«مع بندق»... ندرة البراعة

«أنيمي» ينتصر للبساطة ضد التفاهة

بندق وهو يقدّم حلقاته
بندق وهو يقدّم حلقاته
TT

«مع بندق»... ندرة البراعة

بندق وهو يقدّم حلقاته
بندق وهو يقدّم حلقاته

لا تنصف «السوشيال ميديا» دائماً مَن يستحق. في أحيان، يتعمد الخواء طمس الفائدة ليشكل أحادية جاذبة تدعي محاكاة المزاج العام وتكرس نفسها بديلاً. منذ أكثر من عام، و«يوتيوب» باسم «باب الشرق» يعرض برنامجاً يتعثر في الوصول إلى الجماهير العريضة. شاب من حلب يقيم في ألمانيا، يُدعى براء إنذار، يكتب ويرسم ويؤدي صوتياً واحداً من البرامج الذكية في بلاهة هذه الأيام: «مع بندق». مقاطع «أنيمي» ذات محتوى يندُر في البراعة وسرعة البديهة.
لا يتعدى الفيديو الربع ساعة، لكن لا وقت يبدده الشاب السوري في قول أي كلام. وهو إن مرر مزحة وزج لحظات طريفة، فتلك لمسته كمكسرات على الحلوى. هذا المحتوى اللماع يصنع الفارق بين ما ينتشر بلا نكهة وما يولد مُحملاً بفرادة الابتكار، علماً بأنه ليست بالضرورة ولادته من الصفر، فقد يُبدع بما يمكن مصادفته هنا وهناك، لكنه بهذه التركيبة جديدٌ من نوعه وعصي على التقليد.
أفكاره من خارج الصندوق المزدحم بالاستهلاك والكسل. قد تلتقيها كل يوم، من دون أن تلتفت إليها لتعيرها اهتماماً. تعبُر من أمامك ولا ترمي التحية، فإذا بها في برنامج «بندق» تتفضل بالتربع على العرش.
خذ مثلاً: «شو أصل الزلغوطة؟»، ولها أسماء أخرى «زغروتة» و«زغلوطة». ينقل تعريفاً من «ويكيبيديا» بعد التساؤل عن ماهية هذا الصوت الغريب الذي نطلقه نحن العرب في الأفراح: «ولولة تصدر بالتحريك الجانبي للسان داخل الفم، على أن يكون متتابعاً». بالرسم والغرافيكس، تعرف القصة كاملة، فتشاهد والضحكة تؤنس المشاهدة.
اعلمْ أن الزلغوطة لا تكون دائماً «لولولوليش» أو «ليليليليش»، فعند الأمازيغ هي «يويويويو»، وفي السودان «ياياياياي»، وتونس «ريريريري». وهي إذ تُرفق في سوريا بـ«هنهونة» أي «آويها»، أو «أوها»، فـ«بندق» يعود بالجذور إلى ما يُحكى عن أصلها الوثني أو الهندي. عند الوثنيين لإنزال الرحمة والمطر وعند الهنود لطرد الطاقة السلبية. وما أكثرها.
الفيديو هو الاثنان معاً: المعلومة والطرح. طريقة التقديم بأهمية المحتوى، كأنهما في منافسة على الجودة. في النهاية، يكسب المُشاهد. دقائق على «يوتيوب» بحجم بحث يطول على «غوغل» وسائر الوسائل. يأتي به «بندق»، مختصراً وقتك ومضيفاً إلى معلوماتك.
