السودان «على طريق زلقة» نحو اتفاق يعيد العسكريين إلى الثكنات

«ثورة ديسمبر»... الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون

من اشتباكات الخرطوم (أ.ف.ب)
من اشتباكات الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

السودان «على طريق زلقة» نحو اتفاق يعيد العسكريين إلى الثكنات

من اشتباكات الخرطوم (أ.ف.ب)
من اشتباكات الخرطوم (أ.ف.ب)

بعدما عاد العسكريون السودانيون إلى منصة التفاوض مع تحالف المعارضة «الحرية والتغيير»، بفعل ضغوط دولية ومحلية عنيفة جداً، جرى «أخيراً» تداول تسريبات و«تلميحات» عن قرب التوصل إلى توافق ينتهي بموجبه «انقلاب» أكتوبر (تشرين الأول) 2021، وتشكيل حكومة مدنية بصلاحيات كاملة مع ذهاب العسكريين لما اصطلح عليه «مجلس الأمن والدفاع». إلا أن تلك التلميحات - التصريحات ظلت تراوح مكانها لأكثر من شهرين من دون بروز «أفق حل» للفراغ السياسي الذي يعيشه السودان منذ أكثر من سنة، في حين انقسمت القوى السياسية بين قادة العملية السياسية، وبين قادة الاحتجاجات الرافضين لأي «تفاوض، أو اعتراف، أو شراكة» مع العسكريين الذين يحكمون البلاد.
يوم 25 أكتوبر من العام الماضي، فاجأ قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، الذي يشغل أيضاً منصب رئيس «مجلس السيادة»، المواطنين السودانيين بإجراءات أطلق عليها صفة «إصلاحية»، وقال، إنه اتخذها لـ«تصحيح مسار الثورة» الذي أفسده «تشاكس المدنيين».
وبناءً على تلك الإجراءات، والقرارات، عُلّقت نصوص في «الوثيقة الدستورية» وأعلنت حالة الطوارئ في البلاد، وجرى حل كل من «مجلس السيادة» وحكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وحكومات الولايات، واعتُقل بعض الأعضاء المدنيين في «مجلس السيادة» وبعض الوزراء بمن فيهم حمدوك، وعدد من القادة السياسيين في التحالف الحاكم.
كردة فعل على تلك الإجراءات، خرج آلاف السودانيين قبل إذاعة «بيان البرهان» رفضاً للخطوة التي اعتبروها «انقلاباً عسكرياً» على الحكومة الانتقالية المدنية. بيد أن القوات الأمنية، أي الجيش والشرطة وقوات «الدعم السريع» والأمن وغيرها، واجهتهم بعنف مفرط مستخدمة الرصاص والذخيرة الحية، وقتلت منهم 3 على الأقل وأصابت أكثر من مائة آخرين بالقرب من بوابة القيادة العامة للجيش بوسط العاصمة الخرطوم.
- «بيان الانقلاب»
في منتصف نهار ذلك اليوم على وجه التقريب، تلا البرهان «بيان الانقلاب» على التلفزيون الحكومي، مشيراً فيه إلى ما أسماه «انقسامات تنذر بخطر وشيك يهدد أمن الوطن». وأعلن استيلاء القوات المسلحة على الحكم طوال المرحلة الانتقالية إلى حين تسليمه لحكومة منتخبة، كما وعد بتشكيل «حكومة كفاءات» بديلة لحكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وإكمال مؤسسات الانتقال كافة في غضون شهر.
غير أن انقلاب البرهان جوبه برفض شعبي عنيف من قبل تحالف المعارضة ولجان المقاومة الشعبية ومنظمات المجتمع المدني كافة. وعلى الفور اعتبره الاتحاد الأفريقي «انقلاباً عسكرياً» وعلّق بموجبه عضوية السودان، في حين انتقدته الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية ودول غربية، وسارعت بوقف برنامج المساعدات الاقتصادية الذي كانت خصصته لدعم الانتقال المدني في السودان.
بسبب هذه الضغوط، فشل البرهان في الإيفاء بأي من تعهداته، التي سبق أن أعلنها في بيان الانقلاب، والمتمثلة في تشكيل حكومة كفاءات وإكمال مؤسسات الانتقال، وخلق استقرار أمني واقتصادي. وإزاء هذا الفشل، اضطر الرجل إلى توقيع اتفاق مع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، نص على استعادة الحكم المدني، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتأليفه حكومة مدنية. لكن الاتفاق لم يلقَ أي سند أو تأييد شعبي، لا سيما من تحالف المعارضة «الحرية والتغيير» ولا القوى المجتمعية والشبابية؛ ما اضطر رئيس الوزراء إلى الاستقالة في 2 يناير (كانون الثاني) 2022 بخطاب بثه التلفزيون الرسمي.
