السودان «على طريق زلقة» نحو اتفاق يعيد العسكريين إلى الثكنات

«ثورة ديسمبر»... الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون

من اشتباكات الخرطوم (أ.ف.ب)
من اشتباكات الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

السودان «على طريق زلقة» نحو اتفاق يعيد العسكريين إلى الثكنات

من اشتباكات الخرطوم (أ.ف.ب)
من اشتباكات الخرطوم (أ.ف.ب)

بعدما عاد العسكريون السودانيون إلى منصة التفاوض مع تحالف المعارضة «الحرية والتغيير»، بفعل ضغوط دولية ومحلية عنيفة جداً، جرى «أخيراً» تداول تسريبات و«تلميحات» عن قرب التوصل إلى توافق ينتهي بموجبه «انقلاب» أكتوبر (تشرين الأول) 2021، وتشكيل حكومة مدنية بصلاحيات كاملة مع ذهاب العسكريين لما اصطلح عليه «مجلس الأمن والدفاع». إلا أن تلك التلميحات - التصريحات ظلت تراوح مكانها لأكثر من شهرين من دون بروز «أفق حل» للفراغ السياسي الذي يعيشه السودان منذ أكثر من سنة، في حين انقسمت القوى السياسية بين قادة العملية السياسية، وبين قادة الاحتجاجات الرافضين لأي «تفاوض، أو اعتراف، أو شراكة» مع العسكريين الذين يحكمون البلاد.
يوم 25 أكتوبر من العام الماضي، فاجأ قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، الذي يشغل أيضاً منصب رئيس «مجلس السيادة»، المواطنين السودانيين بإجراءات أطلق عليها صفة «إصلاحية»، وقال، إنه اتخذها لـ«تصحيح مسار الثورة» الذي أفسده «تشاكس المدنيين».
وبناءً على تلك الإجراءات، والقرارات، عُلّقت نصوص في «الوثيقة الدستورية» وأعلنت حالة الطوارئ في البلاد، وجرى حل كل من «مجلس السيادة» وحكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وحكومات الولايات، واعتُقل بعض الأعضاء المدنيين في «مجلس السيادة» وبعض الوزراء بمن فيهم حمدوك، وعدد من القادة السياسيين في التحالف الحاكم.
كردة فعل على تلك الإجراءات، خرج آلاف السودانيين قبل إذاعة «بيان البرهان» رفضاً للخطوة التي اعتبروها «انقلاباً عسكرياً» على الحكومة الانتقالية المدنية. بيد أن القوات الأمنية، أي الجيش والشرطة وقوات «الدعم السريع» والأمن وغيرها، واجهتهم بعنف مفرط مستخدمة الرصاص والذخيرة الحية، وقتلت منهم 3 على الأقل وأصابت أكثر من مائة آخرين بالقرب من بوابة القيادة العامة للجيش بوسط العاصمة الخرطوم.
- «بيان الانقلاب»
في منتصف نهار ذلك اليوم على وجه التقريب، تلا البرهان «بيان الانقلاب» على التلفزيون الحكومي، مشيراً فيه إلى ما أسماه «انقسامات تنذر بخطر وشيك يهدد أمن الوطن». وأعلن استيلاء القوات المسلحة على الحكم طوال المرحلة الانتقالية إلى حين تسليمه لحكومة منتخبة، كما وعد بتشكيل «حكومة كفاءات» بديلة لحكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وإكمال مؤسسات الانتقال كافة في غضون شهر.
غير أن انقلاب البرهان جوبه برفض شعبي عنيف من قبل تحالف المعارضة ولجان المقاومة الشعبية ومنظمات المجتمع المدني كافة. وعلى الفور اعتبره الاتحاد الأفريقي «انقلاباً عسكرياً» وعلّق بموجبه عضوية السودان، في حين انتقدته الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية ودول غربية، وسارعت بوقف برنامج المساعدات الاقتصادية الذي كانت خصصته لدعم الانتقال المدني في السودان.
بسبب هذه الضغوط، فشل البرهان في الإيفاء بأي من تعهداته، التي سبق أن أعلنها في بيان الانقلاب، والمتمثلة في تشكيل حكومة كفاءات وإكمال مؤسسات الانتقال، وخلق استقرار أمني واقتصادي. وإزاء هذا الفشل، اضطر الرجل إلى توقيع اتفاق مع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، نص على استعادة الحكم المدني، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتأليفه حكومة مدنية. لكن الاتفاق لم يلقَ أي سند أو تأييد شعبي، لا سيما من تحالف المعارضة «الحرية والتغيير» ولا القوى المجتمعية والشبابية؛ ما اضطر رئيس الوزراء إلى الاستقالة في 2 يناير (كانون الثاني) 2022 بخطاب بثه التلفزيون الرسمي.
