هل تجوز المفاضلة بين الثقافات الإنسانيّة؟

ترام خاص ظهر في شوارع غدانسك البولندية وسط احتفال يصلي خلاله الناس على أرواح أسلافهم 31 أكتوبر (إ.ب.أ)
ترام خاص ظهر في شوارع غدانسك البولندية وسط احتفال يصلي خلاله الناس على أرواح أسلافهم 31 أكتوبر (إ.ب.أ)
TT

هل تجوز المفاضلة بين الثقافات الإنسانيّة؟

ترام خاص ظهر في شوارع غدانسك البولندية وسط احتفال يصلي خلاله الناس على أرواح أسلافهم 31 أكتوبر (إ.ب.أ)
ترام خاص ظهر في شوارع غدانسك البولندية وسط احتفال يصلي خلاله الناس على أرواح أسلافهم 31 أكتوبر (إ.ب.أ)

يشعر كلُّ واحد منّا بأنّ الحضارة التي ينتسب إليها والثقافة التي يعبّر بواسطة مفاهيمها وكلماتها عن أحاسيسه واختباراته إنّما تجسّدان، في نظره، أسمى مراتب الهويّة الذاتيّة الجماعيّة التي يفتخر بها. لذلك نَعمد عفويًّا إلى امتداحهما وإعلاء شأنهما والدفاع عن أحقّيّتهما. لا ريب في أنّ مثل هذا الشعور طبيعيٌّ، منطقيٌّ، شرعيٌّ، سليمٌ. غير أنّ المشكلة تنشأ حين ينظر الإنسانُ في واقع التنوّع الثقافيّ الذي يسود في الأرض. فإذا به يرتبك ويضطرب، إذ يعجز عن إدراك معنى المعايشة الضروريّة بين الثقافات المختلفة.
كان مؤرّخو الحضارات ومترصّدو الأفكار يستطيعون في القرون الوسطى، على سبيل المثال، أن يستخرجوا بيسرٍ خصائصَ المجتمعات الإنسانيّة ويقارنوا بعضها ببعض. أمّا اليوم، فأضحت المسألة عسيرةً، محفوفةً بالمخاطر والإدانات. أذكرُ أبا حيّان التوحيديّ (923-1023) الذي كان ينقل عن ابن مسكويه (932-1030) تصوّرَه الغني الحضاريَّ في ثقافات الناس، وكان يعترف، في كتابه الإمتاع والمؤانسة، بأنّ الشعوب لا تُقرّ بأفضال بعضها على بعض. ذلك أنّ «الفارسيّ ليس في فطرته ولا عادته ولا منشئه أن يعترف بفضل العربيّ، ولا في جبلّة العربيّ وديدنه أن يقرّ بفضل الفارسيّ. وكذلك الهنديّ والروميّ والتركيّ والديلميّ». حقيقة الأمر أنّ «الخيرات والفضائل والشرور والنقائص مُفاضةٌ على جميع الخلق». استنادًا إلى التصوّر التعدّديّ الواقعيّ هذا، كان التوحيديّ يوزّع المواهب توزيعًا مستندًا إلى معايناته التاريخيّة الاستقصائيّة: «للفرس السياسة والآداب والحدود والرسوم؛ وللروم الحكمة؛ وللهند الفكر والرؤية والخفّة والسحر والأناة؛ وللترك الشجاعة والإقدام؛ وللزنج الصبر والكدّ والفرح؛ وللعرب النجدة والقِرى والوفاء والبلاء والجود والذمام والخطابة والبيان». إنّها، في نظره، الفضائل الغالبة الشائعة في كلّ قوم على حدة. لا يعني هذا القول أنّ الفرس لا يختبرون فضيلة الوفاء، وأنّ العرب ينقصهم الفكر، وأنّ الروم تُعوزهم الشجاعة، وأنّ الزنج يحتاجون إلى الحكمة. جلُّ الأمر أنّ لكلّ شعبٍ خصوصيّةً ثقافيّةً يتّسم بها وعيُه الجماعيّ.
في الأزمنة المعاصرة، علّق الفيلسوف المغربيّ محمّد عابد الجابري (1935-2010)، في كتابه العقل الأخلاقيّ العربيّ، على تصنيف التوحيديّ، فعَمد إلى استخراج الموروثات الثقافيّة الخمسة التي اعتقدَ أنّها أثّرت في الوعي العربيّ منذ ظهور الإسلام: الموروث الفارسيّ أو أخلاق الطاعة، الموروث اليونانيّ أو أخلاق السعادة، الموروث الصوفيّ أو أخلاق الفناء أو بالأحرى فناء الأخلاق، والموروث العربيّ الكلاسّيكيّ الخالص أو أخلاق المروءة، والموروث الإسلاميّ المتجلّي في صوغ الأخلاقيّات القرآنيّة المحض.
