الهند: صعود نجم الساسة من أبناء المهاجرين... يناقض حالة الانكفاء القومي داخل البلاد

الهجرات امتدت من جنوب شرقي آسيا إلى أوروبا والأميركتين

ريشي سوناك يحتفل بعيد «ديوالي» أمام مقر رئاسة الحكومة البريطانية
ريشي سوناك يحتفل بعيد «ديوالي» أمام مقر رئاسة الحكومة البريطانية
TT

الهند: صعود نجم الساسة من أبناء المهاجرين... يناقض حالة الانكفاء القومي داخل البلاد

ريشي سوناك يحتفل بعيد «ديوالي» أمام مقر رئاسة الحكومة البريطانية
ريشي سوناك يحتفل بعيد «ديوالي» أمام مقر رئاسة الحكومة البريطانية

بعدما أصبح ريشي سوناك ثالث رئيس وزراء لبريطانيا هذا العام، وأول شخص ملوّن يقود القوة الإمبريالية السابقة، بدأت أنظار وسائل الإعلام العالمية تتجه نحو هذا الأمر. ومع ذلك، لدى إلقاء نظرة على تاريخ العالم، يتضح لنا أن هذا ليس حدثاً استثنائياً من نوعه؛ ذلك أن أفراداً من أصل هندي يرأسون حكومات في جميع أنحاء العالم لعقود حتى الآن. ولدى إعادة النظر في أكثر من 40 سنة من صفحات التاريخ للشتات الهندي المنتشر في جميع أنحاء العالم، نجد أن أكثر عن 31 رجلاً وامرأة من أصول هندية أصبحوا رؤساء أو رؤساء وزراء لكثير من البلدان. ويوجد داخل دول كبيرة مثل الولايات المتحدة وكندا وغيرها كثير من الهنود، الذين صعد بعضهم إلى مناصب حكومية قيادية. ومع ذلك، فإن المثير للاهتمام أن أياً منهم لم يجرِ الاحتفاء به داخل الهند، مثلما حدث مع ريشي سوناك، بسبب أصولهم الهندية. فقد احتفى الهنود على تعدد إثنياتهم بإرثيه الهندي والهندوسي، واحتفل الناس في جميع أنحاء المستعمرة البريطانية السابقة (حتى باكستان) بفخر بوصول سوناك إلى هذا المنصب الرفيع.
تعود أصول أجداد رئيس الوزراء الجديد ريشي سوناك إلى إقليم البنجاب قبل تقسيم شبه القارة الهندية إلى دولتين، هما الهند وباكستان، بعد انتهاء الحكم البريطاني عام 1947. ولقد انتقل ذوو سوناك إلى شرق أفريقيا أواخر الثلاثينات قبل أن يستقروا أخيراً في بريطانيا خلال عقد الستينات. أما سوناك نفسه، فقد ولد عام 1980 في مدينة ساوثهامبتون على الساحل الجنوبي لإنجلترا. واللافت أن أسلافه ليسوا الرابط الوحيد بينه وبين الهند؛ ذلك أنه أيضاً متزوج من أكشاتا مورتي، ابنة الملياردير الهندي إن آر نارايانا مورثي، مؤسس عملاق التكنولوجيا «إنفوسيز». أكثر من هذا، يتحدر عدد من أبرز وزراء الحكومة البريطانية وسابقاتها في السنوات الأخيرة من شبه القارة الهندية، على رأسهم وزيرة الداخلية سويلا برافرمان، ووزيرة الداخلية السابقة بريتي باتيل، ووزير الخزانة والصحة السابق ساجد جاويد.
جدير بالذكر أن آخر شخص جرى الاحتفاء به في الهند على نحو مشابه للاحتفاء بسوناك، كان نائبة الرئيس الأميركي كمالا هاريس، خلال العام الماضي بفضل جذورها الهندية من جانب الأم. ولقد حرص رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، على توجيه التهنئة إلى سوناك، عبر «تويتر»، قائلاً: «نتطلع إلى العمل معاً على نحو وثيق بخصوص القضايا العالمية»، وأردف: «نتمنى بصدق بناء (جسر حي) مع الهنود المقيمين بالمملكة المتحدة من أجل تحويل الروابط التاريخية إلى شراكة حديثة».