ينسحب التعقيد ويحل التبسيط وما يحرك روح الدعابة. نردد أمثالاً لا نعرف أصلها من فصلها، فيختار «بندق» باقة، ويشرح. ماذا يعني المثل القائل «اللي بيعرف بيعرف واللي ما بيعرف بقول كف عدس؟» في لبنان وسوريا، نرشق الأمثال لإنقاذ موقف ودعم آخر، بلا بحث عن الحكاية والمعنى. نحفظ الموروث ونحتفظ به للوقت المناسب، كأن يعود عائدٌ إلى عاداته القديمة، فتهب حليمة ومعها المثل الذي ورد على ذهنك: «عادت حليمة لعادتها القديمة». القصة عند «بندق» لمَن يتحرك فضوله.
تدافع الفيديوهات عن نفسها ضد غزو التفاهة وترفع مكانة البساطة. «لِمَ يُعتبر الرقم 7 مميزاً؟». هل لأنه عدد أيام الأسبوع؟ عدد النوتات الموسيقية التي تبدأ بـ«دو ري مي»، أم لأنه عدد ألوان قوس القزح وعجائب الدنيا وعدد القارات والبحار والسماوات؟ ذلك يمهد لتفسيرات علمية ودينية ونفسية، تُظهر الجهد، فلا يكون الجواب لأنه رقم قميص كريستيانو رونالدو فحسب، بل لعلاقته بالحظ والسحر وما رمَزَ عند الفراعنة للخلود والأبدية، وعند الإغريق للكمال.
اختر من القائمة الطويلة ما تشاء معرفته، فحلقة تلو الأخرى تؤكد ألا شيء مصنوعاً على عجل، ولا استخفاف يطال عقول الناس. الفكرة أحياناً «غشاشة»، تُلمح إلى خفتها، لكن الشاب ابن حلب يُدعمها بما يجعلها ذات ثقل. تعبه على مادته بجمال المادة.
هل خطر لكَ البحث عن السبب خلف «الريآكشن الغريب» عند تناول الحوامض ومشتقاتها؟ جميعنا يشاهد فيديوهات أطفال يتذوقون الحامض للمرة الأولى فتمتلئ وجوههم بما يُضحك الكبار ويجعلهم يوثقون اللحظة. مع ذلك، لم يكن التفسير هَم أحد. حلقة عنوانها «ليش منفعص (نكور) وجهنا لما ناكل حامض؟»، تتضمن عناصر المشاهدة الممتعة. تبدأ بسؤال: «هل طعم الحامض بشع؟»، فجواب مُدعم بصور تُسيل اللعاب: «على العكس. الحامض لذيذ مع الفول في الصباح وحين يُعصر على الملوخية. نحب طعمه»، ليدخل التحليل دهاليز العادات المكتسبة والذوق والنشاط الاجتماعي.
«مع بندق» قريب من الناس، تنشأ معه علاقة ألفة. مَن وراءه شاب يتكلم لغة مفهومة كأنه فرد من عائلة. تدل حلقاته على الاطلاع والمعرفة، فلا يبدو ممن يسمعون درساً ويقرأون نصاً. ما لا يتمكن منه، يتقن تفاديه بالتنصل الكوميدي. له طريقته، وهي ورقته الرابحة. منها يصنع محتواه معتمداً على قراءات ومراجع، لكن أولاً على نَفَسه وحسه.
يُرغم العنوان على تكاثُر الزوار، ليس من باب الإثارة المبتذلة. كأن يقدم حلقة لا تخطر على بال: «لِمَ يعني هز الرأس عامودياً الموافقة، وأفقياً الرفض؟». للجواب، يعود بالتاريخ إلى الوراء وإجماع البشرية على لغة إيماءات جسدية موحدة: مد اليد للسلام، رفع الإبهام للإعجاب، والتصفيق عُرف للمرة الأولى في المسارح الرومانية. البرنامج متعة وثقافة، بينهما ما نشتاق إليه: الضحك.


