لماذا غار لويس السادس عشر من فولتير... وودعت فرنسا كلها هيغو؟

على هامش كتاب آلان مانك: التاريخ السياسي للمثقفين الفرنسيين

فولتير  -  آلان مانك
فولتير - آلان مانك
TT

لماذا غار لويس السادس عشر من فولتير... وودعت فرنسا كلها هيغو؟

فولتير  -  آلان مانك
فولتير - آلان مانك

إنه لشيء ممتع أن تمضي بعض الوقت في صحبة آلان مانك. وهو لمن لا يعرفه أحد المثقفين النافذين في الساحة الفرنسية، ليس ثقافياً فقط، وإنما سياسياً أيضاً. إنه «صانع» الرؤساء من ساركوزي إلى ماكرون... ولكن يقال إن جاك أتالي هو الذي يقف خلف ماكرون. والله أعلم. على أي حال ليس هذا موضوعنا حالياً. وإنما موضوعنا هو استعراض كتابه الشيق الذي يتحدث فيه عن كبار مثقفي فرنسا منذ عصر التنوير حتى اليوم. كيف كانت علاقتهم بالسياسة أو بالسلطة على مدار العصور؟ كيف كانت علاقة فولتير بملوك فرنسا، أو علاقة شاتوبريان بنابليون، أو علاقة فيكتور هيغو بالإمبراطور نابليون الثالث، أو علاقة سارتر بديغول... إلخ؟ شيء ممتع أن نعرف كل ذلك.
يخصص المؤلف لفولتير فصلاً كاملاً بعنوان شديد الإيحاء والدلالة «الملك المضاد!»، وهذا تفخيم ما بعده تفخيم. بمعنى أنه إذا كان لويس الخامس عشر هو ملك فرنسا الفعلي سياسياً فإن فولتير هو ملك فرنسا ثقافياً. والمنافسة دائرة بين الاثنين على مدار 30 سنة متواصلة. هذا يتربع على عرش السياسة، وذاك على عرش الفكر. ثم يقول لنا الباحث ما معناه؛ على الرغم من نواقصه الشخصية الكثيرة فإن فولتير احتل أكبر مكانة في تاريخ فرنسا الثقافية. لماذا؟ لأنه أصبح أكبر مدافع عن المضطهدين على أساس طائفي أو مذهبي. لأنه دافع، وهو الكاثوليكي الأكثري، عن عائلة جان كالاس الأقلية البروتستانتية المضطهدة من قبل طائفته الخاصة بالذات. لقد تصدى للتعصب المذهبي الأعمى الذي كان يهيمن على فرنسا آنذاك. لقد تحدى الأفعوان الأصولي وهو في أوج قوته وجبروته. كم هو عدد المثقفين العرب الذين أدانوا جرائم «داعش» المروعة في العراق وجبل سنجار ضد إخواننا الإيزيديين وسواهم؟ تراهم في قلب باريس أو لندن أو واشنطن يتشدقون باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ثم ينبطحون في ذات الوقت أمام الأصوليين و«الإخوان المسلمين» الذين هم أصل «الدواعش». لماذا فقدوا مصداقيتهم؟ ما معنى ربيع عربي يقوده يوسف القرضاوي أو راشد الغنوشي؟ هل هذا ربيع؟ هل هذا هو الوجه المشرق للإسلام والعروبة؟ لو كان فولتير حاضراً لأقام الدنيا وأقعدها من أجل الإيزيديين المستباحين في عقر دارهم على أساس طائفي محض. لو كان حياً لهيّج الرأي العام العالمي كله ضد الوحوش البرابرة. هنا تكمن عظمة فولتير، ولهذا السبب ظل اسمه يلمع على صفحة التاريخ منذ عام 1763 حتى اليوم، أي منذ أصدر كتابه الشهير «رسالة في التسامح». وهو الكتاب الذي نقلته هنرييت عبودي إلى العربية بكل تمكن واقتدار عام 2009 عن دار بترا - دمشق، رابطة العقلانيين العرب. لقد دافع عن الأقلية ضد الأكثرية، على الرغم من أنه ينتمي أباً عن جد إلى الأكثرية الساحقة، لا إلى الأقلية. هنا تكمن عظمة المثقف، أن يتحدى طائفته الخاصة بالذات، وبخاصة إذا كانت قادرة على أن ترهب الآخرين وتخرس أصواتهم. بل تستطيع أن تكفرهم وتبيدهم عن بكرة أبيهم إذا شاءت. لأول مرة أصبح «الرأي العام» سلطة مهابة بحد ذاتها في فرنسا. قبل ذلك لم يكن له وجود. ماذا يعني الشعب بالنسبة للملوك الجبابرة؟ لا شيء. كمٌ مهمل من البشر الذين يقادون كالقطيع. كان ملك فرنسا في تلك العصور الغابرة يستطيع أن يبيد منطقة بأسرها دون أن يرف له جفن، ودون أن يتجرأ أحد على الاحتجاج أو الاعتراض. الآن تغير الوضع في عهد فولتير وبفضل فولتير. ومن يكسب الرأي العام إلى صفّه يكسب المعركة. لنتأمل في المشهد ولو للحظة؛ نحن أمام 3 أقطاب؛ القطب الأول فولتير، القطب الثاني الأغلبية الكاثوليكية الجبارة التي اعتدت ظلماً وعدواناً على الأقلية البروتستانتية، القطب الثالث الرأي العام. ميزة فولتير هي أنه استطاع استقطاب الرأي العام لصالحه، ولذلك ربح المعركة ضد الأصولية الكاثوليكية. هنا يكمن ذكاؤه. هنا تكمن براعته وعبقريته. وبدءاً من تلك اللحظة، أصبح استقطاب الرأي العام هو هدف جميع المثقفين في معاركهم مع السلطات الدينية أو السياسية الاستبدادية المهيمنة. بدءاً من تلك اللحظة، أصبح فولتير ملكاً متوجاً على عرش الثقافة الفرنسية.

