شرم الشيخ: هل تدفع «طاقة السياسة» أسبوع المفاوضات الصعب في «كوب 27»؟

بداية «سلسة» مهدت لمناخ «إيجابي» عززته كلمات القادة

مهتمون بقضايا المناخ خلال وقفة في مدينة شرم الشيخ على هامش قمة «كوب 27» (أ.ف.ب)
مهتمون بقضايا المناخ خلال وقفة في مدينة شرم الشيخ على هامش قمة «كوب 27» (أ.ف.ب)
TT

شرم الشيخ: هل تدفع «طاقة السياسة» أسبوع المفاوضات الصعب في «كوب 27»؟

مهتمون بقضايا المناخ خلال وقفة في مدينة شرم الشيخ على هامش قمة «كوب 27» (أ.ف.ب)
مهتمون بقضايا المناخ خلال وقفة في مدينة شرم الشيخ على هامش قمة «كوب 27» (أ.ف.ب)

مع نهاية صيف ساخن ضربت حرارته أجزاءً مختلفة من العالم مسببة جفافاً وحرائق للغابات، وتزامن ذلك مع فيضانات وارتفاع في منسوب سطح البحر في مناطق أخرى من العالم، اكتسب مؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة بشأن المناخ «كوب 27» أهمية إضافية، مدفوعا بطموحات وآمال الملايين للوصول إلى حل عملي يحد من الكوارث البيئية التي باتت تُهددهم في عقر دارهم. وعلى مدار الأسبوع الماضي كان مركز المؤتمرات في مدينة شرم الشيخ المصرية، الواقعة على ساحل البحر الأحمر، مسرحا لمناقشات وحوارات سياسية واقتصادية وعلمية خلقت مناخاً «إيجابياً»، عززته كلمات سياسية حماسية شهدت إقراراً بالتعهدات والالتزامات المناخية من جانب قادة العالم، ما اعتبر بمثابة «طاقة سياسية» يأمل المهتمون بالشؤون البيئية أن تشكل قوة دفع لأسبوع المفاوضات «الصعب» وصولاً إلى اتفاق عملي يحقق الهدف الرئيسي من المؤتمر الذي يُعقد تحت شعار «مؤتمر التنفيذ». ولقد مزجت مناقشات الأسبوع الأول من المؤتمر، الذي يستمر حتى 18 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، بين السياسة والاقتصاد، وسيطرت قضايا التمويل على الفعاليات السياسية والنوعية أيضاً، سواء ما كان متعلقاً بتمويل التكيف مع التغيرات المناخية، أو التخفيف من تبعاتها، أو تمويل «الخسائر والأضرار» التي لحقت ببعض الدول من تبعات المناخ. ولكن، في حين تسعى الرئاسة المصرية للمؤتمر إلى الخروج بـ«خطة عمل» لتنفيذ التعهدات الدولية في الشأن المناخي، يتخوف مراقبون من أن تحدث «انتكاسة»، لا سيما أن ثمة مواضيع «جدلية وصعبة» على جدول أعمال المباحثات.

محطة تحرق الفحم  لتوليد الكهرباء في المانيا (أ.ب)