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

عادات يجب التخلي عنها لاستعادة النشاط في الربيع

التعرض للهواء الطلق يعزز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
التعرض للهواء الطلق يعزز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
TT

عادات يجب التخلي عنها لاستعادة النشاط في الربيع

التعرض للهواء الطلق يعزز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
التعرض للهواء الطلق يعزز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)

مع انتهاء فصل الشتاء وحلول الربيع، يجد كثيرون أنفسهم مرتبطين بعادات يومية اكتسبوها خلال الأشهر الباردة، مثل قضاء وقت أطول داخل المنزل أو الإفراط في شرب القهوة. ورغم أن هذه العادات قد تبدو مريحة، فإنها غالباً ما تؤثر سلباً على مستويات الطاقة والحالة المزاجية، وتحرم الإنسان من الاستمتاع بأجواء الربيع المنعشة.

ويقدم خبراء الصحة النفسية مجموعة من العادات التي يُنصح بالتخلي عنها مع تغير الفصول، إلى جانب بدائل بسيطة تساعد على تحسين جودة الحياة وتعزيز النشاط. وحسب مجلة «Real Simple» الأميركية، تقول الدكتورة هيلاري بيلوتو، المُعالجة النفسية بالولايات المتحدة، إنه خلال الشتاء يميل الجسم بشكل طبيعي إلى النوم لفترات أطول بسبب قلة ضوء النهار، وهو أمر بيولوجي طبيعي، لكن استمرار هذه العادة مع حلول الربيع قد يحرم الجسم من فوائد ضوء الصباح، الذي يعزز إفراز السيروتونين المسؤول عن تحسين المزاج والطاقة. وتوصي بيلوتو بالالتزام بمواعيد نوم واستيقاظ منتظمة، والتعرض لضوء الشمس صباحاً لتعزيز النشاط وتحسين جودة النوم ليلاً.

شعور بالعزلة

ومع تحسن الطقس، قد يظل البعض معتادين على البقاء في الأماكن المغلقة، ما قد يؤدي إلى شعور بالعزلة والانفصال عن الحياة المحيطة. وتنصح الدكتورة كلوي بين، المُعالجة النفسية في الولايات المتحدة، بالبدء بخطوات بسيطة، مثل فتح النوافذ أو أخذ استراحة قصيرة في الخارج، أو المشي حول المنزل، فحتى التعرض القصير للهواء الطلق يعزز المزاج ويزيد الطاقة والشعور بالحيوية.

كما يزداد اللجوء إلى المشروبات الساخنة خلال الشتاء، وخصوصاً القهوة، لكن الإفراط في تناول الكافيين قد يخلق دورة من النشاط المؤقت يعقبها شعور بالتعب، ما يعيق النوم الجيد ويزيد الحاجة لمزيد من الكافيين في اليوم التالي. وينصح الخبراء بتقليل الكمية تدريجياً واستبدال القهوة بعد الظهر بمشروبات منزوعة الكافيين أو الشاي، للحفاظ على روتين نوم صحي وطاقة مستمرة طوال اليوم.

ومع قصر النهار وبرودة الطقس، يصبح البقاء في المنزل خياراً مغرياً، لكن تكرار إلغاء الخطط قد يؤدي تدريجياً إلى العزلة. ويؤكد الخبراء أن التواصل الاجتماعي ضروري لتخفيف التوتر وتعزيز الدعم النفسي، وينصحون خلال فصل الربيع بالالتزام بخطط بسيطة أو تقليل مدة اللقاءات بدلاً من إلغائها بالكامل، مع التفكير في السبب الحقيقي وراء الرغبة في البقاء في المنزل، سواء كانت حاجة للراحة أو الرغبة في تجنب التوتر.

وتعد قلة الحركة خلال الشتاء أمراً شائعاً، لكنها قد تؤثر سلباً على المزاج وتزيد مستويات التوتر. وينصح الخبراء بالبدء بخطوات صغيرة، مثل المشي لمدة قصيرة أو أداء تمارين خفيفة في المنزل، أو تخصيص دقائق قليلة للتمدد، فهذه الخطوات تساعد على بناء روتين تدريجي ومستدام وتخلق شعوراً بالإنجاز والحيوية.

كما أن تراكم الأشياء غير المرتبة في المنزل قد يزيد الضغط النفسي؛ إذ يرسل إشارات مستمرة للدماغ بوجود مهام غير مكتملة. ومع حلول الربيع، يُنصح بالتعامل مع الفوضى تدريجياً، مثل ترتيب درج واحد أو رف واحد في كل مرة، ما يعزز شعور النظام والراحة النفسية.

