هل تجوز المفاضلة بين الثقافات الإنسانيّة؟

ترام خاص ظهر في شوارع غدانسك البولندية وسط احتفال يصلي خلاله الناس على أرواح أسلافهم 31 أكتوبر (إ.ب.أ)
ترام خاص ظهر في شوارع غدانسك البولندية وسط احتفال يصلي خلاله الناس على أرواح أسلافهم 31 أكتوبر (إ.ب.أ)
TT

هل تجوز المفاضلة بين الثقافات الإنسانيّة؟

ترام خاص ظهر في شوارع غدانسك البولندية وسط احتفال يصلي خلاله الناس على أرواح أسلافهم 31 أكتوبر (إ.ب.أ)
ترام خاص ظهر في شوارع غدانسك البولندية وسط احتفال يصلي خلاله الناس على أرواح أسلافهم 31 أكتوبر (إ.ب.أ)

يشعر كلُّ واحد منّا بأنّ الحضارة التي ينتسب إليها والثقافة التي يعبّر بواسطة مفاهيمها وكلماتها عن أحاسيسه واختباراته إنّما تجسّدان، في نظره، أسمى مراتب الهويّة الذاتيّة الجماعيّة التي يفتخر بها. لذلك نَعمد عفويًّا إلى امتداحهما وإعلاء شأنهما والدفاع عن أحقّيّتهما. لا ريب في أنّ مثل هذا الشعور طبيعيٌّ، منطقيٌّ، شرعيٌّ، سليمٌ. غير أنّ المشكلة تنشأ حين ينظر الإنسانُ في واقع التنوّع الثقافيّ الذي يسود في الأرض. فإذا به يرتبك ويضطرب، إذ يعجز عن إدراك معنى المعايشة الضروريّة بين الثقافات المختلفة.
كان مؤرّخو الحضارات ومترصّدو الأفكار يستطيعون في القرون الوسطى، على سبيل المثال، أن يستخرجوا بيسرٍ خصائصَ المجتمعات الإنسانيّة ويقارنوا بعضها ببعض. أمّا اليوم، فأضحت المسألة عسيرةً، محفوفةً بالمخاطر والإدانات. أذكرُ أبا حيّان التوحيديّ (923-1023) الذي كان ينقل عن ابن مسكويه (932-1030) تصوّرَه الغني الحضاريَّ في ثقافات الناس، وكان يعترف، في كتابه الإمتاع والمؤانسة، بأنّ الشعوب لا تُقرّ بأفضال بعضها على بعض. ذلك أنّ «الفارسيّ ليس في فطرته ولا عادته ولا منشئه أن يعترف بفضل العربيّ، ولا في جبلّة العربيّ وديدنه أن يقرّ بفضل الفارسيّ. وكذلك الهنديّ والروميّ والتركيّ والديلميّ». حقيقة الأمر أنّ «الخيرات والفضائل والشرور والنقائص مُفاضةٌ على جميع الخلق». استنادًا إلى التصوّر التعدّديّ الواقعيّ هذا، كان التوحيديّ يوزّع المواهب توزيعًا مستندًا إلى معايناته التاريخيّة الاستقصائيّة: «للفرس السياسة والآداب والحدود والرسوم؛ وللروم الحكمة؛ وللهند الفكر والرؤية والخفّة والسحر والأناة؛ وللترك الشجاعة والإقدام؛ وللزنج الصبر والكدّ والفرح؛ وللعرب النجدة والقِرى والوفاء والبلاء والجود والذمام والخطابة والبيان». إنّها، في نظره، الفضائل الغالبة الشائعة في كلّ قوم على حدة. لا يعني هذا القول أنّ الفرس لا يختبرون فضيلة الوفاء، وأنّ العرب ينقصهم الفكر، وأنّ الروم تُعوزهم الشجاعة، وأنّ الزنج يحتاجون إلى الحكمة. جلُّ الأمر أنّ لكلّ شعبٍ خصوصيّةً ثقافيّةً يتّسم بها وعيُه الجماعيّ.
في الأزمنة المعاصرة، علّق الفيلسوف المغربيّ محمّد عابد الجابري (1935-2010)، في كتابه العقل الأخلاقيّ العربيّ، على تصنيف التوحيديّ، فعَمد إلى استخراج الموروثات الثقافيّة الخمسة التي اعتقدَ أنّها أثّرت في الوعي العربيّ منذ ظهور الإسلام: الموروث الفارسيّ أو أخلاق الطاعة، الموروث اليونانيّ أو أخلاق السعادة، الموروث الصوفيّ أو أخلاق الفناء أو بالأحرى فناء الأخلاق، والموروث العربيّ الكلاسّيكيّ الخالص أو أخلاق المروءة، والموروث الإسلاميّ المتجلّي في صوغ الأخلاقيّات القرآنيّة المحض.