مع الساعات الأولى من يوم الأحد الموافق 6 نوفمبر الحالي، ازدحمت قاعة المؤتمرات في منتجع شرم الشيخ المصري بالمشاركين من كل أنحاء العالم، حيث سجل لحضور المؤتمر أكثر من 50 ألف شخص، وفقا لبيانات الأمم المتحدة. وأمام حشد من ممثلي أكثر من 190 دولة حول العالم، تسلم سامح شكري، وزير الخارجية المصري، رئاسة المؤتمر من سلفه البريطاني ألوك شارما رئيس مؤتمر «كوب 26»، معلنا بداية الفعاليات الإجرائية للمؤتمر.
وداخل قاعة حملت اسم «رمسيس»، نسبة إلى واحد من أشهر ملوك مصر القديمة، الذي اشتهر بانتصاراته التاريخية، أعلن وزير الخارجية المصري اختراقا في المفاوضات المناخية، بالموافقة على إدراج بند تمويل «الخسائر والأضرار» ضمن مناقشات المؤتمر. الأمر الذي أعطى دفعة قوية للمؤتمر في ساعاته الأولى، ومهد لبداية «سلسة ومرنة» حسب وصف أليكس سكوت، مديرة برنامج دبلوماسية المناخ والجيوبوليتكيات، بمؤسسة «إي ثري جي E3G» البريطانية المتخصصة في الشأن المناخي، التي قالت في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إن بداية المؤتمر كانت «إيجابية جداً وبلا خلافات على جدول الأعمال الذي كان على المحك لتضمنه قضايا مثل الخسائر والأضرار».
وحقاً، كان ملف تمويل الخسائر والأضرار أحد الملفات الشائكة والحساسة على طاولة مؤتمرات المناخ منذ انطلاقها في تسعينات القرن الماضي؛ إذ طالبت الدول النامية دائماً بتعويضات عن الأضرار الاقتصادية والخسائر التي تكبدتها من تبعات التغيرات المناخية، في حين دأبت الدول الصناعية الكبرى - أو «دول الشمال» - على رفض ضم هذا الملف إلى المفاوضات؛ خشية أن يكلفها مليارات الدولارات تدفعها في شكل تعويضات للدول الفقيرة.
ومع أن إدراج الملف على جدول المباحثات شكل في حد ذاته اختراقاً، فإن المسألة ما زالت شائكة ومعقدة، حيث يتخوف مراقبون من عرقلة التوصل إلى اتفاق بشأنها في المفاوضات، لا سيما في ظل تباين وجهات النظر بين دول «الشمال» و«الجنوب» في هذا الشأن. إذ بينما تطالب الأخيرة بتعويضات، ترفض دول كبرى مثل الولايات المتحدة الأميركية استخدام هذا المصطلح، وسبق أن أبدى المتحدث الإقليمي باسم الخارجية الأميركية، سام وربرغ، في حوار خاص لـ«الشرق الأوسط» الأسبوع الماضي، تحفظ بلاده عن هذا المصطلح. وبالتالي، لم يكن تحقيق هذا الاختراق أمرا سهلا، بدليل استمرار المناقشات بشأن بند «الخسائر والأضرار» حتى الرابعة من فجر يوم بدء فعاليات المؤتمر، وأمضى المفاوضون نحو 40 ساعة للاتفاق على إدراج هذا البند في جدول الأعمال.
طاقة سياسية
هذه البداية «القوية»، بحسب مراقبين، خلقت «مناخاً إيجابياً بشكل عام» لما تلاها من فعاليات سواء على مستوى الشق الرئاسي، بمشاركة أكثر من 100 رئيس دولة وحكومة، أو في الأيام النوعية بعد ذلك. وعلى مدار يومين استمع المواطنون حول العالم إلى كلمات قادة دولهم وتعهداتهم بشأن المناخ، وسط تحذيرات أممية على لسان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مما وصفه بـ«فوضى المناخ»، وتخييره دول العالم بين «التضامن» في مواجهة التغيرات المناخية، أو «الانتحار الجماعي».
وعلى منصة قاعة تحمل اسم الملكة الفرعونية الجميلة نفرتيتي وقف قادة العالم يدلون بتعهداتهم المناخية نحو مستقبل أفضل وأجمل للأرض. وتقول أليكس سكوت إن كلمات القادة تضمنت «تأكيداً على التزامهم السياسي بمواجهة الكوارث المناخية، كجزء من الكوارث الأخرى والتحديات الأخرى التي تواجهها بلدانهم، مثل أمن الغذاء والطاقة والفقر». وأردفت أن أحد الملامح المهمة في كلمات القادة كان «تأكيدهم على أن مواجهة التحديات المناخية هي الطريق للحد من التحديات الأخرى»، واعتبرت هذه الكلمات «الحماسية» بمثابة «طاقة سياسية تحتاجها المفاوضات للخروج باتفاق جيد يحول الكلمات إلى أفعال على الأرض».
وبالفعل، على مدار يومين، هما مدة الشق الرئاسي من فعاليات «كوب 27»، انقسمت كلمات القادة ما بين دول كبرى من جانب تحاول «تأكيد التزامها بخفض الانبعاثات الكربونية»، مع إطلاق تعهدات بالعمل على «الحد من التغيرات المناخية»، وبين دول نامية وجُزرية صغيرة حملت كلمات قادتها «آثار المعاناة المناخية»، مع مطالب بالتعويضات باعتبار دولهم «تساهم بقدر ضئيل جداً في الانبعاثات الكربونية» مقارنة بالدول النامية. وقال الرئيس السنغالي ماكي سال إن «الدول الأفريقية تساهم بنحو 4 في المائة فقط من الانبعاثات»، مطالباً الدول المتقدمة بـ«تدابير لمواجهة التغيرات المناخية». وقادت باكستان، التي عانت أخيراً من فيضانات تسببت في خسائر اقتصادية تقدر بـ40 مليار دولار، دعوة الدول الغنية بـ«التعويض عن الخسائر والأضرار».
«مجموعة العشرين»
