هل تجوز المفاضلة بين الثقافات الإنسانيّة؟

ترام خاص ظهر في شوارع غدانسك البولندية وسط احتفال يصلي خلاله الناس على أرواح أسلافهم 31 أكتوبر (إ.ب.أ)
ترام خاص ظهر في شوارع غدانسك البولندية وسط احتفال يصلي خلاله الناس على أرواح أسلافهم 31 أكتوبر (إ.ب.أ)
TT

هل تجوز المفاضلة بين الثقافات الإنسانيّة؟

ترام خاص ظهر في شوارع غدانسك البولندية وسط احتفال يصلي خلاله الناس على أرواح أسلافهم 31 أكتوبر (إ.ب.أ)
ترام خاص ظهر في شوارع غدانسك البولندية وسط احتفال يصلي خلاله الناس على أرواح أسلافهم 31 أكتوبر (إ.ب.أ)

يشعر كلُّ واحد منّا بأنّ الحضارة التي ينتسب إليها والثقافة التي يعبّر بواسطة مفاهيمها وكلماتها عن أحاسيسه واختباراته إنّما تجسّدان، في نظره، أسمى مراتب الهويّة الذاتيّة الجماعيّة التي يفتخر بها. لذلك نَعمد عفويًّا إلى امتداحهما وإعلاء شأنهما والدفاع عن أحقّيّتهما. لا ريب في أنّ مثل هذا الشعور طبيعيٌّ، منطقيٌّ، شرعيٌّ، سليمٌ. غير أنّ المشكلة تنشأ حين ينظر الإنسانُ في واقع التنوّع الثقافيّ الذي يسود في الأرض. فإذا به يرتبك ويضطرب، إذ يعجز عن إدراك معنى المعايشة الضروريّة بين الثقافات المختلفة.
كان مؤرّخو الحضارات ومترصّدو الأفكار يستطيعون في القرون الوسطى، على سبيل المثال، أن يستخرجوا بيسرٍ خصائصَ المجتمعات الإنسانيّة ويقارنوا بعضها ببعض. أمّا اليوم، فأضحت المسألة عسيرةً، محفوفةً بالمخاطر والإدانات. أذكرُ أبا حيّان التوحيديّ (923-1023) الذي كان ينقل عن ابن مسكويه (932-1030) تصوّرَه الغني الحضاريَّ في ثقافات الناس، وكان يعترف، في كتابه الإمتاع والمؤانسة، بأنّ الشعوب لا تُقرّ بأفضال بعضها على بعض. ذلك أنّ «الفارسيّ ليس في فطرته ولا عادته ولا منشئه أن يعترف بفضل العربيّ، ولا في جبلّة العربيّ وديدنه أن يقرّ بفضل الفارسيّ. وكذلك الهنديّ والروميّ والتركيّ والديلميّ». حقيقة الأمر أنّ «الخيرات والفضائل والشرور والنقائص مُفاضةٌ على جميع الخلق». استنادًا إلى التصوّر التعدّديّ الواقعيّ هذا، كان التوحيديّ يوزّع المواهب توزيعًا مستندًا إلى معايناته التاريخيّة الاستقصائيّة: «للفرس السياسة والآداب والحدود والرسوم؛ وللروم الحكمة؛ وللهند الفكر والرؤية والخفّة والسحر والأناة؛ وللترك الشجاعة والإقدام؛ وللزنج الصبر والكدّ والفرح؛ وللعرب النجدة والقِرى والوفاء والبلاء والجود والذمام والخطابة والبيان». إنّها، في نظره، الفضائل الغالبة الشائعة في كلّ قوم على حدة. لا يعني هذا القول أنّ الفرس لا يختبرون فضيلة الوفاء، وأنّ العرب ينقصهم الفكر، وأنّ الروم تُعوزهم الشجاعة، وأنّ الزنج يحتاجون إلى الحكمة. جلُّ الأمر أنّ لكلّ شعبٍ خصوصيّةً ثقافيّةً يتّسم بها وعيُه الجماعيّ.
في الأزمنة المعاصرة، علّق الفيلسوف المغربيّ محمّد عابد الجابري (1935-2010)، في كتابه العقل الأخلاقيّ العربيّ، على تصنيف التوحيديّ، فعَمد إلى استخراج الموروثات الثقافيّة الخمسة التي اعتقدَ أنّها أثّرت في الوعي العربيّ منذ ظهور الإسلام: الموروث الفارسيّ أو أخلاق الطاعة، الموروث اليونانيّ أو أخلاق السعادة، الموروث الصوفيّ أو أخلاق الفناء أو بالأحرى فناء الأخلاق، والموروث العربيّ الكلاسّيكيّ الخالص أو أخلاق المروءة، والموروث الإسلاميّ المتجلّي في صوغ الأخلاقيّات القرآنيّة المحض.