يدلّنا الجهد التصنيفيّ هذا على رغبة الفكر الإنسانيّ في إدراك خصوصيّات الشعوب القوميّة وميزاتها الثقافيّة. ومن ثمّ، إذا نظر المرءُ في تصنيفات المفكّرين الغربيّين، عثر أيضًا على المسعى التمايزيّ عينه. فها هو ذا الفيلسوف الألمانيّ هايدغر (1889-1976)، في تعليقاته على قصائد هُلدرلين جرمانيا والراين، يصرّح بأنّ «ما آلَ بالفطرة إلى الإغريق: القرب من النار السماويّة، وعنف الإصابة البليغة بقوّة الكينونة. أمّا رسالتهم، فتذليل ما يمكن تذليله من طريق الصراع من أجل العمل، والاستيلاء، والإنشاء. ما أُعطي الألمان: القدرة على الاستيلاء، والتحسّب، وتخطيط المهمّات المختلفة، والاحتساب، والترتيب إلى حدّ التنظيم. أمّا رسالتهم، فأن تُصيبهم الكينونة». كان هايدغر يتصوّر الفلسفة مقترنةً بالإرث اليونانيّ القديم ومرتبطةً بالإسهام الألمانيّ الحديث. لذلك أصرّ على استخراج خصائص الفلسفتَين وطرائق تناولهما معنى الكينونة.
في سياق ثقافيّ آخر، كان الفيلسوف الألمانيّ أوسڤالد شبِنغلر (1880-1936) ينتقد ادّعاء الثقافة الغربيّة امتلاكَ الحداثة، مُبيّنًا في كتابه أفول الغرب أنّ الثقافات الكبرى، شأنها شأن الكائنات البيولوجيّة، تولد وتنمو وتنضج وتشيخ وتمرض وتذوي وتزول. أمّا تاريخ البشريّة، فتهيمن عليه، في نظره، الثقافاتُ الثلاثُ التي أنشأتها الشعوبُ البيض: ثقافة الإغريق القدماء المتّصفة بالنفس الأبّولينيّة المتّزنة المنتظمة الساعية إلى تمجيد جمال الجسد؛ وثقافة العرب المتميّزة بالنفس السحريّة التي تجتهد في إدراك العالم بواسطة معادلات الجبر الحسابيّة والابتهالات والممارسات السحريّة؛ وثقافة الإنسان الفاوستيّ التي نشأت في الإمبراطوريّة الرومانيّة الجرمانيّة المقدّسة وأخذت تعزّز مقام الكدح والاستثمار من أجل اكتساب الأموال والنفوذ والسيطرة على العالم بواسطة التقنية والإرادة العازمة، وهي بذلك تجسّد صورة البطل فاوست الرمزيّة.
أمّا المفكّر السياسيّ الأمِيركيّ صمويل هنتنغتون (1927-2008)، فقسّم الناسَ، في كتابه صراع الحضارات، شعوبًا وجماعاتٍ وطوائفَ، وخصَّ كلّ مجموعة حضاريّة بميزات تنفرد بها عن سواها، محصيًا ثماني حضارات تسعى إلى الاستئثار والهيمنة: الغربيّة، والأمِيركيّة اللاتينيّة، والإسلاميّة، والصينيّة، والهندوسيّة، والسلاڤيّة الأورثوذوكسيّة، واليابانيّة، والأفريقيّة. استثار تصنيفُه الحضاريّ هذا غضبَ الباحثين الذين يَعدّون الإنسانيّة واحدةً في جميع تجلّياتها، وجميع اختباراتها، وجميع تعبيراتها الثقافيّة وإفصاحاتها الوجوديّة. على الرغم من موضوعيّة التناول التصنيفيّ هذا، لا سيّما في استخراجه السمات الأساسيّة التي تنفرد بها كلُّ ثقافة على حدة، ثمّة مآخذ بنيويّة ما برحت تعطّل جزءًا من تحليله، لا سيّما الخلاصات التي دفعت به إلى افتراض الاحتراب الحتميّ بين الكتلة الغربيّة والكتلة الإسلاميّة. ومن ثمّ، تقتضي الموضوعيّة أن ننظر في خصائص هذه الشعوب، على نحو ما فعل الآخرون، من غير أن ننشئ بينها التوتّر الاقتتاليّ المهلك.
من أظلم الأقدار أن تُصاب المقارنةُ بالتطرّف في استخراج الجواهر، أي بتصوّر الخصائص في ثباتها السرمديّ، بحيث تنغلق كلُّ حضارة على ذاتها وتُرَدّ وتُختزَل إلى بضعٍ من السمات الجوهريّة الصلبة التي لا يصيبها أيّ تبدّل أو تحوّل. لذلك لا بدّ من أن يسأل المرء: ما معيار الموضوعيّة في التصنيف؟ أيّ تصوّر إنسانيّ يستند إليه المفكّرُ في تصنيفه الثقافات الإنسانيّة المختلفة؟ هل يختلف التصوّر باختلاف مضامين التباين الثقافيّ الجوهريّة أم باختلاف المفاهيم والمقولات والكلمات المستخدمة في وصف هذه المضامين؟ هل يجوز أن نصنّف الثقافات بالاستناد إلى نموذجٍ ثقافيٍّ كونيٍّ واحد أم إنّنا مضطرّون إلى افتراض تنوّع النماذج، أي تنوّع الحقائق الأنثروبولوجيّة الأصليّة؟ ما دور الإعلام الذي يُكره الناس على تأييد النموذج الثقافيّ الاجتماعيّ السائد في حقبةٍ معيّنةٍ من حقَب التاريخ الإنسانيّ؟ أمّا السؤال الفلسفيّ الأخطر، فيتناول معنى إنسانيّة الإنسان، إذ يتبيّن لنا أنّ كلّ تصنيف يستند، في خلفيّاته القصيّة، إلى تصوّر أنثروبولوجيّ واضح المعالم يستمدّ فرضيّاته الأُوَل من الاختبار الكينونيّ الأعمق الذي يصيب حقيقة الوجود.
