هل باتت حكومة باشاغا خارج «الحسابات السياسية»؟

ليبيون فسروا تراجع أسهمها بفشلها في دخول العاصمة... واستمرار الاعتراف الدولي بالدبيبة

فتحي باشاغا رئيس حكومة «الاستقرار» (المكتب الإعلامي للحكومة)
فتحي باشاغا رئيس حكومة «الاستقرار» (المكتب الإعلامي للحكومة)
TT

هل باتت حكومة باشاغا خارج «الحسابات السياسية»؟

فتحي باشاغا رئيس حكومة «الاستقرار» (المكتب الإعلامي للحكومة)
فتحي باشاغا رئيس حكومة «الاستقرار» (المكتب الإعلامي للحكومة)

(تقرير إخباري)
على الرغم من النشاط الذي تبديه حكومة «الاستقرار»، برئاسة فتحي باشاغا، للتفاعل مع مطالب الليبيين، عبر قيام وزرائها بزيارات تفقدية لبعض المشروعات في المنطقة الشرقية، والتقائهم مشايخ ووجهاء بعض المدن، فإن عدداً كبيراً من المواطنين يستشعرون بأن هناك تراجعاً واضحاً في أسهم تلك الحكومة خلال الفترة الأخيرة، ما قد يجعلها «خارج الحسابات السياسية».
ويستند المؤيدون لهذا الطرح إلى جملة من الأسباب، وفي مقدمتها فشل باشاغا في دخول طرابلس ثلاث مرات، واستمرار الاعتراف الدولي بغريمه عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، وأخيراً تفاهمات رئيسي مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» بضرورة إيجاد حكومة «موحدة» جديدة لقيادة البلاد نحو الانتخابات.
بداية، رأى عضو مجلس النواب صلاح أبو شلبي، أن «الأزمة لم تتوقف عند استمرار اعتراف المجتمع الدولي بحكومة الدبيبة، أو تعثر دخول حكومة باشاغا العاصمة، وانحسار نطاق سيطرتها وتحركاتها الميدانية ببعض المناطق، بل امتد الأمر أيضاً لضعف قدرة هذه الحكومة على التأثير في أهالي تلك المناطق؛ بسبب عدم امتلاكها التمويل الكافي، الذي يؤهلها لتأمين ما يحتاجونه من خدمات وتحسين أوضاعهم المعيشة كافة».
وأوضح أبو شلبي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن المصرف المركزي في طرابلس «لم يوفر ما اعتُمد لها من ميزانية، وما تحصلت عليه من فرع المصرف في بنغازي يعد مبلغاً بسيطاً مقارنة باتساع نطاق عملها بكامل الشرق والجنوب الليبيين».
وأرجع أبو شلبي عدم الاعتراف الدولي بحكومة باشاغا «لتعاظم نفوذ الدول المتدخلة في الشأن الليبي، وتأثيرها في غالبية القرارات المهمة في الساحة»، موضحاً أن «الجميع يبحث عن مصالحه، كما اختار البعض عقد تحالفات مع حكومة الدبيبة، وربما هذا ما جعل هذه الأخيرة قادرة على الصمود، والتصدي لحكومة باشاغا».
كما أبرز أبو شلبي أنه «في ظل الصراع على السلطة التنفيذية لم يتردد بعض الدول، مع الأسف، في الاستفادة من وجود حكومة الدبيبة في مركز الحكم بالعاصمة، وذلك بعقد تحالفات تعلو فيها مصالحها على مصلحة الدولة الليبية»، مرجحاً أن يكون المسار المقبل «هو اختيار حكومة جديدة موحدة تقود البلاد نحو الانتخابات».
من جانبه، أكد عضو «ملتقى الحوار السياسي» أحمد الشركسي، أن حكومة الدبيبة تحظى بوضعية أفضل لتواجدها بالعاصمة، مركز القرار والمال بالبلاد.
وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «من يحكم طرابلس يحكم ليبيا، وهذه حقيقة معروفة للجميع. وحكومة باشاغا صممت على حكم طرابلس، وتم التوافق على اختيار باشاغا لرئاستها بصفته الرجل القوي، الذي ينتمي لأهم مدن المنطقة الغربية (مصراتة)، ويحظى بالشعبية أيضاً بالعاصمة... لكن للأسف لم تتمكن حكومته من دخول طرابلس، وبالتالي بات هناك اهتزاز لشرعيتها، وأصبح وضعها حرجاً».
ووفقاً للشركسي، وهو أحد المناوئين لحكومة الدبيبة، فإن الأتراك «هم المسؤولون عن عرقلة دخول حكومة باشاغا العاصمة؛ لأنهم اختاروا الاصطفاف مع الدبيبة، ورأوا فيه الشخصية الأنفع لهم، فدعموه بالطائرات المسيرة، وهذا كان العامل الرئيسي في إجهاض ثالث وآخر محاولة قام بها باشاغا لدخول طرابلس»، مبرزاً أن إشكاليات حكومة باشاغا «تتمثل في غياب الاستراتيجية الواضحة لها، بالنظر لعدم كفاءة بعض وزرائها، ومستشاري رئيسها».
أما بخصوص مصير حكومة باشاغا، فرجح الشركسي استمرارها «كعامل ضغط لدفع حكومة الدبيبة على الرحيل، حيث يتطلع الجميع لتشكيل حكومة جديدة موحدة تسيطر على عموم البلاد».
وأشار في هذا السياق إلى أن «حظوظ الدبيبة وباشاغا في رئاسة الحكومة (الموحدة) لا تزال موجودة، خصوصاً أن تشكيلها لن يكون بناء على اختيار الشارع، وإنما في الأغلب بناء على انتخاب ملتقى حوار سياسي جديد، أو تفاهمات مجلسي النواب والأعلى للدولة حولها».
ولم يبتعد عضو المجلس الأعلى للدولة، محمد معزب، عن الرأيين السابقين، بتأكيد أن الحديث الآن يتركز حول حكومة جديدة «موحدة».
ولفت إلى أهم النقاط التي أسهمت ربما في عدم تفعيل حكومة باشاغا، وهي وجود وزراء بها يُعرف عنهم قربهم من قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر؛ ما عزز المخاوف من أنها لن تكون متوازنة في علاقاتها بالقوى كافة داخل البلاد، مشيراً إلى أن بعض المواطنين بالمنطقة الغربية والعاصمة اعتبروها بمثابة «غزو جديد يقوده حفتر على طرابلس، ولكن بشكل سلمي عبر باشاغا».
ورأى معزب أن باشاغا «لم يلتفت للنصائح التي وُجهت له بشأن إعادة هيكلة حكومته، ليدعم فرص بسط سيطرته على البلاد، وبالتالي أخفق وصار محجماً في دائرة معينة».
في المقابل، عبر عضو مجلس النواب، ميلود الأسود، عن ثقته بأن حكومة باشاغا «سيكون لها دور واضح في المرحلة المقبلة».
وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «حكومة باشاغا هي الحكومة الشرعية، وإذا كانت هناك مطالب لأي أطراف وطنية من أجل الحوار من أي نوع، سواء بتسوية أو إعادة تشكيلها بناء على مبررات منطقية، فقد ينظر فيها».
ورأى الأسود أن ما أضعف حكومة باشاغا هو الموقف الدولي، الذي وصفه بـ«المتخاذل»، ورأى أن المستشارة الأممية السابقة ستيفاني ويليامز مثلته «برفض الاعتراف بما أقره مجلس النواب».