يدلّنا الجهد التصنيفيّ هذا على رغبة الفكر الإنسانيّ في إدراك خصوصيّات الشعوب القوميّة وميزاتها الثقافيّة. ومن ثمّ، إذا نظر المرءُ في تصنيفات المفكّرين الغربيّين، عثر أيضًا على المسعى التمايزيّ عينه. فها هو ذا الفيلسوف الألمانيّ هايدغر (1889-1976)، في تعليقاته على قصائد هُلدرلين جرمانيا والراين، يصرّح بأنّ «ما آلَ بالفطرة إلى الإغريق: القرب من النار السماويّة، وعنف الإصابة البليغة بقوّة الكينونة. أمّا رسالتهم، فتذليل ما يمكن تذليله من طريق الصراع من أجل العمل، والاستيلاء، والإنشاء. ما أُعطي الألمان: القدرة على الاستيلاء، والتحسّب، وتخطيط المهمّات المختلفة، والاحتساب، والترتيب إلى حدّ التنظيم. أمّا رسالتهم، فأن تُصيبهم الكينونة». كان هايدغر يتصوّر الفلسفة مقترنةً بالإرث اليونانيّ القديم ومرتبطةً بالإسهام الألمانيّ الحديث. لذلك أصرّ على استخراج خصائص الفلسفتَين وطرائق تناولهما معنى الكينونة.
في سياق ثقافيّ آخر، كان الفيلسوف الألمانيّ أوسڤالد شبِنغلر (1880-1936) ينتقد ادّعاء الثقافة الغربيّة امتلاكَ الحداثة، مُبيّنًا في كتابه أفول الغرب أنّ الثقافات الكبرى، شأنها شأن الكائنات البيولوجيّة، تولد وتنمو وتنضج وتشيخ وتمرض وتذوي وتزول. أمّا تاريخ البشريّة، فتهيمن عليه، في نظره، الثقافاتُ الثلاثُ التي أنشأتها الشعوبُ البيض: ثقافة الإغريق القدماء المتّصفة بالنفس الأبّولينيّة المتّزنة المنتظمة الساعية إلى تمجيد جمال الجسد؛ وثقافة العرب المتميّزة بالنفس السحريّة التي تجتهد في إدراك العالم بواسطة معادلات الجبر الحسابيّة والابتهالات والممارسات السحريّة؛ وثقافة الإنسان الفاوستيّ التي نشأت في الإمبراطوريّة الرومانيّة الجرمانيّة المقدّسة وأخذت تعزّز مقام الكدح والاستثمار من أجل اكتساب الأموال والنفوذ والسيطرة على العالم بواسطة التقنية والإرادة العازمة، وهي بذلك تجسّد صورة البطل فاوست الرمزيّة.
أمّا المفكّر السياسيّ الأمِيركيّ صمويل هنتنغتون (1927-2008)، فقسّم الناسَ، في كتابه صراع الحضارات، شعوبًا وجماعاتٍ وطوائفَ، وخصَّ كلّ مجموعة حضاريّة بميزات تنفرد بها عن سواها، محصيًا ثماني حضارات تسعى إلى الاستئثار والهيمنة: الغربيّة، والأمِيركيّة اللاتينيّة، والإسلاميّة، والصينيّة، والهندوسيّة، والسلاڤيّة الأورثوذوكسيّة، واليابانيّة، والأفريقيّة. استثار تصنيفُه الحضاريّ هذا غضبَ الباحثين الذين يَعدّون الإنسانيّة واحدةً في جميع تجلّياتها، وجميع اختباراتها، وجميع تعبيراتها الثقافيّة وإفصاحاتها الوجوديّة. على الرغم من موضوعيّة التناول التصنيفيّ هذا، لا سيّما في استخراجه السمات الأساسيّة التي تنفرد بها كلُّ ثقافة على حدة، ثمّة مآخذ بنيويّة ما برحت تعطّل جزءًا من تحليله، لا سيّما الخلاصات التي دفعت به إلى افتراض الاحتراب الحتميّ بين الكتلة الغربيّة والكتلة الإسلاميّة. ومن ثمّ، تقتضي الموضوعيّة أن ننظر في خصائص هذه الشعوب، على نحو ما فعل الآخرون، من غير أن ننشئ بينها التوتّر الاقتتاليّ المهلك.
من أظلم الأقدار أن تُصاب المقارنةُ بالتطرّف في استخراج الجواهر، أي بتصوّر الخصائص في ثباتها السرمديّ، بحيث تنغلق كلُّ حضارة على ذاتها وتُرَدّ وتُختزَل إلى بضعٍ من السمات الجوهريّة الصلبة التي لا يصيبها أيّ تبدّل أو تحوّل. لذلك لا بدّ من أن يسأل المرء: ما معيار الموضوعيّة في التصنيف؟ أيّ تصوّر إنسانيّ يستند إليه المفكّرُ في تصنيفه الثقافات الإنسانيّة المختلفة؟ هل يختلف التصوّر باختلاف مضامين التباين الثقافيّ الجوهريّة أم باختلاف المفاهيم والمقولات والكلمات المستخدمة في وصف هذه المضامين؟ هل يجوز أن نصنّف الثقافات بالاستناد إلى نموذجٍ ثقافيٍّ كونيٍّ واحد أم إنّنا مضطرّون إلى افتراض تنوّع النماذج، أي تنوّع الحقائق الأنثروبولوجيّة الأصليّة؟ ما دور الإعلام الذي يُكره الناس على تأييد النموذج الثقافيّ الاجتماعيّ السائد في حقبةٍ معيّنةٍ من حقَب التاريخ الإنسانيّ؟ أمّا السؤال الفلسفيّ الأخطر، فيتناول معنى إنسانيّة الإنسان، إذ يتبيّن لنا أنّ كلّ تصنيف يستند، في خلفيّاته القصيّة، إلى تصوّر أنثروبولوجيّ واضح المعالم يستمدّ فرضيّاته الأُوَل من الاختبار الكينونيّ الأعمق الذي يصيب حقيقة الوجود.