قال حمدوك في خطاب استقالته، إنه حاول بقدر المستطاع تجنيب البلاد الانزلاق نحو الكارثة، بسبب الصراعات العدمية بين مكونات الانتقال، وفشل جهوده في تحقيق توافق بينها، وأضاف «قررت أن أرد إليكم أمانتكم وأعلن لكم استقالتي من منصب رئيس الوزراء، مُفسحاً المجال لآخر من بنات أو أبناء هذا الوطن المعطاء، لاستكمال قيادة وطننا، والعبور به خلال ما تبقى من عمر الانتقال نحو الدولة المدنية الديمقراطية».
- تداعيات استقالة حمدوك
إلا أن استقالة حمدوك لم تضع الحصان أمام العربة. بل نتج منها تفاقم فشل القيادة العسكرية، وتركها وحيدة تواجه نتائج الضغوط العنيفة التي ظلت تمارسها عليها القوى الدولية والإقليمية، وكذلك استمرار الحراك الشعبي المناهض، الذي لم تتوقف احتجاجاته طوال العام الماضي، ولم يفلح معه العنف المفرط الذي واجهت به القوات العسكرية المحتجين، رغم مقتل 119 محتجاً سلمياً بالرصاص، وإصابة المئات بجراح بعضها خطيرة، بل فاقم الأزمة.
وكنتيجة حتمية، تدهورت الأوضاع الأمنية في البلاد بشكل مريع. وصارت «العصابات المسلحة» تعترض طريق المواطنين وتهجم على منازلهم وتستولي على ممتلكاتهم، من دون تدخل من قوات الأمن والشرطة. وأيضاً، دخل الاقتصاد السوداني في نفق مظلم بعد توقف المعونات والدعم الذي كان يقدمه المجتمع الدولي للحكومة الانتقالية، فازدادت الأزمة الاقتصادية حدة.
أكثر من هذا، سارعت صناديق التمويل الدولية مثل البنك الدولي و«نادي باريس» إلى تجميد تعهدات مالية تقدر بمليارات الدولارات تعهدت بتقديمها إلى السودان، كما أوقف برنامج إعفاء الديون؛ ما أدى إلى غلاء طاحن وركود اقتصادي كبير، تدهورت بموجبه أسعار صرف العملة المحلية «الجنيه» بشكل غير مسبوق.
وبالتالي، اضطرت الحكومة في ضوء هذا الوضع، إلى فرض المزيد من الضرائب على المواطنين من أجل تمويل مصاريفها، ما زاد من اشتعال الغضب الشعبي. وبالفعل، دخلت البلاد في سلسلة إضرابات بين المهنيين والخدمة المدنية زادت الشلل المصابة به شللاً. بل واضطر التجار ورجال الأعمال إلى الدخول في إضرابات، وأغلقوا محالهم وتجارتهم احتجاجاً على الضرائب الباهظة المفروضة عليهم، وشوهدت المتاجر وهي مغلقة للمرة الأولى في أكثر من مدينة سودانية.
- انقسام المعارضة وفشل جمع العسكريين والمدنيين
مع تصاعد الاحتجاجات المناوئة للانقلاب، فإن الشارع المعارض انقسم على نفسه إلى مجموعتين متنافستين، هما: مجموعة «تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير» التي تقاسمت السلطة مع العسكريين قبل الانقلاب، ومجموعة الحزب الشيوعي السوداني.
«تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير» لا يرفض مبدأ التوصل إلى اتفاق مع العسكريين، بل يقول، إنه يعمل على استرداد الدولة من العسكر، ومواصلة المعارضة المدنية، وممارسة التصعيد السياسي من الجهة الأخرى، بجانب الضغط من أجل الوصول لإنهاء الانقلاب عبر التفاوض.
في المقابل، ترفض مجموعة الحزب الشيوعي و«لجان مقاومة» تتحرك تحت مسمى «تحالف قوى التغيير الجذري» التفاوض مع العسكريين من حيث المبدأ. وهي ترفع شعار «لا تفاوض، ولا شراكة، ولا اعتراف» مع العسكريين، وتزعم أنها تعمل على إسقاط الانقلاب عبر العمل السلمي وصولاً لإضراب سياسي وعصيان مدني، يسقطه ويحقق العدالة، ويعيد العسكريين إلى الثكنات، ويحاكم قتلة «الشهداء».