سوناك و«قلب الطاولة»
من ناحية ثانية، مع دخول ريشي دار 10 داونينغ ستريت (مقر رئيس الحكومة البريطانية)، راود كثيراً من الهنود شعور بالعزة ـ وربما إثبات القيمة الذاتية. وأعاد البعض نشر عبارة سلبية قالها ونستون تشرتشل مراراً وتكراراً عام 1947 على مشارف الاستقلال الهندي، عندما ندد بالهنود ووصفهم بأنهم «أوغاد ومحتالون ولصوص»، إبان معارضته العنيدة نيل الهند استقلالها. إذ قال: «إذا نالت الهند الاستقلال، فإن السلطة ستؤول إلى أيدي مجموعة من الأوغاد، والمحتالين واللصوص، وسيأتي جميع القادة الهنود دون المستوى وسيكونون أشبه برجال من القش».
لذا اعتبر كثرة في الهند أن صعود ريشي سوناك إلى السلطة في لندن يشكل نوعاً من «قلب الطاولة». وحول كلمات تشرتشل الجارحة أعاد أناند ماهيندرا، رئيس «مجموعة ماهيندرا» العملاقة، نشرها وعلق عليها قائلاً: «كلمات ونستون تشرتشل باقية في الأذهان. اليوم، خلال السنة الخامسة والسبعين لاستقلالنا، نرى رجلاً من أصل هندي بمنصب رئيس وزراء بريطانيا. الحياة جميلة حقاً».
وأعاد ملايين الهنود نشر تغريدة ماهيندرا، بما في ذلك كثير من المشاهير والسياسيين وما إلى ذلك. أيضاً، كتب المشرّع راغاف شادا عبر «تويتر» مغرداً: «اليوم، بينما تحتفل الهند بعيد ديوالي في عامها الخامس والسبعين دولة مستقلة عن بريطانيا، يحكم المملكة المتحدة رئيس وزراء من أصل هندي. التاريخ يدور دورته الكاملة». وقال الصحافي البارز فير سانغفي ساخراً: «إنه لأمر مثير للسخرية بشدة، أن يختار المحافظون، الحزب القديم لتشرتشل، للتوّ زعيمهم الثالث في غضون 6 أسابيع في خضم خلافات سياسية لا تنتهي ومعارك على السلطة. وكان الرجل الذي اختاروه من أصل هندي، رغم أنه لم يكن (مارقاً) ولا (رجلاً ضئيل المستوى)».
من جانب آخر، أشعل تولي ريشي سوناك رئاسة الحكومة في بريطانيا جدلاً من طبيعة مختلفة داخل المجتمع السياسي الهندي، إذ مس موضوع وضع الأقليات وأصحاب الأصول الأجنبية. وشكت أحزاب المعارضة مما اعتبرته هيمنة للغالبية القومية الهندوسية على المشهد السياسي في الهند، وتساءلت حول ما إذا كان ممكناً لزعيم من إحدى الأقليات قيادة البلاد. إذ قال بي تشيدامبارام، زعيم حزب المؤتمر ووزير المالية الاتحاد السابق، في تصريح له، إن الهند بحاجة لتعلم الدرس من بريطانيا. وأضاف: «أولاً كمالا هاريس، والآن ريشي سوناك. لقد احتضن شعبا الولايات المتحدة والمملكة المتحدة المواطنين من غير الغالبية في بلدانهم وانتخبوهم في مناصب عليا في الحكومة... أعتقد أن ثمة درساً يجب أن تتعلمه الهند والأحزاب التي تمارس نظام هيمنة الغالبية». كذلك، علّق السياسي البارز الدكتور شاشي ثارور، الوزير السابق والبرلماني عن حزب «المؤتمر»، قائلاً: «بينما نحتفل نحن الهنود بصعود ريشي سوناك، دعونا نسأل بصدق؛ هل يمكن أن يحدث ذلك هنا؟».
