هذا التصاعد في الهزال الشديد ليضاف إلى المستويات الحالية لنقص التغذية بين الأطفال، التي حذرت «اليونيسيف» من أنها تدفع العالم إلى «شفير مستويات كارثية» من سوء التغذية.
ويقدّر المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي، ديفيد بيزلي، أن ما تشهده العديد من دول العالم حالياً، «عاصفة مكتملة الأركان لن يقتصر ضررها على أفقر الفئات فحسب، بل سيتسع نطاق ضررها ليصيب ملايين الأسر؛ لأن الظروف أسوأ بكثير مما كانت عليه خلال فترة (الربيع العربي) في 2011، وأزمة أسعار الغذاء خلال عامي 2007 و2008، عندما هزت الاضطرابات السياسية وأعمال الشغب والاحتجاجات 48 بلداً».

الجوع... تكتيك حرب

ولا تقتصر مسببات «تسونامي الجوع» الذي تتوقع مؤسسات أممية أن يجتاح شعوباً بأكملها خلال الآونة المقبلة، على العوامل الطبيعية كالجفاف والتصحر، ونقص الموارد الطبيعية لإمدادات الغذاء فحسب، بل يلقي كثير من المختصين باللائمة على استمرار النزاعات الأهلية والمسلحة، التي تفاقم من أثر انعدام الأمن الغذائي، كجزء من انعدام الأمن إجمالاً.
وأظهر تقرير لبرنامج الأغذية العالمي، نُشر ملخصه منتصف العام الحالي، أن الروابط بين الجوع والنزاعات معقدة، وتأثيرها واسع النطاق، وأن العديد من الأشخاص الذين يدعمهم البرنامج يفرون من الصراع، وقد اضطروا إلى التخلي عن أراضيهم ومنازلهم ووظائفهم.
ومن المرجح، بحسب البرنامج الأممي، أن تستمر هذه الاتجاهات في اليمن وميانمار وجمهورية أفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية ووسط الساحل والسودان وجنوب السودان والصومال، والأجزاء الشمالية من إثيوبيا ونيجيريا وموزمبيق.
واعترف وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ، مارتن غريفيث، خلال جلسة لمجلس الأمن حول حماية المدنيين في النزاع المسلح باليمن، في وقت سابق هذا العام، بأن «الأطراف المتحاربة تعمدت قطع الإمدادات التجارية والخدمات الأساسية التي يعتمد عليها المدنيون للبقاء على قيد الحياة؛ إذ يُستخدم الجوع أحياناً كتكتيك حرب».
وأشار تقرير للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، إلى أن الأزمة الإنسانية في اليمن بلغت مستويات غير مسبوقة من التدهور، وأن استمرار القتال يعني بالضرورة تدهوراً إضافياً للأزمة، وتنامي الخطر الوشيك لحدوث مجاعة تهدد حياة الملايين، خصوصاً في ظل أزمة التمويل التي تعاني منها المنظمات الإغاثية العاملة في اليمن.
ويمنياً أيضاً، فإن تقريراً اقتصادياً صدر عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي باليمن، قبل أسبوع تقريباً، أكد أن «نحو 19 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال النصف الثاني لهذا العام، في حين سيعاني نحو 538 ألف طفل من سوء التغذية الحاد، وهو ما يضع الأزمة الإنسانية باليمن ضمن أسوأ الأزمات في العالم».
وفي المقابل، فإن التقرير أشار إلى أن «المملكة العربية السعودية أتت في طليعة الدول المانحة لليمن، وبخاصة في المساعدات الإغاثية والإنسانية، بنسبة بلغت نحو 30 في المائة، تلتها الإمارات العربية المتحدة بنحو 25 في المائة، ثم الولايات المتحدة الأميركية، والبنك الدولي، والمملكة المتحدة».