ومن ثمّ، يجب التأنّي والتحوّط قبل إطلاق الأحكام على الثقافات الإنسانيّة. غير أنّ النظر الموضوعيّ المسالم يجوز له أن يفاضل بين ثقافة وأخرى، أي بين تصوّر إنسانيّ شامل وآخر، بحيث يتجلّى للناس عمقُ التباين الذي يصيب فكر الناس ومسلكهم. فلا يقنعني أحدٌ بأنّ أكل لحم البشر، ووأد البنات، وإنهاء حياة الشيوخ المعمّرين العجّز الطاعنين في السنّ، وإقصاء المعوّقين، واضطهاد المثليّين الجنسيّين، وخنق الحرّيّات الأساسيّة، قضايا استنسابيّةٌ يستوي فيها الخير والشرّ، والعدل والظلم، والمساواة والإقصاء. أعلم أنّ القول المأثور يجعل «القردَ غزالًا في عين أمّه»! بيد أنّ المسألة تتجاوز التذوّقات الجماليّة الاستنسابيّة، إذ تصيب عمق الكرامة الإنسانيّة. إذا كانت ثقافةُ شعبٍ من الشعوب ترتكب الجرائم المشينة هذه، فلا بدّ من المفاضلة حتّى يستصفي الضمير الإنسانيّ العالميّ أبهى التصوّرات، وأعدل الأفكار، وأنقى المسالك، وأشرف الممارسات.
رأس الكلام في هذا كلّه أنّ الثقافة الأفضل تعزّز كرامة الإنسان، وتصون حرّيّته الذاتيّة، وترسّخ المساواة بين الناس، وتساند مثُلَ العدل والتضامن والتكافل والأخوّة. وعليه، فإنّي أقولها من دون وجلٍ أو تردّد: كلّ ثقافة تُهين الإنسانَ في كرامته الذاتيّة الأصليّة وتُغلق عليه في تصوّراتٍ إيديولوجيّةٍ بائدةٍ يجب أن تخضع لامتحان الضمير الإنسانيّ الكونيّ، حتّى يقوّمها مجتمعُ الحكماء الدوليّ الذي أضحى إنشاؤه من الضرورات الخلاصيّة الجوهريّة. أجل، يمكننا أن نفاضل بين ثقافةٍ تمجّد ذاتها وتحتقر الآخرين، وثقافةٍ تحبّ خصوصيّتَها وتحترم خصوصيّة الآخرين. أجل، يمكننا أن نفاضل بين ثقافةٍ تستعلي على الآخرين وتعاديهم وتحاربهم وتفرض رأيها بالقوّة، وثقافةٍ تنبذ العنف وتؤيّد التحاور وتصبر على الاختلاف. أجل، يمكننا أن نفاضل بين ثقافةٍ تقمع الإنسان الفرد وتُذلّه وتحبس عليه في سجن التصوّرات القوميّة والدِّينيّة والإيديولوجيّة المنحرفة، وثقافةٍ تحرّره وتثق بإبداعه وتتّكل عليه في تطوير نظرة الإنسان إلى ذاته. أجل، يمكننا أن نفاضل بين ثقافةٍ تنتهك الطبيعة وتسخّرها لمآربها الاستغلاليّة، وثقافةٍ ترأف بالأمّ الحنون الحاضنة وتعاهدها على الرعاية والرفق والاستصلاح الهادئ الحكيم. أجل، يمكننا أن نفاضل بين ثقافةٍ تستقبح الزواج والإنجاب والنسل وتُسرف في الاستمتاع المتهوّر بملذّات الجسد الذي يتحوّل إلى سلعةٍ استهلاكيّةٍ سليبةِ القيمة، وثقافةٍ ترعى عهدَ الاقتران بين الرجل والمرأة وتؤمِن بمستقبل البشر المرتسم على محيّا البنات والبنين. أجل، يمكننا أن نفاضل بين ثقافةٍ تعاين في الإنجاب العشوائيّ والتكاثر العدديّ تفوّقًا حضاريًّا وعلامةً على النصر الآتي، وثقافةٍ تراعي ضرورات بقاء الجنس البشريّ، فترأف بالنسل ولا تُفرّط فيه وفي تنشئته وتربيته وتهذيبه. أجل، يمكننا أن نفاضل بين ثقافةٍ تكفّر الاختلاف وتلعن التنوّع وتُبيد الكافرين، وثقافةٍ تصون التنوّع المبنيّ على رعاية كرامة الإنسان وصون حرّيّته الذاتيّة الأصليّة. مُعتصَم الفكر المستنير في هذا كلّه العبارةُ الحضاريّةُ البليغةُ التي كُتِبت على أحد المعابد في تدمر السوريّة باللغة الآراميّة قبل 2500 سنة: «لا تَشتم إلهًا لا تَعبده»!