في المقابل، رفض حزب «بهاراتيا جاناتا» (القومي الهندوسي) الحاكم عقد أي مقارنات بين رفضه وصول سونيا غاندي (الإيطالية الأصل) لمنصب رئيسة الوزراء عام 2004 واختيار الحزب الحاكم في بريطانيا سوناك زعيماً له. ورداً على الانتقادات، قال وزير العدل السابق والعضو البارز في «بهاراتيا جاناتا»، رافي شانكار براساد: «أصبح بعض القيادات مفرطين في هجومهم على فكرة حكم الغالبية بعد انتخاب ريشي سوناك رئيساً لوزراء المملكة المتحدة. أود أن أذكركم بفترة الرئاسة الاستثنائية لعبد الكلام، وتولي مانموهان سنغ رئاسة الوزراء طوال 10 سنوات. كما أن هناك زعيماً قبلياً مميزاً، هو دروبادي مورمو، يتولى منصب رئيس البلاد اليوم». ومعلوم، أنه قبل هيمنة اليمين القومي الهندوسي، تعاقب على رئاسة الهند مسلمون، مثل ذاكر حسين، وإم هداية الله، وفخر الدين علي أحمد، بينما جاء الرئيس جياني زايل سنغ من أقلية السيخ.
رئيس وزراء آيرلندا
ثمة قائد آخر من أصول هندية صعد في نصف الكرة الشمالي بخلاف ريشي سوناك وكمالا هاريس، هو رئيس وزراء آيرلندا السابق (ونائب رئيس الوزراء الحالي) الدكتور ليو إريك فارادكار، إلا أن صعوده لهذا المنصب لم يلقَ اهتماماً كبيراً داخل الهند. ولكن في عام 2019، نظمت احتفالات ممتدة، أشبه بتلك التي تقام في رأس السنة داخل قريته فاراد، الواقعة على ساحل منطقة كونكان (غرب الهند)، عندما زار رئيس الوزراء الآيرلندي، صاحب الجذور الماهاراشترية، القرية التي كان يعيش فيها والده، وقضى ليلة في منزل العائلة هناك.
وفي يونيو (حزيران) 2017، أصبح فارادكار (40 سنة) رئيس الوزراء الـ14 لآيرلندا. وللمرة الأولى، حقق أمنية والده البالغ عمره 80 سنة، في زيارة قرية فاراد، الواقعة على بعد نحو 525 كيلومتراً جنوب مومباي. يُذكر أن أشوك فارادكار، والد ليو فارادكار، مولود في مومباي، وكان حريصاً على زيارة فاراد بانتظام، وهو يتكلم اللغة المحلية بطلاقة. بل عاون في إعادة بناء مدرسته القديمة وتبرّع بكتب وزي مدرسي للطلاب الفقراء، وأعاد بناء منزل العائلة الذي جاء لزيارته عام 2015.
أما فارادكار الابن، فقد ولد في العاصمة الآيرلندية دبلن في 18 يناير (كانون الثاني) 1979، ويترأس حالياً حزب «فين غايل» الشريك في الحكم وأحد أبرز حزبين على مستوى البلاد. وهو يعد «نصف هندي». إذ انتقل والده أشوك إلى إنجلترا للعمل طبيباً هناك في ستينات القرن الماضي. وفي بريطانيا، التقى زوجته المستقبلية، ميريام، أثناء عملها ممرضة بمستشفى في بلدة سلاو، غرب لندن. واستقر والدا فارادكار في دبلن عام 1973. وبعد 5 سنوات، ولد ليو الذي سار على خطى أبيه وصار طبيباً. وهو الولد الأصغر للزوجين وله شقيقتان تكبرانه.