دقلو  -  البرهان  -  حمدوك

وفي الوسط، بين الأفرقاء المعنيين... أي «الانقلاب» و«الحرية والتغيير» و«تحالف قوى التغيير الجذري» و«شركاء السلام»، تقف «الآلية الأممية الثلاثية» المكوّنة من: «بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال في السودان، والاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية في أفريقيا (أيقاد)». وهي تقول، إنها تسهّل عملية توافق بينهم لاستعادة الانتقال الديمقراطي. وفي الواقع، أفلحت «الآلية» في جمع العسكريين والمدنيين في منزل السفير السعودي بالخرطوم علي بن حسن جعفر يوم 9 يونيو (حزيران) الماضي، وبحضور مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية مولي في - التي كانت تزور السودان حينذاك - بحث خلاله الطرفان تسوية الأزمة السودانية.
لكن البرهان، يوم 4 يوليو (تموز) الماضي، كعادته، فاجأ الأطراف السياسية مرة أخرى بإعلان خروج المؤسسة العسكرية من السياسة ورفض المشاركة في المفاوضات الجارية. وقال في خطاب بثه التلفزيون الحكومي في حينه «بعد تشكيل الحكومة التنفيذية سيُحل مجلس السيادة ويُشكل مجلس أعلى للقوات المسلحة يتولى القيادة العليا للقوات النظامية، ويكون مسؤولاً عن مهام الأمن والدفاع وما يتعلق بها من مسؤوليات بالاتفاق مع الحكومة».
وإثر ذلك البيان، توقفت المفاوضات بين العسكريين والمدنيين لفترة. ومع توقف المفاوضات، برزت مبادرات جديدة عدة لحل الأزمة السياسية، فقدمت نقابة المحامين السودانيين مبادرتها الشهيرة التي تضمنت «مسودة دستور انتقالي» لحل الأزمة وافق عليها تحالف «الحرية والتغيير» وعدد من القوى الرافضة للانقلاب، وشجّعها قائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو. كذلك، قدّمت مبادرة أخرى بقيادة الزعيم المتصوف الطيب الجد، قالت المعارضة، إنها مبادرة «أنصار نظام البشير»، وإنها لقيت التشجيع من قائد الجيش عبد الفتاح البرهان.
- مشروع نقابة المحامين
مع التوقف العلني لأي تفاوض بين العسكريين والمدنيين، خرجت للعلن تسريبات صحافية، تقول، إن الطرفين يتواصلان في السر طوال أشهر، وهو ما وصفته «الحرية والتغيير» بأنها اجتماعات «غير رسمية». وعلى الرغم من عدم الاعتراف الصريح بالتفاوض بين الطرفين، فإن التسريبات نقلت أن الطرفين توافقا على قبول «مشروع دستور نقابة المحامين» كمشروع توافقي تُبنى عليه تسوية سياسية. وهذه التسوية تقوم على تسمية رئيس وزراء مدني بصلاحيات كاملة، وتسمية مجلس سيادة مدني محدود يترأسه مدني، ويذهب العسكريون إلى مجلس «الأمن والدفاع» الذي يترأسه رئيس الوزراء المدني، وأن يسمى البرهان قائداً عاماً للجيش ومحمد حمدان دقلو قائداً لقوات الدعم السريع.
وإثر تسريب هذه المعلومات، خرج البرهان ليعلن للناس في بيان جماهيري، أن القوى السياسية قدمت «تنازلات» هي محل ترحيب بالنسبة لهم، لإخراج السودان إلى بر الأمان. وأعلن نائبه محمد حمدان دقلو ترحيبه بمبادرة نقابة المحامين كأساس للحل؛ آملاً أن تكون مدخلاً لاتفاق شامل لحل الأزمة السودانية.
المجتمعان الدولي والإقليمي رحبا أيضاً بما أمكن التوصل إليه. ونقل عن رئيس بعثة «يونتامس» فولكر بيرتيس في آخر إحاطة قدمها لمجلس الأمن الدولي، أن مسوّدة «مشروع دستور نقابة المحامين» السودانية تحظى بدعم واسع من قوى سياسية عديدة بما فيهم الجيش نفسه، مع خلافات طفيفة بشأن دور الجيش. وأردف خلال مقابلة أجرتها معه فضائية «العربية الحدث» بأن هناك اتفاقاً وشيكاً بين الأطراف على اتفاق بين الأطراف السودانية على فترة انتقالية لا تتعدى السنتين. وأعرب عن تفاؤله بقرب التوصل لتسوية للأزمة السياسية، قائلاً، إن الأجواء أصبحت أفضل مما كانت عليه قبل 3 أشهر.
- قبول غربي بـ«المسودة»
وحقاً، حظيت «المسودة» على الفور بتأييد أكثر من 9 دول غربية، على رأسها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا. وقال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بليكن في تصريحات 24 أكتوبر الماضي، إن حكومته ترحب بالمبادرات الشاملة لإيجاد مخرج من الأزمة، وإنهاء الحكم العسكري واستعادة الانتقال الديمقراطي المدني. وتعهد بممارسة كل الوسائل المتاحة ضد الذين يسعون لعرقلة التقدم باتجاه تحوين حكومة مدنية ذات مصداقية، باعتباره السبيل الوحيد لاستئناف المساعدات الدولية للسودان.
ومقابل هذا التأييد، واجهت القوى المحسوبة على النظام الإسلامي وأنصار الرئيس المعزول الذين أسقطتهم الثورة الشعبية، «المسودة» برفض واسع، واعتبروها «أجنبية» وماسة بسيادة السودان. وسيّروا تبعاً لذلك موكباً احتجاجياً إلى مقر بعثة الأمم المتحدة لدعم الانتقال (يونيتامس)، طالبت فيها بطرد البعثة ورئيسها فولكر بيرتيس، وتوعدت حال عدم شمولها في المفاوضات بتفجير البلاد، واللافت أن قوات الأمن لم تتعرض لهم بمثل ما تفعل مع المعارضين.
أما المجموعة الأخرى، «تحالف قوى التغيير الجذري» بقيادة الحزب الشيوعي، فقد أعلنت منذ وقت مبكر رفضها المطلق للمبادرة المقدمة من نقابة المحامين. وقال الحزب الشيوعي في بيان عقب لقائه مع «الآلية الثلاثية» أول من أمس، إنه أبلغ البعثة رفضه أي تسوية مع الانقلابيين، وإنه يعمل على إسقاطه عبر الانتفاضة الشعبية والعصيان المدني والإضراب السياسي الشامل، ووصف مشروع دستور نقابة المحامين «جاء منبتاً ولم يسبقه أي برنامج أو اتفاق»، واعتبر دور «الآلية الثلاثية» سلبياً.
