أولريكه فون لفتسو ويوهان غوته: الحب المنتصر بسطوة اللغة والمهزوم بفارق السن

خلبت لب شاعر ألمانيا العجوز وأوصت بدفن رسائله إلى جوارها

مريام شتاين في دور تشارلوت وألكسندر فيهلنغ في دور غوته في فيلم «الشاب غوته عاشقاً»
مريام شتاين في دور تشارلوت وألكسندر فيهلنغ في دور غوته في فيلم «الشاب غوته عاشقاً»
TT

أولريكه فون لفتسو ويوهان غوته: الحب المنتصر بسطوة اللغة والمهزوم بفارق السن

مريام شتاين في دور تشارلوت وألكسندر فيهلنغ في دور غوته في فيلم «الشاب غوته عاشقاً»
مريام شتاين في دور تشارلوت وألكسندر فيهلنغ في دور غوته في فيلم «الشاب غوته عاشقاً»

«في الثامن والعشرين من أغسطس (آب) عام 1749، والساعة تدق الثانية عشرة ظهراً، جئت إلى هذا العالم، في فرانكفورت على نهر الماين. وكان البرج يدل على حسن الطالع. فقد كانت الشمس في برج العذراء، وكان المشتري والزهرة ينظران إليها نظرة الود. وإذ كان زحل والمريخ يسلكان سبيل اللامبالاة، كان القمر بقوة إشعاعه المعاكس يقاوم ولادتي، بحيث كنت في حجم الميت لقلة براعة القابلة، ولم يبلغ بي القوم أن أبصر النور إلا بجهود شتى».
بهذه العبارات اللافتة، التي تعكس الروح المتأرجحة بين الحداثة والقِدم للقرن التاسع عشر، يستهل الكاتب الألماني الأشهر يوهان فولغانغ غوته كتاب سيرته المميز «من حياتي - الشعر والحقيقة»، المؤلف من جزأين اثنين، الذي أطلعنا الكاتب من خلاله على فصول عديدة من طفولته وصباه وشبابه المتأخر. على أن اللافت في هذا الصدد، هو العلاقات الغرامية المتلاحقة التي شرع غوته في إقامتها مع النساء منذ يفاعته المبكرة، حتى سنوات حياته الأخيرة. والأرجح أن نبوغه الأدبي ووسامته اللافتة، قد أسهما إلى حد بعيد في جعله محطاً لأنظار الكثيرات من نساء عصره. فقد ربطته في مرحلة دراسته الجامعية علاقة حميمة مع فريدريكه أوزر، ابنة صديقه آدم أوزر، مؤسس أكاديمية لايبزيغ للفنون، التي وصفها بالقول «كانت تروح وتعدو كروح باعثة للحياة وسابحة في الهواء». ثم خاض في لايبزيغ مغامرة أخرى مع ابنة صاحب النزل الذي كان يقيم فيه، آنا كاترين شونكوبف، التي ألهمته قصائد حب ملتهبة وذات طابع حسي، أصدرها لاحقاً تحت عنوان «آنيت».
بعد معاناة قاسية مع مرض السل، أدت إلى تركه الجامعة، قام والد غوته بإرساله إلى ستراسبورغ لاستكمال دراسته في الحقوق، حيث التقى هناك بالمفكر المعروف هيردر الذي لفته إلى الشعر الشعبي والمنابع الأصيلة للإبداع. وإذ خفق قلبه مرة أخرى بحب فريدريكه بريون، كتب لها العديد من القصائد الغنائية النابضة بالصدق العاطفي، قبل أن تؤول علاقتهما إلى الفشل. وإثر عودته إلى فرانكفورت مكرساً نفسه للأدب عام 1771، وقع غوته في غرام شارلوته بوف التي كانت مخطوبة لرجل آخر، الأمر الذي سبب له إثر ابتعاده عنها، الكثير من الألم والمعاناة. لكن ذلك لم يمنعه من الدخول في مغامرة مماثلة مع فتاة مخطوبة أخرى هي ماكسيميليانه لاروش، لتواجه علاقته بها مصيراً مشابهاً لمثيلتها السابقة. إلا أن الحياة التي سلبت غوته الكثير من سعادته، هي نفسها التي منحته نعمة اللغة، وأهدته روايته الرائعة «آلام فرتر»، التي أبكت إثر صدورها الشعب الألماني بأسره. وبعدها بعام واحد أحب غوته فتاة جديدة هي ليلي شونيمن، التي أجهض زواجه منها خلاف مستحكم دب بين أسرتي الطرفين، فيما ذهب المترجم المصري مصطفى طاهر في كتابه «صفحات خالدة من الأدب الألماني» إلى القول بأن غوته «لم يكن في حقيقة الأمر يريد أن يربط نفسه بأي رباط، لأن تيار العبقرية كان يجرفه ويملك عليه نفسه». ومهما يكن الأمر فقد كان لانفصاله عن ليلي الرجع المأساوي الذي أمده بالعديد من قصائد الحب والفقدان.