ورغم سهولة طلب الطعام الجاهز، فإن الاعتماد المستمر عليه قد يقلل من الوعي بنوعية الطعام الذي نتناوله ويزيد النفقات اليومية؛ لذلك يوصي الخبراء بتجهيز مكونات بسيطة في المطبخ لإعداد وجبات سريعة، مع أخذ لحظة للتفكير فيما يحتاجه الجسم فعلياً قبل طلب الطعام، سواء كانت الراحة أو التوفير في الوقت.

ويشدد الخبراء على أن الهدف ليس التخلي عن هذه العادات فجأة، بل إدخال تغييرات صغيرة ومستدامة تدريجياً. فهذه الخطوات البسيطة والمتواصلة يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً في تحسين المزاج وزيادة النشاط، والاستمتاع بأجواء الربيع بأفضل شكل ممكن.


خامات من البيئة السعودية تزين منتجات الحرفيين بتصاميم معاصرة

بعض منتوجات الحرفية ندى سمان جامعةً الجلد والتطريز (ندى سمان)
بعض منتوجات الحرفية ندى سمان جامعةً الجلد والتطريز (ندى سمان)
TT

خامات من البيئة السعودية تزين منتجات الحرفيين بتصاميم معاصرة

بعض منتوجات الحرفية ندى سمان جامعةً الجلد والتطريز (ندى سمان)
بعض منتوجات الحرفية ندى سمان جامعةً الجلد والتطريز (ندى سمان)

رغم تسارع الصناعات الحديثة وتقارب ملامح المنتجات، تمكنت جلود الإبل من حجز مكانتها في مشهد الحرف السعودية، لا بوصفها خامة تقليدية وحسب، بل بوصفها منتجاً معاصراً يجمع بين المتانة والجمال والهوية الذي يتشكل في الحقائب والمحافظ الشخصية، والقطع الفنية المزخرفة، وتبرز بوصفها خياراً يعكس روح المكان ويواكب ذائقة اليوم.

ويعرف جلد الجمل بين الحرفيين لكونه وثيق الصلة بالبيئة الصحراوية، فهو يتميز بصلابته وقدرته على التحمل، إلى جانب نسيجه الطبيعي الواضح، هذه الخصائص جعلته مادة مثالية لصناعة منتجات تعيش طويلاً، وتزداد قيمتها مع مرور الزمن.

وسط هذا الحراك تمثل الحرفية السعودية ندى سمان نموذجاً لجيلٍ أعاد اكتشاف الحرف اليدوية بوصفها مساحة للتعبير، وقالت لصحيفة «الشرق الأوسط»: «حرفة الجلود والتطريز شغف وهواية من الطفولة، كانت الألوان والخيوط هي لغتي الأولى ولعبتي المفضلة»، مشيرةً إلى أن رحلتها الفعلية بدأت بعد المرحلة الثانوية حين التحقت بالمعهد المهني، وأن ما جذبها للحرف اليدوية هو قدرتها على «تحويل لا شيء إلى شيء ذي قيمة وروح»، موضحةً أن التطريز بالنسبة لها «يمثل الصبر والدقة، فكل غرزة هي حكاية وقت وجهد».

الحرفية ندى سمان خلال إحدى ورشات العمل على الجلد (تصوير: تركي العقيلي)

وكشفت عن رحلتها مع الجلد حيث إن العمل عليه في بداياتها جاء خلال تجربة مهنية: وأضافت: «قبل سنوات قدمت ورشة تطريز لإحدى الشركات، وكان محتواها التدريبي هو التطريز على الجلد الطبيعي، فكان بالنسبة لي تحدياً، والحمد لله كانت من أجمل المخرجات، وشكلت تلك التجربة نقطة تحول، إذ فتحت أمامي باباً لاستكشاف إمكانات الجلد»، ولم تتوقف بعدها عن تطوير مهاراتها في هذا المجال.