من الكلمات الرسمية المحاولة إطلاق مبادرات للحل، صدرت تصريحات عن مسؤولين أوروبيين وأميركيين تعكس رؤيتهم للحل، فحاول المستشار الألماني أولاف شولتس الترويج لإنشاء «ناد للمناخ» يهدف إلى تقليص الانبعاثات، وبينما شدد المبعوث الرئاسي الأميركي للمناخ جون كيري على «أهمية» خفض الانبعاثات، ركزت فرنسا ودول أوروبية أخرى على «دعم التكيف» مع المناخ خاصة في دول القارة الأفريقية. وقال مبعوث الصين الخاص لشؤون المناخ شيه تشن إن «بلاده ملتزمة بتحقيق الحياد الكربوني».
ولكن لم تتضمن كلمات القادة بيانات واضحة حول مدى التزامهم بتعهداتهم المناخية، وفقاً لسكوت، التي تقول إن «الشق السياسي من المؤتمر لم يتطرق لمسائل تتعلق بتعزيز المستهدفات الوطنية لخفض الانبعاثات، أو خطط تقليل الفجوة التمويلية». وتابعت أن هذه الكلمات «ولو كانت تضمنت إعلاناً عن تمويل مشاريع هنا وهناك بالملايين فإنها لا ترقى لإغلاق الفجوة التمويلية ولمستوى الطموحات في أعقاب مؤتمر غلاسكو (كوب 26) في الإبقاء على هدف 1.5 درجة مئوية حياً».
هذا، ويثير غياب الصين والهند عن حضور الفعاليات تساؤلات عديدة بين المراقبين بشأن مدى إمكانية الوصول لنتائج فعلية. وللتذكير، الرئيس الأميركي جو بايدن لم يشارك في فعاليات الشق الرئاسي، بل جاءت مشاركته في المؤتمر في نهاية الأسبوع الأول. وهو ما يجعل نتائج المؤتمر، على المستوى السياسي، مرتبطة إلى حد كبير بما سيسفر عنه لقاء رؤساء الصين والهند وأميركا، في اجتماعات «مجموعة العشرين» في جزيرة بالي بإندونيسيا خلال منتصف الشهر الحالي، علماً بأن هذه الدول «تتسبب بأكبر نسبة من الانبعاثات». وهنا تقول سكوت إن «غياب الصين والهند يؤثر على التوافق العالمي بشأن المناخ، ومن دون الدول الثلاث لا يمكن الوصول لهذا التوافق بشأن تسريع التحركات المناخية».
التمويل في قلب الأحداث
ومن الشق الرئاسي إلى الفعاليات النوعية، ظلت قضية التمويل حاضرة في الأسبوع الأول من المؤتمر، بالتزامن مع نشر رئاسة المؤتمر تقريراً يقول إن «الدول النامية باستثناء الصين تحتاج إلى تريليون دولار سنوياً لتمويل التغيرات المناخية». وبين محاولات البحث عن مصير تعهدات تمويلية سابقة ودعوات لمضاعفة هذه التمويلات، تباينت آراء المشاركين في المؤتمر، لا سيما في ظل اختلاف وجهات النظر بشأن مصادر وكيفية توزيع التمويل.
وهنا نشير إلى أنه سبق أن تعهدت الدول الغنية أو – «دول الشمال» - عام 2009 بتقديم مبلغ 100 مليار دولار أميركي سنوياً، حتى عام 2020 لتمويل مشاريع في الدول النامية من شأنها خفض الانبعاثات الكربونية، والتكيف مع التغيرات المناخية، إلا أن هذا التعهد لم ينفذ بشكل كامل حتى الآن، بل أفادت منظمة التعاون والتنمية في تقريرها الأخير، بأن «أكبر مبلغ جُمع في هذا الإطار بلغ 83.3 مليار دولار»، لافتة إلى أن «هدف المائة مليار دولار لن يتحقق قبل 2023».
من جهة ثانية، طوال مناقشات حملات عنوان «يوم التمويل» بحثت الدول المشاركة سبل استمرار التعهدات التمويلية حتى عام 2025، ولقد ربطت كينيا «مبلغ التمويل بحاجة الدول»، ودعت الدول الجُزرية إلى «توفير منح وتمويلات مدعومة حتى لا تزيد تكلفة الديون على الدول»، وطالبت باكستان بـ«التعويض عن الخسائر والأضرار». وترى الدول النامية أن الدول الصناعية الكبرى هي المسؤولة عن التغيرات المناخية، وبالتالي عليها تحمل مسؤوليتها وتمويل التكيف أو (الخسائر والأضرار). غير أن الدول الكبرى تحاول توزيع العبء التمويلي بمشاركة القطاع الخاص، وهنا يقول المبعوث الأميركي الخاص للمناخ كيري إنه «لا توجد حكومة تملك المال الكافي لذلك»، داعياً إلى «حشد أسواق المال الخاصة ومتعددة الأطراف لتحقيق الهدف».
أما آرني ليتز، عضو البرلمان الأوروبي السابق والخبير الدولي في المناخ والاستدامة، فركز خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على «أهمية مشاركة القطاع الخاص في تمويل مشاريع التكيف مع المناخ، ومساهمة البنوك والشركات في الاستثمارات المناخية». وحقاً، أطلقت الولايات المتحدة شراكة بين القطاعين العام والخاص بهدف تسريع عملية انتقال الطاقة في الدول النامية في مبادرة تستند إلى سوق أرصدة الكربون.
أخيراً، ينتظر العالم نتائج المؤتمر لوضع حد لمعاناته المناخية، وتأمل سكوت أن «تحتفظ القمة بالطاقة السياسية التي حصلت عليها خلال الأسبوع الأول للوصول إلى اتفاق يعيد العالم إلى طريق أهداف باريس 2015، ويسرع من وتيرة العمل في تمويل التكيف مع التغيرات المناخية، إلى جانب تمويل (الخسائر والأضرار)»، لكنها تؤكد أن «المهمة صعبة أمام المفاوضين الذين حصلوا على دفعة سياسية من قادة دولهم دون دلائل علمية تضعهم على الطريق».