ولم يكد غوته يتعرف إلى دوق فايمار كارل أوغست، حتى قام هذا الأخير بتعيينه وزيراً له ورئيساً لمسرح البلاط، في المقاطعة التي تحولت في تلك الفترة إلى قبلة حقيقية لأنظار المثقفين والكتاب. إلا أن مشاغل الشاعر الإدارية ما لبثت أن أفقدته قدرته على الإبداع، فقرر السفر إلى إيطاليا، بلد الفنون والجمال الساحر، التي عدَّ إقامته فيها أفضل ما وقع له في حياته، قبل عودته مجدداً إلى فايمار. ولعل شغفه العارم بالطبيعة والنساء وفنون الشعر والرسم والموسيقى، هو الذي وقف وراء تأسيسه، بمشاركة صديقه شيلر، لتيار «العاصفة والاندفاع»، الذي مكنه من اجتذاب الكثير من المبدعين الشبان في نهاية القرن الثامن عشر. وكانت مسرحية غوته «غوتسن فون برليشنغن»، بمثابة التعبير النموذجي عن ذلك التيار. وفي تلك الفترة قرر غوتة الزواج من كريستيانه فولبيوس، التي كان قد أقام معها علاقة عاطفية جامحة قبل ثمانية عشر عاماً. أما تجربته الإبداعية فقد أخذت عبر العديد من أعماله منحى تصاعدياً متتابعاً، إلى أن بلغت ذروتها في عمله «فاوست» الذي اعتبر تجسيداً رؤيوياً فريداً لمأزق الحضارة الغربية، ونُظر إليه كأحد أفضل الأعمال الأدبية العالمية.
كانت الصدفة وحدها هي التي وضعت الشابة اليافعة أولريكه فون لفتسو في طريق شاعر ألمانيا الأكبر في الحادي عشر من شهر يوليو (تموز) عام 1823، ذلك أن غوته كان ينزل في قصر ألغراف كليبلسبرغ، الذي تحول إلى فندق للاستشفاء، حين التقى بأولريكه، ابنة التسعة عشر عاماً التي كانت والدتها تنزل هناك مع بناتها الثلاث. ومع أن غوته ذا الأناقة المفرطة والطول الفارع، لم يكن ليخطر في باله، وقد بلغ حينها الثالثة والسبعين من العمر، أن يتنكب المزيد من المغامرات العاطفية، إلا أنه وجد نفسه واقعاً للتو في شباك الفتاة الجميلة التي كانت شغوفة بإبداعاته المختلفة، خصوصاً روايته المؤثرة «آلام فرتر» التي أبكت لدى صدورها الكثير من القراء.
ومع أن المشاعر الأولى التي اعتملت في نفس أولريكه لم تكن لتتجاوز في البداية الإعجاب بالكاتب العجوز الذي يماثل عمره عمر جدها، إلا أنها سرعان ما وقعت تحت سطوة حضوره الآسر وغزله الرقيق، لتدخل معه في علاقة معقدة، هي مزيج من الحب والاحترام، بحيث لم تكف رغم مبادلته القبل والعناقات، عن مخاطبته بصيغة الجمع، وبمناداته «سعادتكم» أو «يا صاحب السعادة ». على أن المفارقات التي حكمت علاقة غوته بأولريكه لم تكن محصورة بفارق السن الكبير وحده، بل بكون أبيها فريدريش فون لفتسو قد قُتل في معركة واترلو، بعد أن أسهم في إلحاق الهزيمة بنابليون بونابرت، الذي سبق أن اجتمع بغوته في فايمار وأطلق عليه جملته الشهيرة «هذا إنسان»، الأمر الذي استتبعه اتهام غوته من قبل الكثيرين بالتواطؤ مع الإمبراطور الفاتح، وتنظيم التظاهرات المناوئة له في غير مقاطعة ألمانية.
لم يكن الجمال وحده هو ما شد غوته إلى «غنيمته» الصغيرة، بل إن أولريكه فون لفتسو بدت بالنسبة له حبل الخلاص الذي مدته له أقداره لتمنعه من الغرق في وحول الشيخوخة، ولتعصمه إلى حين من هاجس الموت. إلا أن الأقدار التي منحته تلك اللقية الثمينة، هي نفسها التي هيأت له العذابات والأكلاف الباهظة المترتبة عليها. فبعد أن حصل غوته وأولريكه، المتقمصان شخصيتي فرتر وحبيبته لوته، على جائزة الثنائي الأفضل، في الحفل الراقص الذي رافق زفاف صديق له، وبحضور الدوق كارل غوستاف، انقلب المشهد المفرح فجأة إلى نقيضه، حين صعد إلى الحلبة الشاب الثري والممتلئ حيوية واندفاعاً جوان دو رور، طالباً من الحسناء الفتية أن تشاركه الرقصة التالية. ورغم أن أولريكه قد شعرت حينها بالارتباك، إلا أنها استجابت لطلبه وفقاً للأعراف، حيث تمكن بحرفيته العالية وقوامه الرشيق أن يحول شريكته في الرقص تارة إلى فراشة، وتارة إلى موجة، وتارة ثالثة إلى غيمة أثيرية، فيما كان حشد الحاضرين يصفق بإعجاب، للثنائي المتناغم في السن والرشاقة والوسامة. وإذ بدت مأساة غوته شبيهة، ولو بشكل معدل بمأساة فرتر، بطله الروائي التراجيدي، تأكد له من ناحية ثانية أن الحياة تقلد الفن، دون أن يكون العكس خاطئاً بالضرورة.