هذه الكلمات والأفعال هي التي أدخلت فولتير التاريخ. لو لم يتصدى فيلسوف فرنسا الأول لطائفته الكاثوليكية البابوية المتحكمة تاريخياً بمقاليد فرنسا لما بقي منه شيء يذكر. لو لم يتجرأ على التصدي لـ«الإخوان» المسيحيين (الكاثوليكيين) الذين يشاركهم منذ طفولته الأولى ذات العقيدة وذات الدين لما أصبح فولتير.
والآن نطرح هذا السؤال؛ من سيخلف فولتير على عرش الآداب الفرنسية والانخراطات السياسية؟ شخصان اثنان؛ فيكتور هيغو في القرن التاسع عشر، وجان بول سارتر في القرن العشرين. لم يحظَ أي مثقف بالأمجاد الشعبية مثلما حظي هؤلاء الثلاثة. عندما عاد فولتير من المنفى بعد ربع قرن هبّ شعب باريس كله لاستقباله إلى درجة أن ملك فرنسا في قصر فرساي غار منه ومنع زوجته ماري أنطوانيت من المشاركة في الاحتفالات... وكانت راغبة في ذلك. كانت تريد أن ترى بأم عينيها أشهر مثقف في تاريخ فرنسا. كان الناس يترامون على العربة التي تقله لكي يلمسوها فقط. كانوا يتساقطون على ركابه. كانت الشوارع مكتظة بالبشر، والزلاغيط والأهازيج والهتافات تتعالى في كل مكان؛ يعيش فولتير! يعيش فولتير! وكأنهم في عرس. لحسن الحظ أنه شهد كل هذا المجد قبل أن يموت بـ3 أشهر فقط عام 1778. عندئذ عرف فولتير أن نضالاته لم تذهب سدى. لقد ذاق طعم العودة إلى الوطن بعد منفى ربع قرن، وأي عودة! وراح البعض يتساءلون؛ من هو ملك فرنسا الحقيقي يا ترى؛ فولتير أم لويس السادس عشر؟
وهذا ما حصل لفيكتور هيغو بعده بقرن واحد. بل استمتع شاعر فرنسا الأكبر بالمجد مرتين أو 3 مرات. فعندما عاد بعد 20 سنة من منفاه الإنجليزي كان الناس أيضاً يستقبلونه في محطات القطار بالهتافات الصارخة؛ يعيش فيكتور هيغو! يعيش فيكتور هيغو! وهو يلوح لهم بيده من نافذة القطار. ثم بجّلوه مرة ثانية عندما بلغ الثمانين حيث احتفلت فرنسا الرسمية والشعبية بهذه الذكرى المجيدة، واعتبروه أباً للأمة ومجداً للوطن. لكن الاحتفال الأكبر سيكون بعد موته في جنازته عام 1885. عندئذ خرجت الملايين، ليس فقط في باريس، وإنما في كل أنحاء فرنسا، لكي تودع مجدها الوطني الكبير. لم تشهد فرنسا في حياتها كلها جنازة في مثل هذا الحجم والمستوى. لكن قبل موته أثناء احتضاره الذي دام عدة أيام كانت فرنسا كلها تحبس أنفاسها انتظاراً لوقع الخبر. كانت تتمنى ألا يموت رغم