الريادة لدولة غيانا
على صعيد الريادة بالنسبة للشتات الهندي، فإنها تعود للدكتور تشيدي جاغان، الذي كان أول هندوسي وشخص من أصل هندي يتولى رئاسة حكومة خارج جنوب آسيا. كان جاغان أول من انتخب رئيساً لوزراء غيانا (غيانا البريطانية سابقاً) وحكم من عام 1961 إلى عام 1964، قبل الاستقلال. ولاحقاً، شغل منصب رئيس غيانا من عام 1992 إلى عام 1997. وبعد فترة وجيزة من انتصار جاغان، أصدر الحاكم الاستعماري أمراً بتدخل عسكري بريطاني، وعلق الدستور وشكل حكومة مؤقتة بسبب الخوف من أن ينشئ جاغان، اليساري الميول، موطئ قدم للاتحاد السوفياتي في أميركا الجنوبية. وشغل جاغان في وقت لاحق منصب رئيس جمهورية غيانا من عام 1992 إلى عام 1997. واليوم، يُنظر إلى جاغان على نطاق واسع في غيانا باعتباره «والد الأمة». وكان سياسياً مهماً وخطيباً مفوهاً.
من ناحية ثانية، أطلقت مجلة «تايم» على بهارات جاغديو لقب «بطل بيئي»، وهو سياسي غياني كان رئيس غيانا من 1999 إلى 2011 (حالياً نائب الرئيس) وخدم في منصبه لفترتين. ولد جاغديو لأبوين هندوسيين. عام 1912، هاجر جده إلى غيانا البريطانية من قرية بولاية أوتار براديش الحالية في الهند. وقبل بضع سنوات، زار القرية التي عاش فيها أسلافه والتقى بعمته البالغة من العمر 90 سنة وأقارب آخرين يغرقون في فقر مدقع. ويشغل محمد عرفان علي حالياً منصب رئيس غيانا، وهو من الجيل الرابع من أسرة هندية مسلمة مهاجرة إلى غيانا، درس في دلهي. وكان أجداده قد رحلوا عن الهند للعمل في مزارع السكر في غيانا البريطانية آنذاك. ولقد درس علي في جامعة إندرابراستا في دلهي؛ حيث نال درجة الماجستير. وللعلم، تكشف التقديرات أن ما يقرب من نصف سكان غيانا البالغ إجمالي عددهم 800000 نسمة ينتمون إلى أصول هندية. ومن ناحية أخرى، نجد أنه في سورينام (غيانا الهولندية سابقاً)، المتاخمة لغيانا، تعاقب على حكم البلاد 5 رؤساء من أصول هندية، بينهم الرئيس الحالي تشان سانتوخي.