ومع حرص أولريكه اللاحق على طمأنة صديقها الكهل، بأنه هو لا سواه الشخص الذي خفق قلبها له، فقد أدرك غوته بحدسه العميق أنه لن يكون رابحاً في المعركة الرمزية، التي بدأت للتو بين فتنة الجسد الغض الممثلة بدو رور، وفتنة اللغة والروح، الممثلة به شخصياً. ورغم أن المياه قد عادت إلى مجراها الطبيعي بين العاشقين، إلا أن الرضوض الجسدية المؤلمة التي تعرض لها حين زلت به قدماه أثناء تنزهه مع حبيبته في الجبال، قد أشعرته مرة أخرى بوطأة الشيخوخة وأصابت كبرياءه في الصميم، وهو ما عبر عنه بوضوح في قصيدته الطويلة المستوحاة من حبه لأولريكه «مرثية مارينباد»، التي جاء فيها:
أنا يا مَن ضاعت ذاته
أنا الذي أحبتني الآلهة يوماً
اختبرتْني ثم أغدقت عليّ البلايا
مثقلٌ أنا بالخيرات،
وأكثر ثقلاً بالأخطار دفعتني الآلهة إلى الفم المعطاء
ثم فصلتْني عنكِ ودمرتني
على أن غوته الذي رأى في أولريكه ضوء حياته الأخير، سرعان ما تناسى حادثة السقوط تلك، ليعود إلى سابق عهده مع الفتاة التي ملكت عليه قلبه وعقله، غير آبه بالنظرات المتوجسة التي كان يسددها له الكثيرون من أقرانه، ولا بالسلوك العدائي الذي كانت تُظهره تجاهه زوجة ابنه أوغست. ومع أن حبيبته اليافعة كانت تصغر ابنه بخمسة عشر عاماً، فإن ما ساعده على تناسي فجوة الزمن القاسية، ولو لفترة مؤقتة، هو قيام صديق له ستيني بالزواج من فتاة شابة تصغره بأربعة عقود. وبعد تشاور صعب مع نفسه، توجه إلى صديقه ألغراف راجياً منه أن يفاتح أماليا أم أولريكه بشأن زواجه من الفتاة. لكن الأم التي كانت تهيء لابنتها الممتلئة نشاطاً مصيراً آخر مغايراً، والتي تركت الباب موارباً في وجه الشاعر واعدة بالتشاور مع ابنتها في هذا الصدد، سرعان ما غادرت مكان إقامتها منتقلة إلى مدينة أخرى، فيما بدا نوعاً من الرفض المقنع لطلب الزواج.
لكن كل ما تقدم لم يكن كافياً لثني غوته عن الإمعان في محاولاته اليائسة. وإذ أفقده حبه الأعمى لأولريكه توازنه واعتباره لمكانته، عمد إلى اللحاق بالعائلة في مقر إقامتها الجديد. وحيث لم يُسمح له بلقاء حبيبته على انفراد، أو التنزه معها إلا لوقت قصير، قرر بعد مكابدة شاقة إنهاء الزيارة والاحتفاظ بما تبقى له من ماء الوجه. على أن ما قلب المعادلة بشكل قاطع، كانت رسالة من أولريكه، مكتوبة على الأرجح بضغط من الأم، تخبره فيها بطلب دو رور، غريمه الوسيم والثري، زيارة العائلة مصحوباً بما تيسر له من المجوهرات البرازيلية الثمينة التي كان يدرك بحدسه الماكر أنه سيتمكن بواسطتها من الاستحواذ على قلب الأم، بوصفه الممر الإلزامي للوصول إلى الابنة وإخضاعها للأمر الواقع.
وحيث لم يستطع صاحب «الديوان الشرقي للمؤلف الغربي» أن يغفر لأولريكه خيانتها الموصوفة له، عمد إلى إتلاف كل رسائلها له، وإحراق كافة المقتنيات التي تذكره بها، أو التي تقاسمها معها لشهور عدة. ومع أن الكاتب الألماني مارتن فالزر، لم يُشر في روايته «رجل عاشق»، التي تروي بشاعرية عالية قصة حب غوته وأولريكه، ونقلها إلى العربية سمير جريس، بما يكفي من الوضوح إلى مآل العلاقة المستجدة بين هذه الأخيرة وبين دو رور، إلا أن المؤرخين وكتاب السيرة يتفقون على أن تلك العلاقة «النفعية» لم تدم طويلاً بين الطرفين، وأن ذكرى صاحب «التجاذب الاختياري» هي وحدها التي ظلت تتوهج في مخيلة «الأرملة العزباء»، التي قدر لها أن تعمر طويلاً بعد رحيل غوته عام 1832، لترحل بعده بسبعة وستين عاماً.
ولعل أفضل ما اختتم به هذه المقالة، هو ما أورده فالزر في ختام رائعته الروائية على لسان السيدة ماري شيفر، ابنة أخت أولريكه، التي قامت على خدمتها في سنوات حياتها الأخيرة، والذي جاء فيه: «عندما شعرتْ أولريكه بدنو أجلها، أمرت بإحضار صينية فضية، وبِحرق رزمة من الرسائل لم يكن أحد على وجه البسيطة يعلم عن محتواها شيئاً، ثم بوضْع الرماد في كبسولة فضية وإحكام إغلاقها. ثم أبدت رغبتها بأن يوضع هذا التذكار الثمين في تابوتها بعد الوفاة. وإذ فعلتُ ما أمرتْ به، استيقظتُ على سعالها قبل أن تُسلم الروح في وداعة». ثم يضيف فالزر قائلاً بأن تلك الرزمة لم تكن في حقيقة الأمر سوى رسائل غوته إلى أولريكه.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

