السودان «على طريق زلقة» نحو اتفاق يعيد العسكريين إلى الثكنات

«ثورة ديسمبر»... الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون

من اشتباكات الخرطوم (أ.ف.ب)
من اشتباكات الخرطوم (أ.ف.ب)
TT

السودان «على طريق زلقة» نحو اتفاق يعيد العسكريين إلى الثكنات

من اشتباكات الخرطوم (أ.ف.ب)
من اشتباكات الخرطوم (أ.ف.ب)

بعدما عاد العسكريون السودانيون إلى منصة التفاوض مع تحالف المعارضة «الحرية والتغيير»، بفعل ضغوط دولية ومحلية عنيفة جداً، جرى «أخيراً» تداول تسريبات و«تلميحات» عن قرب التوصل إلى توافق ينتهي بموجبه «انقلاب» أكتوبر (تشرين الأول) 2021، وتشكيل حكومة مدنية بصلاحيات كاملة مع ذهاب العسكريين لما اصطلح عليه «مجلس الأمن والدفاع». إلا أن تلك التلميحات - التصريحات ظلت تراوح مكانها لأكثر من شهرين من دون بروز «أفق حل» للفراغ السياسي الذي يعيشه السودان منذ أكثر من سنة، في حين انقسمت القوى السياسية بين قادة العملية السياسية، وبين قادة الاحتجاجات الرافضين لأي «تفاوض، أو اعتراف، أو شراكة» مع العسكريين الذين يحكمون البلاد.
يوم 25 أكتوبر من العام الماضي، فاجأ قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، الذي يشغل أيضاً منصب رئيس «مجلس السيادة»، المواطنين السودانيين بإجراءات أطلق عليها صفة «إصلاحية»، وقال، إنه اتخذها لـ«تصحيح مسار الثورة» الذي أفسده «تشاكس المدنيين».
وبناءً على تلك الإجراءات، والقرارات، عُلّقت نصوص في «الوثيقة الدستورية» وأعلنت حالة الطوارئ في البلاد، وجرى حل كل من «مجلس السيادة» وحكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وحكومات الولايات، واعتُقل بعض الأعضاء المدنيين في «مجلس السيادة» وبعض الوزراء بمن فيهم حمدوك، وعدد من القادة السياسيين في التحالف الحاكم.
كردة فعل على تلك الإجراءات، خرج آلاف السودانيين قبل إذاعة «بيان البرهان» رفضاً للخطوة التي اعتبروها «انقلاباً عسكرياً» على الحكومة الانتقالية المدنية. بيد أن القوات الأمنية، أي الجيش والشرطة وقوات «الدعم السريع» والأمن وغيرها، واجهتهم بعنف مفرط مستخدمة الرصاص والذخيرة الحية، وقتلت منهم 3 على الأقل وأصابت أكثر من مائة آخرين بالقرب من بوابة القيادة العامة للجيش بوسط العاصمة الخرطوم.
- «بيان الانقلاب»
في منتصف نهار ذلك اليوم على وجه التقريب، تلا البرهان «بيان الانقلاب» على التلفزيون الحكومي، مشيراً فيه إلى ما أسماه «انقسامات تنذر بخطر وشيك يهدد أمن الوطن». وأعلن استيلاء القوات المسلحة على الحكم طوال المرحلة الانتقالية إلى حين تسليمه لحكومة منتخبة، كما وعد بتشكيل «حكومة كفاءات» بديلة لحكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وإكمال مؤسسات الانتقال كافة في غضون شهر.
غير أن انقلاب البرهان جوبه برفض شعبي عنيف من قبل تحالف المعارضة ولجان المقاومة الشعبية ومنظمات المجتمع المدني كافة. وعلى الفور اعتبره الاتحاد الأفريقي «انقلاباً عسكرياً» وعلّق بموجبه عضوية السودان، في حين انتقدته الأمم المتحدة والولايات المتحدة الأميركية ودول غربية، وسارعت بوقف برنامج المساعدات الاقتصادية الذي كانت خصصته لدعم الانتقال المدني في السودان.