* مفكر لبناني


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

الفصائل العراقية تبحث عن حل عشية انتهاء المهلة الأميركية

أحد اجتماعات قوى «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء العراقية)
أحد اجتماعات قوى «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء العراقية)
TT

الفصائل العراقية تبحث عن حل عشية انتهاء المهلة الأميركية

أحد اجتماعات قوى «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء العراقية)
أحد اجتماعات قوى «الإطار التنسيقي» (وكالة الأنباء العراقية)

في تطور لافت، مع بدء العد التنازلي للمهلة التي حددتها الولايات المتحدة الأميركية للقوى السياسية العراقية، بخصوص ملف تشكيل الحكومة العراقية، دخلت الفصائل المسلحة على خط المرشحين للمنصب. وفي وقت من المقرر أن يعقد «الإطار التنسيقي» الشيعي اجتماعاً وُصِفَ بالحاسم ليلة الخميس، لغرض تحديد موقفه النهائي مما إذا كان سيمضي في ترشيح نوري المالكي لتشكيل الحكومة المقبلة، رغم «الفيتو» الأميركي، أم يكلف مرشحاً آخر للمنصب.

وتتضمن إحدى النقاط في رسالة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، التي حملها مبعوثه توم براك، الذي زار العراق مؤخراً، عدم مشاركة القوى المسلحة في الحكومة المقبلة، رغم مشاركة بعض أجنحة تلك الفصائل في الانتخابات البرلمانية، التي أجريت أواخر العام الماضي وحصلت فيها على نحو 80 مقعداً، ما يؤهلها للحصول على عدة وزارات ومواقع تنفيذية أخرى.

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع المبعوث الأميركي توم براك (أرشيفية - إعلام رئاسة الوزراء)

الفصائل المسلحة، وعبر ما تسمى «تنسيقية المقاومة العراقية»، أصدرت الأربعاء بياناً نددت فيه بما أسمته التدخل الأميركي في الشأن السياسي للعراق. وقالت إنّ «طبيعة العلاقات بين العراق والولايات المتحدة لا تقوم على مبدأ الندية بين الدول ذات السيادة، إذ لا تزال واشنطن تتدخل في الشأن الداخلي العراقي، بل وتحدد الشخصيات السياسية التي يُسمَح لها بتسنّم المناصب الحكومية أو يُستبعَد غيرها، وفقاً لمعيار الإرادة الأميركية، في إطار نهجٍ دأبت على اتّباعه ضمن سياق سياساتها الاستكبارية».

أضافت «التنسيقية» في بيانها: «من المؤكد أن الاحتلال لا يزال مستمراً في انتهاك الأجواء العراقية، سواء عبر طيرانه المسيّر أو الحربي، الأمر الذي يشكّل تهديداً أمنياً جسيماً يمسّ استقرار البلاد وسلامة أراضيها، واعتداءً صريحاً على مقتضيات السيادة وكرامة الدولة... إننا في المقاومة العراقية نؤكّد أن الولايات المتحدة لم تفِ بكامل عهودها، ولم نلمس منها أي إجراء حقيقي بتنفيذ ما تبقّى من الاتفاق المبرم مع الحكومة العراقية، القاضي بإخراج جميع القوات الأجنبية من أرض العراق وسمائه».