زيندايا... من نجمة «ديزني» المراهقة إلى صاحبة الأدوار الصعبة والشخصيات المعقّدة

الممثلة الأميركية زيندايا تخوض تجربة سينمائية لافتة في «The Drama» (أ.ب)
الممثلة الأميركية زيندايا تخوض تجربة سينمائية لافتة في «The Drama» (أ.ب)
TT

زيندايا... من نجمة «ديزني» المراهقة إلى صاحبة الأدوار الصعبة والشخصيات المعقّدة

الممثلة الأميركية زيندايا تخوض تجربة سينمائية لافتة في «The Drama» (أ.ب)
الممثلة الأميركية زيندايا تخوض تجربة سينمائية لافتة في «The Drama» (أ.ب)

كلّما أطلّت زيندايا في عملٍ جديد، سواء أكان فيلماً أم مسلسلاً، أثارت الضجّة حولها. نادراً ما انتُقدت على أداء، بل هي حاصلة على شبه إجماعٍ من النقّاد. وباستثناءِ عتبٍ على الكاتب والمخرج كريستوفر بورغلي؛ لأنه لم يوسّع قوس شخصيتها في «ذا دراما (The Drama)» بقَدرِ ما تستحقّ، لخرجت النجمة الأميركية الشابة من الفيلم الجديد بتقييم «5 نجوم».

في «ذا دراما»، زيندايا هي «إيما» التي تعيش قصة الحب المثالية مع «تشارلي» (الممثل البريطاني روبرت باتينسون). لكن عشيّة موعد الزفاف وبينما يضع الثنائي اللمسات الأخيرة على الحفل، تبوح إيما أمام تشارلي وأصدقاء مشتركين، بسرٍّ أخفَته لسنوات. يُعرّض السرّ الصادم صورتها للتشويه، كما يضع علاقتها بحبيبها وزواجهما المرتقب على المحكّ.

زيندايا وروبرت باتينسون في فيلمهما الجديد «The Drama» (الشركة المنتجة A24)

من أجواء رومانسية ورديّة، تتحوّل الحبكة إلى داكنة فيدخل الحبّ امتحاناً مصيرياً، ومعه تدخل زيندايا شخصيةً معقّدة أخرى، هي البارعة في تجسيد الأدوار الغامضة والمتعددة الطبقات النفسية؛ وأكبرُ شاهدٍ على ذلك مسلسل «يوفوريا (Euphoria)»، الذي أطلقها إلى النجومية عام 2019، والعائد حالياً في موسم ثالث على منصة «HBO».

لكن قبل «ذا دراما» و«يوفوريا» والأدوار الدرامية الدسمة، كانت نجوميّة زيندايا (29 سنة) من نوعٍ آخر. إذ انطلقت بوصفها إحدى بطلات شاشة «ديزني»؛ حيث ظهرت في برامج ومسلسلات خاصة بالمراهقين.

لم يخطر في بال والدَي زيندايا يوماً أنّ ابنتهما ستصير ما هي عليه حالياً. في مدرستها في أوكلاند - كاليفورنيا، كانت خجولة ومتحفّظة. ظنّ الوالدان المدرّسان أنهما بتسجيلها في أنشطة رياضية ربما تتخلص من خجلها وانغلاقها، لكن لا كرة السلّة ولا كرة القدم حرّرتاها. وحدَه الرقص صنع الفرق بعد أن انضمّت إلى فرقة هيب هوب.

في سنّ الـ11، كانت زيندايا قد حسمت قرارها بأنَّها تريد أن تصبح ممثلة. بدأت التدريب بالتزامن مع مشاركتها في مسرحيات موسيقية، وفي عروضٍ محلّية لأعمال شكسبير.

لم تكن قد بلغت الـ13 من عمرها عندما انتقلت مع أبيها للإقامة في لوس أنجليس، هو الذي أدرك تماماً ماذا كانت تريد ابنته، وفق تعبيرها. لكن في المقابل، كان عليها التضحية بسنوات اللهو وبوقتها الثمين إلى جانب أمّها، من أجل تحقيق حلمها.