أيضاً، أعلنت مجموعات من «لجان المقاومة الشعبية» رفضها أي تفاوض مع العسكريين، اعتبرته «بيعاً لدم الشهداء» - كما ظلت تقول في بياناتها وهتافاتها - بل رأت فيه «خيانة» من «تحالف الحرية والتغيير». وبينما فضلت مجموعات من «اللجان» الانتظار لترى شكل التسوية الجديدة التي يمكن الوصول إليها، وما إن كانت ستستجيب لتطلعات الشعب أم لا، أيّدت مجموعات أخرى من هذه «اللجان» خطوة «الحرية والتغيير». ودأبت «لجان المقاومة السودانية» على تنظيم جداول احتجاجات يومية، يتم الالتزام بها بالحرف، ويشارك فيها آلاف المحتجين في مختلف مدن السودان. وتنظر «لجان المقاومة»، التي هي كتنظيمات تغلب عليها الصبغة «الشبابية» شذراً إلى الأحزاب. وتحمّلها مسؤولية فشل الانتقال، وتتهمها بأنها تسعى للمكاسب السلطوية والسياسية على حساب مطالب الشارع السياسي وتتجاهل التضحيات العظيمة التي يقدمها يومياً، كما وصل بعضها لوصفها بـ«خيانة دم الشهداء»، وكثيراً ما تتردد الهتاف «قحاته باعو الدم»، وهي إشارة إلى اختصار اسم «تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير – قحت - ».
أما حلفاء العسكريين وشركاؤهم في الحكم حالياً، فقد انقسموا إلى مواقف عدة. ففي حين أبدى عدد من قادة حركات الكفاح المسلح، وعلى رأسهم عضو مجلس السيادة ورئيس «الجبهة الثورية» الهادي إدريس، تأييده المتحفظ لمشروع دستور المحامين، اشترطت مجموعة أخرى مشاركة في الانقلاب إشراكها في التفاوض، وحذرت من مآلات خطيرة حال عزلها وإقصائها من التسوية المزمعة.
- حل نقابة المحامين
وسط كل هذه الشحن والشحن المضاد، دأبت وسائل أعلام محلية وإقليمية، بل وسائط التواصل الاجتماعي، على إطلاق تكهنات وتوقعات، بل و«إشاعات»، تتحدث عن قرب التوصل لتسوية بين المدنيين والعسكريين، أو أن هذا ما يدور في الحقل على الأقل، لكن حصاد البيدر لا يزال غامضاً ومهدداً بفساد المحصول، فكلما اقتربت اللحظة هربت مرة أخرى.
وكلما ارتفعت وتيرة التفاؤل بين السودانيين المتعبين بقرب انتهاء الأزمة، كانت السلطات تتخذ قرارات أو إجراءات تعيدهم للتشاؤم مجدداً. ففي اليومين الماضيين، رغم التوقعات العظيمة التي أشارت إليها وسائل الإعلام بقرب التوصل لتسوية، واصلت السلطات العنف تجاه المحتجين السلميين؛ ما أدى إلى مقتل محتج واحد على الأقل بالرصاص الأسبوع الماضي، ليبلغ العدد 119 محتجاً سلمياً امتدت إليهم رصاصات غادرة، لم يجرِ أي تحقيق عن مقتلهم ولم توجه اتهامات لأحد.
ومن بين «الرصاصات» التي أطلقت باتجاه أنصار التسوية، أصدرت لجنة تابعة لـ«مجلس السيادة» أول من أمس، قراراً حلت بموجبه «نقابة المحامين» التي قدمت الدستور، وأمرت بإعادتها لأنصار البشير. كما لم تتدخل السلطات الأمنية لحماية المحامين الذين هاجمهم المتشددون الإسلاميون في دارهم، وهو ما وصفه فولكر بيرتيس أول من أمس بأنه «إشارة واضحة مرسلة، ضد الجهود الجارية للتوصل إلى إجماع مقبول بين القوى السياسية والعسكريين نحو انتقال ديمقراطي حقيقي في السودان». وتابع، أن اللجنة التسييرية لنقابة المحامين السودانيين، لعبت دوراً مهماً في الدعوة إلى خطاب شامل في سياق العملية السياسية الحالية بغض النظر عن وضعها القانوني.
ولذلك؛ لا يعرف أحد – أو يستطيع التكهن - بما يمكن أن يحدث غداً، فأرض الأزمة السودانية «زلقة» ومليئة بالمطبات، فكلما خرجت من حفرة وقعت في الأخرى، وكلما لاحت بارقة أعقبتها ظلمة، في حين يظل شعب السودان «يضرس بينما يأكل آباؤه الحصرم».
- البرهان نسف في يوليو «لجنة تواصل» بين العسكريين والمدنيين
> شارك الطرفان، العسكري والمدني، في الاجتماع الذي دعت إليه «الآلية الأممية» لجمع العسكريين والمدنيين في منزل السفير السعودي بالخرطوم يوم 9 يونيو (حزيران) الماضي، بهدف بحث تسوية الأزمة السودانية. ولقد شارك الطرفان بممثلين رفيعي المستوى، فمثّل الجانب العسكري كل من نائب رئيس «مجلس السيادة» محمد حمدان دقلو وعضوي «مجلس السيادة» شمس الدين كباشي وإبراهيم جابر. أما الجانب المدني، فتمثّل بقادة «تحالف الحرية والتغيير»، وهم الواثق البرير، أمين عام حزب الأمة القومي، وياسر عرمان، القيادي في الحركة الشعبية لتحرير السودان، وطه عثمان، عضو تجمع المهنيين، ووجدي صالح عن حزب البعث العربي الاشتراكي.
ويومها عُد اجتماع «الحرية والتغيير» بالعسكريين الذي عقد بوساطة أميركية وسعودية تقدماً نسبياً؛ لأنه كان الأول بين الطرفين منذ انقلاب أكتوبر. وقد وصفه محللون وقتها بأنه «خطوة لاستعادة الثقة المفقودة بين الطرفين»، وتأكيد على رغبة طرفيه الدخول في مسار تفاوضي، يقود لإنهاء الأزمة السياسية. وخرج ذلك الاجتماع يومذاك - قبل أن ينسفه موقف قاد الجيش عبد اللطيف البرهان في يوليو (تموز) - بتسمية «لجنة تواصل» من شخصين، هما شمس الدين كباشي من العسكريين، وطه عثمان من «الحرية والتغيير» بمشاركة ممثلين للمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة؛ بهدف إجراء المشاورات على الدستور الجديد، وهياكل الحكم والإصلاح الأمني والعسكري.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