ومن ثمّ، يجب التأنّي والتحوّط قبل إطلاق الأحكام على الثقافات الإنسانيّة. غير أنّ النظر الموضوعيّ المسالم يجوز له أن يفاضل بين ثقافة وأخرى، أي بين تصوّر إنسانيّ شامل وآخر، بحيث يتجلّى للناس عمقُ التباين الذي يصيب فكر الناس ومسلكهم. فلا يقنعني أحدٌ بأنّ أكل لحم البشر، ووأد البنات، وإنهاء حياة الشيوخ المعمّرين العجّز الطاعنين في السنّ، وإقصاء المعوّقين، واضطهاد المثليّين الجنسيّين، وخنق الحرّيّات الأساسيّة، قضايا استنسابيّةٌ يستوي فيها الخير والشرّ، والعدل والظلم، والمساواة والإقصاء. أعلم أنّ القول المأثور يجعل «القردَ غزالًا في عين أمّه»! بيد أنّ المسألة تتجاوز التذوّقات الجماليّة الاستنسابيّة، إذ تصيب عمق الكرامة الإنسانيّة. إذا كانت ثقافةُ شعبٍ من الشعوب ترتكب الجرائم المشينة هذه، فلا بدّ من المفاضلة حتّى يستصفي الضمير الإنسانيّ العالميّ أبهى التصوّرات، وأعدل الأفكار، وأنقى المسالك، وأشرف الممارسات.
رأس الكلام في هذا كلّه أنّ الثقافة الأفضل تعزّز كرامة الإنسان، وتصون حرّيّته الذاتيّة، وترسّخ المساواة بين الناس، وتساند مثُلَ العدل والتضامن والتكافل والأخوّة. وعليه، فإنّي أقولها من دون وجلٍ أو تردّد: كلّ ثقافة تُهين الإنسانَ في كرامته الذاتيّة الأصليّة وتُغلق عليه في تصوّراتٍ إيديولوجيّةٍ بائدةٍ يجب أن تخضع لامتحان الضمير الإنسانيّ الكونيّ، حتّى يقوّمها مجتمعُ الحكماء الدوليّ الذي أضحى إنشاؤه من الضرورات الخلاصيّة الجوهريّة. أجل، يمكننا أن نفاضل بين ثقافةٍ تمجّد ذاتها وتحتقر الآخرين، وثقافةٍ تحبّ خصوصيّتَها وتحترم خصوصيّة الآخرين. أجل، يمكننا أن نفاضل بين ثقافةٍ تستعلي على الآخرين وتعاديهم وتحاربهم وتفرض رأيها بالقوّة، وثقافةٍ تنبذ العنف وتؤيّد التحاور وتصبر على الاختلاف. أجل، يمكننا أن نفاضل بين ثقافةٍ تقمع الإنسان الفرد وتُذلّه وتحبس عليه في سجن التصوّرات القوميّة والدِّينيّة والإيديولوجيّة المنحرفة، وثقافةٍ تحرّره وتثق بإبداعه وتتّكل عليه في تطوير نظرة الإنسان إلى ذاته. أجل، يمكننا أن نفاضل بين ثقافةٍ تنتهك الطبيعة وتسخّرها لمآربها الاستغلاليّة، وثقافةٍ ترأف بالأمّ الحنون الحاضنة وتعاهدها على الرعاية والرفق والاستصلاح الهادئ الحكيم. أجل، يمكننا أن نفاضل بين ثقافةٍ تستقبح الزواج والإنجاب والنسل وتُسرف في الاستمتاع المتهوّر بملذّات الجسد الذي يتحوّل إلى سلعةٍ استهلاكيّةٍ سليبةِ القيمة، وثقافةٍ ترعى عهدَ الاقتران بين الرجل والمرأة وتؤمِن بمستقبل البشر المرتسم على محيّا البنات والبنين. أجل، يمكننا أن نفاضل بين ثقافةٍ تعاين في الإنجاب العشوائيّ والتكاثر العدديّ تفوّقًا حضاريًّا وعلامةً على النصر الآتي، وثقافةٍ تراعي ضرورات بقاء الجنس البشريّ، فترأف بالنسل ولا تُفرّط فيه وفي تنشئته وتربيته وتهذيبه. أجل، يمكننا أن نفاضل بين ثقافةٍ تكفّر الاختلاف وتلعن التنوّع وتُبيد الكافرين، وثقافةٍ تصون التنوّع المبنيّ على رعاية كرامة الإنسان وصون حرّيّته الذاتيّة الأصليّة. مُعتصَم الفكر المستنير في هذا كلّه العبارةُ الحضاريّةُ البليغةُ التي كُتِبت على أحد المعابد في تدمر السوريّة باللغة الآراميّة قبل 2500 سنة: «لا تَشتم إلهًا لا تَعبده»!