زيندايا مع والدَيها كازيمبي كولمان وكلير ستورمر (فيسبوك)

كانت البداية في عرض أزياء الأطفال والمراهقين لعلامات تجارية معروفة، ثم تقدّمت زيندايا إلى تجارب الأداء الخاصة ببرنامج «Shake it Up» من إنتاج شبكة «ديزني». جرى اختيارها من بين 200 فتاة لتكون إحدى الشخصيات الأساسية في البرنامج التلفزيوني، الذي يمزج ما بين الموسيقى والرقص وحكايات المراهقين.

وفي عام 2011، بالتزامن مع عرض الموسم الثاني من البرنامج، أطلقت زيندايا أغنيتها الأولى، فهي لطالما حاولت التوفيق بين الموسيقى والتمثيل، مع العلم أنّ الأخير هو الذي يأخذ حصّة الأسد.

شهدَ عام 2012 الانطلاقة السينمائية لزيندايا، كما شاركت متباريةً في برنامج «الرقص مع النجوم (Dancing with the Stars)»؛ حيث وصلت إلى مراحل متقدّمة من المنافسة، رغم كونها المتنافسة الأصغر سناً في تاريخ البرنامج، إذ كانت حينها في الـ16 من عمرها.

على عكس أبناء سنّها، لم يُتَح لزيندايا أن تعيش طفولتها ولا مراهقتها. منذ الـ10 من عمرها وحتى اليوم وقد شارفت على الـ30، راكمت المشروع تلو الآخر. فما بين 2013 و2015 فقط، أصدرت ألبومَين غنائيَّين، وشاركت في فيلم آخر من إنتاج «ديزني».

زيندايا عام 2014 في بطولة فيلم «Zapped» (ديزني)

حصل الاختراق الجماهيريّ الفعليّ الأول عام 2017 مع مشاركتها في بطولة فيلم «سبايدر مان»، إلى جانب توم هولاند ومايكل كيتون وغوينيث بالترو. قالت عنها كبرى الصحف العالمية حينذاك إنها «سرقت المشاهد والأنظار»، لتكرِّس زيندايا نفسها في سنّ الـ21 رقماً صعباً على الشاشة الفضّية.

كذلك كان الأمر على الشاشة الصغيرة، عندما أطلقت منصة «HBO» أحد أكثر مسلسلاتها جماهيريةً «يوفوريا» عام 2019. أتقنت زيندايا دورها بشخصية «رو بينيت»، المراهقة المدمنة على المخدّرات. برعت الممثلة الشابة في تجسيد رحلة الكفاح التي خاضتها رو من أجل التعافي من مشكلاتها النفسية وإدمانها، والعثور على مكان لها في المجتمع، والتكيُّف في علاقاتها بعد إعادة التأهيل.

زيندايا في الموسم الأول من مسلسل « يوفوريا» (HBO)

لم يقتصر الثناء على أداء زيندايا على صحيفة «غارديان» البريطانية التي وصفته بـ«المذهل والساحر»، بل انسحب على مجلّة «نيويوركر» المرموقة التي علّقت: «يصبح من الصعب استذكار بداياتها في ديزني، لفَرط ما أتقنت هذا الدور الجديد المعتم». وقد تُوِّجت تجربتها في الموسم الأول من «يوفوريا» بحيازتها جائزة «إيمي» بوصفها أفضل ممثلة في مسلسل دراما عام 2020، لتصبح بذلك أصغر فنانة تنال ذلك التكريم في سن الـ24 عاماً.

توالت مواسم «يوفوريا» لتفوز الممثلة الشابة بـ«إيمي» ثانية، وبجائزة «غولدن غلوب» عن الموسم الثاني من المسلسل. وبالتزامن توالت أجزاء فيلم «سبايدر مان». وفي كلتا التجربتين وعلى مَرِّ المواسم والأجزاء، كانت شراكة زيندايا أمام الكاميرا ثابتةً مع الممثل توم هولاند.

سرعان ما تحوَّلت تلك الشراكة المهنية إلى شراكة عاطفية، وذلك في ظلِّ تغطية صحافية كثيفة أثارت استغراب وانزعاج زيندايا، التي سبق أن صرَّحت بأنَّ «اهتمام الإعلام غريب ومُريب ومربك ومتطفّل للغاية».

زيندايا وشريك الشاشة والقلب الممثل توم هولاند (أ.ب)

بقَدر وفائها لأفلامها مثل «سبايدر مان» و«ديون»، ومسلسلاتها وعلى رأسها «يوفوريا» عائدةً إليها في مواسمها الجديدة كافةً، تلتزم زيندايا بقصّتها وتوم هولاند. العلاقة العاطفية التي بدأت عام 2021، استُكملت بخطوبة النجمَين في 2024. وفي آخر إطلالاتها التلفزيونية ترويجاً لفيلمها الجديد «ذا دراما»، وضعت خاتم زواج في يدها اليُسرى، ما قد يؤكّد تصريح مصمّم أزيائها الخاص الذي قال الشهر الماضي إنّ زيندايا وهولاند تزوّجا سراً.