هجمات متبادلة بالمسيّرات بين الجيش السوداني و«الدعم السريع»

من الأضرار التي أصابت مستشفى الضعين في قصف سابق (الشرق الأوسط)
من الأضرار التي أصابت مستشفى الضعين في قصف سابق (الشرق الأوسط)
TT

هجمات متبادلة بالمسيّرات بين الجيش السوداني و«الدعم السريع»

من الأضرار التي أصابت مستشفى الضعين في قصف سابق (الشرق الأوسط)
من الأضرار التي أصابت مستشفى الضعين في قصف سابق (الشرق الأوسط)

قصفت طائرة مُسيّرة تابعة للجيش السوداني المستشفى العام في مدينة الضعين بشرق دارفور، مساء أول يوم في عيد الفطر، مما أدى إلى مقتل 39 شخصاً على الأقل وإصابة العشرات، وفق ما أفاد به تحالف «تأسيس» الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، وشهود عيان.

واتهم التحالف، في بيان صحافي، يوم السبت، الجيش بأنه وراء «الغارة الجوية التي طالت مستشفى الضعين التعليمي، وأوقعت عشرات الضحايا من المدنيين غالبيتهم من النساء والأطفال». وقال في البيان إن «39 شخصاً على الأقل قُتلوا، بينهم 12 طفلاً و6 نساء جراء القصف بالطيران المُسيّر الذي استهدف عنابر الأطفال والنساء، في حين بلغ عدد الجرحى أكثر من 78، معظمهم إصابات خطرة جداً».