* مفكر لبناني


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

كالاس في دمشق الثلاثاء... ترسيخ التطبيع السياسي بين «الأوروبي» وسوريا

الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة (الخارجية السورية)
الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة (الخارجية السورية)
TT

كالاس في دمشق الثلاثاء... ترسيخ التطبيع السياسي بين «الأوروبي» وسوريا

الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة (الخارجية السورية)
الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة (الخارجية السورية)

تشهد العلاقات الأوروبية السورية منذ مطلع هذا العام وتيرة متسارعة نحو التطبيع الدبلوماسي الكامل، والرهان على ترسيخ عملية الانتقال السياسي في سوريا بوصفها حلقة أساسية ضمن المنظومة الإقليمية.

وتأتي زيارة مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية كايا كالاس إلى دمشق، الثلاثاء، لتؤكد هذا التوجه الذي يحظى بدعم واسع من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي أوفدت وزراء خارجيتها إلى العاصمة السورية، حيث كثّفت جهودها في الفترة الأخيرة لتعزيز حضورها، ومساندة النظام الجديد في مسيرة إعادة الإعمار، وترسيخ الاستقرار الأمني والاجتماعي.

كانت كالاس قد التقت وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، أواسط الأسبوع الماضي، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث كانت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، قد صرّحت بعد اجتماعها بالرئيس السوري أحمد الشرع: «سيبقى الاتحاد الأوروبي شريكاً موثوقاً به لسوريا، يدعمها نحو الانتقال السلمي والمستقر والجامع، ومن غير تدخلات أجنبية مضرّة».

وشاركت في اجتماع كالاس والشيباني المفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط، دوبرافكا شويتسا، ومفوضة المساعدات الإنسانية وإدارة الأزمات حاجة لحبيب.

وأفادت مصادر مطلعة بأن الأجهزة الأمنية الأوروبية تجري اتصالات استخباراتية واسعة منذ أشهر بهدف تعزيز وجودها في العاصمة السورية، وتأمين الحماية لبعثتها وأنشطتها المتزايدة في سوريا.

وتشكّل زيارة المسؤولة الأوروبية إلى دمشق تتويجاً للجهود التي يبذلها الاتحاد الأوروبي منذ سقوط النظام السوري السابق، أواخر عام 2024، بهدف توسيع دائرة الحوار والتعاون مع النظام الجديد، وبعد أن قررت بروكسل إعادة بعثتها الدائمة إلى دمشق في خريف العام الفائت، ثم انتدبت سفيراً جديداً لها لدى سوريا، قدّم أوراق اعتماده إلى الرئيس الشرع، مطالع الشهر الفائت.

وزير الداخلية أنس خطاب مستقبلاً رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي إلى سوريا ميخائيل أونماخت في زيارة رسمية للتنسيق الإقليمي (سانا)

وكانت بعض العواصم الأوروبية الوازنة قد ربطت تعزيز العلاقات مع دمشق بمسار الانتقال السياسي والاستقرار، واحترام حقوق الأقليات، لكن منذ أواسط العام الفائت تكثفت الاتصالات السياسية بين الطرفين، وقرر الاتحاد الأوروبي إنهاء تعليق اتفاقية الشراكة مع سوريا، ورفع جميع العقوبات الاقتصادية، باستثناء تلك المرتبطة باعتبارات أمنية، والموجهة ضد شخصيات وكيانات مرتبطة بالنظام المخلوع.