أبرز محطات العمل المناخي من ريو دي جانيرو إلى شرم الشيخ
> طيلة العقود الثلاثة الأخيرة، منذ إعلان الأمم المتحدة، التغيرات المناخية «قضية خطيرة» عام 1992، كافحت دول العالم لوضع اتفاقات وتصورات تحكم العمل المناخي. وبينما استطاعت الحفاظ على الزخم للقضية «الأخطر» التي تُهدد كوكب الأرض عبر مؤتمرات متتالية، واتفاقات بارزة في كيوتو وباريس، فإنها حتى الآن لم تتمكن من إبطاء الارتفاع المستمر لدرجة حرارة الكوكب.
الواقع أن إرهاصات العمل المناخي تعود إلى تاريخ أبعد، إذ أثيرت قضية تغير المناخ لأول مرة، عام 1972، خلال مؤتمر علمي للأمم المتحدة، عُرف باسم «قمة الأرض الأولى» في استوكهولم، اعتمد إعلاناً يحدد مبادئ الحفاظ على البيئة. وبعده بدأت جهود رصد وتقييم ملوثات الهواء، أسفرت عن اعتماد «اتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون» عام 1985، وتلاها تأسيس «الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)». وعام 1989 أيدت الجمعية العامة للأمم المتحدة بدء إجراء مفاوضات حول اتفاقية إطارية بشأن تغير المناخ، يُنسب لها بداية العمل المناخي الفعلي.
وفيما يلي تسلسل زمني لاختراقات وإخفاقات العمل المناخي طوال 30 سنة:
1992: «قمة الأرض» في ريو دي جانيرو بالبرازيل، التي اعتبرت اختراقا في العمل المناخي، بإقرار اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ UNFCCC. ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في عام 1994، ومنذ عام 2019 صدقت عليها 197 دولة حول العالم بينها الولايات المتحدة. وبموجبها تعقد اجتماعات سنوية تُعرف باسم مؤتمر الأطراف «كوب».
1995: شهد هذا العام الاجتماع الأول للموقعين على اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ «كوب 1»، في العاصمة الألمانية برلين، وشكلت الوثيقة الختامية للاجتماع المعروفة بـ«تفويض برلين»، الأساس لـ«بروتوكول كيوتو» لاحقاً.
1997: تبنى «كوب 3» في مدينة كيوتو باليابان أول معاهدة مناخية ملزمة قانوناً، تُعرف باسم «بروتوكول كيوتو». ويوجب البروتوكول الدول المتقدمة بخفض الانبعاثات بمعدل 5 في المائة أقل من مستويات عام 1990، إلا أنه لا يجبر الدول النامية، بما فيها الصين والهند، رغم انبعاثاتهما الكربونية العالية، على اتخاذ إجراءات مماثلة. كما أنه يُنشئ سوقاً للكربون.
2001: بعد انهيار المباحثات المناخية عام 2000 وانسحاب الولايات المتحدة في مارس (آذار) عام 2001 أصبح «بروتوكول كيوتو»، مهدداً. ولكن «مفاوضات بون» بألمانيا خلال يوليو (تموز) عام 2001، استطاعت تحقيق اختراقات رغم غياب الولايات المتحدة، لتتفق الدول في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه على قواعد لتحقيق أهداف «بروتوكول كيوتو».
2005: دخل «بروتوكول كيوتو» حيز التنفيذ في فبراير (شباط) 2005، بعد تصديق عدد من الدول التي تتسبب في نحو 55 في المائة من الانبعاثات.
2007: شهد مؤتمر «كوب 13» في بالي بإندونيسيا، مناقشات لإصدار وثيقة أقوى من «بروتوكول كيوتو»، لكنها واجهت اعتراضات أميركية، قبل أن تتراجع واشنطن ويتبنى المؤتمر «خطة عمل بالي»، التي تستهدف وضع اتفاقية جديدة بحلول عام 2009.
2009: كان من المفترض وضع اللمسات الأخيرة على خليفة «بروتوكول كيوتو» خلال فعاليات «كوب 15» في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن. بيد أن الأطراف توصلوا فقط إلى وثيقة غير ملزمة «تؤخذ بعين الاعتبار» من دون تبنيها. تُقر «اتفاقية كوبنهاغن» على أنه لا يجوز أن تتعدى درجات الحرارة العالمية 2 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة، رغم أن ممثلين من البلدان النامية سعوا إلى هدف 1.5 درجة مئوية.
2010: تزايدت الضغوط قبيل «كوب 16» في المكسيك للتوصل إلى اتفاق، بعدما أعلنت وكالة «ناسا» الأميركية أن الفترة ما بين عامي 2000 و2009 كانت «الأكثر دفئا على الإطلاق». وهكذا، صدرت «اتفاقية كانكون»، التي تلزم الدول بالحفاظ على ارتفاع درجات الحرارة العالمية دون درجتين مئويتين. وقدمت قرابة ثمانين دولة، بينها الصين والهند والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي، خططها لخفض الانبعاثات.
2011: كاد المؤتمر الذي عقد في مدينة دوربان بجنوب أفريقيا أن ينهار بعد رفض أكبر ثلاثة ملوثين في العالم (الصين والهند والولايات المتحدة) اتفاقاً اقترحه الاتحاد الأوروبي، غير أن الدول الثلاث اتفقت في النهاية على العمل من أجل صياغة اتفاقية جديدة ملزمة قانوناً في عام 2015 على أبعد تقدير.
2012: قبيل انعقاد «كوب 18» اتخذ المفاوضون في مؤتمر الأطراف قراراً بتمديد «بروتوكول كيوتو» حتى عام 2020، بمشاركة دول تمثل نحو 15 في المائة فقط من الانبعاثات. وانسحبت كندا من البروتوكول، بينما رفضت اليابان وروسيا أي التزامات جديدة، علما بأن الولايات المتحدة لم توقع على الاتفاق مطلقاً.
2013: خلال الأسبوع الأول من «كوب 19» في العاصمة البولندية وارسو، اقترحت مجموعة «G77» والصين، آلية تمويل جديدة لمساعدة البلدان الضعيفة على التعامل مع «الخسائر والأضرار» الناجمة عن تغير المناخ. وهو المقترح الذي واجه معارضة من الدول المتقدمة، مما أدى إلى انسحاب كبار مفاوضي مجموعة الـ77 قبل استئناف المباحثات، والاتفاق على آلية لا تلبي طلبات الدول النامية.
2015: يعتبر «اتفاق باريس» علامة مميزة في تاريخ العمل المناخي، بتوافق 196 دولة على بنوده التي تطالب جميع دول العالم بخفض الانبعاثات. وبموجب الاتفاق، من المفترض أن تقدم الدول أهدافاً تُعرف بـ«المساهمات المحددة وطنياً (NDCs)». وهو ينص على الحفاظ على ارتفاع درجة الحرارة العالمية دون درجتين مئويتين ومتابعة الجهود لإبقائها أقل من 1.5 درجة مئوية.
2018: إقرار قواعد «اتفاق باريس» في مؤتمر «كوب 24»، والتي تتضمن كيفية إبلاغ الدول عن انبعاثاتها.
2019: وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مؤتمر «كوب 25» بأنه «فرصة ضائعة»، إذ لم يتحقق أي تقدم يذكر في قضايا المناخ، ولم يُتفَق على قواعد «سوق الكربون» كما كان مقرراً. بل شهد اختلافات حول تعويض الدول النامية عن الأضرار التي لحقت بها من تبعات التغير المناخي.
2021: عُقد مؤتمر «كوب 26» في غلاسكو باسكوتلندا، وحافظ على هدف «اتفاق باريس» المتمثل في الحد من الاحترار إلى 1.5 درجة مئوية، وحث الحكومات على تقديم أهداف أكثر طموحاً لخفض الانبعاثات بحلول نهاية عام 2022، كما وضع قواعد لسوق الكربون العالمية.
2022: عقدت فعاليات مؤتمر «كوب 27» في مدينة شرم الشيخ المصرية، تحت عنوان «قمة التنفيذ».