«الفرنساوي»... دراما تشويقية مصرية عن استغلال ثغرات القانون

سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)
سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)
TT

«الفرنساوي»... دراما تشويقية مصرية عن استغلال ثغرات القانون

سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)
سامي الشيخ وعائشة بن أحمد في مشهد من المسلسل (الشركة المنتجة)

تنطلق أحداث مسلسل «الفرنساوي» من فكرة مركزية تقوم على تفكيك العلاقة بين القانون والعدالة؛ إذ لا تبدو النصوص القانونية ضماناً مطلقاً للحقيقة، بل أداة قابلة لإعادة التوظيف وفقاً لمن يمتلك القدرة على قراءتها بذكاء. وفي هذا الإطار، لا يقدِّم العمل، الذي يقوم ببطولته عمرو يوسف، الجريمة بوصفها لغزاً تقليدياً، بل مدخلاً لفهم أعمق لكيفية صناعة السرد داخل قاعات المحاكم.

المسلسل، المعروض على منصة «يانغو بلاي»، من تأليف وإخراج آدم عبد الغفار في أولى تجاربه الإخراجية، تدور أحداثه عبر 10 حلقات، ويشارك في بطولته نخبة من النجوم، من بينهم جمال سليمان، وسامي الشيخ، وسوسن بدر، وعلي البيلي، وإنجي كيوان، إلى جانب ظهور خاص لكل من عائشة بن أحمد، وبيومي فؤاد. وقد احتفل فريق العمل بعرض أولى الحلقات داخل أحد الفنادق الكبرى في القاهرة.

تدور الأحداث داخل عالم قانوني معقَّد، تتشابك فيه القضايا مع المصالح الشخصية وشبكات النفوذ، بحيث تتحول كل قضية إلى ساحة صراع بين روايات متعددة، لا مجرد بحث عن وقائع ثابتة. وهنا يبرز السؤال الأهم: ليس ما الذي حدث فحسب، بل كيف يمكن إثباته؟ ومن يملك القدرة على فرض روايته؟

ملصق ترويجي للمسلسل (يانغو بلاي)

​ من خلال شخصية «خالد مشير» المعروف بـ«الفرنساوي»، التي يجسدها عمرو يوسف، يتجلى هذا التوجه بوضوح؛ فالمحامي الشاب لا يتعامل مع القانون بوصفه حدوداً نهائية، بل بوصفه مساحة مرنة قابلة لإعادة التشكيل. يعتمد في منهجه على بناء الحقيقة أكثر من مجرد اكتشافها، عبر تحليل الأدلة وتفكيكها، ثم إعادة ترتيبها داخل إطار قانوني محكم يخدم روايته.

تتشكَّل ملامح هذه الشخصية من صدمة قديمة مرتبطة بمقتل والدته وحرمانه من اعتلاء منصة القضاء، مما دفعه إلى تبنّي أسلوب قائم على التحليل الدقيق والتخطيط المحكم بدلاً من المواجهة المباشرة. وتتصاعد الحبكة حين يتحول «صانع الحلول» إلى متهم رئيسي في جريمة قتل حبيبته السابقة، الطبيبة «ليلى والي»، التي تؤدي دورها عائشة بن أحمد.

هذا التحول يضع البطل أمام اختبار حقيقي لمنظومته القانونية، لا سيما مع تصاعد محاولات تشويه سمعته من وراء الستار. وتصبح «ليلى»، التي عاشت زواجاً مضطرباً تغلّفه السيطرة والعنف مع رجل الأعمال «يوسف عدلي ثابت» (سامي الشيخ)، محوراً لكشف شبكة معقدة من علاقات النفوذ، حيث تتحول وفاتها إلى مفتاح لفهم خفايا هذا العالم.

ويطرح المسلسل توازياً حاداً بين السلطة الرسمية وعالم الجريمة المنظّم؛ إذ يبرز «الديب» (جمال سليمان) كأحد أبرز رموز العالم السفلي، مستفيداً من ثغرات الماضي ليصنع لنفسه هوية جديدة. ومن موقعه في الظل، يراقب ابنه «خالد» عن بُعد، مجسداً سلطة خفية تحمي دون أن تظهر.

فريق العمل خلال الاحتفال ببدء العرض (يانغو بلاي)

وقال آدم عبد الغفار، مؤلف العمل ومخرجه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إنه سعى منذ البداية إلى تقديم مشروع متكامل قائم على رؤية واضحة، من خلال نص مكتمل لجميع الحلقات، مشيراً إلى أن مرحلة الكتابة، بشقيها التحضيري والفعلي، استغرقت ما بين 3 إلى 4 سنوات من التطوير.

وأوضح أنه يفضِّل العمل بوصفه مخرجاً يكتب نصوصه بنفسه، لما يوفره ذلك من تماسك في الرؤية بين النص والصورة، ويمنحه قدرة أكبر على التحكم في التفاصيل وبناء عالم درامي متماسك. ومع ذلك، أكد أنه لا يمانع إخراج أعمال من كتابة آخرين، إذا وجد فيها ما يُثير اهتمامه على المستوى الفني.