أنها تعرف أنه سيموت. كانت تتمنى أن تحصل معجزة ما تبقيه معهم فترة إضافية أخرى. يقول الفيلسوف الكبير إرنست رينان، واصفاً تلك اللحظات الحاسمة: «لقد كانت فرنسا كلها بجميع أحزابها وطبقاتها الاجتماعية وتياراتها الفكرية شبه مشلولة تنتظر بفارغ الصبر نتائج احتضار فيكتور هيغو. الجميع نسوا أعمالهم وهمومهم، الجميع نسوا أنفسهم كلياً، وما عادوا يفكرون إلا بمصير شخص واحد، هو فيكتور هيغو. وعندما وقع الخبر المحتوم عليهم كالصاعقة خرجت الملايين إلى الشوارع، وهي تبكي وتهتف وتبتهل وتودع». وعندئذ قال غونكور هذه الكلمات البليغة: «يا له من شعب غريب الأطوار هذا الشعب الفرنسي! لم يعد يعبد الله ولا يؤمن بالدين ولا بيسوع المسيح، ولكنه أصبح يعبد فيكتور هيغو! شيء عجيب». وهذا يعني أن المقدس العلماني الحديث حل محل المقدس الديني الأصولي القديم. عندئذ خرس صوت الحزب الأصولي الكاثوليكي. وماذا يستطيع أن يفعل أمام زحف الملايين؟ أخيراً، انتصر فيكتور هيغو على الأصوليين أو «الإخوان المسيحيين» الذين كانوا لا يزالون أقوياء في فرنسا ومرهوبي الجانب. وعندما فتحوا وصيته وجدوا مكتوباً فيها ما يلي: «أعطي 50 ألف فرنك للفقراء. وأتمنى أن أنقل إلى المقبرة في عربتهم. أرفض صلوات وتضرعات كل الطوائف والمذاهب. لكني أطلب دعاء كل البشر. أومن بالله. التوقيع: فيكتور هيغو».
من هذه الوصية نفهم أن الصراع بين الحزب العلماني التقدمي- والحزب الأصولي الرجعي كان لا يزال محتدماً آنذاك في فرنسا. ونفهم أيضاً أن فيكتور هيغو لم يكن كافراً بالدين، ولا بالله، وإنما فقط بالأصولية والأصوليين، بالطائفية والطائفيين. وذلك على غرار فولتير الذي كان مثاله وقدوته. فهو يعلن صراحة إيمانه بالله وبالقيم العليا المثالية للدين. وبالتالي، لا ينبغي أن نفهم موقفه خطأ. فيكتور هيغو لم يكن مادياً ملحداً. لكنه كان يفرق بين الدين ورجال الدين، أو قل بالأحرى كان يفرق بين الدين والمتاجرين بالدين. ماذا يفعل الإسلام السياسي حالياً؟ كل الذين كانوا يستخدمون الدين لأغراض شخصية انتهازية كان يرفضهم. كل الذين كانوا يستخدمون الدين كأداة فعالة وفتاكة للتفريق بين أبناء الشعب الواحد على أساس طائفي أو مذهبي كان يكرههم. ولهذا السبب تحداهم ورفض صلواتهم.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
TT