يدلّنا الجهد التصنيفيّ هذا على رغبة الفكر الإنسانيّ في إدراك خصوصيّات الشعوب القوميّة وميزاتها الثقافيّة. ومن ثمّ، إذا نظر المرءُ في تصنيفات المفكّرين الغربيّين، عثر أيضًا على المسعى التمايزيّ عينه. فها هو ذا الفيلسوف الألمانيّ هايدغر (1889-1976)، في تعليقاته على قصائد هُلدرلين جرمانيا والراين، يصرّح بأنّ «ما آلَ بالفطرة إلى الإغريق: القرب من النار السماويّة، وعنف الإصابة البليغة بقوّة الكينونة. أمّا رسالتهم، فتذليل ما يمكن تذليله من طريق الصراع من أجل العمل، والاستيلاء، والإنشاء. ما أُعطي الألمان: القدرة على الاستيلاء، والتحسّب، وتخطيط المهمّات المختلفة، والاحتساب، والترتيب إلى حدّ التنظيم. أمّا رسالتهم، فأن تُصيبهم الكينونة». كان هايدغر يتصوّر الفلسفة مقترنةً بالإرث اليونانيّ القديم ومرتبطةً بالإسهام الألمانيّ الحديث. لذلك أصرّ على استخراج خصائص الفلسفتَين وطرائق تناولهما معنى الكينونة.
في سياق ثقافيّ آخر، كان الفيلسوف الألمانيّ أوسڤالد شبِنغلر (1880-1936) ينتقد ادّعاء الثقافة الغربيّة امتلاكَ الحداثة، مُبيّنًا في كتابه أفول الغرب أنّ الثقافات الكبرى، شأنها شأن الكائنات البيولوجيّة، تولد وتنمو وتنضج وتشيخ وتمرض وتذوي وتزول. أمّا تاريخ البشريّة، فتهيمن عليه، في نظره، الثقافاتُ الثلاثُ التي أنشأتها الشعوبُ البيض: ثقافة الإغريق القدماء المتّصفة بالنفس الأبّولينيّة المتّزنة المنتظمة الساعية إلى تمجيد جمال الجسد؛ وثقافة العرب المتميّزة بالنفس السحريّة التي تجتهد في إدراك العالم بواسطة معادلات الجبر الحسابيّة والابتهالات والممارسات السحريّة؛ وثقافة الإنسان الفاوستيّ التي نشأت في الإمبراطوريّة الرومانيّة الجرمانيّة المقدّسة وأخذت تعزّز مقام الكدح والاستثمار من أجل اكتساب الأموال والنفوذ والسيطرة على العالم بواسطة التقنية والإرادة العازمة، وهي بذلك تجسّد صورة البطل فاوست الرمزيّة.
أمّا المفكّر السياسيّ الأمِيركيّ صمويل هنتنغتون (1927-2008)، فقسّم الناسَ، في كتابه صراع الحضارات، شعوبًا وجماعاتٍ وطوائفَ، وخصَّ كلّ مجموعة حضاريّة بميزات تنفرد بها عن سواها، محصيًا ثماني حضارات تسعى إلى الاستئثار والهيمنة: الغربيّة، والأمِيركيّة اللاتينيّة، والإسلاميّة، والصينيّة، والهندوسيّة، والسلاڤيّة الأورثوذوكسيّة، واليابانيّة، والأفريقيّة. استثار تصنيفُه الحضاريّ هذا غضبَ الباحثين الذين يَعدّون الإنسانيّة واحدةً في جميع تجلّياتها، وجميع اختباراتها، وجميع تعبيراتها الثقافيّة وإفصاحاتها الوجوديّة. على الرغم من موضوعيّة التناول التصنيفيّ هذا، لا سيّما في استخراجه السمات الأساسيّة التي تنفرد بها كلُّ ثقافة على حدة، ثمّة مآخذ بنيويّة ما برحت تعطّل جزءًا من تحليله، لا سيّما الخلاصات التي دفعت به إلى افتراض الاحتراب الحتميّ بين الكتلة الغربيّة والكتلة الإسلاميّة. ومن ثمّ، تقتضي الموضوعيّة أن ننظر في خصائص هذه الشعوب، على نحو ما فعل الآخرون، من غير أن ننشئ بينها التوتّر الاقتتاليّ المهلك.
من أظلم الأقدار أن تُصاب المقارنةُ بالتطرّف في استخراج الجواهر، أي بتصوّر الخصائص في ثباتها السرمديّ، بحيث تنغلق كلُّ حضارة على ذاتها وتُرَدّ وتُختزَل إلى بضعٍ من السمات الجوهريّة الصلبة التي لا يصيبها أيّ تبدّل أو تحوّل. لذلك لا بدّ من أن يسأل المرء: ما معيار الموضوعيّة في التصنيف؟ أيّ تصوّر إنسانيّ يستند إليه المفكّرُ في تصنيفه الثقافات الإنسانيّة المختلفة؟ هل يختلف التصوّر باختلاف مضامين التباين الثقافيّ الجوهريّة أم باختلاف المفاهيم والمقولات والكلمات المستخدمة في وصف هذه المضامين؟ هل يجوز أن نصنّف الثقافات بالاستناد إلى نموذجٍ ثقافيٍّ كونيٍّ واحد أم إنّنا مضطرّون إلى افتراض تنوّع النماذج، أي تنوّع الحقائق الأنثروبولوجيّة الأصليّة؟ ما دور الإعلام الذي يُكره الناس على تأييد النموذج الثقافيّ الاجتماعيّ السائد في حقبةٍ معيّنةٍ من حقَب التاريخ الإنسانيّ؟ أمّا السؤال الفلسفيّ الأخطر، فيتناول معنى إنسانيّة الإنسان، إذ يتبيّن لنا أنّ كلّ تصنيف يستند، في خلفيّاته القصيّة، إلى تصوّر أنثروبولوجيّ واضح المعالم يستمدّ فرضيّاته الأُوَل من الاختبار الكينونيّ الأعمق الذي يصيب حقيقة الوجود.