بسبب هذه الضغوط، فشل البرهان في الإيفاء بأي من تعهداته، التي سبق أن أعلنها في بيان الانقلاب، والمتمثلة في تشكيل حكومة كفاءات وإكمال مؤسسات الانتقال، وخلق استقرار أمني واقتصادي. وإزاء هذا الفشل، اضطر الرجل إلى توقيع اتفاق مع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، نص على استعادة الحكم المدني، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتأليفه حكومة مدنية. لكن الاتفاق لم يلقَ أي سند أو تأييد شعبي، لا سيما من تحالف المعارضة «الحرية والتغيير» ولا القوى المجتمعية والشبابية؛ ما اضطر رئيس الوزراء إلى الاستقالة في 2 يناير (كانون الثاني) 2022 بخطاب بثه التلفزيون الرسمي.
قال حمدوك في خطاب استقالته، إنه حاول بقدر المستطاع تجنيب البلاد الانزلاق نحو الكارثة، بسبب الصراعات العدمية بين مكونات الانتقال، وفشل جهوده في تحقيق توافق بينها، وأضاف «قررت أن أرد إليكم أمانتكم وأعلن لكم استقالتي من منصب رئيس الوزراء، مُفسحاً المجال لآخر من بنات أو أبناء هذا الوطن المعطاء، لاستكمال قيادة وطننا، والعبور به خلال ما تبقى من عمر الانتقال نحو الدولة المدنية الديمقراطية».
- تداعيات استقالة حمدوك
إلا أن استقالة حمدوك لم تضع الحصان أمام العربة. بل نتج منها تفاقم فشل القيادة العسكرية، وتركها وحيدة تواجه نتائج الضغوط العنيفة التي ظلت تمارسها عليها القوى الدولية والإقليمية، وكذلك استمرار الحراك الشعبي المناهض، الذي لم تتوقف احتجاجاته طوال العام الماضي، ولم يفلح معه العنف المفرط الذي واجهت به القوات العسكرية المحتجين، رغم مقتل 119 محتجاً سلمياً بالرصاص، وإصابة المئات بجراح بعضها خطيرة، بل فاقم الأزمة.
وكنتيجة حتمية، تدهورت الأوضاع الأمنية في البلاد بشكل مريع. وصارت «العصابات المسلحة» تعترض طريق المواطنين وتهجم على منازلهم وتستولي على ممتلكاتهم، من دون تدخل من قوات الأمن والشرطة. وأيضاً، دخل الاقتصاد السوداني في نفق مظلم بعد توقف المعونات والدعم الذي كان يقدمه المجتمع الدولي للحكومة الانتقالية، فازدادت الأزمة الاقتصادية حدة.
أكثر من هذا، سارعت صناديق التمويل الدولية مثل البنك الدولي و«نادي باريس» إلى تجميد تعهدات مالية تقدر بمليارات الدولارات تعهدت بتقديمها إلى السودان، كما أوقف برنامج إعفاء الديون؛ ما أدى إلى غلاء طاحن وركود اقتصادي كبير، تدهورت بموجبه أسعار صرف العملة المحلية «الجنيه» بشكل غير مسبوق.
وبالتالي، اضطرت الحكومة في ضوء هذا الوضع، إلى فرض المزيد من الضرائب على المواطنين من أجل تمويل مصاريفها، ما زاد من اشتعال الغضب الشعبي. وبالفعل، دخلت البلاد في سلسلة إضرابات بين المهنيين والخدمة المدنية زادت الشلل المصابة به شللاً. بل واضطر التجار ورجال الأعمال إلى الدخول في إضرابات، وأغلقوا محالهم وتجارتهم احتجاجاً على الضرائب الباهظة المفروضة عليهم، وشوهدت المتاجر وهي مغلقة للمرة الأولى في أكثر من مدينة سودانية.
- انقسام المعارضة وفشل جمع العسكريين والمدنيين
مع تصاعد الاحتجاجات المناوئة للانقلاب، فإن الشارع المعارض انقسم على نفسه إلى مجموعتين متنافستين، هما: مجموعة «تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير» التي تقاسمت السلطة مع العسكريين قبل الانقلاب، ومجموعة الحزب الشيوعي السوداني.
«تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير» لا يرفض مبدأ التوصل إلى اتفاق مع العسكريين، بل يقول، إنه يعمل على استرداد الدولة من العسكر، ومواصلة المعارضة المدنية، وممارسة التصعيد السياسي من الجهة الأخرى، بجانب الضغط من أجل الوصول لإنهاء الانقلاب عبر التفاوض.
في المقابل، ترفض مجموعة الحزب الشيوعي و«لجان مقاومة» تتحرك تحت مسمى «تحالف قوى التغيير الجذري» التفاوض مع العسكريين من حيث المبدأ. وهي ترفع شعار «لا تفاوض، ولا شراكة، ولا اعتراف» مع العسكريين، وتزعم أنها تعمل على إسقاط الانقلاب عبر العمل السلمي وصولاً لإضراب سياسي وعصيان مدني، يسقطه ويحقق العدالة، ويعيد العسكريين إلى الثكنات، ويحاكم قتلة «الشهداء».