ترينيداد وتوباغو
وغير بعيد عن غيانا وسورينام، في منطقة البحر الكاريبي، يعتبر نور محمد حسنالي، قاضي المحكمة العليا المتقاعد، ثاني رئيس لترينيداد وتوباغو (1987 - 1997) وأول رئيس للبلاد من أصول هندية، وكذلك أول رئيس مسلم. وأيضاً، يعد باسديو بانداي، المحامي والسياسي والنقابي والخبير الاقتصادي والممثل، خامس رئيس للوزراء في ترينيداد وتوباغو، وأول شخص من أصول هندية وأول هندوسي يتولى المنصب. وجاءت كمالا برساد بيسيسار، صاحبة الجذور الهندية والهندوسية، لتسطر التاريخ من جديد بعدما أصبحت أول سيدة تتقلد منصب رئيس الوزراء في البلاد.

الحكام في موريشيوس
من ناحية ثانية، في المحيط الهندي، تقلد مسؤولون من أصول هندية زمام السلطة في موريشيوس ما لا يقل عن 9 مرات. وبدأ الأمر عام 1968، عندما أصبح سيووساغور رامغولام أول رئيس للوزراء في موريشيوس المستقلة. وكان والده، موهيث رامغولام، قد هاجر إلى موريشيوس من الهند في عمر الـ18. وبين عامي 1968 و1982، عمل رامغولام الابن رئيساً للوزراء عبر سلسلة من الحكومات الائتلافية. ويحظى رامغولام بتقدير بالغ داخل موريشيوس، ويحمل المطار الدولي بالبلاد ومستشفى وطني وإحدى كليات الطب وحديقة نباتية اسمه تكريماً له. كما عمل نجله، نافين رامغولام، رئيساً للوزراء في موريشيوس بين عامي 1995 و2000. وعاد إلى المنصب من جديد بين عامي 2005 و2014.
كذلك تقلد المنصب ذاته مسؤول آخر من أصول هندية، هو أنيرود جوغنوث، الذي عمل رئيساً للوزراء لـ4 فترات متعاقبة، ويعتبره أبناء موريشيوس الأب الروحي لمعجزة موريشيوس الاقتصادية. ويعد رئيس الوزراء صاحب الفترة الأول في المنصب بعدد سنوات تجاوز 18 سنة. ولقد تقلد منصب الرئيس بين عامي 2003 و2012، بعد عمله رئيساً للوزراء ما بين 1982 و1995. ثم من جديد بين عامي 2000 و2003. وكان يبلغ 83 سنة عندما تولى رئاسة الوزراء للمرة الأخيرة عام 2014. قبل أن يتنازل أخيراً عن المنصب لنجله برافيندا جوغنوث، الذي يتولى حالياً منصب رئيس وزراء المستعمرة البريطانية السابقة.
وبالمثل نجد أن الرئيس الحالي للدولة، بريثفيراجسينغ روبون، ينتمي هو الآخر لأصول هندية هندوسية. والمعروف أن منصب الرئيس في موريشيوس يعد شرفياً في الجزء الأكبر منه. ومن بين المسؤولين الآخرين المنتمين إلى أصول هندية وتعاقبوا على رئاسة موريشيوس، فيراسامي رينغادوو وقاسم أوتيم وكايلاش بورياغ.

سنغافورة وماليزيا
وفي جنوب شرقي آسيا، لطالما هيمن سياسيون من أصول هندية على الساحة السياسية في سنغافورة (المستعمرة البريطانية السابقة التي تحمل اسما هندياً). من بين هؤلاء سي في ديفان نير، السياسي السنغافوري الذي تنتمي جذوره إلى ولاية كيرالا الهندية، وكان الرئيس الثالث لسنغافورة خلال الفترة بين عامي 1999 و2011. وحتى اليوم، يعتبر نير صاحب الفترة الكبرى في سدة الرئاسة في تاريخ البلاد. كما أن الرئيسة الحالية لسنغافورة، حليمة يعقوب، تنتمي لأصول هندية، فأبوها هندي وأمها من الملايو.
ومن بين المسؤولين البارزين الآخرين من أبناء الشتات الهندي، ماهيندرا بال تشودري، الزعيم والعضو المؤسس بحزب العمال في فيجي. وتولى منصب رئيس الوزراء في البلاد عام 1999، ليصبح بذلك أول مسؤول من أصول هندية يتقلد هذا المنصب. وتجدر الإشارة إلى أن جذور تشودري تضرب في إحدى قرى ولاية هاريانا المتاخمة لدلهي، انتقل جده لوالده إلى فيجي عام 1902 للعمل في مزرعة هناك. إلا أنه رفض لاحقاً العمل في المزارع، وفضّل بدلاً عن ذلك العمل مديراً بأحد المتاجر، حتى بدأ عمله الخاص.