وتابعت مهددة بما أسمته «تحمّل مسؤولياتنا الشرعية والأخلاقية في اتخاذ المواقف التي تليق بكرامة شعبنا وحقّه المشروع في إنهاء الاحتلال، إذا ما أصرّت أميركا على إبقاء وجودها وفرض إرادتها على البلاد».

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يشهد توقيع اتفاقية بين «شيفرون» وشركة «نفط ⁠البصرة» (أرشيفية - إكس)

مأزق الإطار

وفي وقت لم تتمكن القوى الشيعية ممثلة في «الإطار التنسيقي» من حسم أمر مرشحها لمنصب رئاسة الوزراء، فإنها ورغم ترشيحها بالأغلبية رئيس الوزراء الأسبق، نوري المالكي، للمنصب فإن بعض أطرافها بدأت تتراجع بعد «الفيتو» الأميركي على المالكي، فضلاً عن المهلة الأميركية التي تنتهي الجمعة، والتي تتضمن في حال المضي في تكليف المالكي فرض عقوبات قاسية على العراق، على البنك المركزي العراقي وشركة «سومو» لتسويق النفط العراقي، وهو ما يعني العودة إلى زمن الحصار الذي فرض على العراق خلال تسعينات القرن الماضي بعد غزو النظام العراقي السابق للكويت.

في هذا السياق، من المقرر أن يعقد قادة «الإطار التنسيقي» اجتماعاً حاسماً ليلة الخميس، تشير التسريبات غير الرسمية من أجواء قوى الإطار إلى أن أهم ما سوف يتمخض عنه هو سحب ترشيح المالكي للمنصب، من دون تحديد البديل الذي ينبغي ترشيحه للمنصب. ففي الوقت الذي ترى بعض أطراف «الإطار التنسيقي» أن البديل هو رئيس الوزراء الحالي، محمد شياع السوداني، بوصفه الفائز الأول في الانتخابات، ولكونه هو من تنازل للمالكي، فضلاً عن مقبوليته لدى الجانب الأميركي, فإن أطرافاً أخرى تميل إلى معاقبة السوداني لأن تنازله للمالكي كان مفاجئاً، ولم يأخذ رأي قادة الإطار، وهو ما أدى إلى تفاقم الأزمة داخل البيت الشيعي، كما أن قسماً من قوى الإطار، لا سيما قوى السلاح، تخشى إذا شكَّل السوداني حكومة لولاية ثانية، أن يعمل على تقويض سلطاتها كونه الأقرب إلى أميركا من أي مرشح آخر للمنصب.

خرق دستوري

إلى ذلك، وفي وقت لم يتمكن الكرد من حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية، فقد عد «ائتلاف الإعمار والتنمية» الذي يتزعمه السوداني، يوم الخميس، أن استمرار تأخر انتخاب رئيس الجمهورية لما يقارب شهرين، بعد انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه، يمثل «خرقاً واضحاً للتوقيتات الدستورية التي نصّ عليها الدستور العراقي».

رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي (أرشيفية - د.ب.أ)

وقالت كتلة «الإعمار والتنمية» البرلمانية في بيان: «مضى قرابة شهرين على انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه، وفي ظل استمرار تأخر انتخاب رئيس الجمهورية، وهو ما شكّل خرقاً واضحاً للتوقيتات الدستورية التي نصّ عليها الدستور العراقي». ودعت رئاسة مجلس النواب إلى «الإسراع بعقد جلسة مخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية خلال الأسبوع المقبل، إنهاءً لمشهد تجاوز التوقيتات الدستورية وتعطيل حسم الاستحقاقات الأساسية، وتحملاً لمسؤوليتها الوطنية في إنهاء حالة التعطيل التي انعكست سلباً على أداء مؤسسات الدولة».

كما دعت الكتلة «القوى الكوردية إلى حسم مرشحها لرئاسة الجمهورية قبل موعد انعقاد الجلسة، بما يتيح المضي قدماً في استكمال بقية الاستحقاقات الدستورية، وفي مقدمتها تشكيل حكومة كاملة الصلاحيات وفقاً لنتائج الانتخابات، وقادرة على تقديم الخدمات للمواطنين، وحماية مصالح البلاد، وترسيخ الاستقرار السياسي والمؤسسي».

وأكدت أن «استمرار بقاء حكومة مقيدة الصلاحيات يشكل ضرراً مباشراً على أبناء شعبنا وعلى عمل الدولة ومؤسساتها»، مشيرة إلى أنه «في حال استمرار هذا التعطيل، فإن كتلة الإعمار والتنمية ستلجأ إلى استخدام جميع الوسائل والإجراءات الدستورية المتاحة، بما يكفل إنهاء حالة الجمود والحفاظ على المسار الدستوري الصحيح».