وذكر البيان: «لا تزال عمليات انتشال الضحايا من تحت أنقاض المستشفى المدمر مستمرة في ظل أوضاع إنسانية بالغة التعقيد».

وأفاد موقع «دارفور 24» الإخباري، بأن الغارة نُفّذت بعد ساعات من زيارة رئيس الإدارة المدنية محمد إدريس خاطر، ولجنة أمن الولاية لجرحى «قوات الدعم السريع» من جبهات القتال في كردفان بالمستشفى ذاته لتقديم التهنئة بعيد الفطر وكذلك الدعم المالي. وقال سكان محليون لـ«دارفور 24»، إنهم سمعوا صوت طائرة تحلّق في سماء المدينة مساء الجمعة قبل أن تطلق صاروخاً من الشرق نحو الغرب، تلاه وميض وصوت انفجار ضخم هز أرجاء المدينة. وأضاف شهود العيان: «عندما هرع السكان لإنقاذ الضحايا استهدفت الطائرة المستشفى للمرة الثانية، مما اضطرهم إلى الفرار بعيداً عن الموقع».

ووفقاً أيضاً لشهود عيان تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، دوى انفجار قوي في محيط المستشفى بعد وقت قليل من مشاهدتهم طائرة مسيّرة كانت تحلّق في سماء المدينة. وأفاد أحد السكان في الضعين بأنه سمع صوت القصف، ورأى غباراً كثيفاً يتصاعد قرب المستشفى.

وتشهد الضعين التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» منذ اندلاع الحرب استهدافاً متكرراً من الطيران الحربي للجيش السوداني، ففي أغسطس (آب) 2024، تعرّض المستشفى ذاته لغارة بطيران مسيّر، مما أدى إلى مقتل 15 شخصاً على الأقل، وإصابة العشرات، بينهم أطفال وكبار السن، وخروج المستشفى لأشهر طويلة عن العمل.

من جانبه، قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في السودان (أوتشا)، إنه يشعر بالصدمة إزاء الهجوم الذي وقع على مستشفى في شرق دارفور، الذي أسفر عن مقتل العشرات، بينهم أطفال، وأصاب آخرين. وأضاف في تدوينة على منصة «إكس» أن «مثل هذه الهجمات غير مقبولة، وتجب حماية المدنيين والعاملين في مجال الرعاية الصحية، لا استهدافهم». وحض «أوتشا» أطراف النزاع في السودان على احترام القانون الإنساني الدولية.

استهداف الفاشر

جرحى أُصيبوا خلال معارك الفاشر في وقت سابق يخضعون للعلاج بمستشفى ميداني شمال دارفور (رويترز)

كما قُتل 23 شخصاً، وأُصيب 35 آخرون في غارة جوية متزامنة استهدفت سوق مدينة الفاشر في شمال إقليم دارفور، ولا تزال عمليات الإسعاف والحصر جارية، حسب بيان تحالف «تأسيس» الذي توعّد «برد قاسٍ وحاسم يوازي حجم هذه الجريمة».

وطالب التحالف المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية بإجراء تحقيقات شفافة إزاء هذه الأحداث.

بدوره، قال المتحدث الرسمي باسم «قوات الدعم السريع»، الفتاح قرشي، إن «استهداف الأطفال الأبرياء بهذه الوحشية ممارسة ممنهجة ترقى إلى جرائم إبادة جماعية تستوجب الردع ووضع حد لها بكل الوسائل المشروعة».

وأضاف في بيان صحافي على منصة «تلغرام»: «تؤكد قواتنا أن خياراتها ستظل مفتوحة للرد على هذه الجرائم، في إطار ما يكفله القانون من حق مشروع في حماية المدنيين».

هجوم على الدبة

أُسر سودانية نازحة من الفاشر تتزاحم على إمدادات غذائية داخل مخيم في مدينة الدبة بالولاية الشمالية (أ.ب)

وكانت مسيّرات تابعة لــ«قوات الدعم السريع» قد شنّت، في وقت متأخر من مساء الجمعة، هجمات مكثفة على مواقع في مدينة الدبة شمال البلاد، مما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن المدينة.

وجاءت هذه الغارات بعد ساعات قليلة من هجمات مماثلة كانت قد شنتها صباح اليوم نفسه على المدينة، مستهدفة محطة كهرباء وكلية الهندسة التابعة لجامعة دنقلا، مما تسبّب في إصابة ثلاثة أشخاص بجروح طفيفة متفاوتة.

لكن تقارير محلية أفادت بأن غارات «الدعم السريع» استهدفت قوات مساندة للجيش السوداني تتخذ من بعض المواقع المدنية ثكنات عسكرية ومخازن للسلاح.