ومن ثمّ، يجب التأنّي والتحوّط قبل إطلاق الأحكام على الثقافات الإنسانيّة. غير أنّ النظر الموضوعيّ المسالم يجوز له أن يفاضل بين ثقافة وأخرى، أي بين تصوّر إنسانيّ شامل وآخر، بحيث يتجلّى للناس عمقُ التباين الذي يصيب فكر الناس ومسلكهم. فلا يقنعني أحدٌ بأنّ أكل لحم البشر، ووأد البنات، وإنهاء حياة الشيوخ المعمّرين العجّز الطاعنين في السنّ، وإقصاء المعوّقين، واضطهاد المثليّين الجنسيّين، وخنق الحرّيّات الأساسيّة، قضايا استنسابيّةٌ يستوي فيها الخير والشرّ، والعدل والظلم، والمساواة والإقصاء. أعلم أنّ القول المأثور يجعل «القردَ غزالًا في عين أمّه»! بيد أنّ المسألة تتجاوز التذوّقات الجماليّة الاستنسابيّة، إذ تصيب عمق الكرامة الإنسانيّة. إذا كانت ثقافةُ شعبٍ من الشعوب ترتكب الجرائم المشينة هذه، فلا بدّ من المفاضلة حتّى يستصفي الضمير الإنسانيّ العالميّ أبهى التصوّرات، وأعدل الأفكار، وأنقى المسالك، وأشرف الممارسات.
رأس الكلام في هذا كلّه أنّ الثقافة الأفضل تعزّز كرامة الإنسان، وتصون حرّيّته الذاتيّة، وترسّخ المساواة بين الناس، وتساند مثُلَ العدل والتضامن والتكافل والأخوّة. وعليه، فإنّي أقولها من دون وجلٍ أو تردّد: كلّ ثقافة تُهين الإنسانَ في كرامته الذاتيّة الأصليّة وتُغلق عليه في تصوّراتٍ إيديولوجيّةٍ بائدةٍ يجب أن تخضع لامتحان الضمير الإنسانيّ الكونيّ، حتّى يقوّمها مجتمعُ الحكماء الدوليّ الذي أضحى إنشاؤه من الضرورات الخلاصيّة الجوهريّة. أجل، يمكننا أن نفاضل بين ثقافةٍ تمجّد ذاتها وتحتقر الآخرين، وثقافةٍ تحبّ خصوصيّتَها وتحترم خصوصيّة الآخرين. أجل، يمكننا أن نفاضل بين ثقافةٍ تستعلي على الآخرين وتعاديهم وتحاربهم وتفرض رأيها بالقوّة، وثقافةٍ تنبذ العنف وتؤيّد التحاور وتصبر على الاختلاف. أجل، يمكننا أن نفاضل بين ثقافةٍ تقمع الإنسان الفرد وتُذلّه وتحبس عليه في سجن التصوّرات القوميّة والدِّينيّة والإيديولوجيّة المنحرفة، وثقافةٍ تحرّره وتثق بإبداعه وتتّكل عليه في تطوير نظرة الإنسان إلى ذاته. أجل، يمكننا أن نفاضل بين ثقافةٍ تنتهك الطبيعة وتسخّرها لمآربها الاستغلاليّة، وثقافةٍ ترأف بالأمّ الحنون الحاضنة وتعاهدها على الرعاية والرفق والاستصلاح الهادئ الحكيم. أجل، يمكننا أن نفاضل بين ثقافةٍ تستقبح الزواج والإنجاب والنسل وتُسرف في الاستمتاع المتهوّر بملذّات الجسد الذي يتحوّل إلى سلعةٍ استهلاكيّةٍ سليبةِ القيمة، وثقافةٍ ترعى عهدَ الاقتران بين الرجل والمرأة وتؤمِن بمستقبل البشر المرتسم على محيّا البنات والبنين. أجل، يمكننا أن نفاضل بين ثقافةٍ تعاين في الإنجاب العشوائيّ والتكاثر العدديّ تفوّقًا حضاريًّا وعلامةً على النصر الآتي، وثقافةٍ تراعي ضرورات بقاء الجنس البشريّ، فترأف بالنسل ولا تُفرّط فيه وفي تنشئته وتربيته وتهذيبه. أجل، يمكننا أن نفاضل بين ثقافةٍ تكفّر الاختلاف وتلعن التنوّع وتُبيد الكافرين، وثقافةٍ تصون التنوّع المبنيّ على رعاية كرامة الإنسان وصون حرّيّته الذاتيّة الأصليّة. مُعتصَم الفكر المستنير في هذا كلّه العبارةُ الحضاريّةُ البليغةُ التي كُتِبت على أحد المعابد في تدمر السوريّة باللغة الآراميّة قبل 2500 سنة: «لا تَشتم إلهًا لا تَعبده»!