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

وزير الصحة السوداني لـ«الشرق الأوسط»: 11 مليار دولار خسائر القطاع الصحي بسبب الحرب

طفل سوداني فرّ من مدينة الفاشر مع عائلته يتلقى العلاج في مخيم بمدينة الطويلة (أرشيفية - أ.ب)
طفل سوداني فرّ من مدينة الفاشر مع عائلته يتلقى العلاج في مخيم بمدينة الطويلة (أرشيفية - أ.ب)
TT

وزير الصحة السوداني لـ«الشرق الأوسط»: 11 مليار دولار خسائر القطاع الصحي بسبب الحرب

طفل سوداني فرّ من مدينة الفاشر مع عائلته يتلقى العلاج في مخيم بمدينة الطويلة (أرشيفية - أ.ب)
طفل سوداني فرّ من مدينة الفاشر مع عائلته يتلقى العلاج في مخيم بمدينة الطويلة (أرشيفية - أ.ب)

واجه النظام الصحي في السودان انهياراً غير مسبوق بسبب الحرب التي اندلعت في منتصف أبريل (نيسان) 2023، وتحولت معظم المستشفيات في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى في عدد من الولايات، إلى ثكنات عسكرية، كما شهدت البلاد نقصاً حاداً في الخدمات الطبية؛ ما أدى إلى تفشٍ واسع للأوبئة وانتشار الأمراض وسوء التغذية.