أزمات طبيعية... وسياسية

وتشهد منطقة القرن الأفريقي جفافاً هو الأشد من نوعه منذ عام 1981؛ إذ تسبب الجفاف الشديد في دفع ما يقدر بنحو 13 مليون شخص في إثيوبيا وكينيا والصومال إلى الجوع الشديد في الربع الأول من هذا العام، وقد أدى فشل موسم الأمطار لمدة 3 سنوات متتالية إلى تدمير المحاصيل ونفوق أعداد كبيرة من الماشية بشكل غير طبيعي، وفقاً لبرنامج الأغذية العالمي.
كما تواجه المنطقة تحدياً يضاعف من الأزمة، يتمثل في استمرار الصراعات المسلحة، وعجز الأنظمة السياسية في تلك المنطقة عن توفير مناخ من الاستقرار يساعد في تقديم المساعدات الإنسانية اللازمة، بل في أحيان أخرى قد تكون تلك المساعدات ورقة ضغط في الصراع، كما يقول ويليام ديفيسون، خبير الشؤون الإثيوبية في مجموعة الأزمات الدولية، الذي يضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن الصراعات السياسية، وعجز الأنظمة عن استباق الأزمات، أو اتخاذ الإجراءات الناجعة في مواجهة تلك الأزمات، هو السبب الأبرز وراء كثير من الأزمات الإنسانية، حتى في تلك الدول التي لا تعاني من مشكلات أو نقص في الغذاء يرجع إلى عوامل طبيعية.
ويضرب ديفيسون مثالاً بأزمة إقليم تيغراي في إثيوبيا، مشيراً إلى أن إثيوبيا معروفة بثرواتها المائية والزراعية، إلا أن الصراع الممتد في الإقليم، وإطالة أمد النزاع المسلح بين الحكومة المركزية وقوات «تحرير شعب التيغراي»، وفشل جهود إحلال السلام في أكثر من مناسبة؛ فاقمت من المعاناة الإنسانية في الإقليم.
ويضيف أن مضاعفة الأزمات الإنسانية تُستغل أحياناً كورقة في الصراعات والنزاعات المسلحة، فبحسب العديد من التقارير الدولية، فإن القوى المتصارعة تعمد إلى السيطرة على المعونات التي تصل إلى المناطق المتضررة من النزاعات المسلحة، ومن ثم تحاول استخدام تلك المعونات كورقة ضغط على الطرف الآخر، كما أن استمرار المواجهات العسكرية يصعب من الأوضاع التي تعمل فيها منظمات الإغاثة، سواء تلك التابعة للأمم المتحدة، أو المنظمات الإغاثية غير الحكومية، وهو ما يفاقم من معاناة المدنيين الذين يدفعون ثمناً باهظاً لصراعات ونزاعات لا دخل لهم فيها، وبخاصة من الفئات التي هي أكثر هشاشة، مثل النساء والأطفال.
وتعتبر أيضاً هايدي الشافعي، الباحثة بوحدة الدراسات الأفريقية بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، الصراعات «المحرك الرئيس لانعدام الأمن الغذائي على مستوى العالم»، وتضيف أن القرن الأفريقي من أكثر مناطق العالم تضرراً من النزاعات؛ إذ أدت الصراعات والعنف إلى تفاقم آثار التغيرات المناخية على السكان المتضررين، وتقويض سبل العيش، ووسائل إنتاج الغذاء، ودفع الملايين للنزوح؛ ففي الصومال، على سبيل المثال، تسيطر «حركة الشباب» الإرهابية على جزء كبير من الريف، وتعرقل عمل وكالات الإغاثة الغربية، وتهاجم العاملين في المجال الإنساني، مما يؤدي إلى عدم وصول المساعدات للمحتاجين، ويضاعف من حالة انعدام الأمن الغذائي والجوع الشديد لديهم.

جهود دولية هزيلة

وتقدر الاحتياجات العالمية لتقديم إعانات غذائية طارئة بنحو 46 مليار دولار سنوياً، ولا تفي التزامات المؤسسات الدولية والدول المانحة إلا بأقل من ثلث هذا المبلغ فقط، وهو ما يدفع الخبير السابق بالبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، الدكتور محمد محي الدين، إلى القول إن الجهود الدولية الجارية حالياً لمواجهة تفشي أزمات الجوع ونقص الغذاء في العديد من مناطق العالم، «أشبه بمن يريد أن يعالج السرطان ببضعة أقراص من الأسبرين».