دقلو  -  البرهان  -  حمدوك

وفي الوسط، بين الأفرقاء المعنيين... أي «الانقلاب» و«الحرية والتغيير» و«تحالف قوى التغيير الجذري» و«شركاء السلام»، تقف «الآلية الأممية الثلاثية» المكوّنة من: «بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال في السودان، والاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية للتنمية في أفريقيا (أيقاد)». وهي تقول، إنها تسهّل عملية توافق بينهم لاستعادة الانتقال الديمقراطي. وفي الواقع، أفلحت «الآلية» في جمع العسكريين والمدنيين في منزل السفير السعودي بالخرطوم علي بن حسن جعفر يوم 9 يونيو (حزيران) الماضي، وبحضور مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية مولي في - التي كانت تزور السودان حينذاك - بحث خلاله الطرفان تسوية الأزمة السودانية.
لكن البرهان، يوم 4 يوليو (تموز) الماضي، كعادته، فاجأ الأطراف السياسية مرة أخرى بإعلان خروج المؤسسة العسكرية من السياسة ورفض المشاركة في المفاوضات الجارية. وقال في خطاب بثه التلفزيون الحكومي في حينه «بعد تشكيل الحكومة التنفيذية سيُحل مجلس السيادة ويُشكل مجلس أعلى للقوات المسلحة يتولى القيادة العليا للقوات النظامية، ويكون مسؤولاً عن مهام الأمن والدفاع وما يتعلق بها من مسؤوليات بالاتفاق مع الحكومة».
وإثر ذلك البيان، توقفت المفاوضات بين العسكريين والمدنيين لفترة. ومع توقف المفاوضات، برزت مبادرات جديدة عدة لحل الأزمة السياسية، فقدمت نقابة المحامين السودانيين مبادرتها الشهيرة التي تضمنت «مسودة دستور انتقالي» لحل الأزمة وافق عليها تحالف «الحرية والتغيير» وعدد من القوى الرافضة للانقلاب، وشجّعها قائد قوات «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو. كذلك، قدّمت مبادرة أخرى بقيادة الزعيم المتصوف الطيب الجد، قالت المعارضة، إنها مبادرة «أنصار نظام البشير»، وإنها لقيت التشجيع من قائد الجيش عبد الفتاح البرهان.
- مشروع نقابة المحامين
مع التوقف العلني لأي تفاوض بين العسكريين والمدنيين، خرجت للعلن تسريبات صحافية، تقول، إن الطرفين يتواصلان في السر طوال أشهر، وهو ما وصفته «الحرية والتغيير» بأنها اجتماعات «غير رسمية». وعلى الرغم من عدم الاعتراف الصريح بالتفاوض بين الطرفين، فإن التسريبات نقلت أن الطرفين توافقا على قبول «مشروع دستور نقابة المحامين» كمشروع توافقي تُبنى عليه تسوية سياسية. وهذه التسوية تقوم على تسمية رئيس وزراء مدني بصلاحيات كاملة، وتسمية مجلس سيادة مدني محدود يترأسه مدني، ويذهب العسكريون إلى مجلس «الأمن والدفاع» الذي يترأسه رئيس الوزراء المدني، وأن يسمى البرهان قائداً عاماً للجيش ومحمد حمدان دقلو قائداً لقوات الدعم السريع.
وإثر تسريب هذه المعلومات، خرج البرهان ليعلن للناس في بيان جماهيري، أن القوى السياسية قدمت «تنازلات» هي محل ترحيب بالنسبة لهم، لإخراج السودان إلى بر الأمان. وأعلن نائبه محمد حمدان دقلو ترحيبه بمبادرة نقابة المحامين كأساس للحل؛ آملاً أن تكون مدخلاً لاتفاق شامل لحل الأزمة السودانية.