وأكد وزير الصحة السوداني، هيثم محمد إبراهيم، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن حجم الخسائر في القطاع الصحي كبير جداً؛ «إذ طال الدمار جميع ولايات السودان، وشمل تخريب المستشفيات والمؤسسات الصحية ونهب الأدوية والعربات والمتحركات، إضافة إلى استهداف مباشر للكوادر الصحية».

وشدد إبراهيم، على أن «السعودية تعدّ من الداعمين الأساسيين (للسودان) بخاصة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة، لجهة المستهلكات والأجهزة الطبية والأدوية بصورة أساسية».

هيثم محمد إبراهيم وزير الصحة السوداني (الشرق الأوسط)

خسائر قطاع الصحة

وأوضح، أن «الخسائر الأولية في القطاع الصحي تقدر بنحو 11 مليار دولار، لكن التقديرات الكلية النهائية ستكون بعد نهاية الحرب؛ لأن أجزاءً كثيرة من الأراضي تخضع حالياً لسيطرة (قوات الدعم السريع)».

وكشف وزير الصحة الاتحادي، عن خطة لإعادة الإعمار لتلبية احتياجات القطاعات الصحية في البلاد تُقدر تكلفتها بنحو ملياري دولار؛ بهدف تأمين الخدمات الأساسية وإعادة تشغيل خدمات النظام الصحي في الولايات التي استعادها الجيش السوداني، لكنه نبَّه، إلى أن إعادة إعمار ما دمرّته الحرب يحتاج إلى مبالغ إضافية.

وأوضح، أن «عدد الاستهداف للمستشفيات تجاوز 500 حالة، ولا تزال المأساة مستمرة، حيث قُتل عدد من الكوادر برصاص الغدر، في حين لا يزال بعضهم قيد الإقامة الجبرية في شمال دارفور وغير قادرين على الوصول إلى ذويهم»، وشدد، على أن «إعادة بناء وتأهيل النظام الصحي في المرحلة المقبلة تتطلب ميزانيات ضخمة وجهوداً استثنائية».

نساء نازحات من الفاشر يقفن وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ في الدبّة بولاية شمال السودان (أرشيفية - أ.ب)

ونبّه الوزير، إلى أن السودان «يحتاج حالياً إلى مبلغ وقدره 300 مليون دولار، وهو الحد الأدنى لتوفير الاحتياجات الأساسية من الأدوية والمستهلكات الطبية».

الدعم السعودي

وأظهرت أرقام جديدة، أن إجمالي الدعم الإنساني والإغاثي السعودي خلال الأزمة السودانية حتى مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 تخطى الـ134 مليون دولار. وتجاوز إجمالي تبرعات الحملة الشعبية السعودية لإغاثة الشعب السوداني عبر منصة «ساهم»، أكثر من 19.4 مليون دولار، وفقاً لتقديرات رسمية حديثة، ضمن الحملة التي وجه بها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في مايو (أيار) 2023، وقفز عدد المتبرعين فوق حاجز نصف مليون متبرع، إلى أكثر من 537 ألف متبرع.

وأكد الوزير السوداني، أن «السعودية تعدّ من الداعمين الأساسيين بخاصة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة، لجهة المستهلكات والأجهزة الطبية والأدوية بصورة أساسية».

تدشين مشاريع إنسانية موَّلتها السعودية بقطاعات الصحة والمياه والإصحاح البيئي والحماية في السودان (واس)

أزمة سوء التغذية

وفيما يتعلق بأزمة «سوء التغذية»، أشار الوزير، إلى أن السودان «يُعدّ من دول إقليم شرق المتوسط ذات المعدلات المرتفعة لسوء التغذية، حيث يبلغ المعدل العام نحو 15 في المائة في المتوسط، ويرتفع في بعض الولايات ليصل إلى 30 في المائة، بخاصة في المحليات التي كانت مغلقة ولا تصلها الإعانات بانتظام، لا سيما في مناطق دارفور وأجزاء من كردفان».