قال حمدوك في خطاب استقالته، إنه حاول بقدر المستطاع تجنيب البلاد الانزلاق نحو الكارثة، بسبب الصراعات العدمية بين مكونات الانتقال، وفشل جهوده في تحقيق توافق بينها، وأضاف «قررت أن أرد إليكم أمانتكم وأعلن لكم استقالتي من منصب رئيس الوزراء، مُفسحاً المجال لآخر من بنات أو أبناء هذا الوطن المعطاء، لاستكمال قيادة وطننا، والعبور به خلال ما تبقى من عمر الانتقال نحو الدولة المدنية الديمقراطية».
- تداعيات استقالة حمدوك
إلا أن استقالة حمدوك لم تضع الحصان أمام العربة. بل نتج منها تفاقم فشل القيادة العسكرية، وتركها وحيدة تواجه نتائج الضغوط العنيفة التي ظلت تمارسها عليها القوى الدولية والإقليمية، وكذلك استمرار الحراك الشعبي المناهض، الذي لم تتوقف احتجاجاته طوال العام الماضي، ولم يفلح معه العنف المفرط الذي واجهت به القوات العسكرية المحتجين، رغم مقتل 119 محتجاً سلمياً بالرصاص، وإصابة المئات بجراح بعضها خطيرة، بل فاقم الأزمة.
وكنتيجة حتمية، تدهورت الأوضاع الأمنية في البلاد بشكل مريع. وصارت «العصابات المسلحة» تعترض طريق المواطنين وتهجم على منازلهم وتستولي على ممتلكاتهم، من دون تدخل من قوات الأمن والشرطة. وأيضاً، دخل الاقتصاد السوداني في نفق مظلم بعد توقف المعونات والدعم الذي كان يقدمه المجتمع الدولي للحكومة الانتقالية، فازدادت الأزمة الاقتصادية حدة.
أكثر من هذا، سارعت صناديق التمويل الدولية مثل البنك الدولي و«نادي باريس» إلى تجميد تعهدات مالية تقدر بمليارات الدولارات تعهدت بتقديمها إلى السودان، كما أوقف برنامج إعفاء الديون؛ ما أدى إلى غلاء طاحن وركود اقتصادي كبير، تدهورت بموجبه أسعار صرف العملة المحلية «الجنيه» بشكل غير مسبوق.
وبالتالي، اضطرت الحكومة في ضوء هذا الوضع، إلى فرض المزيد من الضرائب على المواطنين من أجل تمويل مصاريفها، ما زاد من اشتعال الغضب الشعبي. وبالفعل، دخلت البلاد في سلسلة إضرابات بين المهنيين والخدمة المدنية زادت الشلل المصابة به شللاً. بل واضطر التجار ورجال الأعمال إلى الدخول في إضرابات، وأغلقوا محالهم وتجارتهم احتجاجاً على الضرائب الباهظة المفروضة عليهم، وشوهدت المتاجر وهي مغلقة للمرة الأولى في أكثر من مدينة سودانية.
- انقسام المعارضة وفشل جمع العسكريين والمدنيين
مع تصاعد الاحتجاجات المناوئة للانقلاب، فإن الشارع المعارض انقسم على نفسه إلى مجموعتين متنافستين، هما: مجموعة «تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير» التي تقاسمت السلطة مع العسكريين قبل الانقلاب، ومجموعة الحزب الشيوعي السوداني.
«تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير» لا يرفض مبدأ التوصل إلى اتفاق مع العسكريين، بل يقول، إنه يعمل على استرداد الدولة من العسكر، ومواصلة المعارضة المدنية، وممارسة التصعيد السياسي من الجهة الأخرى، بجانب الضغط من أجل الوصول لإنهاء الانقلاب عبر التفاوض.
في المقابل، ترفض مجموعة الحزب الشيوعي و«لجان مقاومة» تتحرك تحت مسمى «تحالف قوى التغيير الجذري» التفاوض مع العسكريين من حيث المبدأ. وهي ترفع شعار «لا تفاوض، ولا شراكة، ولا اعتراف» مع العسكريين، وتزعم أنها تعمل على إسقاط الانقلاب عبر العمل السلمي وصولاً لإضراب سياسي وعصيان مدني، يسقطه ويحقق العدالة، ويعيد العسكريين إلى الثكنات، ويحاكم قتلة «الشهداء».

