أولريكه فون لفتسو ويوهان غوته: الحب المنتصر بسطوة اللغة والمهزوم بفارق السن

خلبت لب شاعر ألمانيا العجوز وأوصت بدفن رسائله إلى جوارها

مريام شتاين في دور تشارلوت وألكسندر فيهلنغ في دور غوته في فيلم «الشاب غوته عاشقاً»
مريام شتاين في دور تشارلوت وألكسندر فيهلنغ في دور غوته في فيلم «الشاب غوته عاشقاً»
TT

أولريكه فون لفتسو ويوهان غوته: الحب المنتصر بسطوة اللغة والمهزوم بفارق السن

مريام شتاين في دور تشارلوت وألكسندر فيهلنغ في دور غوته في فيلم «الشاب غوته عاشقاً»
مريام شتاين في دور تشارلوت وألكسندر فيهلنغ في دور غوته في فيلم «الشاب غوته عاشقاً»

«في الثامن والعشرين من أغسطس (آب) عام 1749، والساعة تدق الثانية عشرة ظهراً، جئت إلى هذا العالم، في فرانكفورت على نهر الماين. وكان البرج يدل على حسن الطالع. فقد كانت الشمس في برج العذراء، وكان المشتري والزهرة ينظران إليها نظرة الود. وإذ كان زحل والمريخ يسلكان سبيل اللامبالاة، كان القمر بقوة إشعاعه المعاكس يقاوم ولادتي، بحيث كنت في حجم الميت لقلة براعة القابلة، ولم يبلغ بي القوم أن أبصر النور إلا بجهود شتى».
بهذه العبارات اللافتة، التي تعكس الروح المتأرجحة بين الحداثة والقِدم للقرن التاسع عشر، يستهل الكاتب الألماني الأشهر يوهان فولغانغ غوته كتاب سيرته المميز «من حياتي - الشعر والحقيقة»، المؤلف من جزأين اثنين، الذي أطلعنا الكاتب من خلاله على فصول عديدة من طفولته وصباه وشبابه المتأخر. على أن اللافت في هذا الصدد، هو العلاقات الغرامية المتلاحقة التي شرع غوته في إقامتها مع النساء منذ يفاعته المبكرة، حتى سنوات حياته الأخيرة. والأرجح أن نبوغه الأدبي ووسامته اللافتة، قد أسهما إلى حد بعيد في جعله محطاً لأنظار الكثيرات من نساء عصره. فقد ربطته في مرحلة دراسته الجامعية علاقة حميمة مع فريدريكه أوزر، ابنة صديقه آدم أوزر، مؤسس أكاديمية لايبزيغ للفنون، التي وصفها بالقول «كانت تروح وتعدو كروح باعثة للحياة وسابحة في الهواء». ثم خاض في لايبزيغ مغامرة أخرى مع ابنة صاحب النزل الذي كان يقيم فيه، آنا كاترين شونكوبف، التي ألهمته قصائد حب ملتهبة وذات طابع حسي، أصدرها لاحقاً تحت عنوان «آنيت».
بعد معاناة قاسية مع مرض السل، أدت إلى تركه الجامعة، قام والد غوته بإرساله إلى ستراسبورغ لاستكمال دراسته في الحقوق، حيث التقى هناك بالمفكر المعروف هيردر الذي لفته إلى الشعر الشعبي والمنابع الأصيلة للإبداع. وإذ خفق قلبه مرة أخرى بحب فريدريكه بريون، كتب لها العديد من القصائد الغنائية النابضة بالصدق العاطفي، قبل أن تؤول علاقتهما إلى الفشل. وإثر عودته إلى فرانكفورت مكرساً نفسه للأدب عام 1771، وقع غوته في غرام شارلوته بوف التي كانت مخطوبة لرجل آخر، الأمر الذي سبب له إثر ابتعاده عنها، الكثير من الألم والمعاناة. لكن ذلك لم يمنعه من الدخول في مغامرة مماثلة مع فتاة مخطوبة أخرى هي ماكسيميليانه لاروش، لتواجه علاقته بها مصيراً مشابهاً لمثيلتها السابقة. إلا أن الحياة التي سلبت غوته الكثير من سعادته، هي نفسها التي منحته نعمة اللغة، وأهدته روايته الرائعة «آلام فرتر»، التي أبكت إثر صدورها الشعب الألماني بأسره. وبعدها بعام واحد أحب غوته فتاة جديدة هي ليلي شونيمن، التي أجهض زواجه منها خلاف مستحكم دب بين أسرتي الطرفين، فيما ذهب المترجم المصري مصطفى طاهر في كتابه «صفحات خالدة من الأدب الألماني» إلى القول بأن غوته «لم يكن في حقيقة الأمر يريد أن يربط نفسه بأي رباط، لأن تيار العبقرية كان يجرفه ويملك عليه نفسه». ومهما يكن الأمر فقد كان لانفصاله عن ليلي الرجع المأساوي الذي أمده بالعديد من قصائد الحب والفقدان.