«مسرح الدولة» يزدهر في عيد الفطر بمصر: 14 عرضاً تجذب الجمهور

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)
الملصق الترويجي للعرض المسرحي «ابن الأصول» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

تشهد «مسارح الدولة» بمصر انتعاشة كبيرة خلال موسم عيد الفطر، إذ أعلنت وزارة الثقافة عرض 14 مسرحية جديدة وقديمة، تتنوَّع موضوعاتها وفق المراحل العمرية المختلفة، من بينها «سابع سما»، و«يمين في أول شمال»، و«كازينو»، و«بلاك»، و«سجن اختياري»، و«الملك لير».

ووفق «البيت الفني للمسرح»، جرى الاستعداد لافتتاح عرض «صفحة 45»، وتدور أحداثه في إطار يمزج بين الكوميديا السوداء والتأمّلات الفلسفية، ضمن مبادرة «100 ليلة عرض»، ومن إنتاج فرقة «مسرح الإسكندرية»، على خشبة مسرح «ليسيه الحرية» بالإسكندرية.

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «سابع سما» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما يفتتح العرض الجديد «سابع سما»، من إنتاج فرقة «مسرح الشباب»، على مسرح «أوبرا ملك» في رمسيس، ويأتي العرض في إطار مشروع «أول ضوء»، وتدور أحداثه حول معالجة درامية مُستلهمة من أسطورة «سيزيف».

وتعرض فرقة «المسرح الحديث»، في ليلة واحدة، مسرحية «كازينو» على المسرح الكبير بـ«مسرح السلام»، و«يمين في أول شمال»، بقاعة «يوسف إدريس» بالمسرح نفسه، وتقدّم فرقة «مسرح الغد» عرض «أداجيو... اللحن الأخير»، والمأخوذ عن رواية للأديب إبراهيم عبد المجيد، على خشبة «مسرح الغد».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «كازينو» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

ووفق مدير فرقة «مسرح الغد»، الفنان سامح مجاهد، فإنّ العرض يمثّل أولى خطوات مشروع «مسرحية الرواية».

وتفتتح فرقة «مسرح الطليعة» العرضين الجديدين «سجن اختياري»، بقاعة «صلاح عبد الصبور»، ويناقش فكرة «السجن النفسي» الذي يصنعه الإنسان لنفسه، و«متولي وشفيقة»، بقاعة «زكي طليمات»، بـ«مسرح الطليعة» بحي العتبة وسط القاهرة، ويقدّم قراءة مُعاصرة للقصة الشعبية، ويركز على الصراع النفسي للإنسان مع ماضيه، وفق بيان «البيت الفني».

مسرحية «سجن اختياري» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأكّد الناقد الفني المصري عماد يسري على الانتعاشة المسرحية الكبيرة التي تشهدها «مسارح الدولة» في موسم عيد الفطر، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «العروض متنوّعة وترضي جميع الأذواق والطبقات الاجتماعية».

وتابع: «مسرح (القطاع العام) وسيلة من وسائل الترفيه الشعبية المناسبة لجميع الفئات العمرية، مع التأكيد على أنه هادف وجاذب في محتواه ويُشبع رغبات الجمهور».

أبطال مسرحية «متولي وشفيقة» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وأشار يسري إلى أنّ «وجود هذا العدد من العروض المتنوّعة ما بين غنائية واستعراضية وشبابية وعروض للأطفال، على مسارح العاصمة والأقاليم، بالمقارنة مع إنتاجات (القطاع الخاص)، يؤكد أهمية المسرح العام».

ويعرض «المسرح القومي للأطفال» مسرحية «لعب ولعب» على خشبة مسرح «متروبول» بوسط القاهرة، وتعيد فرقة «المسرح الكوميدي» العرض المسرحي الكوميدي «ابن الأصول» على خشبة مسرح «ميامي» بوسط البلد، كما تعود مسرحية «الملك لير» للفنان يحيى الفخراني مجدداً على خشبة «المسرح القومي» بالعتبة.