دقلو  -  البرهان  -  حمدوك

وفي الوسط، بين الأفرقاء المعنيين... أي «الانقلاب» و«الحرية والتغيير» و«تحالف قوى التغيير الجذري» و«شركاء السلام»، تقف «الآلية الأممية الثلاثية» المكوّنة من: «بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال في السودان، والاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية في أفريقيا (أيقاد)». وهي تقول، إنها تسهّل عملية توافق بينهم لاستعادة الانتقال الديمقراطي. وفي الواقع، أفلحت «الآلية» في جمع العسكريين والمدنيين في منزل السفير السعودي بالخرطوم علي بن حسن جعفر يوم 9 يونيو (حزيران) الماضي، وبحضور مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية مولي في - التي كانت تزور السودان حينذاك - بحث خلاله الطرفان تسوية الأزمة السودانية.
لكن البرهان، يوم 4 يوليو (تموز) الماضي، كعادته، فاجأ الأطراف السياسية مرة أخرى بإعلان خروج المؤسسة العسكرية من السياسة ورفض المشاركة في المفاوضات الجارية. وقال في خطاب بثه التلفزيون الحكومي في حينه «بعد تشكيل الحكومة التنفيذية سيُحل مجلس السيادة ويُشكل مجلس أعلى للقوات المسلحة يتولى القيادة العليا للقوات النظامية، ويكون مسؤولاً عن مهام الأمن والدفاع وما يتعلق بها من مسؤوليات بالاتفاق مع الحكومة».
وإثر ذلك البيان، توقفت المفاوضات بين العسكريين والمدنيين لفترة. ومع توقف المفاوضات، برزت مبادرات جديدة عدة لحل الأزمة السياسية، فقدمت نقابة المحامين السودانيين مبادرتها الشهيرة التي تضمنت «مسودة دستور انتقالي» لحل الأزمة وافق عليها تحالف «الحرية والتغيير» وعدد من القوى الرافضة للانقلاب، وشجّعها قائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو. كذلك، قدّمت مبادرة أخرى بقيادة الزعيم المتصوف الطيب الجد، قالت المعارضة، إنها مبادرة «أنصار نظام البشير»، وإنها لقيت التشجيع من قائد الجيش عبد الفتاح البرهان.
- مشروع نقابة المحامين
مع التوقف العلني لأي تفاوض بين العسكريين والمدنيين، خرجت للعلن تسريبات صحافية، تقول، إن الطرفين يتواصلان في السر طوال أشهر، وهو ما وصفته «الحرية والتغيير» بأنها اجتماعات «غير رسمية». وعلى الرغم من عدم الاعتراف الصريح بالتفاوض بين الطرفين، فإن التسريبات نقلت أن الطرفين توافقا على قبول «مشروع دستور نقابة المحامين» كمشروع توافقي تُبنى عليه تسوية سياسية. وهذه التسوية تقوم على تسمية رئيس وزراء مدني بصلاحيات كاملة، وتسمية مجلس سيادة مدني محدود يترأسه مدني، ويذهب العسكريون إلى مجلس «الأمن والدفاع» الذي يترأسه رئيس الوزراء المدني، وأن يسمى البرهان قائداً عاماً للجيش ومحمد حمدان دقلو قائداً لقوات الدعم السريع.
وإثر تسريب هذه المعلومات، خرج البرهان ليعلن للناس في بيان جماهيري، أن القوى السياسية قدمت «تنازلات» هي محل ترحيب بالنسبة لهم، لإخراج السودان إلى بر الأمان. وأعلن نائبه محمد حمدان دقلو ترحيبه بمبادرة نقابة المحامين كأساس للحل؛ آملاً أن تكون مدخلاً لاتفاق شامل لحل الأزمة السودانية.
المجتمعان الدولي والإقليمي رحبا أيضاً بما أمكن التوصل إليه. ونقل عن رئيس بعثة «يونتامس» فولكر بيرتيس في آخر إحاطة قدمها لمجلس الأمن الدولي، أن مسوّدة «مشروع دستور نقابة المحامين» السودانية تحظى بدعم واسع من قوى سياسية عديدة بما فيهم الجيش نفسه، مع خلافات طفيفة بشأن دور الجيش. وأردف خلال مقابلة أجرتها معه فضائية «العربية الحدث» بأن هناك اتفاقاً وشيكاً بين الأطراف على اتفاق بين الأطراف السودانية على فترة انتقالية لا تتعدى السنتين. وأعرب عن تفاؤله بقرب التوصل لتسوية للأزمة السياسية، قائلاً، إن الأجواء أصبحت أفضل مما كانت عليه قبل 3 أشهر.
- قبول غربي بـ«المسودة»
وحقاً، حظيت «المسودة» على الفور بتأييد أكثر من 9 دول غربية، على رأسها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا. وقال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بليكن في تصريحات 24 أكتوبر الماضي، إن حكومته ترحب بالمبادرات الشاملة لإيجاد مخرج من الأزمة، وإنهاء الحكم العسكري واستعادة الانتقال الديمقراطي المدني. وتعهد بممارسة كل الوسائل المتاحة ضد الذين يسعون لعرقلة التقدم باتجاه تحوين حكومة مدنية ذات مصداقية، باعتباره السبيل الوحيد لاستئناف المساعدات الدولية للسودان.
ومقابل هذا التأييد، واجهت القوى المحسوبة على النظام الإسلامي وأنصار الرئيس المعزول الذين أسقطتهم الثورة الشعبية، «المسودة» برفض واسع، واعتبروها «أجنبية» وماسة بسيادة السودان. وسيّروا تبعاً لذلك موكباً احتجاجياً إلى مقر بعثة الأمم المتحدة لدعم الانتقال (يونيتامس)، طالبت فيها بطرد البعثة ورئيسها فولكر بيرتيس، وتوعدت حال عدم شمولها في المفاوضات بتفجير البلاد، واللافت أن قوات الأمن لم تتعرض لهم بمثل ما تفعل مع المعارضين.
أما المجموعة الأخرى، «تحالف قوى التغيير الجذري» بقيادة الحزب الشيوعي، فقد أعلنت منذ وقت مبكر رفضها المطلق للمبادرة المقدمة من نقابة المحامين. وقال الحزب الشيوعي في بيان عقب لقائه مع «الآلية الثلاثية» أول من أمس، إنه أبلغ البعثة رفضه أي تسوية مع الانقلابيين، وإنه يعمل على إسقاطه عبر الانتفاضة الشعبية والعصيان المدني والإضراب السياسي الشامل، ووصف مشروع دستور نقابة المحامين «جاء منبتاً ولم يسبقه أي برنامج أو اتفاق»، واعتبر دور «الآلية الثلاثية» سلبياً.