ولم يكد غوته يتعرف إلى دوق فايمار كارل أوغست، حتى قام هذا الأخير بتعيينه وزيراً له ورئيساً لمسرح البلاط، في المقاطعة التي تحولت في تلك الفترة إلى قبلة حقيقية لأنظار المثقفين والكتاب. إلا أن مشاغل الشاعر الإدارية ما لبثت أن أفقدته قدرته على الإبداع، فقرر السفر إلى إيطاليا، بلد الفنون والجمال الساحر، التي عدَّ إقامته فيها أفضل ما وقع له في حياته، قبل عودته مجدداً إلى فايمار. ولعل شغفه العارم بالطبيعة والنساء وفنون الشعر والرسم والموسيقى، هو الذي وقف وراء تأسيسه، بمشاركة صديقه شيلر، لتيار «العاصفة والاندفاع»، الذي مكنه من اجتذاب الكثير من المبدعين الشبان في نهاية القرن الثامن عشر. وكانت مسرحية غوته «غوتسن فون برليشنغن»، بمثابة التعبير النموذجي عن ذلك التيار. وفي تلك الفترة قرر غوتة الزواج من كريستيانه فولبيوس، التي كان قد أقام معها علاقة عاطفية جامحة قبل ثمانية عشر عاماً. أما تجربته الإبداعية فقد أخذت عبر العديد من أعماله منحى تصاعدياً متتابعاً، إلى أن بلغت ذروتها في عمله «فاوست» الذي اعتبر تجسيداً رؤيوياً فريداً لمأزق الحضارة الغربية، ونُظر إليه كأحد أفضل الأعمال الأدبية العالمية.
كانت الصدفة وحدها هي التي وضعت الشابة اليافعة أولريكه فون لفتسو في طريق شاعر ألمانيا الأكبر في الحادي عشر من شهر يوليو (تموز) عام 1823، ذلك أن غوته كان ينزل في قصر ألغراف كليبلسبرغ، الذي تحول إلى فندق للاستشفاء، حين التقى بأولريكه، ابنة التسعة عشر عاماً التي كانت والدتها تنزل هناك مع بناتها الثلاث. ومع أن غوته ذا الأناقة المفرطة والطول الفارع، لم يكن ليخطر في باله، وقد بلغ حينها الثالثة والسبعين من العمر، أن يتنكب المزيد من المغامرات العاطفية، إلا أنه وجد نفسه واقعاً للتو في شباك الفتاة الجميلة التي كانت شغوفة بإبداعاته المختلفة، خصوصاً روايته المؤثرة «آلام فرتر» التي أبكت لدى صدورها الكثير من القراء.