تجميد المفاوضات المدنية بين لبنان وإسرائيل

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس يوم 8 نوفمبر (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس يوم 8 نوفمبر (الرئاسة اللبنانية)
TT

تجميد المفاوضات المدنية بين لبنان وإسرائيل

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس يوم 8 نوفمبر (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس يوم 8 نوفمبر (الرئاسة اللبنانية)

تراجع دور لجنة «الميكانيزم» التي تم تشكيلها بعيْد وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» في العام 2024 إلى حدوده الدنيا في الأشهر القليلة الماضية. فالاجتماع الثاني للجنة في العام الحالي التأم الأربعاء في مقر قوات الـ«يونيفيل» في بلدة الناقورة بجنوب البلاد، مثله مثل الاجتماع الذي سبقه في بداية يناير (كانون الثاني)، بغياب الموفدين المدنيين الذين تم تطعيم اللجنة بهم نهاية العام الماضي، ليقتصر دورها راهناً على إدارة عسكرية - أمنية للوضع في الجنوب، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول أسباب تجميد المفاوضات المدنية بعدما كان الطرفان الأميركي والإسرائيلي يضغطان على لبنان لتسمية موفد مدني.

عناصر من الجيش اللبناني و«يونيفيل» في دورية مشتركة قرب الناقورة جنوب البلاد (أرشيفية - رويترز)

وعُقد الاجتماع الأخير للجنة في ظل توتر تشهده المنطقة الحدودية إثر محاولة إسرائيل منع الجيش اللبناني من استحداث نقاط عسكرية على الحدود لرصد التوغلات الإسرائيلية المتكررة، وتعزيز أمن المنطقة.

واللافت أن الاجتماع الذي ترأسه نائب رئيس اللجنة، الجنرال الفرنسي فالنتين سيلير، في ظل غياب رئيسها الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد، لم يشارك فيه أيضاً المندوب الإسرائيلي الذي لم يُقدّم أي أعذار، بعدما كانت قد توقفت أيضاً المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس عن المشاركة في الاجتماعات الأخيرة من دون توضيح رسمي من الولايات المتحدة الأميركية.

دفع باتجاه لجنة ثلاثية

ويرد مصدر رسمي لبناني المقاطعة الإسرائيلية لـ«الانزعاج الواضح من تحركات الجيش اللبناني في المنطقة، وقراره الحاسم باستحداث نقاط مراقبة جديدة»، مؤكداً أن الإشكالات المستجدة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي شكّلت «مادة أساسية تم البحث فيها خلال الاجتماع، وكذلك التداول في كيفية حلها، ومنع تكرارها، خاصة أن انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، وتعزيز وجوده هو قرار ورغبة دولية، ولا يمكن لإسرائيل التصدي له»، لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «لم يعد خافياً على أحد تراجع دور (الميكانيزم) في ظل مساعٍ أميركية واضحة لاستبدال لجنة ثلاثية بهذه اللجنة تضم لبنان، وإسرائيل، والولايات المتحدة الأميركية». ويضيف المصدر: «أما سبب تعليق مشاركة الموفدين المدنيين فمرده بشكل أساسي لعدم رغبة أميركية بأن تتمثل فرنسا بموفد مدني، وسعي واشنطن إلى إطار أكثر فعالية بات وجوده مرتبطاً إلى حد كبير بتطورات الوضع في المنطقة، واتضاح مصير الصراع الأميركي-الإيراني».

الرئيس عون مجتمعاً مع رئيس الوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم» السفير سيمون كرم (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

وتضم لجنة الـ«ميكانيزم» بصيغتها الراهنة ممثلين عسكريين عن لبنان، وإسرائيل، إضافة لـ«اليونيفيل»، والولايات المتحدة الأميركية، وفرنسا، وقد تم تطعيمها بمرحلة من المراحل بمفاوضيْن مدنييْن يمثلان بيروت وتل أبيب قبل تجميد مشاركتهما في اجتماعاتها.

وكانت السفارة الأميركية في بيروت حددت في وقت سابق تواريخ محددة لانعقاد اللجنة بشكل شهري بدءاً من فبراير (شباط) حتى مايو (أيار) المقبل متحدثة بوضوح عن «استمرار هذه اللقاءات كمنتدى أساسي للتنسيق العسكري بين الأطراف المشاركة»، من دون أي إشارة إلى التفاوض المدني.