ونبّه،إلى «الجهود الكبيرة تبذلها وزارة الصحة بالتعاون مع منظمة «يونيسف» ووكالات الأمم المتحدة وبرامج التغذية، حيث تم فتح أكثر من 400 منفذ للتغذية الإضافية والعلاجية في دارفور لتقديم الخدمات للمحتاجين».

من المساعدات التي قدمتها السعودية لتزويد مستشفيات حكومية في السودان بالأجهزة الطبية الحديثة (واس)

وبشأن معدلات التطعيم، أوضح، أن انخفاضها إلى أقل من 40 في المائة كان خلال عامي 2023 – 2024 نتيجة للحرب في بدايتها، إلا أن النسبة ارتفعت وتجاوزت 70 في المائة بنهاية عام 2025، وهو ما عدَّه «إنجازاً كبيراً أسهم في خفض معدلات الإصابة بالحصبة والدفتيريا»، وأكد تنفيذ حملات لقاحية لتغطية الأطفال غير المطعّمين، إلى جانب حملات لمكافحة شلل الأطفال، فضلاً عن البرامج الروتينية التي تستهدف أكثر من 9 ملايين طفل في مختلف ولايات السودان.

ضعف التمويل

ونوّه الوزير إبراهيم، إلى أن أبرز التحديات التي تواجه النظام الصحي حالياً «تتمثل في ضعف التمويل، وسد الفجوة في الاحتياجات الصحية والإنسانية المتزايدة، بخاصة في الولايات الغربية ودارفور، إلى جانب متطلبات إعادة الإعمار،وتحسين بيئة العمل لضمان عودة الخدمات للمواطنين». كما لفت، إلى «صعوبة الوصول إلى بعض المناطق في ولايات دارفور الخمس وأجزاء من كردفان؛ ما يستدعي الاعتماد بشكل أساسي على المنظمات الدولية والوطنية العاملة في الميدان».

نازحون سودانيون مصابون فرّوا من العنف في الفاشر يتلقون العلاج بعيادة مؤقتة تديرها منظمة «أطباء بلا حدود» في مدينة طويلة بشمال دارفور (رويترز)

تأمين الإمداد الدوائي

بحلول عام 2025، تحقق استقرار كامل في توفر الأدوية الأساسية، بعد تأمين أكثر من 700 صنف دوائي دون أي انقطاع، سواء لعلاج الأمراض المزمنة أو لتوفير الأدوية المنقذة للحياة. كما شهد القطاع الدوائي عودة عدد من المصانع إلى العمل، مع استكمال التشغيل الكامل لأكثر من ثلاثة مصانع، إلى جانب استعداد أربعة مصانع أخرى لبدء الإنتاج خلال الفترة المقبلة، بما يعزز استدامة الإمدادات الدوائية ويرسخ الأمن الصحي.

وفيما يتعلق بسلاسل الإمداد الدوائي، أكد وزير الصحة، حدوث تحسن ملحوظ في توفر الأدوية الأساسية؛ إذ ارتفعت نسبة الوفرة من أقل من 30 في المائة إلى أكثر من 75 في المائة، مع تراجع نسبي في ندرة الأدوية المنقذة للحياة، وأشار إلى توسع السعة التخزينية على مستوى الولايات، وافتتاح المركز الرئيسي للإمدادات الطبية في الخرطوم؛ ما زاد الطاقة الاستيعابية بنسبة تجاوزت 60 في المائة مقارنة بالفترة السابقة.

تفشي الأوبئة

وفي ظل تفاقم الأوضاع الصحية، سجّلت محلية مروي بالولاية الشمالية 79 حالة إصابة بحمى الضنك، وذلك وفقاً لآخر تقرير إحصائي صادر عن الجهات المختصة.

وأوضح وزير الصحة الاتحادي، «أن تفشي الملاريا وحمى الضنك في العاصمة وعدد من الولايات، يأتي امتداداً لموجات وبائية شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة»، مؤكداً، وجود «استراتيجية واضحة لمكافحة نواقل الأمراض». وأعلن عن «حملة كبرى لاستئصال الملاريا برعاية رئيس مجلس الوزراء خلال الفترة المقبلة، مع التأكيد على ضرورة استدامة برامج مكافحة النواقل على مستوى المحليات والوحدات الإدارية».

طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)

وتسيطر «قوات الدعم السريع» على جميع المستشفيات والمرافق الصحية، في إقليم دارفور بولاياته الخمس، وأجزاء واسعة من إقليم كردفان لكن الاشتباكات المستمرة والقصف العشوائي أثَّرا بشكل مباشر على عمل المرافق الطبية واستقرار الكوادر الصحية.

وأكد الوزير، صعوبة إيصال الخدمات الطبية إلى المناطق الواقعة خارج سيطرة الحكومة، وأشار إلى ورود تقارير تفيد بوجود شح كبير في الخدمات الصحية هناك؛ ما يتطلب تدخلات صحية وإنسانية عاجلة ومستمرة خلال المرحلة المقبلة.


الفنلندي بيكا هافيستو يعود إلى السودان من جديد مبعوثاً أممياً بديلاً للعمامرة

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومبعوثه الشخصي إلى السودان بيكا هافيستو (إعلام الأمم المتحدة)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومبعوثه الشخصي إلى السودان بيكا هافيستو (إعلام الأمم المتحدة)
TT

الفنلندي بيكا هافيستو يعود إلى السودان من جديد مبعوثاً أممياً بديلاً للعمامرة

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومبعوثه الشخصي إلى السودان بيكا هافيستو (إعلام الأمم المتحدة)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ومبعوثه الشخصي إلى السودان بيكا هافيستو (إعلام الأمم المتحدة)

رحَّب مدنيون سودانيون بتعيين وزير الخارجية الفنلندي السابق بيكا هافيستو، الذي يعود إلى السودان من جديد، مبعوثاً شخصياً للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للسودان، بعد أن كان قد شغل في وقت سابق منصب مبعوث الاتحاد الأوروبي إلى مفاوضات دارفور، وذلك خلفاً للجزائري رمطان لعمامرة الذي ظل يشغل المنصب منذ أكثر من ثلاث سنوات.

رمطان لعمامرة (الأمم المتحدة)

وأعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ذلك التعيين. وقال «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة» (صمود)، في بيان، إنه يأمل أن يكون ذلك «فرصة جديدة أمام الأمم المتحدة لتضطلع بدور أكثر فعالية في إنهاء الحرب في السودان، التي تعدّ أكبر كارثة في العالم».

وأبدى التحالف الذي يقوده رئيس الوزراء الأسبق عبد الله حمدوك، استعداده لما أطلق عليه «التعاون الإيجابي» مع المبعوث هافيستو وفريقه «من أجل الدفع بجهود إحلال السلام في السودان، لضمان تنسيق المبادرات، والضغط على أطراف الحرب من دون انحياز للقبول بهدنة إنسانية فورية غير مشروطة».

ودعا إلى تعزيز «جهود إطلاق عملية سياسية بقيادة وملكية سودانية، تستجيب لتطلعات الشعب السوداني، التي عبر عنها بوضوح في ثورة ديسمبر المجيدة، وبناء دولة مدنية، تخلص البلاد من هيمنة النظام السابق، وكل أشكال عسكرة السلطة، وتعلي من قيم الحرية والسلام والعدالة»، وفق ما جاء في البيان.

وجاء إنهاء مهمة مبعوث غوتيريش السابق، على خلفية مطالبة قوى سياسية ومدنية سودانية، بإعفائه وتعيين مبعوث شخصي بديل..

وكان غوتيريش قد عين الدبلوماسي الجزائري لعمامرة مبعوثاً له في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، لكن مهمته في السودان واجهت صعوبات عديدة، بما في ذلك اعترافه بفشله في إقناع أطراف القتال بالتفاوض ووقف إطلاق النار، فيما واجه انتقادات واتهامات «بعدم استقلاليته وانحيازه لأحد أطراف القتال»، الأمر الذي أفشل مهمته.

عبد الفتاح البرهان يستقبل لعمامرة في بورتسودان خلال زيارة سابقة (أرشيفية - مجلس السيادة السوداني)

ووفقاً لإعلام الأمم المتحدة، فإن هافيستو ظلّ طوال 40 عاماً يعمل في مجال السياسة والشؤون الدولية، وشغل مناصب عديدة، من بينها وزير خارجية بلاده فنلندا، وفي الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، وهو حالياً عضو في البرلمان الفنلندي.