ومع أن المشاعر الأولى التي اعتملت في نفس أولريكه لم تكن لتتجاوز في البداية الإعجاب بالكاتب العجوز الذي يماثل عمره عمر جدها، إلا أنها سرعان ما وقعت تحت سطوة حضوره الآسر وغزله الرقيق، لتدخل معه في علاقة معقدة، هي مزيج من الحب والاحترام، بحيث لم تكف رغم مبادلته القبل والعناقات، عن مخاطبته بصيغة الجمع، وبمناداته «سعادتكم» أو «يا صاحب السعادة ». على أن المفارقات التي حكمت علاقة غوته بأولريكه لم تكن محصورة بفارق السن الكبير وحده، بل بكون أبيها فريدريش فون لفتسو قد قُتل في معركة واترلو، بعد أن أسهم في إلحاق الهزيمة بنابليون بونابرت، الذي سبق أن اجتمع بغوته في فايمار وأطلق عليه جملته الشهيرة «هذا إنسان»، الأمر الذي استتبعه اتهام غوته من قبل الكثيرين بالتواطؤ مع الإمبراطور الفاتح، وتنظيم التظاهرات المناوئة له في غير مقاطعة ألمانية.
لم يكن الجمال وحده هو ما شد غوته إلى «غنيمته» الصغيرة، بل إن أولريكه فون لفتسو بدت بالنسبة له حبل الخلاص الذي مدته له أقداره لتمنعه من الغرق في وحول الشيخوخة، ولتعصمه إلى حين من هاجس الموت. إلا أن الأقدار التي منحته تلك اللقية الثمينة، هي نفسها التي هيأت له العذابات والأكلاف الباهظة المترتبة عليها. فبعد أن حصل غوته وأولريكه، المتقمصان شخصيتي فرتر وحبيبته لوته، على جائزة الثنائي الأفضل، في الحفل الراقص الذي رافق زفاف صديق له، وبحضور الدوق كارل غوستاف، انقلب المشهد المفرح فجأة إلى نقيضه، حين صعد إلى الحلبة الشاب الثري والممتلئ حيوية واندفاعاً جوان دو رور، طالباً من الحسناء الفتية أن تشاركه الرقصة التالية. ورغم أن أولريكه قد شعرت حينها بالارتباك، إلا أنها استجابت لطلبه وفقاً للأعراف، حيث تمكن بحرفيته العالية وقوامه الرشيق أن يحول شريكته في الرقص تارة إلى فراشة، وتارة إلى موجة، وتارة ثالثة إلى غيمة أثيرية، فيما كان حشد الحاضرين يصفق بإعجاب، للثنائي المتناغم في السن والرشاقة والوسامة. وإذ بدت مأساة غوته شبيهة، ولو بشكل معدل بمأساة فرتر، بطله الروائي التراجيدي، تأكد له من ناحية ثانية أن الحياة تقلد الفن، دون أن يكون العكس خاطئاً بالضرورة.
ومع حرص أولريكه اللاحق على طمأنة صديقها الكهل، بأنه هو لا سواه الشخص الذي خفق قلبها له، فقد أدرك غوته بحدسه العميق أنه لن يكون رابحاً في المعركة الرمزية، التي بدأت للتو بين فتنة الجسد الغض الممثلة بدو رور، وفتنة اللغة والروح، الممثلة به شخصياً. ورغم أن المياه قد عادت إلى مجراها الطبيعي بين العاشقين، إلا أن الرضوض الجسدية المؤلمة التي تعرض لها حين زلت به قدماه أثناء تنزهه مع حبيبته في الجبال، قد أشعرته مرة أخرى بوطأة الشيخوخة وأصابت كبرياءه في الصميم، وهو ما عبر عنه بوضوح في قصيدته الطويلة المستوحاة من حبه لأولريكه «مرثية مارينباد»، التي جاء فيها:
أنا يا مَن ضاعت ذاته
أنا الذي أحبتني الآلهة يوماً
اختبرتْني ثم أغدقت عليّ البلايا
مثقلٌ أنا بالخيرات،
وأكثر ثقلاً بالأخطار دفعتني الآلهة إلى الفم المعطاء
ثم فصلتْني عنكِ ودمرتني
على أن غوته الذي رأى في أولريكه ضوء حياته الأخير، سرعان ما تناسى حادثة السقوط تلك، ليعود إلى سابق عهده مع الفتاة التي ملكت عليه قلبه وعقله، غير آبه بالنظرات المتوجسة التي كان يسددها له الكثيرون من أقرانه، ولا بالسلوك العدائي الذي كانت تُظهره تجاهه زوجة ابنه أوغست. ومع أن حبيبته اليافعة كانت تصغر ابنه بخمسة عشر عاماً، فإن ما ساعده على تناسي فجوة الزمن القاسية، ولو لفترة مؤقتة، هو قيام صديق له ستيني بالزواج من فتاة شابة تصغره بأربعة عقود. وبعد تشاور صعب مع نفسه، توجه إلى صديقه ألغراف راجياً منه أن يفاتح أماليا أم أولريكه بشأن زواجه من الفتاة. لكن الأم التي كانت تهيء لابنتها الممتلئة نشاطاً مصيراً آخر مغايراً، والتي تركت الباب موارباً في وجه الشاعر واعدة بالتشاور مع ابنتها في هذا الصدد، سرعان ما غادرت مكان إقامتها منتقلة إلى مدينة أخرى، فيما بدا نوعاً من الرفض المقنع لطلب الزواج.