ويصف المسؤولون الأوروبيون هذا التحول في طبيعة العلاقة، بأنه انتقال من إدارة الأزمة، وتقديم المساعدات الإنسانية، إلى دعم التعافي الاقتصادية، وإعادة الإعمار، ودمج سوريا مجدداً في النظام الاقتصادي الإقليمي والعالمي.

وكان هذا التحول قد تبدّى بوضوح، مطلع العام الحالي، خلال زيارة رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا إلى سوريا ولقائهما الطويل مع الرئيس السوري أحمد الشرع.

وكانت فون در لاين قد وصفت تلك الزيارة بأنها «تفتح فصلاً جديداً» في العلاقات بين الطرفين يقوم على 3 محاور رئيسية: الشراكة السياسية الكاملة دعماً للانتقال السلمي، وترسيخ الاستقرار، وتوسيع دائرة التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي وفرص الاستثمار، وحزمة دعم مالي لتغطية الاحتياجات الإنسانية والتعافي، وإعادة بناء المؤسسات.

لقاء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس وذلك على هامش أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة (الخارجية السورية)

يقول مصدر أوروبي موثوق به تحدثت إليه «الشرق الأوسط» إن مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية حرصت على الإسراع في هذه الزيارة بعد إزالة جميع العقبات الدبلوماسية والأمنية والسياسية التي كانت تعترض العلاقات الأوروبية السورية، وعلى وضعها في أعلى المستويات التمثيلية الممكنة، في محاولة لتطويق واحتواء الجهود التي تبذلها رئيسة المفوضية، مدعومة من بعض العواصم الكبرى مثل برلين وباريس، للدخول على خط السياسة الخارجية الذي تنصّ المعاهدة التأسيسية للاتحاد على حصره بجهاز العلاقات الخارجية تحت إشراف رئيسته.

وتندرج هذه الجهود ضمن الاستياء الذي يسود هذه العواصم من مواقف كالّاس المتشددة إزاء الحرب في أوكرانيا، وعرقلتها مساعي التقارب مع موسكو، وفتح قنوات الحوار معها. ويضيف هذا المصدر أن زيارة كالّاس إلى دمشق تشكّل ترسيخاً للتطبيع السياسي الكامل بين الاتحاد وسوريا، لكن المفتاح الفعلي لتوظيف هذا التطبيع اقتصادياً وتجارياً، يبقى بيد المفوضية.


رئيس الحكومة اللبنانية يلتقي روبيو في واشنطن ويدعو لتفعيل الإطار الثلاثي

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلتقي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (الوكالة الوطنية للإعلام)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلتقي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

رئيس الحكومة اللبنانية يلتقي روبيو في واشنطن ويدعو لتفعيل الإطار الثلاثي

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلتقي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (الوكالة الوطنية للإعلام)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلتقي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (الوكالة الوطنية للإعلام)

وصف رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام لقاءه مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في واشنطن، الاثنين، بأنه كان «تمام»، في أول تعليق مقتضب له بعد الاجتماع الذي يحظى باهتمام لبناني في ظل الملفات العالقة بين بيروت وواشنطن، وفي مقدمها التطورات في الجنوب، ومصير المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية.

وقال سلام، بعد انتهاء اللقاء، رداً على سؤال عن أجوائه، إن «اللقاء كان (تمام)»، من دون الإعلان فوراً عن تفاصيل إضافية بشأن مضمون المحادثات أو النتائج التي أفضت إليها.

تفعيل الإطار الثلاثي

التقى سلام روبيو في مقر وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، بحضور وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، ومستشار وزارة الخارجية الأميركية دان هولر، وسفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة الأميركية ندى حمادة معوض، والسفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، بحسب بيان رئاسة الحكومة، مشيرة إلى أنه جرى خلال اللقاء البحث في التطورات في لبنان والمنطقة، ومسار استعادة لبنان سيادته كاملة.

وشدد الرئيس سلام على أن لبنان يتطلع إلى شراكة متجددة مع الولايات المتحدة تواكب مشروع إعادة بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها الشرعية، مؤكداً «على ضرورة الانتقال إلى مرحلة تفعيل الإطار الثلاثي وترجمة مبدأَي التبادلية والمرحلية إلى خطوات عملية ونتائج ملموسة على الأرض، بما يؤدي إلى استعادة لبنان كامل سيادته، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح بيد الدولة على كامل أراضيها».