أيضاً، أعلنت مجموعات من «لجان المقاومة الشعبية» رفضها أي تفاوض مع العسكريين، اعتبرته «بيعاً لدم الشهداء» - كما ظلت تقول في بياناتها وهتافاتها - بل رأت فيه «خيانة» من «تحالف الحرية والتغيير». وبينما فضلت مجموعات من «اللجان» الانتظار لترى شكل التسوية الجديدة التي يمكن الوصول إليها، وما إن كانت ستستجيب لتطلعات الشعب أم لا، أيّدت مجموعات أخرى من هذه «اللجان» خطوة «الحرية والتغيير». ودأبت «لجان المقاومة السودانية» على تنظيم جداول احتجاجات يومية، يتم الالتزام بها بالحرف، ويشارك فيها آلاف المحتجين في مختلف مدن السودان. وتنظر «لجان المقاومة»، التي هي كتنظيمات تغلب عليها الصبغة «الشبابية» شذراً إلى الأحزاب. وتحمّلها مسؤولية فشل الانتقال، وتتهمها بأنها تسعى للمكاسب السلطوية والسياسية على حساب مطالب الشارع السياسي وتتجاهل التضحيات العظيمة التي يقدمها يومياً، كما وصل بعضها لوصفها بـ«خيانة دم الشهداء»، وكثيراً ما تتردد الهتاف «قحاته باعو الدم»، وهي إشارة إلى اختصار اسم «تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير – قحت - ».
أما حلفاء العسكريين وشركاؤهم في الحكم حالياً، فقد انقسموا إلى مواقف عدة. ففي حين أبدى عدد من قادة حركات الكفاح المسلح، وعلى رأسهم عضو مجلس السيادة ورئيس «الجبهة الثورية» الهادي إدريس، تأييده المتحفظ لمشروع دستور المحامين، اشترطت مجموعة أخرى مشاركة في الانقلاب إشراكها في التفاوض، وحذرت من مآلات خطيرة حال عزلها وإقصائها من التسوية المزمعة.
- حل نقابة المحامين
وسط كل هذه الشحن والشحن المضاد، دأبت وسائل أعلام محلية وإقليمية، بل وسائط التواصل الاجتماعي، على إطلاق تكهنات وتوقعات، بل و«إشاعات»، تتحدث عن قرب التوصل لتسوية بين المدنيين والعسكريين، أو أن هذا ما يدور في الحقل على الأقل، لكن حصاد البيدر لا يزال غامضاً ومهدداً بفساد المحصول، فكلما اقتربت اللحظة هربت مرة أخرى.
وكلما ارتفعت وتيرة التفاؤل بين السودانيين المتعبين بقرب انتهاء الأزمة، كانت السلطات تتخذ قرارات أو إجراءات تعيدهم للتشاؤم مجدداً. ففي اليومين الماضيين، رغم التوقعات العظيمة التي أشارت إليها وسائل الإعلام بقرب التوصل لتسوية، واصلت السلطات العنف تجاه المحتجين السلميين؛ ما أدى إلى مقتل محتج واحد على الأقل بالرصاص الأسبوع الماضي، ليبلغ العدد 119 محتجاً سلمياً امتدت إليهم رصاصات غادرة، لم يجرِ أي تحقيق عن مقتلهم ولم توجه اتهامات لأحد.
ومن بين «الرصاصات» التي أطلقت باتجاه أنصار التسوية، أصدرت لجنة تابعة لـ«مجلس السيادة» أول من أمس، قراراً حلت بموجبه «نقابة المحامين» التي قدمت الدستور، وأمرت بإعادتها لأنصار البشير. كما لم تتدخل السلطات الأمنية لحماية المحامين الذين هاجمهم المتشددون الإسلاميون في دارهم، وهو ما وصفه فولكر بيرتيس أول من أمس بأنه «إشارة واضحة مرسلة، ضد الجهود الجارية للتوصل إلى إجماع مقبول بين القوى السياسية والعسكريين نحو انتقال ديمقراطي حقيقي في السودان». وتابع، أن اللجنة التسييرية لنقابة المحامين السودانيين، لعبت دوراً مهماً في الدعوة إلى خطاب شامل في سياق العملية السياسية الحالية بغض النظر عن وضعها القانوني.
ولذلك؛ لا يعرف أحد – أو يستطيع التكهن - بما يمكن أن يحدث غداً، فأرض الأزمة السودانية «زلقة» ومليئة بالمطبات، فكلما خرجت من حفرة وقعت في الأخرى، وكلما لاحت بارقة أعقبتها ظلمة، في حين يظل شعب السودان «يضرس بينما يأكل آباؤه الحصرم».
- البرهان نسف في يوليو «لجنة تواصل» بين العسكريين والمدنيين
> شارك الطرفان، العسكري والمدني، في الاجتماع الذي دعت إليه «الآلية الأممية» لجمع العسكريين والمدنيين في منزل السفير السعودي بالخرطوم يوم 9 يونيو (حزيران) الماضي، بهدف بحث تسوية الأزمة السودانية. ولقد شارك الطرفان بممثلين رفيعي المستوى، فمثّل الجانب العسكري كل من نائب رئيس «مجلس السيادة» محمد حمدان دقلو وعضوي «مجلس السيادة» شمس الدين كباشي وإبراهيم جابر. أما الجانب المدني، فتمثّل بقادة «تحالف الحرية والتغيير»، وهم الواثق البرير، أمين عام حزب الأمة القومي، وياسر عرمان، القيادي في الحركة الشعبية لتحرير السودان، وطه عثمان، عضو تجمع المهنيين، ووجدي صالح عن حزب البعث العربي الاشتراكي.
ويومها عُد اجتماع «الحرية والتغيير» بالعسكريين الذي عقد بوساطة أميركية وسعودية تقدماً نسبياً؛ لأنه كان الأول بين الطرفين منذ انقلاب أكتوبر. وقد وصفه محللون وقتها بأنه «خطوة لاستعادة الثقة المفقودة بين الطرفين»، وتأكيد على رغبة طرفيه الدخول في مسار تفاوضي، يقود لإنهاء الأزمة السياسية. وخرج ذلك الاجتماع يومذاك - قبل أن ينسفه موقف قاد الجيش عبد اللطيف البرهان في يوليو (تموز) - بتسمية «لجنة تواصل» من شخصين، هما شمس الدين كباشي من العسكريين، وطه عثمان من «الحرية والتغيير» بمشاركة ممثلين للمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة؛ بهدف إجراء المشاورات على الدستور الجديد، وهياكل الحكم والإصلاح الأمني والعسكري.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