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
TT

تحركات أميركية نحو إريتريا لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر

الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)
الرئيس الإريتري أسياس أفورقي (رويترز)

انطلقت تحركات أميركية نحو إريتريا، صاحبة الموقع الاستراتيجي على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بعد 5 سنوات من العقوبات، في ظل اضطرابات بمضيق هرمز من جراء حرب إيران.

هذه التحركات الأميركية تجاه أسمرة يراها خبراء بالشؤون الأفريقية والأميركية، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، محاولة لتعزيز النفوذ في البحر الأحمر، وسط مخاوف من تهديدات قد تطول مضيق باب المندب، وما قد يترتب عليها من تداعيات سلبية لاقتصاد العالم.

وتعتزم الولايات المتحدة الشروع في رفع بعض العقوبات المفروضة على إريتريا، التي تمتد سواحلها على البحر الأحمر لأكثر من 700 ميل، بعد 5 سنوات من فرضها عام 2021 بسبب نزاع أسمرة وأديس أبابا. وهذه التحركات يقودها حالياً كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لإعادة ضبط العلاقات مع إريتريا، التي تسيطر على موقع جيوسياسي بالغ الأهمية على البحر الأحمر، في وقت تهدد فيه إيران، عبر جماعة الحوثي، حليفتها باليمن، بخنق ممر بحري حيوي ثانٍ (مضيق باب المندب)، وذلك على خلفية الحرب مع الولايات المتحدة، وفق ما نقلته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية عن مصادر مطلعة، الخميس.

ترى مساعدة وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، السفيرة منى عمر، أن الموقع الاستراتيجي المتميز الذي تتمتع به إريتريا على البحر الأحمر سبب رئيسي وراء رغبة أميركا في التقارب، خاصة في ظل توترات حرب إيران، بهدف تأمين قطعها البحرية الأميركية الموجودة هناك، ودعم نفوذها بتلك المنطقة التي تعج بالقواعد العسكرية.

من جهتها، تؤكد الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، أن توقيت هذا التحرك الأميركي يأتي لفرض نفوذ في ممر البحر الأحمر كمنطقة استراتيجية متنازع عليها، خاصة مع عسكرة طرق التجارة، وطموحات روسيا على طول الساحل. «ومن ثم لم تعد موانئ إريتريا أصولاً هامشية، بل أصبحت نقاط ارتكاز محتملة في بنية أمنية أوسع، تعيد واشنطن تقييمها مجبرة، خاصة أنه ليست هناك بدائل مناسبة، فيما لا تزال جيبوتي جارة أسمرة تعاني من وجود عسكري أجنبي مكثف، بما في ذلك الوجود الصيني»، وفق تسوكرمان.

بدوره، يوضح الخبير في الشؤون الأفريقية، الدكتور علي محمود كلني، أن السياسة الأميركية تجاه إريتريا تشهد تحولاً لافتاً، بهدف تعزيز حضورها في الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق باب المندب، في ظل تطورات حرب إيران، واحتمال تحرك الحوثيين بالمضيق، واحتواء تنامي نفوذ قوى منافسة، مثل روسيا والصين، وتبني مقاربة براغماتية توازن بين القيم السياسية والمصالح الأمنية.

وكان مسعد بولس قد التقى، الاثنين الماضي، بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة، وأبلغه أن واشنطن تعتزم البدء قريباً في رفع العقوبات عن إريتريا، فيما أفادت الصحيفة الأميركية «وول ستريت جورنال» بأن «مصر تلعب دوراً في تسهيل الحوار بين الولايات المتحدة وإريتريا».

وتعتقد عمر أن «الموقف المصري يأتي في إطار المساعدة في رفع العقوبات المفروضة على الحليفة إريتريا، وليس دعم الوجود العسكري المباشر». بينما ترى تسوكرمان أن «مصر ستمضي في هذه الوساطة، حيث إن للقاهرة مصلحة في الحد من النفوذ الإثيوبي في كل من حوضي النيل والبحر الأحمر».