الحرفية ندى سمان خلال العمل على الجلد (تصوير: تركي العقيلي)

وبات التوجه نحو استخدام الموارد المحلية جزءاً من وعي الحرفيين، في ظل دعم متزايد للصناعات الثقافية، ما أسهم في إعادة تقديم الخامات التقليدية بأساليب حديثة. ووفق ندى، اختيار جلد الجمل ليس عشوائياً، مؤكدةً أن هذه الخامة تمتاز بمتانة استثنائية ووضوح طبيعي للمسامات يعطي القطعة فخامة تدوم للأجيال، إلى جانب رغبتها في إحياء استخدام الموارد السعودية. وانعكس هذا التوجه في أعمالها، خصوصاً في القطع التي تمزج بين الجلد والتطريز التقليدي، وفيما يتعلق بأبرز تجاربها تقول «أكبر حقيبة نفذتها كانت حقيبة رحلات أو حقيبة رياضية، دمجت فيها بين جلد الجمل والتطريز اليدوي العسيري، وتكمن قيمتها في الجمع بين خشونة الجلد ورقة الخيوط»، وهي رسالة مفادها أن التراث يمكن أن يكون معاصراً.

جانب من الأدوات المستخدمة في إحدى ورشات العمل على الجلد (تصوير: فاطمة القحطاني)

وتمر صناعة المنتجات الجلدية بسلسلة من المراحل الدقيقة التي تتطلب مهارة وصبراً، تبدأ من اختيار جلد عالي الجودة وتنتهي بقطعة تحمل هوية متكاملة، أُخضعت لعمليات دباغة منحتها مرونة ومتانة، بعد ذلك، يصمم شكل القطعة سواء كانت حقيبة أو محفظة أو سوار أو غيرها، قبل أن تُقص باستخدام مشارط حادة لضمان نظافة الحواف. وتأتي مرحلة التثقيب باستخدام المخارز، حيث تصنع ثقوب متساوية تمهيداً للخياطة اليدوية بخيوط شمعية قوية، وهي تقنية تمنح القطعة متانة وطابعاً حرفياً، وفي بعض الأعمال، تُضاف لمسات التطريز أو الزخرفة بالحرق، لتتحول القطعة إلى عمل فني، وتختتم العملية بمرحلة التشطيب التي تشمل تنعيم الحواف وصقل الجلد وإضافة مواد تحافظ على لمعانه، قبل تركيب الإكسسوارات النهائية.

تمتد تجربة سمان من الإنتاج إلى التدريب، وتبدي فرقاً جوهرياً بين الدورين تتابع: «بصفتي حرفية أنا أتعامل مع المادة، بينما بصفتي مدربة فأنا أتعامل مع الإنسان وهدفي يتجاوز نقل المهارة إلى نقل الشغف والإلهام» معتبرةً أن متعة التدريب تكمن في رؤية أثر التعلم في عيون المتدربين.

وعن واقع الحرف التقليدية، ترى سمان أن المخاوف من اندثارها بدأت تتراجع، كاشفةً: «كنا نواجه هذا الخطر، لكن اليوم نعيش نهضة حرفية». وتعزو ذلك إلى الدعم الذي يحظى به القطاع الثقافي، ما أسهم في تحويل الحرفة إلى مساحة مفتوحة للابتكار، وبين الماضي والحاضر يبدو جلد الجمل اليوم أكثر من مجرد مادة، إنه حكاية الحرفيين، يعاد تقديمها في منتجات تحمل روح الصحراء وتخاطب العالم بلغة معاصرة.