كما لفت سلام، إلى «أهمية وضع جدول زمني واضح لتنفيذ الالتزامات الواردة في الإطار، بما يضمن تقدّم مساري الانسحاب الإسرائيلي وبسط سلطة الدولة وحصرية السلاح، إلى جانب إنشاء آلية تحقق موثوقة لمتابعة التنفيذ والتأكد من الالتزام بالتعهدات، بما يحول دون استخدام عدم التنفيذ ذريعة لتعطيل المسار».

وأكد سلام أن الإطار الثلاثي لا يقتصر على الترتيبات الأمنية، بل يشمل أيضاً دعم جهود الحكومة في الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار، وإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية، وتهيئة الظروف لعودة النازحين وتثبيتهم في مناطقهم، مشيراً في هذا السياق إلى أهمية حشد الدعم الأميركي والدولي لمسار العودة والتعافي، ولا سيما في المناطق المتضررة من الحرب.

كما شدد على أهمية استمرار الدعم الأميركي للجيش اللبناني وتعزيز قدراته، بما يمكّنه من الاضطلاع بمسؤولياته وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.

من جهته، أكد الوزير روبيو التزام الولايات المتحدة بدعم لبنان ومؤسساته الشرعية، ومواصلة دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته، كما أكد أهمية المضي في تنفيذ الإطار الثلاثي بما يحقق الاستقرار والأمن.

محطة واشنطن

ويشكّل اللقاء إحدى أبرز محطات زيارة سلام إلى الولايات المتحدة، التي بدأها في نيويورك للمشاركة في أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، قبل انتقاله إلى واشنطن. وسبق الاجتماع اهتمام لبناني باستكشاف الموقف الأميركي من عدد من الملفات، ولا سيما مستقبل المفاوضات مع إسرائيل، والوضع الأمني في الجنوب، والترتيبات التي يمكن أن تلي انتهاء العمليات الحالية لقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، فضلاً عن دعم الجيش اللبناني.

وكانت الجولة المقررة في سبتمبر (أيلول) قد أُرجئت، ونقلت وكالة «رويترز» في 11 سبتمبر عن تقرير استند إلى مسؤول أميركي أن المحادثات ستُنقل إلى أكتوبر (تشرين الأول)، بسبب تداخل مواعيد الأعياد اليهودية واجتماعات باريس والتحضيرات للجمعية العامة للأمم المتحدة. لكن الموعد المحدد للجولة الجديدة بقي موضع أخذ ورد لاحقاً.

صورة تجمع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ووزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو (الوكالة الوطنية للإعلام)

الجنوب و«اليونيفيل»

ويأتي لقاء سلام وروبيو فيما يستمر ملف الجنوب في صدارة الاتصالات اللبنانية - الأميركية. وكان سلام قد بحث مطلع سبتمبر مع السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى الوضع في الجنوب والمسار التفاوضي والدعم الأميركي للجيش، مؤكداً، وفق رئاسة الحكومة، أن الهدف اللبناني في المفاوضات هو انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.

كما يبرز مستقبل «اليونيفيل» ضمن الملفات المطروحة دولياً. وينص قرار مجلس الأمن 2790، الصادر عام 2025، على استمرار ولاية القوة حتى 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، على أن تتوقف عملياتها في ذلك التاريخ وتبدأ بعدها عملية انسحاب منظمة وآمنة خلال عام، وليس انسحاباً كاملاً وفورياً مع نهاية 2026.

وفي موازاة ذلك، تدفع بيروت وباريس باتجاه استمرار حضور دولي في الجنوب بعد نهاية المهمة بصيغتها الحالية، فيما يدور البحث في خيارات لدعم الجيش اللبناني ومؤازرته في المرحلة اللاحقة. وأفادت «فاينانشال تايمز» في سبتمبر بأن لبنان وفرنسا يدفعان باتجاه تمديد مهمة القوة، في ظل نقاش دولي حول شكل الوجود الذي يمكن أن يخلفها.

وكانت الأمم المتحدة قد بدأت بدورها درس خيارات لما بعد «اليونيفيل»، استجابة لطلب مجلس الأمن إعداد تصورات بشأن حضور أممي محتمل في لبنان بعد انتهاء عمليات القوة الحالية.