مهاتير محمد
وأخيراً، لا آخراً، يتميز مهاتير محمد بكونه رئيس الوزراء صاحب فترة الولاية الأطول في تاريخ ماليزيا، وهو شخصية بارزة على مستوى البلاد وقارة آسيا منذ عقود. وكان جده قد هاجر إلى شبه جزيرة الملايو (الجزء الأكبر من ماليزيا اليوم) من كيرالا بجنوب غربي الهند، مع شركة الهند الشرقية البريطانية، كي يتولى تدريس الإنجليزية داخل قصر كداه الملكي. ورغم خلفيته الاجتماعية والاقتصادية المتواضعة، أصبح مهاتير طبيباً، ثم نشط في المجال السياسي.

قادة دول العالم الحاليون المتحدرون من أصول هندية
* ريشي سوناك، رئيس وزراء بريطانيا
* كمالا هاريس، نائبة رئيس الولايات المتحدة
* برافيند جوغنوث، رئيس وزراء موريشيوس
* بريثفيراجسينغ روبون، رئيس موريشيوس
* تشان سانتوخي، الرئيس الحالي لسورينام
* محمد عرفان علي، رئيس غيانا
* حليمة يعقوب، الرئيسة السنغافورية
* أنتونيو لويس سانتوس دا كوستا، رئيس وزراء البرتغال
* وايفل رامكالاوان، رئيس سيشيل

تزايدت الهجرة الهندية إبان فترة الاستعمار البريطاني
> بدأ الأفراد أصحاب الأصول الهندية في الهجرة إلى الخارج بأعداد كبيرة في القرن الـ19، وانطلقت هذه الهجرة بناءً على دوافع اقتصادية قادتها القوى الاستعمارية.
في البداية، انتشر الهنود في أفريقيا وجنوب شرقي آسيا وفيجي ومنطقة الكاريبي، استجابة للطلب الهائل على العمالة الرخيصة في أعقاب إلغاء بريطانيا العبودية 1933 - 1934. وبعد ذلك، انطلقت موجة ثانية من هجرة الهنود في منتصف القرن الـ20، بحثاً عن حياة أفضل وكسب العيش في دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما.
وكنتيجة لوجود مستعمرات لها داخل شبه القارة الهندية، ارتبطت البرتغال بصلات قوية مع الهند. وينتمي رئيس وزراء البرتغال الحالي، أنتونيو دا كوستا، إلى أصول هندية، فهو نجل الكاتب أورلاندو دا كوستا المنتمي إلى عائلة جوان البرتغالية ذات الجذور الهندية. وما يزال أفراد من عائلة كوستا الكبيرة يعيشون في الهند حتى يومنا، تحديداً في ولاية غوا التي ما تزال تضم منزل العائلة البالغ عمره 200 سنة في مارغاو. من جهته، أشار كوستا إلى جذوره الهندية خلال زيارته الهند قبل بضع سنوات، وقال إنه فخور بهذه الجذور. ذكر كوستا (59 سنة) أن والده، أورلاندو دا كوستا، أمضى الجزء الأكبر من شبابه في غوا، التي كانت آنذاك تحت الحكم البرتغالي. وأردف: «أمضى أبي طفولته في غوا، ولم نفقد صلاتنا قط مع الهند. وما يزال لديّ كثير من الأقارب في مارغاو، وسأزورهم قريباً». وأعرب عن اعتقاده أنه من واجب أبناء الشتات العمل على ربط بلدهم الأصلي بالبلد الذي يعيشون فيه في الوقت الحاضر.


مقالات ذات صلة

11 قتيلاً في تسرب للغاز بمنطقة صناعية بالهند

العالم 11 قتيلاً في تسرب للغاز بمنطقة صناعية بالهند

11 قتيلاً في تسرب للغاز بمنطقة صناعية بالهند

قتل 11 شخصاً بعد تسرب للغاز في الهند، حسبما أعلن مسؤول اليوم (الأحد)، في حادثة صناعية جديدة في البلاد. ووقع التسرب في منطقة جياسبورا وهي منطقة صناعية في لوديانا بولاية البنجاب الشمالية.