ويضيف محي الدين لـ«الشرق الأوسط»، أن العمل الدولي الراهن، رغم التقدير للجهود المبذولة، «لا يرقى إلى مستوى التوقعات، ولا يسهم بصورة فعالة في مواجهة حقيقية للموقف».
ويُرجع الخبير الأممي السابق، الأمر ليس فقط إلى الخلل الذي يعتري الجهود المبذولة والتقصير من جانب المؤسسات الدولية، بل يذهب إلى أبعد من ذلك؛ فيشير إلى وجود اختلالات في هيكل النظام العالمي الراهن، الذي يرتكن في جوهره إلى الحفاظ على تفوق الدول المتقدمة، واستمرار التباينات والفروق بين المناطق الجغرافية، فهذه المناطق الفقيرة تمثل بالنسبة للدول الغنية «الاحتياطي الاستراتيجي لقوة العمل»، ومن ثم الحفاظ على الأوضاع القاسية في تلك الدول، رغم كل المحاولات التي تبدو أنها ظاهرياً تستهدف مساعدة الدول الفقيرة والهشة، إلا أن واقع الحال يؤكد أن تلك الدول توفر للدول الغنية ما تحتاجه من مخزون بشري تعوض به احتياجاتها من الأيدي العاملة الرخيصة، واستغلالهم في الوظائف التي لا يُقبل عليها مواطنو الدول الغنية، حتى وإن بدت الدول الغنية في مظهر المتأفف من موجات الهجرة من تلك الدول التي تعاني وضعاً هشاً، إنسانياً وسياسياً واجتماعياً.
ويعتقد الخبير السابق بالبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، أن تضافر العوامل الطبيعية والسياسية يفاقم من الأزمة التي تعانيها المناطق الهشة، وخصوصاً في أفريقيا والمنطقة العربية، ويضيف أن العوامل الطبيعية هي بالأساس نتاج لممارسات بشرية خاطئة، مثل تلويث البيئة والاستخدام غير الرشيد للموارد، فضلاً عن أن الصراعات والنزاعات المسلحة لا تؤدي فقط إلى إهدار الثروات، بل إلى تهجير المزارعين وعدم تمكين أكثر الفئات احتياجاً من استغلال تلك الأراضي في الزراعة والحصول على احتياجاتهم من الأغذية، ومن ثم تضاعف الأسعار، وتنقص السلع، الأمر الذي يخلق بدوره دائرة مفرغة من الصراعات السياسية والاجتماعية.


مقالات ذات صلة

شمال افريقيا دور مهم للجمعيات الخيرية المصرية في مساندة الأسر الفقيرة (مؤسسة مصر الخير)

أدوات التكافل الاجتماعي ما زالت قادرة على مساندة فقراء المصريين

تساند أشكال التكافل الاجتماعي الشعبي الفقراء في مصر على الصمود أمام التحديات المعيشية في ظل غلاء الأسعار، خصوصاً في شهر رمضان.

رحاب عليوة (القاهرة)
العالم مجموعة من النساء والأطفال الصغار ينتظرون المساعدة داخل مركز في الرنك بجنوب السودان 18 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

«يونيسيف»: الفقر يسبب حرماناً شديداً ﻟ417 مليون طفل حول العالم

قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، اليوم الخميس، إن 417 مليون طفل حول العالم يعانون الحرمان الشديد.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
خاص رجل يفرغ حمولة الخضراوات والفواكه من شاحنة في أحد أحياء بيروت (رويترز)

خاص الفقر يمدّد «إقامته» السلبية في لبنان رغم انتعاش الاقتصاد

لم تنعكس بوادر الانتعاش الاقتصادي المحقّقة في لبنان، بشكل متوازن على بيانات الفقر المستقرة على وصف التفاقم السلبي، رغم الهبوط الوازن لمؤشرات التضخم.

علي زين الدين (بيروت)
أفريقيا أدوت ديور الطفل البالغ من العمر 14 شهراً يجلس في حضن والدته بقسم علاج سوء التغذية في مستشفى بونج بمدينة مابان في جنوب السودان - 18 أغسطس 2025 (أ.ب)

أزمة جوع خانقة بجنوب السودان: فساد وتقليص مساعدات يهدد حياة الأطفال

يعيش جنوب السودان كارثة إنسانية متفاقمة؛ حيث يواجه ملايين الأطفال والنساء خطر الموت جوعاً نتيجة الفساد المستشري.

«الشرق الأوسط» (جوبا)

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».