أسس خاطئة للتفاوض المدني

ويوضح الأستاذ المحاضر في الجيوسياسة العميد المتقاعد خليل الحلو أن «(الميكانيزم) وُجدت لتبادل المعلومات بين لبنان وإسرائيل بهدف تطبيق القرار 1701 بحيث تُبلّغ إسرائيل الجيش اللبناني عبر اللجنة عن مواقع معينة للكشف عنها، ومعالجتها، لكن تل أبيب بقيت ولا تزال تشتكي من أن المعالجة لا تحصل كما يجب، لذلك تعمد إلى قصف مواقع معينة» مرجحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن يكون تغيب المندوب الإسرائيلي عن الاجتماع الأخير للجنة هدفه «إيصال رسالة امتعاض».

ويعتبر الحلو أنه بما يتعلق بالمفاوضات المدنية عبر «الميكانيزم» «فهي منذ البداية كانت على أسس خاطئة، إذ سمى رئيس الجمهورية السفير سيمون كرم لرفع مستوى المفاوضات، فيما إسرائيل كانت تريد منها الحديث عن علاقات اقتصادية مع لبنان بدل أن يكون النقاش أولاً لوقف الحرب، والحديث عن اتفاقية الهدنة».

مرحلة تصعيد عسكري

من جهته، يرد مدير «مركز المشرق للشؤون الاستراتيجية»، الدكتور سامي نادر، تراجع دور «الميكانيزم» لكون «الديناميكية الإقليمية سبقتها، فهذه اللجنة بتركيبتها مرتبطة بالوضع الإقليمي، حيث إن الدور الأساسي فيها للأميركيين، كما أن الصراع الأميركي- الإيراني بتجلياته كافة ينعكس عليها، من هنا فإن التركيز راهناً هو على مصير هذا الصراع ليتحدد مصير الساحة اللبنانية التي هي ساحة موازية ملحقة، وبالتالي ما يحصل هناك ينعكس تلقائياً هنا».

قائد القيادة الشمالية رافي ميل يطلع وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس والموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس على الوضع على الحدود اللبنانية (إعلام إسرائيلي - أرشيفية)

ويشرح نادر لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه اللجنة وُجدت لمراقبة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وهو اتفاق أصبح ساقطاً ومر عليه الزمن، لأن أياً من الأطراف لم يلتزم به ويحترمه»، مشيراً إلى أن «المقاربة الأميركية تقول بنزع سلاح (حزب الله) وسير لبنان بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وبالتالي بعد جلاء مصير الصراع مع إيران سيتم الدفع مجدداً بهذه المقاربة إلى الأمام».

وعن تجميد عمل المفاوضين المدنيين، يقول نادر: «نحن في مرحلة تصعيد عسكري إسرائيلي نوعي، وبالتالي لا يمكن أن تكون هناك مفاوضات مدنية في الأجواء المشحونة الراهنة».


الحكومة السورية تتبادل محتجَزين مع فصائل درزية في محافظة السويداء

لحظة تبادل السجناء والمخطوفين أمام حافلات خلال مراسم تبادل أسرى بين السلطات السورية ومقاتلين دروز على مشارف السويداء الخميس 26 فبراير (أ.ف.ب)
لحظة تبادل السجناء والمخطوفين أمام حافلات خلال مراسم تبادل أسرى بين السلطات السورية ومقاتلين دروز على مشارف السويداء الخميس 26 فبراير (أ.ف.ب)
TT

الحكومة السورية تتبادل محتجَزين مع فصائل درزية في محافظة السويداء

لحظة تبادل السجناء والمخطوفين أمام حافلات خلال مراسم تبادل أسرى بين السلطات السورية ومقاتلين دروز على مشارف السويداء الخميس 26 فبراير (أ.ف.ب)
لحظة تبادل السجناء والمخطوفين أمام حافلات خلال مراسم تبادل أسرى بين السلطات السورية ومقاتلين دروز على مشارف السويداء الخميس 26 فبراير (أ.ف.ب)

قالت مديرية الإعلام في محافظة السويداء بجنوب سوريا، إن ​الحكومة أجرت مع الفصائل الدرزية التي تسيطر على مدينة السويداء عملية لتبادل «الموقوفين والأسرى»، وهي أول عملية واسعة من نوعها بين الجانبين، منذ الاشتباكات التي شهدتها المدينة ذات الغالبية ‌الدرزية، الصيف ‌الماضي، وأسفرت ​عن ‌سقوط قتلى.