المجتمعان الدولي والإقليمي رحبا أيضاً بما أمكن التوصل إليه. ونقل عن رئيس بعثة «يونتامس» فولكر بيرتيس في آخر إحاطة قدمها لمجلس الأمن الدولي، أن مسوّدة «مشروع دستور نقابة المحامين» السودانية تحظى بدعم واسع من قوى سياسية عديدة بما فيهم الجيش نفسه، مع خلافات طفيفة بشأن دور الجيش. وأردف خلال مقابلة أجرتها معه فضائية «العربية الحدث» بأن هناك اتفاقاً وشيكاً بين الأطراف على اتفاق بين الأطراف السودانية على فترة انتقالية لا تتعدى السنتين. وأعرب عن تفاؤله بقرب التوصل لتسوية للأزمة السياسية، قائلاً، إن الأجواء أصبحت أفضل مما كانت عليه قبل 3 أشهر.
- قبول غربي بـ«المسودة»
وحقاً، حظيت «المسودة» على الفور بتأييد أكثر من 9 دول غربية، على رأسها الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا. وقال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بليكن في تصريحات 24 أكتوبر الماضي، إن حكومته ترحب بالمبادرات الشاملة لإيجاد مخرج من الأزمة، وإنهاء الحكم العسكري واستعادة الانتقال الديمقراطي المدني. وتعهد بممارسة كل الوسائل المتاحة ضد الذين يسعون لعرقلة التقدم باتجاه تحوين حكومة مدنية ذات مصداقية، باعتباره السبيل الوحيد لاستئناف المساعدات الدولية للسودان.
ومقابل هذا التأييد، واجهت القوى المحسوبة على النظام الإسلامي وأنصار الرئيس المعزول الذين أسقطتهم الثورة الشعبية، «المسودة» برفض واسع، واعتبروها «أجنبية» وماسة بسيادة السودان. وسيّروا تبعاً لذلك موكباً احتجاجياً إلى مقر بعثة الأمم المتحدة لدعم الانتقال (يونيتامس)، طالبت فيها بطرد البعثة ورئيسها فولكر بيرتيس، وتوعدت حال عدم شمولها في المفاوضات بتفجير البلاد، واللافت أن قوات الأمن لم تتعرض لهم بمثل ما تفعل مع المعارضين.
أما المجموعة الأخرى، «تحالف قوى التغيير الجذري» بقيادة الحزب الشيوعي، فقد أعلنت منذ وقت مبكر رفضها المطلق للمبادرة المقدمة من نقابة المحامين. وقال الحزب الشيوعي في بيان عقب لقائه مع «الآلية الثلاثية» أول من أمس، إنه أبلغ البعثة رفضه أي تسوية مع الانقلابيين، وإنه يعمل على إسقاطه عبر الانتفاضة الشعبية والعصيان المدني والإضراب السياسي الشامل، ووصف مشروع دستور نقابة المحامين «جاء منبتاً ولم يسبقه أي برنامج أو اتفاق»، واعتبر دور «الآلية الثلاثية» سلبياً.
أيضاً، أعلنت مجموعات من «لجان المقاومة الشعبية» رفضها أي تفاوض مع العسكريين، اعتبرته «بيعاً لدم الشهداء» - كما ظلت تقول في بياناتها وهتافاتها - بل رأت فيه «خيانة» من «تحالف الحرية والتغيير». وبينما فضلت مجموعات من «اللجان» الانتظار لترى شكل التسوية الجديدة التي يمكن الوصول إليها، وما إن كانت ستستجيب لتطلعات الشعب أم لا، أيّدت مجموعات أخرى من هذه «اللجان» خطوة «الحرية والتغيير». ودأبت «لجان المقاومة السودانية» على تنظيم جداول احتجاجات يومية، يتم الالتزام بها بالحرف، ويشارك فيها آلاف المحتجين في مختلف مدن السودان. وتنظر «لجان المقاومة»، التي هي كتنظيمات تغلب عليها الصبغة «الشبابية» شذراً إلى الأحزاب. وتحمّلها مسؤولية فشل الانتقال، وتتهمها بأنها تسعى للمكاسب السلطوية والسياسية على حساب مطالب الشارع السياسي وتتجاهل التضحيات العظيمة التي يقدمها يومياً، كما وصل بعضها لوصفها بـ«خيانة دم الشهداء»، وكثيراً ما تتردد الهتاف «قحاته باعو الدم»، وهي إشارة إلى اختصار اسم «تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير – قحت - ».
أما حلفاء العسكريين وشركاؤهم في الحكم حالياً، فقد انقسموا إلى مواقف عدة. ففي حين أبدى عدد من قادة حركات الكفاح المسلح، وعلى رأسهم عضو مجلس السيادة ورئيس «الجبهة الثورية» الهادي إدريس، تأييده المتحفظ لمشروع دستور المحامين، اشترطت مجموعة أخرى مشاركة في الانقلاب إشراكها في التفاوض، وحذرت من مآلات خطيرة حال عزلها وإقصائها من التسوية المزمعة.