السعودية تطلق «شمس»... أول قمر اصطناعي عربي يرصد طقس الفضاء من مدارات بعيدة

عودة الإنسان إلى القمر... وبصمة سعودية تلامس الفضاء مع القمر الاصطناعي «شمس» (وكالة الفضاء السعودية)
عودة الإنسان إلى القمر... وبصمة سعودية تلامس الفضاء مع القمر الاصطناعي «شمس» (وكالة الفضاء السعودية)
TT

السعودية تطلق «شمس»... أول قمر اصطناعي عربي يرصد طقس الفضاء من مدارات بعيدة

عودة الإنسان إلى القمر... وبصمة سعودية تلامس الفضاء مع القمر الاصطناعي «شمس» (وكالة الفضاء السعودية)
عودة الإنسان إلى القمر... وبصمة سعودية تلامس الفضاء مع القمر الاصطناعي «شمس» (وكالة الفضاء السعودية)

أعلنت وكالة الفضاء السعودية نجاح الإطلاق والتواصل مع قمرها الجديد ضمن مهمة «آرتميس 2»، وبذلك لم تعد السعودية الشريك العربي الأول في هذا البرنامج الطموح وحسب، بل قدمت للعالم أول مهمة وطنية متخصصة في سبر أغوار «طقس الفضاء».

ويمثل «شمس» محطة فارقة في مسيرة الابتكار السعودي؛ فهو إنجاز متعدد الأوائل، حيث وُلد في المختبرات السعودية بكفاءات محلية، ليتحول من طموح وطني إلى عين علمية ترصد تقلبات النشاط الشمسي وتأثيراته الإشعاعية، وحماية لمستقبل الاتصالات والملاحة العالمية. وتعد مهمة «آرتميس 2» المرحلة الثانية من برنامج «آرتميس» الذي تقوده الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا) بمشاركة دولية واسعة، وتهدف إلى إعادة الإنسان إلى محيط القمر للمرة الأولى منذ أكثر من 5 عقود، تمهيداً لمهمات مستقبلية نحو المريخ.

‏انطلاقة تاريخية لمهمة «آرتميس 2» بمشاركة السعودية (وكالة الفضاء السعودية)

وفي عام 2022، انضمت السعودية إلى اتفاقيات «آرتميس» التي أطلقتها الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا) NASA مع أكثر من 60 دولة حول العالم، لوضع إطار ينظم أنشطة استكشاف الفضاء، ولتكون السعودية جزءاً من منظومة دولية تقود مستقبل استكشاف الفضاء، وتعزز دورها بوصفها شريكاً فاعلاً في هذا القطاع.

وتحمل المهمة طاقماً مكوناً من 4 رواد فضاء في أول رحلة مأهولة تدور حول القمر، على متن مركبة «أوريون» التي تدفعها مركبة نظام الإطلاق الفضائي (SLS) أقوى مركبة يتم تشغيلها في تاريخ مهمات الفضاء حتى الآن، وتحمل على متنها القمر الاصطناعي السعودي «شمس» بوصفه إحدى الحمولات العلمية المصاحبة.

وسينتقل القمر الاصطناعي «شمس» إلى مدار بيضاوي عالٍ (HEO)، يبعد عن الأرض مسافة تتراوح ما بين 500 كيلومتر إلى 70,000 كيلومتر تقريباً، ويتيح تغطية واسعة لرصد تأثيرات النشاط الشمسي والإشعاعي، ما يعزز دراسات طقس الفضاء، وتوفير بيئة علمية متقدمة، تدعم التطبيقات الحيوية المرتبطة به.

شارة مهمة «شمس» السعودية نحو تشكيل مستقبل الفضاء لأجل البشرية (وكالة الفضاء السعودية)

مختبر فضائي لمواجهة تحديات الإشعاع والنشاط الشمسي

يهدف القمر الاصطناعي «شمس» إلى دراسة طقس الفضاء ورصد تأثيرات النشاط الشمسي والإشعاعي على الأرض عبر 4 محاور علمية متنوعة، تشمل الإشعاعات الفضائية، والأشعة السينية الشمسية، والمجال المغناطيسي للأرض، والجسيمات الشمسية عالية الطاقة، إضافة إلى جمع بيانات علمية تساعد في تطوير تقنيات حماية الرحلات الفضائية المأهولة المستقبلية، ورصد الجسيمات النشطة الشمسية والحقول المغناطيسية لفهم طقس الفضاء.