وحسب النشرة، يتمتع المبعوث الشخصي الجديد «بخبرة واسعة في عمليات الوساطة والتفاوض في منطقة القرن الأفريقي والشرق الأوسط، كما يمتلك خبرة في العمل مع الأمم المتحدة».

ولا يعد عمل الرجل في ملفات «الحروب السودانية» جديداً، فقد شغل في 2006، منصب مبعوث الاتحاد الأوروبي لمحادثات السلام بين الحكومة السودانية، وحركات دارفور المتمردة وقتها، والحليفة للحكومة الآن، وذلك إبان عمل مبعوث الأمم المتحدة الشهير للسودان يان برونك، الذي أنهيت مهمته بطلب من الخرطوم.


«الاحتجاجات الفئوية»... ملاذ الليبيين حيال أوضاع معيشية خانقة

وقفة احتجاجية للموظفين في محاكم ونيابات زليتن بغرب ليبيا (نقابة العاملين بالهيئات القضائية)
وقفة احتجاجية للموظفين في محاكم ونيابات زليتن بغرب ليبيا (نقابة العاملين بالهيئات القضائية)
TT

«الاحتجاجات الفئوية»... ملاذ الليبيين حيال أوضاع معيشية خانقة

وقفة احتجاجية للموظفين في محاكم ونيابات زليتن بغرب ليبيا (نقابة العاملين بالهيئات القضائية)
وقفة احتجاجية للموظفين في محاكم ونيابات زليتن بغرب ليبيا (نقابة العاملين بالهيئات القضائية)

تصاعدت في ليبيا وتيرة الدعوات إلى «إضرابات» و«احتجاجات فئوية» بين موظفين في عدة قطاعات حكومية، بوصفها «ملاذاً أخيراً» للتعبير عن وطأة ضغوط معيشية خانقة، بل وصل الأمر إلى تداول سيناريو إضراب عام محتمل، احتجاجاً على السياسات الاقتصادية في شرق البلاد وغربها.

وخلال الأيام القليلة الماضية، أطلق المعلمون دعوة الإضراب عبر نقابتهم، التي أعلنت أن تحركها سيطول جميع المؤسسات التعليمية، احتجاجاً على تدهور الأوضاع المعيشية للمعلم، وسط أزمة اقتصادية تعيشها البلاد.

ويشير قاضي ضيف الله الحسنوني، المسؤول الإعلامي باللجنة التسييرية لنقابة المعلمين الليبية في شرق البلاد، لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الدعوة للإضراب لها مشروعيتها في ظل أوضاع معيشية خانقة، وعدم تنفيذ أحكام قضائية تخص زيادات في مرتبات المعلمين».

في السياق ذاته، أعلن موظفون في وزارة العدل والهيئات القضائية، عبر بيان صادر عن نقابتهم، الدخول في اعتصام وإضراب عام منذ يوم الأحد، مع تعليق العمل في مختلف أنحاء البلاد، للضغط على السلطة التنفيذية لتنفيذ قانون أصدره مجلس النواب العام الماضي لزيادة مرتباتهم.

وقفة احتجاجية لعمال الشركات المنسحبة والمتعثرة في مايو الماضي (الاتحاد الوطني لعمال ليبيا)

من جهته، يقول الطاهر كشير، رئيس اللجنة التسييرية للنقابة العامة لموظفي العدل والهيئات القضائية بمحاكم الاستئناف بلييبا، إن الدعوة للإضرابات تبدو منطقية في قطاعهم وقطاعات حكومية أخرى في ضوء سوء الأوضاع المعيشية، وعدم استجابة الحكومة لمطالبهم المتكررة، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» عن استجابة للإضراب في محاكم بمدن في شرق البلاد وغربها.

كما يلوح شبح الإضرابات في قطاع الكهرباء، وهو مرفق حيوي، حيث يدور حراك بين موظفي الشركة للمطالبة بصرف مرتبات متوقفة، ومستحقات وعلاوات متراكمة.

وسبق أن قال موظفون، في تسجيل مصور، إن إيقاف صرف المرتبات منذ بداية العام الحالي قد يدفعهم إلى «وقف العمل بالشركة» في حال عدم الاستجابة.