يحيى الفخراني في الملحق الدعائي لمسرحية «الملك لير» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

وتقدّم فرقة «الشمس لذوي الاحتياجات الخاصة» العرض المسرحي «بلاك» على مسرح «الحديقة الدولية» بمدينة نصر مجاناً، كما يعود العرض المسرحي «رحلة سنوحي» على خشبة «مسرح القاهرة للعرائس» بالعتبة.

وفي السياق، تفقدت وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي الاستعدادات النهائية لـ«مسرح مصر» بشارع «عماد الدين»، قبل افتتاحه التجريبي، مؤكدةً، في بيان، أنّ «المسرح يمثّل إضافة نوعية للبنية الثقافية في مصر، في إطار رؤية الدولة لتعزيز دور الفنون المسرحية بوصفها أحد أدوات القوة الناعمة».

الملصق الترويجي للعرض المسرحي «لعب ولعب» (المركز الإعلامي للبيت الفني للمسرح)

كما أعلن «البيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية» عرض مسرحية «مملكة السحر والأسرار» على خشبة قاعة «صلاح جاهين»، ومسرحية «قالك إيه... قالك أه» على خشبة «مسرح البالون».

وأشاد الناقد المسرحي المصري محمد الروبي بالانتعاشة المسرحية في مصر، موضحاً أن «إعادة عرض مسرحيات قديمة إلى جانب العروض الجديدة، وخصوصاً في موسم الأعياد والإجازات، أمر إيجابي لتظلّ حيَّة في الذاكرة».

وختم لـ«الشرق الأوسط»: «المسرح العام عنصر جذب وفرصة للاستمتاع والترفيه في ظلّ قلّة الإنتاج السينمائي بالموسم الحالي، كما أنّ أسعار تذاكره في متناول الجميع».


جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
TT

جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)
جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)

أوقفت «هيئة الرقابة على المصنفات الفنية» في مصر عرض فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بعد وقت قصير من طرحه بالصالات السينمائية مع انطلاق موسم عيد الفطر السينمائي، وهو الفيلم الذي كتبه ويخرجه السيناريست محمد صلاح العزب في أولى تجاربه الإخراجية ويقوم ببطولته أحمد الفيشاوي.

وأرجعت الرقابة قرار الوقف في بيان (الجمعة) إلى تضمن النسخة المطروحة للعرض مشاهد وأحداث لم ترد بالنص المجاز رقابياً ولا بنسخة العمل التي تم تقديمها للحصول على إجازة الفيلم النهائية، فضلاً عما تضمنته النسخة المطروحة من مشاهد عنف حاد وقسوة اعتبرت مخالفة لشروط الترخيص.

وأكَّدت الرقابة مخاطبه جهة الإنتاج لاتخاذ ما يلزم للالتزام بالنص وبالسيناريو والحوار المجاز وحذف جميع المشاهد غير المجازة رقابياً مع ضمان توافق المحتوى مع التصنيف العمري للعمل وشروط العرض، على أن يعاد بعد تنفيذ كل هذه الملحوظات عرضه على الرقابة وفي حالة الالتزام بهذا سيتم إعادة السماح بعرض الفيلم في الصالات.

الفيلم المأخوذ عن قصة حقيقية لسفاح اعتاد استدراج النساء وقتلهن في شقة مجهزة بعد تخديرهن، حقق في يوم عرضه الأول إيرادات بلغت نحو 565 ألف جنيه (الدولار يساوي 52.13 جنيه في البنوك) بعد إتاحته في 43 صالة سينمائية وتم عرضه في ليلة عيد الفطر بعد الإفطار في الصالات بمتوسط من حفلتين إلى 3 حفلات، وبإجمالي تذاكر مباعة بلغ نحو 3700 تذكرة وفق بيانات موزعين سينمائيين حيث حلَّ الفيلم ثالثاً في ترتيب شباك التذاكر المصري، من بين 4 أفلام جرى عرضها.