وتسهم هذه المهمة العلمية في تعزيز موثوقية واستدامة القطاعات الحيوية المرتبطة بالفضاء، مثل الاتصالات والطيران والملاحة، من خلال توفير بيانات علمية تمكّن الجهات المعنية من رفع الجاهزية التشغيلية، وتعزيز أمن البنية التحتية التقنية التي يعتمد عليها العالم في حياته اليومية.

وكشفت وكالة الفضاء السعودية أنها تستهدف من خلال هذه المهمة دعم البحث العلمي، وتطوير الحلول المستقبلية بما يعزز استدامة الخدمات المرتبطة بالفضاء، والإسهام في بناء اقتصاد معرفي مستدام عبر توطين التقنيات المتقدمة، وتحقيق مستهدفات «رؤية السعودية 2030»، إضافة إلى تعزيز مكانة السعودية عالمياً في قطاع الفضاء، وترسيخ حضورها بوصفها شريكاً فاعلاً في استكشاف الفضاء، وتطوير القدرات الوطنية، وتمكين الكفاءات السعودية في علوم وتقنيات الفضاء.

ومن المخطط أن تثمر رحلة القمر السعودي عن المساعدة في جعل الرحلات أكثر أماناً، حيث يساعد فهم طقس الفضاء في حماية الطائرات وتعزيز السلامة، ويمهد الطريق لرحلات فضائية مأهولة آمنة إلى القمر والمريخ، مما يفتح أبواب تقنيات جديدة في الطب والطاقة والعلوم تعود بالفائدة على حياتنا على الأرض.

وستنعكس بيانات SHMS (شمس) في المساعدة على التنبؤ المبكر من العواصف، التي تتسبب عادة في تعطل الإنترنت، والاتصالات الهاتفية، وإشارات الملاحة، فيما ستسهم نتائج رحلة القمر السعودي في حماية شبكات الاتصال والتطبيقات التي تستخدم يومياً، إضافة إلى استقرار الكهرباء والطاقة وحمايتها من العواصف الشمسية القوية التي تسبب انقطاع التيار الكهربائي أو تلف محطات الطاقة، بينما ستعطي مراقبة الإشعاع والرياح الشمسية تحذيرات مسبقة، مما يقلل من انقطاع الكهرباء في المنازل والمصانع.

إنجاز علمي يرسخ حضور السعودية في مسيرة استكشاف الفضاء العالمي (وكالة الفضاء السعودية)

تطوير محلي يجسد نجاح توطين التقنيات المتقدمة

طُور القمر «شمس» داخل السعودية بكفاءات وطنية، وبدعم من مبادرات برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجيستية، أحد برامج تحقيق «رؤية المملكة 2030». ونوّه الدكتور محمد التميمي الرئيس التنفيذي المكلف لوكالة الفضاء السعودية ‏بجهود فريق وكالة الفضاء السعودية، وقال في منشور على حسابه الرسمي في «إكس»: «أشكر المبدعين والمبدعات في فريق الوكالة الذي صنع هذا الإنجاز الدولي بعزيمة لا تعرف المستحيل، وجهود دؤوبة أثمرت في نجاح مهمة القمر الاصطناعي «شمس» بالشراكة مع وكالة ناسا». وأضاف: «نفخر بكفاءاتنا الوطنية التي تثبت كل يوم قدرتها على تحقيق الريادة، وتمضي بالسعودية بثقة نحو آفاق أوسع في الفضاء، ‏كما نثمن جهود فريق برنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجيستية (ندلب) على دعمهم المستمر».

من جانبه، قال المهندس جميل الغامدي الرئيس التنفيذي لبرنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجيستية، إن تطوير القمر الاصطناعي «شمس» داخل السعودية يجسد أثر مبادرات البرنامج في توطين التقنيات المتقدمة وبناء قدرات صناعية وطنية تنافسية، مؤكداً أن هذا الإنجاز يعكس تكامل الجهود الوطنية في تمكين الكفاءات وتعزيز المحتوى المحلي، بما يدعم مستهدفات «رؤية المملكة 2030».