ويقول كلني إن الدور المصري مهم في هذا السياق لاعتبارات عديدة، منها امتلاكها علاقات متوازنة مع إريتريا، وتدشينها تحالفاً مع أسمرة ومقديشو، وكذا ارتباط أمنها القومي المباشر بأمن البحر الأحمر، ورغبتها في الحفاظ على توازنات إقليمية مستقرة، بخلاف إدراكها أن أي فراغ استراتيجي في المنطقة قد تستغله قوى منافسة، ما يعزز من دافعها للانخراط في تسهيل هذا التقارب.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الرئيس الإريتري أسياس أفورقي بالقاهرة في أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

وذكرت «وول ستريت جورنال» أن «خطة إعادة ضبط العلاقات مع إريتريا سبقت اندلاع الحرب على إيران».

وكان بولس قد عقد اجتماعاً خاصاً مع أفورقي في القاهرة أواخر العام الماضي، وسبقه لقاء مع وزير الخارجية الإريتري، عثمان صالح محمد في سبتمبر (أيلول) الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بحسب الصحيفة. وجاءت تلك اللقاءات بعد سنوات من قيام وزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 ضد أربعة كيانات رسمية إريترية بسبب المشاركة في دعم إثيوبيا ضد إقليم تيغراي وقتها، ومنها الجبهة الشعبية من أجل الديمقراطية والعدالة، بقيادة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، الحزب الحاكم، بحسب ما نقلته «سي إن إن» الأميركية آنذاك.

وترى تسوكرمان أن العقوبات المفروضة يتطلب رفعها أو تخفيفها هو تبرير يتجاوز الضرورة الاستراتيجية لواشنطن، في ضوء الانتهاكات الموثقة ضد إريتريا، وهذا ما قد يُبطئ أو يُضعف أي محاولة لإعادة ضبط العلاقات، بسبب خلافات متوقعة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في هذا الصدد، بينما قد تقبل أسمرة بهذا التقارب في إطار استراتيجية قائمة على التنويع لا الشراكة، ما يحد من قدرة واشنطن على تحويل التقارب إلى نفوذ دائم.

ورغم العقوبات التي قد ترفع، فإن كلني يرى أن الانفتاح الأميركي على إريتريا يشي بأن المنطقة مقبلة على إعادة تشكيل عميق في التوازنات ونفوذ القوى، قد يعيد رسم خريطة التحالفات، ويحدد ملامح النظام الإقليمي في السنوات المقبلة، معتقداً أن ما يجري اليوم ليس مجرد تقارب ثنائي، بل هو جزء من إعادة هندسة استراتيجية شاملة للبحر الأحمر، ستظل تداعياتها حاضرة في المشهد الدولي لفترة طويلة.


حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
TT

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)
طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات نزع الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم، في ظل استمرار الاشتباه بقيام «قوات الدعم السريع» بزرع ألغام في عدد كبير من الأحياء السكنية خلال فترة سيطرتها على مساحات واسعة من المدينة. وتأتي هذه الجهود في إطار تهيئة الأوضاع الأمنية، بالتزامن مع تزايد موجات العودة الطوعية للمواطنين إلى منازلهم.

ورافقت مراسلة «الشرق الأوسط» أحد فرق المركز القومي لمكافحة الألغام في منطقة المقرن بوسط الخرطوم، الواقعة عند ملتقى النيلين الأبيض والأزرق، للوقوف ميدانياً على طبيعة عمل الفرق خلال عمليات الكشف عن الألغام المدفونة وإزالتها. وتُعد منطقة المقرن، بحسب تقييم المركز، من أكثر المناطق خطورة في العاصمة. وباشرت الفرق عملها في المنطقة فور استعادة الجيش السوداني السيطرة على الخرطوم في مايو (أيار) الماضي، حيث تم العثور على آلاف الألغام والأجسام غير المتفجرة في مواقع متفرقة.

المشرف على فريق العمل جمعة إبراهيم أبو عنجة متحدثاً لــ«الشرق الأوسط»

المشرف على فريق العمل، جمعة إبراهيم أبو عنجة، قال إن الفريق يتولى مهمة تطهير مساحة تُقدّر بنحو 45 ألف متر مربع في المقرن، مشيراً إلى أن المنطقة شهدت أعنف المعارك على خطوط التماس بين الجيش و«قوات الدعم السريع». وأضاف أن المؤشرات ترجّح قيام الأخيرة بزرع آلاف الألغام في مناطق متعددة داخل قلب الخرطوم، خصوصاً في الشوارع والأحياء السكنية.

وأوضح أبو عنجة: «عثرنا على أكثر من 300 جسم خطر، بينها ألغام مزودة بعبوات أصغر ومواد شديدة الانفجار، صُممت لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا عند انفجارها». وأشار إلى أن الهدف من زرع هذه الألغام كان عرقلة تقدم قوات الجيش، وإلحاق خسائر في صفوفه، لافتاً إلى أن الفرق تمكنت من إزالة أنواع متعددة من الألغام، منها ألغام مخصصة للآليات العسكرية وأخرى مضادة للأفراد.