المخرج محمد صلاح العزب أمام الملصق الترويجي للفيلم (حسابه على فيسبوك)

وكتب مؤلف ومخرج الفيلم محمد صلاح العزب عبر حسابه على «فيسبوك» استغاثة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، معتبراً أن ما يحدث «اغتيال لفيلم رفع شعار كامل العدد في أول عروضه بالصالات» مستشهِداً بالإيرادات في شباك التذاكر بعد طرحه في نصف عدد الصالات فقط التي كان يفترض أن تستقبله، وليس مجرد «تعنت رقابي».

وأكد أن «سحب الفيلم بعد الموافقة على عرضه يعد ضربة لصناعة السينما»، لافتاً إلى أن الحديث عن كون الفيلم «دموياً» يحمل ازدواجية في المعايير لكون مصر تسمح بعرض أفلام عالمية أكثر دموية بينما يقدم «اعترافات سفاح التجمع» تشريحاً فنياً ونفسياً لواقع موجود.

واعتبر الناقد طارق الشناوي في تدوينة عبر حسابه على «فيسبوك» أن قرار سحب التصريح الخاص بالفيلم بعد إجازته بمثابة «ضربة مباغتة لصناعة السينما وحرية التعبير»، مطالباً رئيس الرقابة بالمسارعة لإلغاء قرار الحظر المنسوب إليه.

ووصف الناقد الفني خالد محمود لـ«الشرق الأوسط» قرار منع الفيلم بعد إجازته وبدء عرضه بـ«الملتبس» الذي يحمل قدراً كبيراً من الغموض ويؤدي لهز الثقة بين صناع السينما والرقابة، لافتاً إلى أن هذا القرار يبدو مخالفاً لنهج رئيس جهاز الرقابة الحالي الذي أجاز أعمال واجهت رفض مسبق.

وخلال فترة عمل عبد الرحيم كمال كرئيس للرقابة بمصر والتي بدأت في فبراير (شباط) 2025 جرى إجازة عرض بعض الأعمال التي رفضت في عهد سلفه خالد عبد الجليل منها «الملحد» لأحمد حاتم، والفيلم القصير «آخر المعجزات» الذي عرض السنة الماضية في مهرجان «القاهرة السينمائي».

أحمد الفيشاوي على الملصق الترويجي للفيلم (حساب المخرج على فيسبوك)

ويشعر خالد محمود بالقلق تجاه ما ورد في بيان الرقابة حول مشاهدة نسخة من العمل وعرض نسخة أخرى بالصالات السينمائية لكون هذا الأمر لم يحدث من قبل مع أي عمل سينمائي ويستوجب إن صح المحاسبة على هذا الأمر، مؤكداً أن صناع الفيلم لو لديهم ملاحظات بشأن العمل مع الرقابة أن يستمروا في التواصل لحين الوصول لرؤية واضحة قبل عرض الفيلم.

وأكَّد أن حديث الرقابة عن «مشاهد العنف الحاد والقسوة» تثير التساؤل أيضاً حول ما إذ كانت وافقت بالفعل على هذه المشاهد من قبل وفوجئت برد فعل جماهيري أم أنها لم تشاهدها من الأساس، لافتاً إلى أن الكثير من الأمور سيتضح بشكل تدريجي خلال الأيام المقبلة.


عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
TT

عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)
في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

يحلُّ عيد الفطر على مدن أنهكتها الأخبار الثقيلة، ويجيء صباحه هذا العام مُحمَّلاً بتسارُع الأحداث في المنطقة، لكنه يفتح رغم ذلك نافذة على فسحة إنسانية تُحاول استعادة إيقاع الحياة. ووسط القلق من تقلُّبات المشهد الإقليمي، يجد كثيرون في العيد لحظة استراحة من وطأة الأيام، وإشارة إلى أنّ الفرح سيظلُّ ممكناً في تفاصيل صغيرة.