وكان مسؤول محلي في حكومة ولاية الشمالية قد أفاد، في تصريحات، بأن المضادات الأرضية التابعة للجيش تصدَّت لمسيّرات استراتيجية في سماء المدينة، وأن الجيش والقوات النظامية المساندة له على أهبة الاستعداد لرد أي عدوان يطول مدينة الدبة.

ولم يصدر أي تعليق رسمي من «قوات الدعم السريع» على استهداف الدبة، لكنها سبقت أن شنت غارات عديدة على المدينة خلال العام الماضي، تسببت في تدمير متكرر لمحطة الكهرباء الرئيسية التي تغذّي مناطق واسعة في البلاد.

وتقع مدينة الدبة عند منحى نهر النيل في الولاية الشمالية، ويسكنها عشرات الآلاف، وتضم معسكرات للنازحين الذين فروا من القتال في إقليم دارفور بعد سيطرة «قوات الدعم السريع» عليه بالكامل.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

موريتانيا: مطالب للحكومة بالتحرك بعد إعدام مواطنين في مالي

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

حمل حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، أكبر أحزاب المعارضة في موريتانيا، اليوم السبت، حكومة بلاده مسؤولياتها الكاملة في حماية المواطنين، وصون كرامتهم داخل الوطن، وخارجه. ودعا الحزب في بيان أصدره قبل قليل، بعد الإعلان رسمياً عن إعدام الجيش في مالي ثلاثة مواطنين موريتانيين من رعاة الماشية قرب الحدود المشتركة بين البلدين، إلى اتخاذ الإجراءات الدبلوماسية والقانونية اللازمة لمحاسبة المسؤولين عن هذه الجريمة البشعة.

وطالب الحزب الحكومة بضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات مستقبلاً، ودعا إلى فتح تحقيق عاجل وشفاف لكشف ملابسات الحادث، وتقديم الجناة للعدالة دون تهاون.

وقال إن ما حصل «جريمة مروعة عندما أقدمت عناصر من الجيش المالي على إعدام مواطنين موريتانيين عزل»، من سكان بلدية بغداد التابعة لولاية الحوض الغربي، «في انتهاك صارخ لعلاقات الأخوة، وحسن الجوار، وكل القوانين الدولية، والأعراف الإنسانية التي تدعو للحفاظ على حرمة الأرواح البريئة».

وأكد الحزب أن «هذا العمل الإجرامي لا يمكن تبريره بأي حال من الأحوال، ويشكل تصعيداً خطيراً يستوجب موقفا رسمياً حازماً، وواضحاً، يرقى إلى حجم الفاجعة، التي ألمت بسكان هذه القرية المسالمة».

ولم تعلق الحكومة الموريتانية على هذا الحادث، الذي يأتي بعد أقل من أسبوع على إعدام ستة مدنيين موريتانيين كانوا في طريقهم إلى أحد الأسواق الأسبوعية التجارية في مالي.

يشار إلى أنه تكررت عمليات قتل وإعدام المواطنين الموريتانيين من قبل الجيش المالي، وميليشيات «فاغنر» الروسية المتحالفة معه داخل الأراضي المالية، وعلى طول الشريط الحدودي بين مالي وموريتانيا منذ 2022، والتي راح ضحيتها العشرات من التجار، والرعاة، والمسافرين المدنيين.


ليبيا: تسمية مبنى أثري في طرابلس تعيد فتح جراح «الحقبة الاستعمارية»

مبنى غاليري «دي بونو» التاريخي في طرابلس (لقطة من تسجيل مصور لمنصة تابعة لحكومة «الوحدة»)
مبنى غاليري «دي بونو» التاريخي في طرابلس (لقطة من تسجيل مصور لمنصة تابعة لحكومة «الوحدة»)
TT

ليبيا: تسمية مبنى أثري في طرابلس تعيد فتح جراح «الحقبة الاستعمارية»

مبنى غاليري «دي بونو» التاريخي في طرابلس (لقطة من تسجيل مصور لمنصة تابعة لحكومة «الوحدة»)
مبنى غاليري «دي بونو» التاريخي في طرابلس (لقطة من تسجيل مصور لمنصة تابعة لحكومة «الوحدة»)

أشعل «إرث الاستعمار الإيطالي» في ليبيا نقاشاً واسعاً بعد إعادة افتتاح مبنى أثري في العاصمة، يحمل اسم الحاكم الإيطالي لـ«إقليم طرابلس» سابقاً، إميليو دي بونو، وزير المستعمرات خلال الحقبة الاستعمارية (1911 - 1943)، والمعروف بـ«سياسات القمع العسكري».

وعلى وقع حالة من الجدل، أطلقت بلدية طرابلس في وقت مبكر، السبت، استطلاعاً للرأي العام حول إمكانية تغيير اسم المبنى بهدف مشاركة المواطنين الرأي، مؤكدة في بيان رسمي أن «المواطنين والمقيمين مدعوون لإبداء مقترحاتهم حول الأسماء البديلة المناسبة، بما ينسجم مع البعد التاريخي والثقافي للعاصمة، ويعكس خصوصيتها الحضارية».