حقل الألغام

على خط مستقيم محدد بعلامات بيضاء، يتحرك فريق العمل بقيادة أبو عنجة بخطوات محسوبة، قبل أن يتوقف عند نقطة لا تتجاوز مساحتها نصف متر. يبدأ أحد العناصر بتمرير كاشف الألغام، بعد ضبطه بدقة عالية، للبحث عن أي أجسام مدفونة تحت سطح الأرض. وللمرة الثانية، يتوقف الفريق عند منطقة تأخذ شكلاً مثلثاً، تُعرف ميدانياً بـ«الخط الساخن»، في إشارة إلى كونها ضمن نطاق «حقل ألغام» محتمل. في هذه النقطة، يصبح كل احتمال وارداً؛ ما يستدعي التوقف مجدداً للتأكد من الالتزام الصارم بإجراءات السلامة. وقبل الوصول إلى موقع العمل، يحرص المشرف على التأكد من ارتداء الجميع للسترات الواقية المدرعة، وهو إجراء إلزامي خصوصاً عند مرافقة الصحافيين لفرق إزالة الألغام، مع التشديد على البقاء ضمن مسافة محددة خارج نطاق الخطر تحسباً لأي انفجار محتمل.

طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

يقطع الصمت صوت جهاز الكشف، ما يستدعي انتباه الجميع؛ فالإشارة الصوتية تعني وجود جسم مدفون، قد يكون لغماً أو جسماً غير متفجر. وفي بعض الحالات، يكون الصوت ناتجاً عن قطعة معدنية عادية، إلا أن التعامل مع كل إشارة يتم بأقصى درجات الحذر. وعند التأكد من وجود لغم، يباشر الفريق عملية استخراجه بهدوء شديد، وفق خطوات دقيقة ومدروسة لتفادي أي انفجار. ويشدد المشرف على ضرورة التقاط الصور من مسافة آمنة تُعرف لديهم بـ«المنطقة الآمنة»، وفقاً للبروتوكولات المعتمدة، مع منع الاقتراب بشكل قاطع في أثناء تنفيذ عملية إزالة الألغام أو التعامل مع الأجسام غير المتفجرة.

ويحرص فريق إزالة الألغام على وضع إشارات واضحة لتحديد مناطق الخطر، حيث تُثبت لافتات حمراء كُتب عليها «ألغام خطرة» لتحذير السكان من الاقتراب. وفي حال تحديد موقع لغم أو جسم متفجر، تُغرس علامة خشبية مطلية باللون الأخضر بارتفاع يقارب ربع متر، للدلالة على موقع الجسم تمهيداً للتعامل معه.

فريق التفجيرات يستعد لتفجير الألغام والمواد الخطرة (الشرق الأوسط)

أما الألغام المضادة للأفراد، فيجري التعامل معها بشكل فوري، إذ تُفجَّر في اليوم نفسه وفق إجراءات محكمة. وقبل تنفيذ التفجير، يتم إغلاق جسر النيل الأبيض الذي يربط بين الخرطوم وأم درمان لمدة تتراوح بين 10 و15 دقيقة، لضمان سلامة المواطنين. وعادة ما تُختار أوقات تقل فيها حركة المرور، لتفادي تعطيل السير.

حرب صامتة... وتوعية مستمرة

وفي موازاة الجهود الميدانية، يواصل «المركز القومي لمكافحة الألغام» حملات التوعية بين السكان، عبر الرسائل النصية، لحثهم على الإبلاغ عن أي أجسام مشبوهة، وتجنب الاقتراب منها، كما يُحذر السكان من حرق النفايات داخل الأحياء، خشية وجود مخلفات غير متفجرة قد تنفجر بفعل الحرارة.

وأوضح أبو عنجة أن الفرق تمكنت من تطهير نحو 80 في المائة من محيط المقرن، إلى جانب مناطق أخرى في الخرطوم، إلا أن المخاطر لا تزال قائمة، خصوصاً مع عودة أعداد كبيرة من السكان إلى منازلهم.

اللواء خالد حمدان مدير المركز القومي لمكافحة الألغام يراقب عملية التفجير (الشرق الأوسط)

ورغم التقدم المحرز، يواجه العمل تحديات كبيرة، أبرزها ضعف التمويل، الذي يؤثر في وتيرة عمليات إزالة الألغام، والتعامل مع المتفجرات. وأشار أبو عنجة إلى أن تأخر عمليات الإزالة يزيد من المخاطر، لافتاً إلى أن عشرات المدنيين فقدوا حياتهم، أو أصيبوا نتيجة انفجار ألغام ومخلفات حربية.

وكانت السلطات السودانية قد أعلنت في أغسطس (آب) الماضي بدء عمليات تفجير نحو 50 ألف جسم غير متفجر على مراحل، في محاولة للحد من المخاطر المتبقية.

وبينما تتواصل جهود إعادة الحياة إلى العاصمة، تبقى الألغام «عدواً خفياً» يهدد سلامة العائدين. وفي ظل هذه التحديات، تبرز أهمية تسريع عمليات التطهير، وتعزيز التوعية، لضمان عودة آمنة ومستقرة للسكان، في مدينة لا تزال آثار الحرب ماثلة في تفاصيلها اليومية.


مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
TT

مصريون يُؤجلون مشترياتهم انتظاراً لاستقرار سعر الدولار

السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)
السوق المصرية تشهد تراجعاً في الشراء مع تذبذب للدولار (الشرق الأوسط)

قررت المصرية حبيبة أحمد تأجيل شراء الأجهزة الكهربائية التي ستحتاج إليها في ترتيب منزل الزوجية، لعدة أشهر، على أمل أن تنخفض أسعارها، في ظل تذبذب سعر الدولار، قائلة لـ«الشرق الأوسط»، إن «أسعار الثلاجات زادت نحو 30 في المائة خلال شهر واحد، وكذلك الغسالات».