مصر: توقيف عناصر من «حسم» متهمين بـ«التخطيط لاغتيال السيسي»

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)
مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)
TT

مصر: توقيف عناصر من «حسم» متهمين بـ«التخطيط لاغتيال السيسي»

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)
مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

أعلنت وزارة الداخلية المصرية توقيف عناصر من حركة «حسم» الإرهابية، التابعة لتنظيم «الإخوان» الذي تصنفه مصر إرهابياً، بتهمة «التخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية تستهدف الإضرار بمقدرات الدولة، ومحاولة اغتيال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي».

وقالت «الداخلية»، في إفادة، الأحد، إنها «ألقت القبض على القيادي (الإخواني) الإرهابي، محمود محمد عبد الونيس ضمن إجراءات ملاحقة عناصر (حركة حسم)». وأضافت أن ذلك جاء «ضمن إجراءات ملاحقة عناصر حركة (حسم) المتورطة في أعمال تستهدف الإضرار بالدولة، ومن بينها الدفع بعضوين بالحركة هما أحمد محمد عبد الرازق، وإيهاب عبد اللطيف محمد لتنفيذ عمليات تستهدف المنشآت الأمنية والاقتصادية واستهداف الطائرة الرئاسية، قبل مداهمات الأجهزة الأمنية المصرية في 7 يوليو (تموز) الماضي، لوكر خاص بعناصر الحركة، أدى إلى مقتل عنصرين منها».

وأشارت «الداخلية» الأحد، إلى أن الإرهابي علي محمود عبد الونيس، محكوم بالسجن المؤبد في عدة قضايا إرهابية، أبرزها القضية رقم 120 لعام 2022، الخاصة بـ«محاولة استهداف الطائرة الرئاسية»، و«اغتيال الشهيد المقدم ماجد عبد الرازق».

مقر تنظيم «الإخوان» محترقاً في القاهرة صيف 2013 (غيتي)

وجاء بيان وزارة الداخلية مصحوباً باعترافات من العنصر «الإخواني»، عن العمليات الإرهابية التي خطط لها، وباقي العناصر المنتمية لحركة «حسم».

واعترف عبد الونيس بمشاركته في ارتكاب عديد من العمليات الإرهابية، منها «استهداف كمين العجيزي بمحافظة المنوفية، وتفجير عبوة ناسفة أمام مركز تدريب أفراد الشرطة بمدينة طنطا، ما أسفر عن استشهاد وإصابة عدد من أفراد الشرطة، واغتيال العميد عادل رجائي أمام منزله بمدينة العبور».

كما تحدث عن تسلله خلال عام 2016 لإحدى الدول المجاورة بناءً على تكليف من القيادي «الإخواني» الهارب يحيى موسى (مؤسس «حركة حسم»)، وتواصله مع قيادات تنظيم «المرابطون» الذي أسسه هشام عشماوي (تم إعدامه)، وتدشين معسكر بإحدى دول الجوار لتدريب عناصر «حسم» على استخدام الصواريخ المضادة للطائرات والأسلحة الثقيلة والمتفجرات.

كما كشف عبد الونيس عن قيامه وقيادات حركة «حسم» الهاربين بالخارج، وهم يحيى موسى، ومحمد رفيق إبراهيم مناع، وعلاء علي علي السماحي، ومحمد عبد الحفيظ عبد الله عبد الحفيظ، خلال عام 2019، بـ«التخطيط لتنفيذ عدد من العمليات الإرهابية بالبلاد، ودفعهم عناصر الحركة المدربين لتجهيز عدد من السيارات المفخخة، التي انفجرت إحداها أمام (معهد الأورام) في وسط القاهرة»، إلى جانب «قيامهم خلال عام 2025 بالدفع بكل من الإرهابيين محمود شحتة علي الجد، ومصطفى أحمد محمد عبد الوهاب، الموجودين بالخارج بالعودة للبلاد لتنفيذ عمليات عدائية، إلا أنهما لم يتمكنا من ذلك نتيجة رصدهما وضبطهما بمعرفة الأجهزة الأمنية».

جانب من محاكمة سابقة لعناصر من «الإخوان» في مصر (أ.ف.ب)

وتعود آخِر العمليات المنسوبة لحركة «حسم» إلى عام 2019، حين اتهمتها السلطات المصرية بـ«التورط في تفجير سيارة بمحيط (معهد الأورام) في القاهرة، ما أسفر عن مقتل 22 شخصاً، وإصابة العشرات». كما نُسب إليها «محاولة استهداف مفتي مصر الأسبق، علي جمعة، والنائب العام المساعد، إلى جانب اغتيال رئيس مباحث طامية بمحافظة الفيوم في 2016، وهو العام الذي شهد إعلان الحركة عن نفسها رسمياً».