* مفكر لبناني


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

«حزب الله» يحرك الشارع ضد سلام... والتفاوض

طفلة ترفع علم إيران في تحرك لـ«حزب الله» ضد رئيس الحكومة نواف سلام (رويترز)
طفلة ترفع علم إيران في تحرك لـ«حزب الله» ضد رئيس الحكومة نواف سلام (رويترز)
TT

«حزب الله» يحرك الشارع ضد سلام... والتفاوض

طفلة ترفع علم إيران في تحرك لـ«حزب الله» ضد رئيس الحكومة نواف سلام (رويترز)
طفلة ترفع علم إيران في تحرك لـ«حزب الله» ضد رئيس الحكومة نواف سلام (رويترز)

يواجه «حزب الله» قرارات الحكومة اللبنانية التي يشارك فيها عبر التصويب على رئيسها نواف سلام، عبر تحركات لمناصريه في محيط السراي الحكومي وعدد من مناطق بيروت، في رسالة رفض واضحة لخطة «بيروت خالية من السلاح»، التي أقرتها الحكومة بهدف حصر السلاح بيد الدولة، كما لقرار التفاوض مع إسرائيل، كما أظهرت هتافات مناصريه، وهو ما قابله فرض إجراءات أمنية مشددة لضبط الوضع ومنع أي انفلات أمني في العاصمة.

ولليوم الثاني على التوالي تجمع مناصرون لـ«حزب الله» أمام السراي الحكومي، رافعين شعارات مندّدة بسياسات رئيس الحكومة نواف سلام، كما شهدت بعض شوارع بيروت تحركات مماثلة، حيث رفعت أعلام لـ«حزب الله» و«حركة أمل».

وتصادم المتظاهرون مع بعض سكان أحياء بيروت، حيث سجلت حوادث نار وتضارب، ما أدى إلى تدخل الجيش والقوى الأمنية لضبط الوضع.

مناصرون لـ«حزب الله» في تحرك في محيط السراي الحكومي في وسط بيروت (رويترز)

في المقابل، نفّذ الجيش اللبناني انتشاراً واسعاً في بيروت، لا سيما في محيط السراي، مع تسيير دوريات لأفواج المغاوير في عدد من الشوارع الرئيسية، في إطار تعزيز الاستقرار واحتواء أي توتر محتمل.

كما أفادت معلومات عن نشر قنّاصين تابعين للجيش على أسطح الأبنية المرتفعة في محيط السراي الحكومي، في خطوة احترازية لمراقبة التحركات على الأرض.