وفي خضم هذه التطورات، يتجه الاتحاد الوطني لعمال ليبيا إلى اتخاذ خطوة تصعيدية خلال اجتماعه المقرر السبت المقبل في طرابلس. ولم يستبعد رئيسه، محمد رويحة، إعلان إضراب عام يشمل مختلف المؤسسات، في ظل تردّي الأوضاع الاقتصادية. كما يعتزم الاتحاد تنفيذ وقفة احتجاجية أمام مصرف ليبيا المركزي للمطالبة بوقف «الإنفاق الموازي» خارج الميزانية من جانب الحكومتين في شرق وغرب البلاد.

وقال رئيس الاتحاد الوطني لعمال ليبيا المكلّف، لـ«الشرق الأوسط»، إن الدعوة إلى الإضرابات «لها ما يبررها» في ظل الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، مشيراً إلى تفاقم الأزمة المعيشية نتيجة ارتفاع سعر الدولار، وفساد الاعتمادات المستندية، واستمرار الإنفاق الموازي غير المنضبط في شرق البلاد وغربها.

يأتي ذلك بينما تواجه ليبيا تحديات اقتصادية ومعيشية متفاقمة، تشمل قفزة جنونية في سعر الدولار مقابل الدينار، وموجات غلاء واسعة، وتآكل القدرة الشرائية، ونقص السيولة، واضطراب الخدمات، وتثقل هذه الأزمات كاهل المواطنين وسط تعثر الإصلاحات واستمرار الانقسام السياسي.

رئيس حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب رئيس الحكومة)

ولم يستبعد مدير «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية»، خالد بوزعكوك، اتساع نطاق هذه الإضرابات والدعوات لها، التي قد تصل - وفق مؤشرات رصدها - إلى «إعلان عصيان مدني، رفضاً لقرارات مجلس النواب ومصرف ليبيا المركزي، التي ستفاقم زيادة الأسعار وتكلفة أعباء المعيشة على كاهل المواطن»، حسبما ذكر في تصريح لـ«الشرق الأوسط».

وخلال العامين الأخيرين، لم تشهد ليبيا إضرابات فئوية واسعة النطاق بالزخم الذي طبع المشهد في خريف 2023، حين مثّل اعتصام وإضراب أعضاء هيئة التدريس في 22 جامعة حكومية آخر موجة احتجاج مهني كبيرة ومنظمة، تمحورت مطالبها حول تحسين الأوضاع المعيشية، وزيادة المرتبات وتسوية الحقوق الوظيفية.

ومنذ ذلك الحين، ظلّ الحراك العمالي محدوداً وموسمياً دون تحولات تصعيدية شاملة، حتى استجدت التحركات الأخيرة للمعلمين والموظفين في الجهات العدلية.

ومع هذا الزخم من المطالبات، تظهر مخاوف من هذه الإضرابات «الفئوية»، التي تركز على ملف المرتبات، وقد عد رويحة أن «الأزمة الاقتصادية تتطلب معالجة شاملة تتجاوز المطالب القطاعية».

من جانبه، حذّر المحلل السياسي، خالد الشارف، من أن وجود حكومتين في دولة واحدة يفتح الباب أمام نمط «خطير» في إدارة الأزمات، قائم على الاستجابة الانتقائية للمطالب الاجتماعية. وأوضح أن «كل طرف قد يلجأ إلى منح زيادات وامتيازات سريعة لقطاعات محددة، ثم توظيفها سياسياً لإظهار نفسه بعدّه الأقرب للمواطنين».

تواجه ليبيا تحديات اقتصادية ومعيشية متفاقمة تشمل قفزة جنونية في سعر الدولار وموجات غلاء واسع (أ.ف.ب)

وأشار الشارف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» من أن هذا السلوك يعكس «منافسة على شراء الشرعية»، محذراً من «آثار مؤسسية عميقة، من بينها تعميق الانقسام، وخلق توقعات مرتفعة لبقية القطاعات، إضافة إلى سباق إنفاق غير مستدام»، منتهياً إلى أن «الزيادات غير المرتبطة بإصلاحات هيكلية ترفع كتلة الأجور، وتضغط على العملة، وتفاقم العجز وتوسّع الاقتصاد الموازي».

وتعيش ليبيا على وقع انقسام حكومي بين حكومة في غرب البلاد، يترأسها عبد الحميد الدبيبة، وأخرى تسيطر على شرق وجنوب البلاد برئاسة أسامة حماد، وتحظى بدعم البرلمان و«الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.