لكن كل ما تقدم لم يكن كافياً لثني غوته عن الإمعان في محاولاته اليائسة. وإذ أفقده حبه الأعمى لأولريكه توازنه واعتباره لمكانته، عمد إلى اللحاق بالعائلة في مقر إقامتها الجديد. وحيث لم يُسمح له بلقاء حبيبته على انفراد، أو التنزه معها إلا لوقت قصير، قرر بعد مكابدة شاقة إنهاء الزيارة والاحتفاظ بما تبقى له من ماء الوجه. على أن ما قلب المعادلة بشكل قاطع، كانت رسالة من أولريكه، مكتوبة على الأرجح بضغط من الأم، تخبره فيها بطلب دو رور، غريمه الوسيم والثري، زيارة العائلة مصحوباً بما تيسر له من المجوهرات البرازيلية الثمينة التي كان يدرك بحدسه الماكر أنه سيتمكن بواسطتها من الاستحواذ على قلب الأم، بوصفه الممر الإلزامي للوصول إلى الابنة وإخضاعها للأمر الواقع.
وحيث لم يستطع صاحب «الديوان الشرقي للمؤلف الغربي» أن يغفر لأولريكه خيانتها الموصوفة له، عمد إلى إتلاف كل رسائلها له، وإحراق كافة المقتنيات التي تذكره بها، أو التي تقاسمها معها لشهور عدة. ومع أن الكاتب الألماني مارتن فالزر، لم يُشر في روايته «رجل عاشق»، التي تروي بشاعرية عالية قصة حب غوته وأولريكه، ونقلها إلى العربية سمير جريس، بما يكفي من الوضوح إلى مآل العلاقة المستجدة بين هذه الأخيرة وبين دو رور، إلا أن المؤرخين وكتاب السيرة يتفقون على أن تلك العلاقة «النفعية» لم تدم طويلاً بين الطرفين، وأن ذكرى صاحب «التجاذب الاختياري» هي وحدها التي ظلت تتوهج في مخيلة «الأرملة العزباء»، التي قدر لها أن تعمر طويلاً بعد رحيل غوته عام 1832، لترحل بعده بسبعة وستين عاماً.
ولعل أفضل ما اختتم به هذه المقالة، هو ما أورده فالزر في ختام رائعته الروائية على لسان السيدة ماري شيفر، ابنة أخت أولريكه، التي قامت على خدمتها في سنوات حياتها الأخيرة، والذي جاء فيه: «عندما شعرتْ أولريكه بدنو أجلها، أمرت بإحضار صينية فضية، وبِحرق رزمة من الرسائل لم يكن أحد على وجه البسيطة يعلم عن محتواها شيئاً، ثم بوضْع الرماد في كبسولة فضية وإحكام إغلاقها. ثم أبدت رغبتها بأن يوضع هذا التذكار الثمين في تابوتها بعد الوفاة. وإذ فعلتُ ما أمرتْ به، استيقظتُ على سعالها قبل أن تُسلم الروح في وداعة». ثم يضيف فالزر قائلاً بأن تلك الرزمة لم تكن في حقيقة الأمر سوى رسائل غوته إلى أولريكه.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.