عودة «الليطاني» إلى الخطاب الإسرائيلي... تكتيك سياسي أم «جولان» آخر؟

تصاعد الدخان من بلدة المنصوري في جنوب لبنان إثر سلسلة تفجيرات نفذتها القوات الإسرائيلية (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من بلدة المنصوري في جنوب لبنان إثر سلسلة تفجيرات نفذتها القوات الإسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

عودة «الليطاني» إلى الخطاب الإسرائيلي... تكتيك سياسي أم «جولان» آخر؟

تصاعد الدخان من بلدة المنصوري في جنوب لبنان إثر سلسلة تفجيرات نفذتها القوات الإسرائيلية (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من بلدة المنصوري في جنوب لبنان إثر سلسلة تفجيرات نفذتها القوات الإسرائيلية (أ.ف.ب)

أعاد وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، طرح نهر الليطاني في خطابه، ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عنه أنه يريد «ضم الأراضي اللبنانية حتى الليطاني»، بالتزامن مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في مناطق عدة من جنوب لبنان.

ويحضر الليطاني في القرار «1701» بوصفه حداً جغرافياً لترتيبات أمنية داخل الأراضي اللبنانية، وهو يؤكد سيادة لبنان وسلامة أراضيه ضمن حدوده المعترف بها دولياً.

مجندة إسرائيلية ضمن الجيل الثالث من الجنود في عائلتها تلتقط صورة تذكارية بمزرعة لصناعة الألبان عند الحدود الإسرائيلية - اللبنانية (أ.ف.ب)

رفع سقف المطالب

وقال العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر، لـ«الشرق الأوسط»، إن الطروحات الإسرائيلية المتعلقة بالوصول إلى نهر الليطاني أو ضم أجزاء من جنوب لبنان «ليست جديدة في الفكر والاستراتيجية الإسرائيليين»، لكنه عدّ أن إعادة طرحها في المرحلة الراهنة، «لا سيما على لسان وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، تندرج في إطار سياسي يهدف إلى رفع سقف المطالب؛ أكثر مما تعكس خطة قابلة للتنفيذ المباشر على الأرض».

وأضاف أن «إعادة طرح هذه الفكرة اليوم لا تعني أن إسرائيل قادرة على تكرار ما حدث في الجولان»، موضحاً أن «ما صدر عن سموتريتش هو بالدرجة الأولى تصريح سياسي صادر عن رجل سياسي، ويخاطب أيضاً جمهور المتطرفين وأصحاب الطروحات التوسعية داخل إسرائيل».

ورأى أن طرح مطالب تصل إلى نهر الليطاني يندرج أيضاً ضمن أسلوب تفاوضي يقوم على رفع السقف إلى أقصى حد قبل الانتقال إلى مطالب أقل، وقال: «إسرائيل تطرح الكثير ليقبل الطرف الآخر بالأقل. هذه طريقة معروفة لديها في التفاوض؛ تبدأ بطرح أمر لا يمكن القبول به، ثم تتقدم للحصول على جزء مما تريد».

وعدّ جابر أن «المهم في المرحلة المقبلة ليس الطرح المتعلق بضم الجنوب في حد ذاته، بل ما الذي تريد إسرائيل انتزاعه فعلياً على الأرض».

عناصر من الجيش اللبناني والدفاع المدني يتفقدون موقع غارات إسرائيلية استهدفت «جسر القاسمية» المبني فوق نهر الليطاني بمنطقة القاسمية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأشار إلى أن «هذه المكاسب قد ترتبط بالواقع الأمني والميداني في المنطقة الحدودية، خصوصاً بعد عمليات التدمير الواسعة التي نفذتها إسرائيل»، قائلاً إن تل أبيب قد تسعى إلى «فرض ترتيبات جديدة في المنطقة الحدودية وتثبيت واقع أمني يخدمها، ثم استخدام هذا الواقع ورقة في أي تفاوض مع لبنان».

وقال جابر: «حتى تحصل إسرائيل على شيء يمكن أن يوافق عليه لبنان، فإنها ترفع في البداية سقف مطالبها وتطرح أكثر بكثير مما تتوقع الحصول عليه في النهاية. لذلك؛ أرى أن الحديث عن الوصول إلى الليطاني أو ضم جنوب لبنان هو في الوقت الحاضر كلام سياسي ورفع لسقف المطالب، وليس مشروعاً يمكن صرفه مباشرة على الأرض».

وختم: «هذا لا يعني التقليل من خطورة ما تقوم به إسرائيل ميدانياً؛ لأن الهدف يبقى تحصيل مكاسب من الواقع الذي فرضته في الجنوب. ومن هنا يجب الفصل بين الطروحات القصوى التي تصدر في الخطاب السياسي الإسرائيلي، وما قد تحاول إسرائيل فعلياً تثبيته أو انتزاعه في أي تسوية أو مفاوضات مقبلة».