وتأتي هذه التحركات بعد قرار الحكومة حصر السلاح في بيروت، وتمسّك رئيس الحكومة نواف سلام بدور الدولة اللبنانية في تولّي التفاوض لوقف الحرب على لبنان، وذلك بعد ساعات على إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الموافقة على إجراء مفاوضات مباشرة مع لبنان.

وكان وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار قد دعا خلال معاينته موقع الغارات التي استهدفت بيروت، الأربعاء، إلى الالتفاف حول الدولة في هذه المرحلة الدقيقة، ومعرباً عن الأمل في التوصل إلى وقف كامل لإطلاق النار.

سيدات يشاركن في تحرك لـ«حزب الله» ضد رئيس الحكومة نواف سلام (رويترز)

وحذّر الحجار «من أي فتنة داخلية»، معتبراً أنها لا تخدم سوى إسرائيل وتضر بمصلحة لبنان، ومؤكداً أن «أمن البلاد يجب أن يشمل جميع المناطق دون استثناء، وأن القرارات الحكومية تصب في هذا الاتجاه».

وأضاف: «نعزّز الإجراءات الأمنيّة خصوصاً في بيروت بعد الضغط الكبير نتيجة النزوح»، لافتاً إلى أن «هناك تعويلاً كبيراً على وعي الناس؛ لأن الأزمة كبيرة، والحرب يدفع ثمنها الجميع، والدولة تقوم بكلّ جهودها وفق إمكاناتها لإنقاذ النازحين والتخفيف عن الناس، والإجراءات لا تنجح إلا بتعاون جميع اللبنانيين».


إسرائيل تصعّد في لبنان لفرض وقائع جديدة قبل مفاوضات واشنطن

النيران تتصاعد من مركز قوى أمن الدولة بالنبطية الذي استُهدف بقصف إسرائيلي ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف العناصر (أ.ف.ب)
النيران تتصاعد من مركز قوى أمن الدولة بالنبطية الذي استُهدف بقصف إسرائيلي ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف العناصر (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تصعّد في لبنان لفرض وقائع جديدة قبل مفاوضات واشنطن

النيران تتصاعد من مركز قوى أمن الدولة بالنبطية الذي استُهدف بقصف إسرائيلي ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف العناصر (أ.ف.ب)
النيران تتصاعد من مركز قوى أمن الدولة بالنبطية الذي استُهدف بقصف إسرائيلي ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف العناصر (أ.ف.ب)

تسابق إسرائيل الوقت قبل موعد المفاوضات المرتقبة بينها وبين لبنان في واشنطن، ساعية إلى تحقيق مكاسب ميدانية تعزز موقعها التفاوضي؛ إذ أشارت المعلومات إلى أن تل أبيب طلبت من الإدارة الأميركية مهلة تتراوح بين يومين وخمسة أيام لتنفيذ سلسلة عمليات عسكرية واسعة تستهدف بنية «حزب الله».

غير أن التطوّر الأبرز تمثّل في استهداف الطيران الحربي الإسرائيلي السراي الحكومي في مدينة النبطية، ما أدى إلى مقتل 13 عنصراً من جهاز أمن الدولة وإصابة ضابط، وهي المرّة الأولى التي تُستهدف فيها مؤسسة حكومية لبنانية في هذه الحرب، كما وضع الإسرائيليون ضمن لائحة استهدافاتهم سيارات الإسعاف التابعة لكشافة «الرسالة الإسلامية»، باتهامها بأنها تُستخدم لأغراض عسكرية تخدم «حزب الله».

نوعية الأهداف

تأتي كثافة الغارات الجويّة ونوعية الأهداف بالتوازي مع التقدّم البري الذي حققه الإسرائيليون على محاور القتال في جنوب الليطاني، لا سيما في مدينة بنت جبيل، التي يصفها «حزب الله» بـ«عاصمة المقاومة»؛ لما تمثّله من رمزية معنوية في الصراع، وهو ما يعكس محاولة إسرائيلية لفرض وقائع جديدة على الأرض قبل الدخول في المسار السياسي، بما يمنحها أوراق ضغط إضافية خلال التفاوض، ويؤثر مباشرة في توازنات أي تسوية محتملة.

أخطر عملية

وكثّف الطيران الحربي الإسرائيلي غاراته على الجنوب، حيث تعرضت مدينة النبطية لأكبر استهداف منذ بداية الحرب الحالية؛ إذ شنّ سلسلة غارات عنيفة استهدفت معظم الأحياء والشوارع فيها، وألحقت دماراً هائلاً، لكنّ أخطرها كان في الغارة بمحيط السراي الحكومي، ما أدى إلى تدمير مكتب جهاز أمن الدولة، ومقتل 13 عنصراً، كما أصيب ضابط برتبة ملازم بجروح مختلفة، وهرعت سيارات الإسعاف إلى نقل الضحايا والمصابين إلى المستشفيات.