ويرى خبير مكافحة الإرهاب الدولي، حاتم صابر، أن إعلان «الداخلية المصرية» عن توقيف عناصر من «حسم» يشير إلى «استمرار (الإخوان) في استهداف الداخل المصري بعمليات إرهابية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن تنظيم «الإخوان» ما زال يستهدف الداخل المصري رغم التحديات الإقليمية المتصاعدة.

ويقبع معظم قيادات «الإخوان»، وفي مقدمتهم المرشد العام محمد بديع، داخل السجون المصرية في قضايا «عنف وقتل» وقعت بمصر بعد رحيل «الإخوان» عن السلطة في عام 2013، فيما تقيم عناصر أخرى خارج البلاد.

وأشار صابر إلى أن العمليات الإرهابية المعلن عنها في اعترافات الإرهابي المضبوط، ومن بينها استهداف الطائرة الرئاسية «تعكس أن أجهزة استخباراتية (لم يسمّها) تدعم التنظيم»، وقال إن «التخطيط لمثل هذه العمليات يتجاوز قدرات أي تنظيم أو حركة»، لافتاً إلى أن «الغاية الأساسية من هذه العمليات هو الإضرار بقدرات الدولة المصرية السياسية والاقتصادية».

وأكدت وزارة الداخلية المصرية، الأحد، «استمرارها في التصدي بكل حزم لمخططات تنظيم (الإخوان) والداعمين له، التي تستهدف المساس بأمن واستقرار البلاد».


استياء وتحايل مع بدء تطبيق الغلق المبكر للمحال في مصر

شارع في محافظة الإسكندرية بعد قرار تبكير غلق المحال التجارية (محافظة الإسكندرية)
شارع في محافظة الإسكندرية بعد قرار تبكير غلق المحال التجارية (محافظة الإسكندرية)
TT

استياء وتحايل مع بدء تطبيق الغلق المبكر للمحال في مصر

شارع في محافظة الإسكندرية بعد قرار تبكير غلق المحال التجارية (محافظة الإسكندرية)
شارع في محافظة الإسكندرية بعد قرار تبكير غلق المحال التجارية (محافظة الإسكندرية)

قصد السبعيني محمود رمضان وزوجته، مساء السبت، متجراً لشراء مصوغات ذهبية في منطقة العمرانية (جنوب القاهرة)، وبينما كانا يختاران القطعة المنشودة، أمر صاحب المتجر عاملاً عنده أن «يغلق الأنوار في الخارج، ويقف أمام الباب لتنبيهه حال وصول مفتش من الحي»، وكان ذلك بعد الساعة التاسعة مساءً، أي بعد دخول القرار الحكومي بـ«إغلاق المحال التجارية» حيز التنفيذ.

وكانت الحكومة قررت في إطار خطتها لترشيد استهلاك الطاقة، في ظل الحرب الإيرانية، غلق المحال التجارية والمولات والمقاهي في التاسعة مساءً يومياً ،عدا الخميس والجمعة في العاشرة مساءً، وسط حالة استياء من قبل البعض باعتبار القرار «يربك حياتهم».

واستثنى القرار الحكومي محال المواد الغذائية والصيدليات والمطاعم المصنفة بوصفها منشآت سياحية، مع السماح باستمرار خدمة التوصيل على مدار 24 ساعة. ورغم ذلك لم تخفف الاستثناءات الرسمية الاستياء والتحايل على القرار مع بدء تطبيقه، خصوصاً من بعض المحال والمقاهي في المناطق الشعبية.

يقول رمضان لـ«الشرق الأوسط»، وهو موظف حكومي متقاعد: «خرجنا من محل الذهب، وهو في شارع واسع (شبه رئيسي) وجدنا الشارع مظلماً بشكل شبه تام، والمحال مفتوحة بعدما أغلقت أنوارها... ذهبنا وشربنا عصير والمحل مظلم». ويضيف أن الحال في شارعه الجانبي حيث منزله، كانت مختلفة تماماً حيث «المحال مفتوحة».

«الشرق الأوسط» رصدت خلال جولة ميدانية في منطقة الهرم بمحافظة الجيزة، تبايناً بشأن تطبيق القرار، حيث يتحايل البعض عليه بغلق الأنوار مع استمرار العمل على نور كشافات الهاتف. وأرجع أحدهم ذلك، وكان يبيع المثلجات، إلى أن الغلق سيسبب لهم خسائر مادية كبيرة.

محال تجارية في الجيزة أغلقت أبوابها في تمام الساعة التاسعة مساء السبت (محافظة الجيزة)

ويسري القرار الحكومي لمدة شهر ما لم يتم تمديده، غير أن الاستياء الشعبي صاحبه منذ اليوم الأول، واجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي التعليقات الرافضة للقرار والمتخوفة من انتشار الجريمة في الشوارع. وتداول نشطاء صوراً لوسط القاهرة في حالة ظلام تام، وأشاروا إلى أن الأجواء تذكّر بـ«جائحة كورونا» عام 2020.

وشدد محافظ الجيزة، أحمد الأنصاري، خلال جولة ميدانية في شوارع مناطق المريوطية وفيصل والسودان وعرابي وجامعة الدول العربية، على ضرورة التزام جميع المحال والمطاعم والورش والكافيهات والأنشطة الحرفية بالمواعيد المحددة لغلق المحال التجارية، حتى لا تُطبَّق العقوبات المقررة قانوناً على المخالفين، موجهاً بتكثيف الحملات الميدانية لضبط المخالفات.