وعن بناء شخصية «الفرنساوي»، أشار إلى أنها لا تستند إلى نموذج واقعي محدد، بل جاءت بوصفها تركيبة درامية مركّبة تمزج بين أكثر من مصدر وتجربة، وهو ما منحها عمقاً نفسياً ودرامياً لافتاً. وأضاف أن مرحلة التحضير للشخصية كانت حاسمة، إذ جرى العمل على تشكيلها بعيداً عن القوالب النمطية، لتتحرك داخل مساحات رمادية تعكس طبيعة العالم الذي تنتمي إليه.

عمرو يوسف في مشهد من المسلسل (حسابه على فيسبوك)

وتحدث عن اختياره للفنان عمرو يوسف، موضحاً أنه كان حاضراً في ذهنه منذ المراحل الأولى للكتابة، حتى قبل طرح اسمه رسمياً، وهو ما ساعده على بلورة ملامح الشخصية بدقة أكبر، سواء على مستوى الأداء أو الإيقاع الداخلي، بما يتماشى مع طبيعة العمل.

وفيما يتعلق بالجانب البصري، أشار إلى أن فريق العمل تنقَّل بين 83 موقع تصوير، سعياً لخلق بيئة بصرية متنوعة تعكس ثراء العالم الدرامي وتعزز الإحساس بالواقعية. وأكَّد أن هذا التعدد لم يكن بهدف الاستعراض، بل جاء في خدمة السرد، لتقديم صورة متكاملة تواكب الطرح الدرامي، وتمنح العمل خصوصيته على مستويي الشكل والمضمون.


حفلات نجوم الغناء تعمّق «الفجوة الطبقية» في مصر

طُرحت فئة تذاكر بمليون جنيه في حفل عمرو دياب المقبل (حسابه على «فيسبوك»)
طُرحت فئة تذاكر بمليون جنيه في حفل عمرو دياب المقبل (حسابه على «فيسبوك»)
TT

حفلات نجوم الغناء تعمّق «الفجوة الطبقية» في مصر

طُرحت فئة تذاكر بمليون جنيه في حفل عمرو دياب المقبل (حسابه على «فيسبوك»)
طُرحت فئة تذاكر بمليون جنيه في حفل عمرو دياب المقبل (حسابه على «فيسبوك»)

عمّقت الزيادات المتتالية في أسعار حفلات نجوم الغناء «الفجوة الطبقية» بمصر مع ارتفاع أسعار التذاكر بشكل لافت خلال الآونة الأخيرة، بعدما سجَّلت أسعار بعض فئات التذاكر مليون جنيه (الدولار يساوي 52.5 جنيه في البنوك) بحفل الفنان المصري عمرو دياب المُقرَّر إقامته في الجامعة الأميركية مطلع مايو (أيار)، وهي تذكرة متاحة للحجز توفِّر 15 مكاناً بموقع متميز داخل الحفل.

وخلال الفترة الماضية شهدت أسعار التذاكر زيادات بشكل مطرد بما فيها تذاكر حفلات دار الأوبرا المصرية، والنسخة الماضية من «مهرجان الموسيقى العربية»، في وقت سجَّل فيه متوسط أسعار التذاكر في الحفلات الجماهيرية 500 جنيه على الأقل، مع محدودية هذه الأسعار وعدم إتاحتها في عدد كبير من الحفلات وفق متابعين.

وعادة ما تُقام حفلات النجوم العرب في مصر بأسعار أعلى من حفلات النجوم المصريين لتقاضيهم أجورهم بالدولار الأميركي، بينما تبلغ أسعار أقل فئة في حفلات بعض النجوم على غرار عمرو دياب وأنغام ألف جنيه، في حين يبلغ الحد الأدنى للأجور المُقرَّر قانوناً في مصر نحو 7 آلاف جنيه قبل خصومات التأمين والضرائب.

جانب من حفل فرقة «كايروكي» بالساحل الشمالي (حساب الفرقة على «فيسبوك»)

وقال مُنظِّم الحفلات وديع عزمي لـ«الشرق الأوسط» إن ثمة عوامل تتحكم في وضع تذاكر الحفلات، في مقدمتها الأجور التي يتم سدادها ليس فقط للفنان، ولكن أيضاً للفرقة الموسيقية المصاحبة له، والعمالة المختلفة التي زادت أجورها على خلفية ارتفاع معدلات التضخم، بالإضافة إلى أنَّ مُنظِّم الحفل يسعى لوضع سعر يجعله قادراً على تغطية تكلفة تنظيم الحفل من التذاكر.

وأضاف: «بعض الحفلات الكبرى يلعب الرعاة فيها دوراً كبيراً بتحمل جزء من التكلفة، حيث لا يكون عائد بيع التذاكر هو المصدر الوحيد لتغطية تكاليف الحفل»، مشيراً إلى أن «هذا الأمر يسهم أحياناً في تخفيض سعر التذكرة لكن زيادة تكلفة جميع العوامل المرتبطة بالحفلات تدفع لزيادة أسعار التذاكر بشكل مستمر، الأمر الذي يكون له تأثير على الحضور الجماهيري بمختلف فئاته».