دخان غارة إسرائيلية على بلدة زوطر الشرقية في جنوب لبنان يوم 28 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

استراتيجية «الدفاع من الخارج»

يقدم العميد المتقاعد ناجي ملاعب قراءة مختلفة؛ إذ يربط طرح سموتريتش بتحول يقول إنه طرأ على السياسة الإسرائيلية عقب حرب عام 2006، ويرى أن التحركات الإسرائيلية في أكثر من ساحة تجعل دلالات هذا الخطاب أوسع من مجرد موقف.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن السياسة الإسرائيلية «شهدت تحولاً في أعقاب حرب عام 2006»، عادّاً أن إسرائيل انتقلت من استراتيجية تقوم على «حماية أراضيها من الداخل، بالاعتماد على طبقات الدفاع الجوي والطائرات المقاتلة»، إلى مفهوم يقوم على «الدفاع عن إسرائيل من خارج حدودها».

وأضاف: «ما نشهده اليوم لا يمكن عدّه مجرد كلام صادر عن وزير مالية متطرف. فإذا كانت هذه هي السياسة الإسرائيلية، وما نراه يُنفذ على الأرض في غزة والضفة الغربية وسوريا، فأعتقد أن ما يقوله بتسلئيل سموتريتش ليس من باب التهويل فقط، بل يندرج ضمن استراتيجية إسرائيلية».

ورأى ملاعب أن «إسرائيل قد تسعى، في مرحلة أولى، إلى تكريس احتلالها الجنوب اللبناني»، مشيراً إلى أن «هناك سابقة تتمثل في الموقف الأميركي خلال ولاية الرئيس دونالد ترمب، عندما اعترف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان وبالقدس عاصمة لإسرائيل»، مضيفاً: «لذلك؛ لا أستبعد أن يبارك ترمب قراراً مماثلاً إذا اتخذته إسرائيل».

وعدّ أن «الخطر لا يقتصر على الجنوب اللبناني»، موضحاً أن «إسرائيل تربط خروجها من الأراضي التي تحتلها في الجنوب بنزع سلاح (حزب الله)، وهو أمر يضع لبنان في وضع بالغ الصعوبة».

وقال ملاعب: «أعتقد أن إسرائيل، إذا أرادت تأمين وجودها في الجنوب، قد تعمل على قطع الطرق والممرات التي تربط البقاع الغربي بالجنوب اللبناني، لمنع انتقال قوات أو إمكانات لـ(حزب الله) باتجاه الجنوب».

وأضاف: «قد نشهد عمليات متواصلة في المنطقة الممتدة بين سجد الريحان وجزين والبقاع الغربي، تحت عنوان: منع تقدم قوات لـ(حزب الله) باتجاه الجنوب. كما لا يمكن استبعاد تطور عسكري في هذا الاتجاه، وربما يحدث ذلك قبل الانتخابات الإسرائيلية».

تصاعد الدخان من بلدة زوطر الشرقية في جنوب لبنان إثر غارة جوية إسرائيلية (د.ب.أ)

تصعيد ميداني في الجنوب

ميدانياً، تواصل التصعيد في جنوب لبنان؛ إذ نفذ الطيران الحربي الإسرائيلي منذ الساعة الـ5 فجراً غارات عدة طالت أطراف زوطر الشرقية في قضاء النبطية، وبلدتي القنطرة وطلوسة في قضاء مرجعيون، ومنطقة الدبش عند الأطراف الغربية لميس الجبل، ومنطقتي بين حاريص وحداثا في قضاء بنت جبيل، بالتزامن مع غارات وهمية فوق منطقة صور.

واستهدف القصف المدفعي أطراف زبقين والأودية المجاورة لبلدتي ياطر والمنصوري، بعدما كان طال ليلاً وادي السلوقي. وفي المنصوري أيضاً، هزّ تفجير ضخم البلدة نفذته القوات الإسرائيلية، محدثاً ارتجاجات قوية، وسُمعت أصداؤه في مدينة صور وعدد من القرى المحيطة. كما سُمعت أصوات دبابات إسرائيلية تتحرك في منطقة أرنون، بالتزامن مع تمشيط بالأسلحة الرشاشة والثقيلة وإطلاق قذائف بين الحين والآخر باتجاه زوطر الشرقية، فيما تعمل قوات إسرائيلية على تفخيخ مبانٍ في المنطقة تمهيداً لتفجيرها.

وفي قضاء صور، فككت قوة من فوج الهندسة بالجيش اللبناني كاميرا تجسس إسرائيلية مزودة بمنظومة طاقة شمسية كانت مسيّرة قد زرعتها عند أطراف وادي زبقين.

وفي تطور منفصل، أفادت معلومات بأن لجنة «الميكانيزم» منحت الإذن بصيانة طريق مشغرة - سحمر المقابلة لسد القرعون، بعد إقفالها فترة طويلة إثر تعرضها للقصف.