ولا ترغب حبيبة، التي تسكن في منطقة فيصل، أن تخاطر بشراء ماركات أقل جودة لتعويض فارق الأسعار، رغم أن قرار التأجيل لا يخلو من المخاطرة أيضاً، في ظل توقعات خبراء اقتصاديين بأن يستمر عدم استقرار الأسعار، أو ارتفاعها حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير. ولذلك تضع حبيبة خطة احتياطية لشراء الأجهزة بالتقسيط إذا لم تنخفض خلال شهور، ووقتها تكون قد سددت أقساط ما سبق أن اشترته «بفيزا المشتريات».

ويحكم التردد العديد من قرارات المصريين الشرائية بسبب تذبذب سعر صرف الجنيه أمام الدولار، فبعدما صعد خلال الحرب الإيرانية من نحو 47 جنيهاً قبل الحرب، حتى وصل تدريجياً إلى نحو 55 جنيهاً، شهد تراجعاً بعد الهدنة حتى وصل إلى نحو 52 جنيهاً. وحتى الآن، لا يعرف الدولار استقراراً، حيث شهد الأسبوع الماضي هبوطاً في عدة أيام لما دون الـ52 جنيهاً، ثم ارتفع مجدداً ارتفاعاً طفيفاً نهاية الأسبوع.

ويعتبر الباحث في أسواق المال والكاتب الاقتصادي، محمد مهدي عبد النبي، أن الفترة الحالية، وإن كانت تشهد تذبذباً في سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، فإنها «قد تكون أفضل من فترات مقبلة؛ إذ إنه من غير المتوقع أن تشهد الأسعار تراجعاً خلال الفترة المقبلة، بل إنها على العكس قابلة للارتفاع إذا ما عاود الدولار الارتفاع لـ55 جنيهاً، وهو أمر متوقع إذا ما تجددت الحرب الإيرانية».

ويتفق معه رئيس شعبة الأدوات الكهربائية في غرفة القاهرة التجارية، أشرف هلال، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن حركة البيع متراجعة حالياً في ظل تذبذب سعر الدولار وارتفاع الأسعار، والتي تعود لأسباب عديدة، ناصحاً في الوقت نفسه من يفكر في شراء أي شيء بأن يقوم بهذه الخطوة الآن وعدم التأجيل، في ظل عدم استقرار السوق، وما قد يأتي من زيادات جديدة.

ولفت عبد النبي إلى أن العديد من التجار والمصنعين يتعاملون في معاملاتهم التجارية بسعر تحوطي للدولار يتجاوز الـ55 جنيهاً، ما يتسبب في ارتفاع الأسعار، لكن تراجعها لن يحدث قريباً. بينما قال هلال إن «الارتفاعات تأتي من المصانع وليس التجار».

مواطن يستبدل دولارات من داخل صرافة في القاهرة (رويترز)

وكان رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، قد قال في تصريح، الخميس، خلال مؤتمر صحافي، إنه في حال توقف الحرب الإيرانية حالياً فلن يعود سعر برميل النفط لما كان عليه قبل الحرب، حتى نهاية العام الحالي على أفضل تقدير، «وهذه هي أفضل السيناريوهات المتفائلة... والدولة تحاول التعامل مع تداعيات الحرب».

وكانت مصر قد قررت في مارس (آذار) الماضي، رفع سعر المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 إلى 30 في المائة لاحتواء تداعيات الحرب الإيرانية.

وتابع الباحث في أسواق المال، موضحاً أن تصريح مدبولي «يعزز توقعات الاقتصاديين بأن الأسعار لن تذهب في منحنى هبوطي قريباً، بل إن العكس هو الأكثر ترجيحاً»، لافتاً إلى أننا في مرحلة لا تسير فيها السوق وفق آليات العرض والطلب، بل وفق التوقعات.

سوق شعبية في محافظة الجيزة بمصر (الشرق الأوسط)

وعكس حبيبة، ترى سارة خالد (31 عاماً)، التي تعمل في مجال خدمة العملاء، أن الأسعار التي ترتفع لا تعود للانخفاض، «لذلك أشتري المفروشات والملابس استعداداً للزواج، مع تأجيل الأجهزة حالياً، ليس على أمل انخفاضها، ولكن لحين تدبير سعرها»، وفق حديثها لـ«الشرق الأوسط».

أما الشاب العشريني أحمد عطا الله، الذي أحبطت الحرب الإيرانية قبل شهر خطوته لشراء شقة، بعدما رفع البائع سعرها 100 ألف جنيه فجأة، إثر ارتفاع الدولار، فقد قرر تأجيل شرائها حالياً مع وضع خطة بديلة.

يقول عطا الله، الذي يعمل محاسباً، لـ«الشرق الأوسط»، إنه اشترى كمية من الذهب بمدخراته في الفترة التي انخفض فيها سعره خلال الحرب، على اعتبار أنه يحتفظ بقيمته، وقد يشهد زيادة بعدها، فيبيعه ويتمكن من شراء الشقة.

وتشهد أسعار الذهب تذبذباً أيضاً على غرار الدولار، لكنه يظل آلية استثمارية مضمونة، إذا ما كان بغرض الاستثمار طويل الأجل، بحسب مراقبين.