وأضافت ⁠المديرية، بحسب «رويترز»، ​أن عملية ⁠التبادل شملت إطلاق دمشق سراح 61 شخصاً من عناصر الفصائل الدرزية كانوا محتجَزين في سجن عدرا المركزي قرب العاصمة، مقابل إفراج ما ⁠تُعرف باسم «قوات الحرس ‌الوطني» التابعة لشيخ العقل حكمت الهجري عن 25 من ​عناصر الحكومة ‌السورية. وجرت عملية التبادل تحت إشراف ‌اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

لقطة جوية تظهر بقايا دبابة مدمرة في أعقاب اشتباكات دامية بين مقاتلين دروز وعشائر بدوية في مدينة السويداء ذات الأغلبية الدرزية - 25 يوليو 2025 (أرشيفية - رويترز)

واندلعت اشتباكات طائفية عنيفة في السويداء، في يوليو (تموز) الماضي، بين مقاتلين دروز ‌وعشائر بدوية. واحتدمت المواجهات، عندما أرسلت الحكومة قواتها لمحاولة احتواء الاقتتال في عاصمة المحافظة.

وأدت الاشتباكات إلى ضربات شنتها إسرائيل، التي تدعم الدروز، ضد حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع. وأُعلن وقف شامل لإطلاق النار في الشهر نفسه لإنهاء القتال، بعد عنف استمر أياماً، وأسفر عن ​مقتل ​المئات.

تجمع أفراد الأمن والمسؤولون بجوار الصليب الأحمر والحافلات التي تقل سجناء خلال مراسم تبادل الأسرى بين السلطات السورية والمقاتلين الدروز في السويداء (أ.ف.ب)

عند حاجز في بلدة المتونة الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية في ريف السويداء الشمالي، شاهد فريق «وكالة الصحافة الفرنسية» حافلتين كبيرتين أقلَّتا معتقلين من سجن درعا قرب دمشق، لدى وصولهما برفقة القوات الحكومية والصليب الأحمر الدولي، قبل أن تكملا طريقهما، برفقة سيارة إسعاف، وأخرى للصليب الأحمر الدولي، باتجاه مدينة السويداء.

وبعد وقت قصير، وصلت إلى النقطة ذاتها حافلة تقلّ محتجزين من قوات الأمن والجيش كانوا لدى «الحرس الوطني»، الفصيل المسلح في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة في السويداء.

وأفاد التلفزيون السوري الرسمي عن «انتشار أمني كثيف لقوى الأمن الداخلي والشرطة العسكرية على طريق دمشق السويداء، لتأمين عملية تبادل الموقوفين».

حافلة تقل سجناء خلال مراسم تبادل أسرى بين السلطات السورية ومقاتلين دروز في السويداء 26 فبراير (أ.ف.ب)

من جهته، أكد المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، أن الوزارة بذلت جهوداً كبيرة، خصوصاً قيادة الأمن الداخلي في السويداء، لعملية تبادل الموقوفين بين الدولة والعصابات الخارجة عن القانون.

وقال البابا لـ«الإخبارية السورية»، اليوم: «نجحنا اليوم في عملية تبادل تُدخِل الفرح على 86 عائلة سورية، ونجحنا في فكّ اختطاف وأَسْر واحتجاز 25 مواطناً سورياً كانوا مختَطَفين لدى المجموعات الخارجة عن القانون».

وكشف المتحدث باسم وزارة الداخلية، أنه تم «طلاق سراح 61 موقوفاً لدى الدولة»، مبيناً أن «هذا الأمر جاء في سياق (اتفاق عمان) لخطوات تهدئة الوضع في السويداء وعودة الحل السلمي والسياسي ضمن نطاق الوحدة الوطنية السورية».

وأضاف: «لا تزال المجموعات الخارجة عن القانون لا تريد الإفصاح عن حال المختطفين والمغيبين لديها»، مشيراً إلى جهود دولية من أجل كشف مصير المختطفين.

مسؤول من البعثة الدولية للصليب الأحمر يشرف على تنفيذ عملية التبادل بين عشائر بدوية وفصائل درزية على مشارف السويداء جنوب سوريا (سانا)

في هذه الأثناء، توجّه رئيس بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في سوريا، ستيفان ساكاليان، في بيان، بالشكر إلى «جميع الأطراف التي لعبت دوراً في لمّ شمل العائلات التي أمضت شهوراً من القلق في انتظار أقاربها».

وأمل أن تمهِّد «هذه العملية الطريق أمام عمليات إطلاق سراح أخرى محتملة وحوار بين جميع الأطراف بشأن قضايا إنسانية أخرى، بما في ذلك تحديد مصير ومكان وجود الأشخاص الذين فُقِدوا، على خلفية الأعمال العدائية في جنوب سوريا منذ شهر تموز (يوليو) 2025».

وتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار، بدءاً من 20 يوليو، لكن الوضع استمر متوتراً، والوصول إلى السويداء صعباً. ويتهم سكان دروز الحكومة بفرض حصار على مناطق خارجة عن سيطرتها، تضم عشرات الآلاف من النازحين، وهو ما تنفيه دمشق. ودخلت قوافل مساعدات عدة منذ ذاك الحين.