مبنى غاليري «دي بونو» التاريخي في طرابلس (منصة تابعة لحكومة الوحدة)

غير أن الباحث والأكاديمي المتخصص في التاريخ، الدكتور فرج نجم، وصف هذه الخطوة بأنها «غير منطقية وتحمل إشارات على مزيد من التخبط الحكومي»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «تسمية هذه المباني يجب أن تخضع لرؤية شاملة تضم لجنة وطنية جامعة من أساتذة التاريخ والخبراء، وليس لآراء المواطنين، وبعيداً عن أي انحياز سياسي أو حكومي»، موضحاً أن الجدل حول أسماء المباني التاريخية، الذي أظهره هذا المبنى في العاصمة طرابلس، «يُعد ضمن أعراض الانقسام السياسي المستمر بين غرب وشرق ليبيا، ويمتد إلى مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية، وصولاً إلى التاريخ الليبي ومحطاته المفصلية».

وأُثير نقاش حاد على منصات التواصل الاجتماعي، فتح جراح «الحقبة الاستعمارية»، وذلك بعد إعادة افتتاح المبنى، الأسبوع الماضي، عقب عمليات ترميم وصيانة واسعة، في حفل حضره السفير الإيطالي لدى ليبيا، جيان لوكا ألبريني.

واعتبرت «الحركة الوطنية الشعبية» تسمية المبنى باسم دي بونو «اعتداءً على الكرامة الوطنية، واستخفافاً بإرادة الشعب وتاريخه النضالي»، مطالبة بتغييره ليحمل اسم أحد شهداء أو رموز الجهاد الوطني.

وعلّق عضو «الحوار الوطني» الليبي، عبد الله عثمان، عبر حسابه على «فيسبوك»، بأن «معركة الأسماء ليست مسألة شكلية، بل صراع على الرواية: فمن يكتب اسم المكان يكتب تاريخه، ومن يفرض لافتته يعيد تشكيل الهوية في صمت».

الدبيبة ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني في لقاء سابق بطرابلس (مكتب الدبيبة)

كما انتقدت عضوة «المؤتمر الوطني العام» السابق، نادية الراشد، التسمية، واعتبرتها «إعادة للذاكرة الحزينة للحقبة السوداء»، مستنكرة الاحتفال بالاسم نفسه «وكأنه ترضية لإيطاليا، وإعادة نشر صور لمعسكرات احتجاز الليبيين خلال الحقبة الاستعمارية».

وبثت بعض الصفحات المحلية على مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع مصورة تظهر حالة الاستياء من إطلاق اسم الحاكم الإيطالي على المبنى.

من جانبه، اقترح الكاتب الصحافي الليبي، بشير زعبية، عبر حسابه على «فيسبوك»، أن يحمل المبنى الاسم الجديد «رواق الاستقلال»، في إشارة إلى موقعه بين شارعي «الاستقلال» و«24 ديسمبر».

ويقع المبنى المعروف باسم «جاليري دي بونو» في ساحة الجزائر، وسط طرابلس، وقد شُيّد عام 1931، وسُمّي باسم الحاكم العسكري المرتبط بسياسات «القمع العسكري وتوطين المستعمرين، ومصادرة الأراضي من السكان المحليين»، وفق مؤرخين.

ويُظهر الجدل حول «جاليري دي بونو» أن تسمية الأماكن العامة في ليبيا لا تزال حساسة، وتعكس صراعاً مستمراً بين الحفاظ على الهوية الوطنية واستحضار الذاكرة التاريخية، في بلد ما زال يعالج إرث الاستعمار الإيطالي.

ويقول الباحث والأكاديمي الليبي المتخصص في التاريخ إن «موضوع المبنى هذا يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول تعددية الرؤى للتاريخ الليبي في فترات مختلفة»، مستشهداً بمسألة «استقلال ليبيا» عام 1951، «الذي يعتبره البعض استقلالاً كاملاً بينما يراه آخرون ناقصاً».

وفي 2008 وقّع الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، والرئيس الإيطالي سيلفيو برلسكوني، «معاهدة الصداقة والشراكة والتعاون»، التي تضمنت اعتذاراً رسمياً عن فترة الاستعمار وإقراراً بالأضرار التاريخية، بما في ذلك مصادرة الأراضي، والقمع العسكري، والتهجير القسري، إلى جانب التزام إيطاليا بدفع 5 مليارات دولار على مدى 25 عاماً لتمويل مشروعات تنموية وبنية تحتية، في خطوة اعتبرت تحويلاً لمسار التعويضات التاريخية إلى تفاوض سياسي واقتصادي.