النيران تتصاعد من مركز قوى أمن الدولة بالنبطية الذي استُهدف بقصف إسرائيلي ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوف العناصر (أ.ف.ب)

وقال مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» إن «جميع عناصر المركز الأمني قضوا في الغارة، ولم ينجُ منها سوى الضابط المسؤول عنهم وهو برتبة ملازم». واعتبر أن العملية «تعدّ الأخطر في هذه الحرب؛ لأن الإسرائيلي تعمّد استهداف مؤسسة حكومية وقتل عناصر أمن من خلال قصف مركزهم بشكل مباشر ومتعمّد»، ويرى أن «غاية هذه العملية هو تفريغ مدينة النبطية كما غيرها من مناطق جنوب الليطاني من أي وجود للدولة اللبنانية ومؤسساتها».

سيارات الإسعاف في مرمى الاستهداف

وتحولت سيارات الإسعاف إلى هدف للجيش الإسرائيلي بعد تحذير وجّهه الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إليها، قائلاً إنها تُستخدم لأغراض عسكرية للحزب، وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأن غارة إسرائيلية استهدفت بلدة ديرقانون راس العين، أدت إلى إصابة عدد من سيارات الإسعاف والإنقاذ والإطفاء للهيئة الصحية الإسلامية.

في المقابل، أعلنت وزارة الصحة العامة أنه لم يحصل أي إخلاء في الساعات الأخيرة للمستشفيات المستمرة في عملها في الضاحية الجنوبية لبيروت، مشيرة إلى أنها أجرت الاتصالات اللازمة مع منظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر الدولي للمطالبة بعدم استهداف المستشفيات والمرافق الطبية، وقد تلقت الوزارة تطمينات دولية في هذا المجال.

واستهدف الطيران الإسرائيلي مغسلاً للسيارات وسط ساحة بلدة جباع في إقليم التفاح، مما أدى إلى مقتل 6 أشخاص، وأفيد بأن صاحب المغسل وولديه وثلاثة مواطنين قضوا على الفور، كما قُتل شخص آخر في غارة شنتها مسيّرة استهدفته على دراجته في بلدة الشرقية.

ولقي عضو بلدية أرنون، علي عبد اللطيف غيث، حتفه، وجُرح ابنه حسن في غارة لمسيّرة إسرائيلية استهدفت مبنى يسكنه بُعيد منتصف فجر الجمعة في بلدة كفرتبنيت، كما شنت المقاتلات الحربية غارة فجر الجمعة على منزل في بلدة زفتا ودمرته بالكامل.

صورة لمبنى منهار إثر قصف إسرائيلي في النبطية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يردّ

وكانت غارات جوية استهدفت منتصف ليل الخميس ـ الجمعة أوتوستراد النبطية - حبوش - دير الزهراني، وألحقت به دماراً هائلاً، كما أدت الغارات إلى تدمير عشرات المجمعات السكنية والمحال والمؤسسات التجارية على طول 4 كيلومترات، وغيرت معالم الأبنية على جانبَي الأوتوستراد.

وردّ «حزب الله» على التصعيد الإسرائيلي، وأعلن في بيان أنه استهدف تجمعاً لجنود الجيش الإسرائيليّ شرق معتقل الخيام بصاروخ نوعيّ، كما قصف مستوطنات المطلّة، ومرغليوت، ومسكاف عام، ودوفيف، وموقع الغجر، ومستوطنة كريات شمونة، بصليات صاروخية.

رمزية بنت جبيل

ويشي الواقع الميداني إلى تقدّم برّي ملحوظ للقوات الإسرائيلية، التي تخوض قتالاً شرساً مع مقاتلي الحزب داخل مدينة بنت جبيل، حيث أعلن الحزب أنه يخوض التحاماً مع الجيش الإسرائيلي من «نقطة الصفر»، وهو اعتراف واضح من الحزب بدخول إسرائيل إلى عمق هذه المدينة، ما يؤشر إلى أن الأخيرة تسعى سريعاً للسيطرة على المدينة؛ إذ يمهّد ذلك للسيطرة على جنوب الليطاني.