تكاليف متزايدة

وعزا الناقد الموسيقي محمود فوزي السيد، ظاهرة ارتفاع أسعار تذاكر الحفلات الغنائية إلى التكاليف المتزايدة التي يتحمَّلها المُنظِّمون، وتشمل أجور النجوم الكبار، سواء من داخل مصر أو خارجها، و المصروفات الضخمة التي تتعلَّق بتجهيزات المسرح، والتقنيات الصوتية، والدعاية، والتأمين.

وأوضح أن «هذه العناصر مجتمعة تضاعفت تكلفتها بشكل كبير في ظلِّ موجة الغلاء الحالية؛ ما يدفع المُنظمين إلى التعامل مع الحفل بوصفه (منتجاً) يخضع لقواعد السوق، وعلى رأسها العرض والطلب، وهو ما يبرِّر رفع أسعار التذاكر، أو الاعتماد بشكل أكبر على الرعاة لتحقيق التوازن المالي، وضمان تحقيق أرباح».

جانب من حفل كبير لمحمد حماقي في الإسكندرية العام الماضي (حسابه على «فيسبوك»)

وأضاف محمود فوزي السيد: «هذا الواقع انعكس بشكل مباشر على الجمهور، وأصبحت الحفلات الكبرى مقتصرة على فئات محدودة قادرة على تحمل الأسعار المرتفعة؛ ما أدى إلى تقلص القاعدة الجماهيرية لها»، مشيراً إلى أنَّ حضور حفل غنائي بات يتطلب ميزانيةً مرتفعةً لا تتناسب مع شريحة واسعة من الجمهور، الأمر الذي أفقد الحفلات طابعها الجماهيري الذي كانت تتمتع به في فترات سابقة.

ارتفاع معدلات التضخم

رأي دعمه الناقد الموسيقي مصطفى حمدي، الذي يقول لـ«الشرق الأوسط»: «إن حضور حفل موسيقي أصبح أمراً ضاغطاً اقتصادياً على الأسر التي تنتمي للطبقة المتوسطة؛ بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الحفلات، وهو ما انعكس حتى على كثافة حضور الحفلات الجماهيرية التي كانت تسجِّل حضوراً بأرقام تصل إلى 60 أو 70 ألف شخص، ولم تعد موجودة تقريباً في الوقت الحالي».

ووفق تقرير صدر عن جهاز «التعبئة والإحصاء» المصري، في سبتمبر (أيلول) 2020 فإنَّ نسبة الفقر بلغت 29.7 في المائة عن عام 2019 - 2020، مع وضع مبلغ 857 جنيهاً شهرياً و10279 جنيهاً سنوياً خطاً للفقر، بينما بلغ حدُّ الفقر المدقع 550 جنيهاً شهرياً والسنوي 6604 جنيهات على أساس سعر صرف 16 جنيهاً لكل دولار، بينما يسجِّل الدولار اليوم بالبنوك نحو 52.5 جنيه.

ومع غياب الأرقام الرسمية الحديثة بشأن نسب الفقر، فقد أشار تقرير للبنك الدولي إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن عام 2022.

ويؤكد حمدي أنَّ زيادة معدلات التضخم انعكست بشكل لافت على الترفيه الذي تمثل الحفلات الموسيقية أحد جوانبه، مشيراً إلى «غياب مشهد الحضور الأسري عن الحفلات كما كان سابقاً، بالإضافة إلى محدودية الحفلات الجماهيرية الكبيرة التي تُقام لنجوم الصف الأول». على حد تعبيره.

وهنا يستعيد محمود فوزي السيد مشهد الحفلات الغنائية بالجامعات التي كانت تلعب دوراً مهماً في إتاحة الفن للشباب من خلال استضافة نجوم كبار مثل عمرو دياب، وتامر حسني، ومحمد حماقي، مما يوفر متنفساً فنياً بأسعار مناسبة للطلاب، إلا أن هذه الظاهرة تراجعت بشكل ملحوظ، ما أسهم في تضييق فرص الوصول إلى الحفلات، خصوصاً لدى الفئات الشابة.

تشهد أسعار تذاكر الحفلات ارتفاعاً كبيراً (حساب تامر حسني على «فيسبوك»)

وشدَّد على ضرورة تدخل وزارة الثقافة المصرية ومؤسساتها، وعلى رأسها دار الأوبرا المصرية، لإعادة التوازن إلى سوق الحفلات من خلال تنظيم فعاليات جماهيرية بأسعار مناسبة، مؤكداً أنَّ تفعيل هذا الدور من شأنه توسيع قاعدة الجمهور وإعادة الحفلات إلى طبيعتها بوصفها فناً متاحاً للجميع، خصوصاً مع أهمية موسم الصيف الذي يفترض أن يشهد نشاطاً مكثفاً في هذا المجال.

ويُعدُّ الصيف هو الموسم الأبرز للحفلات في مصر، والتي لا تقتصر على المدن الساحلية فحسب ولكن أيضاً على العاصمة، بينما شهد موسم عيد الفطر وأعياد الربيع حفلات محدودة غاب عنها النجوم العرب بشكل لافت.