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

في يوم العيد يستريح الناس من التخبُّط بالقلق (أ.ب)

ففي أكثر من مدينة عربية، تعانقت مظاهر العبادة مع مَشاهد الفرح. وفي الساحات والمساجد، اصطفَّ المُصلّون منذ ساعات الفجر في مشهد جماعي يرفع الرجاء إلى السماء، ويأمَلُ بأيام أفضل. وفي الخارج، تحوَّلت الشوارع إلى مساحات للجَمْعة، فتلاقت العائلات، وارتفعت أصوات الأطفال، وتوزَّعت الألوان بين البالونات والألعاب، في محاولة لإعادة رسم ملامح يوم استثنائي.

زيارة قبور الموتى من طقوس العيد (رويترز)

ففي جدة بالمملكة العربية السعودية، حافظت «العيدية» على حضورها؛ فهي أحد أبرز طقوس العيد، حيث يحرص الأهالي على تقديمها للأطفال عقب صلاة العيد أو خلال الزيارات العائلية. وتتنوَّع بين مبالغ رمزية وهدايا بسيطة، وإنما أثرها يتجاوز قيمتها المادية؛ إذ تُشكّل لحظة انتظار سنوية بالنسبة إلى الصغار، وعنواناً للمحبّة داخل الأسرة وجسراً يُعيد وَصْل الأجيال عبر عادة مُتوارثة تستمرّ عاماً بعد عام.

صلاة العيد في الحرم المكي (أ.ف.ب)

أما في لبنان حيث تتداخل أجواء العيد مع ظلال الحرب المُستمرّة، فاستعاد كثيرون بيت المتنبّي الشهير «عيدٌ بأية حال عدتَ يا عيدُ»، كأنه محاكاة لوجدان مُثقَل بالتساؤلات. ومع ذلك، برزت محاولات، خصوصاً على مستوى كثير من العائلات، لإبقاء العيد حاضراً في وجدان الأطفال، عبر طقوس بسيطة تُبقي على الحدّ الأدنى من البهجة وتمنح الصغار شعوراً بأنّ الحياة قادرة على الاستمرار رغم كلّ شيء.

الحلويات جزء من المشهد (إ.ب.أ)

ومن لبنان إلى تونس، كما في عواصم عربية أخرى منها القاهرة، فقد استقبلت المدن صباح العيد بأجواء روحانية، وتعالت تكبيرات المساجد مُترافقةً مع دويّ مدفع العيد، في تقليد لا يزال يحتفظ بمكانته الرمزية. ومع الساعات الأولى، ازدحمت البيوت بالزيارات العائلية وتبادُل التهاني وزيارة قبور الموتى، في حين امتلأت الأجواء برائحة القهوة والبخور، لتُضفي على اليوم طابعاً احتفالياً دافئاً. وعلى موائد الغداء، حضرت الأطباق التقليدية التي تحرص العائلات على إعدادها في هذه المناسبة، بينما تصدَّرت الحلويات المشهد الصباحي؛ فهي جزء من ذاكرة جماعية مُتوارثة تعكس غنى المطبخ التونسي وحضوره في الحياة اليومية.

الصلاة الجماعية ورجاء بأيام أفضل (رويترز)

وتتكرَّر هذه المَشاهد بصيغ مختلفة في مدن أخرى، حيث تتحوَّل الساحات إلى أماكن للفرح المشترك؛ فمن صلاة جماعية في فضاء مفتوح، إلى مائدة تجمع العائلة، وصولاً إلى هدية تُدخل السرور إلى قلب طفل، تتشكَّل صورة العيد من عناصر متفرّقة، لكنها جميعها تتقاطع عند الرغبة في التمسُّك بالحياة.

لا يكتمل جوّ العيد من دون طعم الحلوى المُشتَهى (د.ب.أ)

إذن، يبدو العيد في ظلّ هذه الظروف مثل مساحة رمزية لإعادة التوازن ولو مؤقتاً بين ثقل الواقع وإمكانية تجاوزه. ويعلم المحتفلون به أنه لا يلغي ما يدور في محيطه، لكنه يفصلهم قليلاً عن قلقهم، ويمنحهم لحظة يلتقطون فيها أنفاسهم، على أمل ألا تطول الأيام الصعبة، وتبقى لحظات الفرح قادرة على الاستمرار.