ويوضح الخبير العسكري والاستراتيجي العميد المتقاعد حسن جوني، أنّ مدينة بنت جبيل «تُعدّ مركز ثقل في ما يُعرف بالنسق الثاني من القرى؛ أي تلك التي قد تكون ضمن نطاق توسيع ما يُسمّى بالمنطقة العازلة»، مشيراً إلى أنه «لا يُنظر إلى بنت جبيل كموقع عادي، بل كعقدة وصل أساسية ضمن القطاع الأوسط، ما يمنح السيطرة عليها أبعاداً تتجاوز الإطار الجغرافي».

صحافيون في موقع استُهدف بغارة إسرائيلية بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

الحسابات العسكرية

ويكتسب احتلال بنت جبيل أبعاداً مختلفة، ويرى جوني أنّ «البُعد الأول هو البعد المعنوي؛ إذ إن بنت جبيل، التي تُعرف بـ(عاصمة المقاومة)، شكّلت تاريخياً نقطة تحدٍّ بين الحزب والجيش الإسرائيلي. ومن هذا المنطلق، تحظى المدينة بأهمية خاصة في الحسابات العسكرية الإسرائيلية التي تسعى إلى تحقيق مكاسب ذات أثر معنوي على خصمها. وقد ظهر ذلك خلال حرب 2024؛ إذ أصرّ الجيش الإسرائيلي على السيطرة على محاور يعتبر أن سقوطها يحمل دلالات معنوية، مثل عيتا الشعب والخيام؛ لما لذلك من تأثير على صورة (حزب الله) ومكانته».

موقع استراتيجي

ويكتسب البعد الثاني أهدافاً ميدانية، وفق تعبير جوني، الذي قال إن بنت جبيل «تتميّز بموقع استراتيجي يجعلها عقدة وصل بين عدد من القرى والاتجاهات، ما يتيح، في حال السيطرة عليها، الإمساك بهذه العقدة الحيوية والتحكم بها، فضلاً عن التأثير على حركة (حزب الله) في محيطها، سواء عبر تعطيل تنقّلاته أو من خلال فتح المجال لتطوير العمليات العسكرية باتجاهات متعددة انطلاقاً منها».

وفي البعد الثالث يلفت جوني إلى «استخدام بنت جبيل كورقة مهمّة لاستكمال جغرافية المنطقة العازلة، وللضغط على الدولة اللبنانية لاستخدام هذه المدينة ورقة ضغط خلال المفاوضات، بحيث يصبح الانسحاب منها مشروطاً بالحصول على ترتيبات أمنية وسياسية معيّنة».

مدخل بلدة بنت جبيل بجنوب لبنان بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي منها وبدء عودة الأهالي إليها عقب انتهاء الحرب في شهر نوفمبر 2024 (إ.ب.أ)

لا ثبات في المعركة

وتشكل معركة بنت جبيل تحولاً مهماً في العملية، ويضيف العميد جوني أنه «لم يسبق للقوات الإسرائيلية أن سيطرت على مدينة بالمعنى الكامل للكلمة ضمن هذا النطاق؛ إذ اقتصرت المعارك والتقدّم على القرى الحدودية أو المواقع المتقدمة، ما يجعل احتلال بنت جبيل، كمدينة كبيرة نسبياً في المنطقة، عاملاً يعزّز من ثقل الوجود العسكري الإسرائيلي، ويمنحه بعداً مختلفاً على مستوى الميدان والسياسة».

وأعطى العميد حسن جوني ملاحظة، مفادها أن الحزب قد لا يخوض معركة مستميتة من أجل الدفاع عن هذه المدينة، مشيراً إلى أن «التكتيك الذي يعتمده الحزب في هذه الحرب، هو أنه لا يضحّي من أجل الثبات، بل يضحّي من أجل إلحاق الخسائر بالقوات المهاجمة».


واشنطن تطلق محادثات لبنانية - إسرائيلية هاتفياً

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في تحرك رفضاً للتفاوض المباشر مع إسرائيل (أ.ب)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في تحرك رفضاً للتفاوض المباشر مع إسرائيل (أ.ب)
TT

واشنطن تطلق محادثات لبنانية - إسرائيلية هاتفياً

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في تحرك رفضاً للتفاوض المباشر مع إسرائيل (أ.ب)
مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه في تحرك رفضاً للتفاوض المباشر مع إسرائيل (أ.ب)

استضافت الولايات المتحدة محادثات هاتفية تحضيرية، الجمعة، بين لبنان وإسرائيل، تمهيداً لمفاوضات مباشرة ستُعقد، الأسبوع المقبل، برعاية إدارة الرئيس دونالد ترمب في واشنطن العاصمة. بينما حذر مسؤول أميركي رفيع سابق من تحويل لبنان مجدداً كساحة صراع بين القوى الإقليمية، مستفيدة من انقساماته الداخلية بالإضافة الى التدخلات الخارجية.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر وثيقة الاطلاع على الجهود التي تبذل حالياً أن الوسطاء يسعون إلى اعتماد «النموذج الباكستاني» لوقف النار لمدة أسبوعين بين لبنان واسرائيل، على غرار ما يحصل بين الولايات المتحدة وإيران، كبديل من اقتراح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إجراء المحادثات في ظل الصدامات العسكرية بين إسرائيل و«حزب الله»، مشددين على أهمية فصل المسار التفاوضي اللبناني - الإسرائيلي عن المسار الأميركي - الإيراني «رغم أهمية التزامن بينهما».