وتتراوح عقوبة مخالفة القرار بين غرامة بقيمة تتراوح بين 20 ألف جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) و50 ألف جنيه، والحبس حال تكرار المخالفة، وفق القانون رقم 154 لسنة 2029.

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «القرار الحكومي يبدو على الورق منضبطاً ومباشراً، لكنه في الواقع يفتح باباً واسعاً لفهم تعقيدات الحياة اليومية في المدينة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أنه رصد خلال جولة ليلية بشارع فيصل، الواجهات مغلقة والأنوار خافتة، لكن خلف بعض الأبواب المعدنية نصف المغلقة، كانت الحركة مستمرة بهدوء، ويفسر: «يفتح أحد العاملين باباً جانبياً لزبون يعرف المكان، فيما يجلس آخرون في الداخل يتابعون مباراة أو يحتسون الشاي في إضاءة محدودة»، وعلق أن «النشاط لم يتوقف؛ بل غيّر شكله فقط، في ظل ما يسببه القرار من خسائر لبعض الفئات، والتي لا تستطيع تحملها في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة».

ظلام يخيم على أحد الشوارع المصرية بعد قرار تبكير غلق المحال لترشيد الطاقة (محافظة الإسكندرية)

وفي منطقة حدائق المعادي بالقاهرة، طلت الثلاثينية رحاب عبد المنعم من شرفة منزلها في شارع رئيسي لتجده غارقاً في «صمت مقبض»، على حد وصفها، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»، أنها حين اتصلت بوالدتها التي تبعد عنها نحو كيلومتر وتسكن في شارع ضيق، أخبرتها باستمرار الأنشطة عندها بشكل شبه طبيعي. وأعربت رحاب عن استيائها من القرار، قائلة: «لن نستطيع النزول إلى الشارع في هذا الوقت، فقد أصبح مخيفاً».

وهنا يشير محمود إلى أن أول أيام تطبيق القرار، مساء السبت، يعدّ انعكاساً لكيفَ يتكيف الاقتصاد غير الرسمي مع القرارات التنظيمية؛ إذ «يتحول الامتثال إلى شكل ظاهري، بينما يستمر النشاط فعلياً بطرق ملتوية، وفي الوقت نفسه يتحمل عمال اليومية العبء الأكبر، ويفقدون ساعات العمل الأكثر ربحاً، ما يدفعهم إما للقبول بدخل أقل، أو المخاطرة بالعمل خارج الإطار الرسمي».

وفي منطقة العصافرة بمحافظة الإسكندرية (شمال مصر)، تكررت المشاهد نفسها؛ حيث أغلقت المحال أبوابها، وحلّ الظلام في الشوارع الرئيسية، في مقابل زحام واستمرار لحركة البيع والشراء بشكل أكبر من المعتاد في إحدى الأسواق بالشوارع الجانبية، وفق الثلاثينية دينا مصطفى، التي قالت لـ«الشرق الأوسط»، إنها قصدت محل عطارة لشراء زجاجة زيت بعد موعد الغلق، وفوجئت بالزحام الشديد وشراء كميات كبيرة من البعض، تحسباً لوضع أسوأ بعد قرار غلق المحال.

محال تجارية تتحايل على قرار «الإغلاق المبكر» في محافظة الجيزة (الشرق الأوسط)

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم، وسط توقعات بزيادتها في مارس (آذار) الحالي، متأثرة بتداعيات الحرب الإيرانية، وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

ولا يستبعد الخبير الاقتصادي، وائل النحاس، أن تضطر الحكومة لاتخاذ إجراءات أخرى لترشيد استهلاك الطاقة في حال استمرار الحرب، وتفاقم أزمة الطاقة عالمياً؛ مثل «تخفيف الأحمال» أو ما هو أسوأ، على حد وصفه.

وناشد النحاس في حديث لـ«الشرق الأوسط»، المواطنين، الالتزام بالقرارات، واتخاذ إجراءات ترشيدية في المنازل لتوفير الطاقة قدر المستطاع.

الأمر نفسه أكده الخبير الاقتصادي، خالد الشافعي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «القرار الحكومي حتى إن شهد اعتراضات ورفض واستياء؛ لكن يجب الالتزام به».


«فوضى وارتباك» دراسي في 3 محافظات مصرية بسبب الأمطار

شاب مصري يسير وسط المياه في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة بعد أن غمرت الأمطار الطرق (الشرق الأوسط)
شاب مصري يسير وسط المياه في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة بعد أن غمرت الأمطار الطرق (الشرق الأوسط)
TT

«فوضى وارتباك» دراسي في 3 محافظات مصرية بسبب الأمطار

شاب مصري يسير وسط المياه في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة بعد أن غمرت الأمطار الطرق (الشرق الأوسط)
شاب مصري يسير وسط المياه في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة بعد أن غمرت الأمطار الطرق (الشرق الأوسط)

اضطرت الثلاثينية أمنية أحمد، التي تقطن في منطقة عين شمس (شرق القاهرة) إلى «اصطحاب ابنها محمد (المقيد بالصف الثالث الابتدائي) إلى مدرسته الخاصة في منطقة حدائق القبة (شرق) رغم هطول الأمطار بكثافة، الأحد، وذلك ليلحق بامتحانات شهر مارس (آذار) لطلاب صفوف النقل في المدارس».