«الشرق الأوسط» (أمريتسار)
العالم الهند: مقتل 10 من عناصر الأمن في هجوم لمتمردين ماويين

الهند: مقتل 10 من عناصر الأمن في هجوم لمتمردين ماويين

قُتل عشرة من عناصر الأمن الهنود وسائقهم المدني في ولاية تشاتيسغار اليوم (الأربعاء) في انفجار عبوة ناسفة لدى مرور مركبتهم، حسبما أكدت الشرطة لوكالة الصحافة الفرنسية، متهمة متمردين ماويين بالوقوف وراء الهجوم. وقال فيفيكانند المسؤول الكبير في شرطة تشاتيسغار «كانوا عائدين من عملية عندما وقع الانفجار الذي استهدف مركبتهم».

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
يوميات الشرق «الصحة العالمية» تُحذر من دواء آخر للسعال مصنوع في الهند

«الصحة العالمية» تُحذر من دواء آخر للسعال مصنوع في الهند

قالت منظمة الصحة العالمية إنه تم العثور على مجموعة من أدوية الشراب الملوثة والمصنوعة في الهند، تحديداً في جزر مارشال وميكرونيزيا. وحذرت المنظمة من أن العينات المختبرة من شراب «غيوفينسين تي جي» لعلاج السعال، التي تصنعها شركة «كيو بي فارماشيم» ومقرها البنغاب، أظهرت «كميات غير مقبولة من ثنائي إيثيلين جلايكول وإيثيلين جلايكول»، وكلا المركبين سام للبشر ويمكن أن يكونا قاتلين إذا تم تناولهما. ولم يحدد بيان منظمة الصحة العالمية ما إذا كان أي شخص قد أُصيب بالمرض. يأتي التحذير الأخير بعد شهور من ربط منظمة الصحة العالمية بين أدوية السعال الأخرى المصنوعة في الهند ووفيات الأطفال في غامبيا وأوزبكستان.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
العالم الأمم المتحدة تتوقع تفوق الهند على الصين من ناحية عدد السكان

الأمم المتحدة تتوقع تفوق الهند على الصين من ناحية عدد السكان

أعلنت الأمم المتحدة اليوم (الاثنين)، أن الهند ستتجاوز الأسبوع المقبل الصين من ناحية عدد السكان، لتغدو الدولة الأكثر اكتظاظاً في العالم بنحو 1.43 مليار نسمة. وقالت إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة إنه «بحلول نهاية هذا الشهر، من المتوقع أن يصل عدد سكان الهند إلى 1.425.775.850 شخصاً، ليعادل ثم يتجاوز عدد سكان البر الرئيسي للصين». وطوال أكثر من مائة عام، كانت الصين الدولة الأكثر سكاناً في العالم، تليها الهند في المرتبة الثانية على مسافة راحت تتقلّص باطراد في العقود الثلاثة الأخيرة. ويأتي ذلك رغم غياب إحصاءات رسمية لعدد السكان في الهند منذ أواخر القرن الماضي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم اعتقال «انفصالي» من السيخ في الهند

اعتقال «انفصالي» من السيخ في الهند

أفاد مسؤول في شرطة ولاية البنجاب الهندية، اليوم (الأحد)، بأن قوات من الأمن ألقت القبض على «الانفصالي» المنتمي للسيخ أمريتبال سينغ، بعد البحث عنه لأكثر من شهر، في خطوة ضد إقامة وطن مستقل في الولاية المتاخمة لباكستان. وأدى بزوغ نجم سينغ (30 عاماً)، وهو واعظ بولاية البنجاب الشمالية الغربية حيث يشكّل السيخ الأغلبية، إلى إحياء الحديث عن وطن مستقل للسيخ. كما أثار مخاوف من عودة أعمال العنف التي أودت بحياة عشرات الآلاف في الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن الماضي أثناء تمرد للسيخ. وقال مسؤول كبير بشرطة البنجاب لصحافيين: «ألقي القبض على أمريتبال سينغ في قرية رود بمنطقة موجا في البنجاب، بناء على معلوم

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.