وبينما لم يُتخذ قرار نهائي بعد، لا تزال الاتصالات متواصلة لمعرفة إمكانية خفض التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله» إلى المستويات التي كانت سائدة قبل بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من الجهة الأخرى في نهاية فبراير (شباط) الماضي. وكانت هذه الفكرة موضع بحث في اتصال هاتفي بين ترمب ونتنياهو، وسط مخاوف أميركية من أن يؤدي استمرار القتال في لبنان إلى انهيار وقف النار الهش مع إيران.

ووسط مساعٍ لعقد اجتماع بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الذي يتولى أيضاً منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، ورئيس الحكومة اللبناني نواف سلام الذي يزور واشنطن العاصمة، الأسبوع المقبل، سعت دول مؤثرة تتقدمها فرنسا وإيطاليا وبريطانيا إلى دعم لبنان في العملية التفاوضية الصعبة مع الجانب الإسرائيلي.

وشارك في الاتصال الهاتفي كل من السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى ومستشار وزارة الخارجية الأميركية مايكل نيدهام والسفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، والسفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر.

ديفيد هيل في بيروت (أرشيفية - رويترز)

وفي جلسة حوارية عُقدت في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، حذر السفير الأميركي السابق في بيروت ديفيد هيل من أن هشاشة لبنان المستمرة كساحة صراع بين القوى الإقليمية تنبع من انقساماته الداخلية بقدر ما تنبع من التدخلات الخارجية.

وأشار هيل إلى نمط تاريخي بارز: وهو أن الولايات المتحدة وإسرائيل، عند مواجهة عنف من وكلاء إيران أو سوريا، كثيراً ما فضّلتا حصر ردّهما داخل لبنان بدلاً من مواجهة مصدر المشكلة مباشرة في دمشق أو طهران. وقال: «تدور هذه المعارك في لبنان، رغم أن مصدر المشكلة كان يكمن في دمشق أو طهران».

وأوضح أن هذا الوضع بدأ يتغير بعد أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وبلغ ذروته في اتفاق وقف النار الذي تم التوصل إليه في نهاية ولاية إدارة الرئيس جو بايدن. وقال إن هذا الاتفاق مثّل لحظة ضغط غير مسبوقة على «حزب الله»، لم يسبق للجماعة أن واجهتها من قبل، حتى خلال حرب 2006. وأضاف: «وجد (حزب الله) وقفاً لإطلاق النار لتجنب الإبادة الكاملة»، مشيراً إلى أن الجماعة «بدأت على الفور في مراجعة» التزامها بنود الاتفاق بمجرد تخفيف الضغط.

وفي هذا السياق، أشار هيل إلى ما وصفه بانفتاح سياسي نادر، ألا وهو انتخاب رئيس لبناني، وتعيين رئيس وزراء، وهما، ولأول مرة منذ زمن طويل، لا يخضعان لسيطرة سوريا أو إيران، وحذر من تحميل القوات المسلحة اللبنانية وحدها مسؤولية حل الأزمة، قائلاً: «في النهاية، ستكون عملية سياسية». وأشار إلى أن الخطط الأمنية الجديدة، بما فيها إعلان توسيع سلطة الدولة على بيروت، تُعد خطوة مهمة، لكنه حذر من أن نطاق سيطرة الدولة على العاصمة لا يزال محدوداً، ولا يشمل الضواحي الجنوبية.

كما حذر من أحد أخطر أساليب «حزب الله التاريخية: الاغتيال السياسي». وذكر أنه «خلال ثورة الأرز، لجأت الجماعة إلى قتل المعارضين، بمن فيهم رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وأكثر من 12 عضواً في البرلمان، لتحقيق ما عجزت عن تحقيقه سياسياً عبر العنف، وقال: «إننا نتعامل الآن مع أبناء وبنات وإخوة وأخوات من اغتيلوا، والذين يتذكرون ثمن الاستقلال».