لكنها فوجئت بعد ذلك باتصال من والدة زميل مقرب لنجلها تخبرها بقرار محافظة القاهرة بـ«تعطيل الدراسة لسوء الأحوال الجوية».

وعلى الفور غادرت أمنية منزلها للمرة الثانية، وعندما وصلت إلى المدرسة علمت بقرار آخر من وزارة التربية والتعليم بـ«استمرار الطلاب لاستكمال اليوم الدراسي». لكنها قررت «اصطحاب ابنها إلى المنزل وعدم إكمال اليوم الدراسي».

موقف الأم المصرية عكس «ارتباكاً» في القرارات الحكومية خلال التعامل مع «أزمة الأمطار» ما دفع إلى تحركات برلمانية بسبب «غياب التنسيق بين الجهات الرسمية».

وشهدت ثلاث محافظات «فوضى وارتباكاً»، الأحد، بسبب الأمطار، وقرارات مفاجئة بتعطل العملية التعليمية عقب توجه الطلاب إلى مدارسهم.

طلاب خلال طابور الصباح في مدرسة مصرية فبراير الماضي (وزارة التربية والتعليم)

الخبير التربوي، عاصم حجازي أرجع أسباب «الفوضى والارتباك» إلى «البطء في اتخاذ القرار الحكومي، وغياب التنسيق بين المحافظين ووزارة التربية والتعليم».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «حالة الطقس كانت معروفة مسبقاً، وكان لازماً إصدار قرار بتعطيل الدراسة مساء السبت». ولفت إلى أن «الارتباك» تمثل في صدور القرارات بعدما وصل الطلاب إلى المدارس، ثم قرار وزير التعليم باستمرار بعض الطلاب في المدارس، ما تسبب في مشاكل و«ربكة» لكثير من الأسر.

وتابع بقوله إن «السلطات المسؤولة لديها آليات للتعرف على أحوال الطقس، وكان عليها أن تصدر قرار التعطيل في وقت مناسب».

وأكدت «هيئة الأرصاد الجوية»، مساء السبت، «تعرض البلاد لموجة من عدم الاستقرار الجوي، تشمل نشاطاً للرياح المثيرة للرمال والأتربة، وسقوط أمطار متفاوتة الشدة على مناطق من القاهرة الكبرى والدلتا ومدن القناة وسيناء».

محطة قطار في مصر تأثرت الأحد بسقوط الأمطار (مجلس الوزراء المصري)

الثلاثيني عمرو توفيق، الذي يقطن في منطقة المطرية (شرق القاهرة) يرى أن «تخبط القرارات تسبب في ربكة للأسر، وكان الأولى منح إجازة الأحد خصوصاً بعد تحذير هيئة الأرصاد، وعدم استقرار حالة الجو منذ الساعة الواحدة صباحاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنه «فضل أصحاب ابنته مريم (المقيدة في الصف الثاني الابتدائي) للمدرسة رغم وجود حافلة خاصة تنقلها بشكل يومي، خوفاً عليها من الأمطار الكثيفة».

وتابع: «علمت من المواقع الإخبارية بقرار تعطيل الدراسة بعدما وصلت إلى مقر شركة السياحة التي أعمل بها في منطقة مدينة نصر (شرق)، وحاولت الاستئذان من عملي للذهاب واصطحاب ابنتي للمنزل؛ إلا أنني وجدت قراراً آخر باستمرار الطلاب في المدرسة، لذا قررت إبقاء ابنتي في المدرسة لنهاية اليوم الدراسي». وانتقد «طريقة تعامل المسؤولين مع الأزمة، خصوصاً وأن الأمطار كانت كثيفة جداً (صباح الأحد)، وأغلب الصغار لم يتحملوها». ويوضح أن «إصرار الأسر على ذهاب أبنائها للمدارس بسبب الاختبارات الشهرية».

إصرار الأسر على ذهاب أبنائها للمدارس رغم الأمطار، أرجعه الخبير التربوي، إلى «وجود التقييمات الشهرية التي تُصر عليها وزارة التعليم». ويشير إلى أن «التقييمات بشكلها التقليدي المعتاد لم تلق القبول بشكل كافٍ في الأوساط التربوية، ولا تعود على الطالب بفائدة حقيقية، وكان أولى تعطيل الامتحانات، الأحد، بدلاً من ذهاب الطلاب للمدارس مع الأمطار وصعوبة السير في الشوارع بسبب تراكمات المياه».

طرق في منطقة فيصل بمحافظة الجيزة تأثرت نتيجة سقوط الأمطار (الشرق الأوسط)

ووفق محافظة القاهرة «تم ترحيل الامتحان الذي كان مقرراً، الأحد، إلى يوم 6 أبريل (نيسان) المقبل للمرحلتين الابتدائية والإعدادية، كما سيعقد الامتحان المؤجل للمرحلة الثانوية يوم 7 أبريل».

أزمة قرارات «تعطيل الدراسة» وصلت إلى البرلمان، وتقدم عضو مجلس النواب محمد تيسير مطر ببيان عاجل بشأن «الارتباك الشديد في قرارات تعطيل الدراسة، نتيجة غياب التنسيق الواضح بين وزارة التربية والتعليم والمحافظين».

كما تقدم عضو مجلس النواب، أحمد علاء فايد، ببيان عاجل، متسائلاً عن «كيفية إصدار قرار تعليق الدراسة في جميع مدارس القاهرة، الأحد، بعد بدء اليوم الدراسي».