- حل نقابة المحامين
وسط كل هذه الشحن والشحن المضاد، دأبت وسائل أعلام محلية وإقليمية، بل وسائط التواصل الاجتماعي، على إطلاق تكهنات وتوقعات، بل و«إشاعات»، تتحدث عن قرب التوصل لتسوية بين المدنيين والعسكريين، أو أن هذا ما يدور في الحقل على الأقل، لكن حصاد البيدر لا يزال غامضاً ومهدداً بفساد المحصول، فكلما اقتربت اللحظة هربت مرة أخرى.
وكلما ارتفعت وتيرة التفاؤل بين السودانيين المتعبين بقرب انتهاء الأزمة، كانت السلطات تتخذ قرارات أو إجراءات تعيدهم للتشاؤم مجدداً. ففي اليومين الماضيين، رغم التوقعات العظيمة التي أشارت إليها وسائل الإعلام بقرب التوصل لتسوية، واصلت السلطات العنف تجاه المحتجين السلميين؛ ما أدى إلى مقتل محتج واحد على الأقل بالرصاص الأسبوع الماضي، ليبلغ العدد 119 محتجاً سلمياً امتدت إليهم رصاصات غادرة، لم يجرِ أي تحقيق عن مقتلهم ولم توجه اتهامات لأحد.
ومن بين «الرصاصات» التي أطلقت باتجاه أنصار التسوية، أصدرت لجنة تابعة لـ«مجلس السيادة» أول من أمس، قراراً حلت بموجبه «نقابة المحامين» التي قدمت الدستور، وأمرت بإعادتها لأنصار البشير. كما لم تتدخل السلطات الأمنية لحماية المحامين الذين هاجمهم المتشددون الإسلاميون في دارهم، وهو ما وصفه فولكر بيرتيس أول من أمس بأنه «إشارة واضحة مرسلة، ضد الجهود الجارية للتوصل إلى إجماع مقبول بين القوى السياسية والعسكريين نحو انتقال ديمقراطي حقيقي في السودان». وتابع، أن اللجنة التسييرية لنقابة المحامين السودانيين، لعبت دوراً مهماً في الدعوة إلى خطاب شامل في سياق العملية السياسية الحالية بغض النظر عن وضعها القانوني.
ولذلك؛ لا يعرف أحد – أو يستطيع التكهن - بما يمكن أن يحدث غداً، فأرض الأزمة السودانية «زلقة» ومليئة بالمطبات، فكلما خرجت من حفرة وقعت في الأخرى، وكلما لاحت بارقة أعقبتها ظلمة، في حين يظل شعب السودان «يضرس بينما يأكل آباؤه الحصرم».
- البرهان نسف في يوليو «لجنة تواصل» بين العسكريين والمدنيين
> شارك الطرفان، العسكري والمدني، في الاجتماع الذي دعت إليه «الآلية الأممية» لجمع العسكريين والمدنيين في منزل السفير السعودي بالخرطوم يوم 9 يونيو (حزيران) الماضي، بهدف بحث تسوية الأزمة السودانية. ولقد شارك الطرفان بممثلين رفيعي المستوى، فمثّل الجانب العسكري كل من نائب رئيس «مجلس السيادة» محمد حمدان دقلو وعضوي «مجلس السيادة» شمس الدين كباشي وإبراهيم جابر. أما الجانب المدني، فتمثّل بقادة «تحالف الحرية والتغيير»، وهم الواثق البرير، أمين عام حزب الأمة القومي، وياسر عرمان، القيادي في الحركة الشعبية لتحرير السودان، وطه عثمان، عضو تجمع المهنيين، ووجدي صالح عن حزب البعث العربي الاشتراكي.
ويومها عُد اجتماع «الحرية والتغيير» بالعسكريين الذي عقد بوساطة أميركية وسعودية تقدماً نسبياً؛ لأنه كان الأول بين الطرفين منذ انقلاب أكتوبر. وقد وصفه محللون وقتها بأنه «خطوة لاستعادة الثقة المفقودة بين الطرفين»، وتأكيد على رغبة طرفيه الدخول في مسار تفاوضي، يقود لإنهاء الأزمة السياسية. وخرج ذلك الاجتماع يومذاك - قبل أن ينسفه موقف قاد الجيش عبد اللطيف البرهان في يوليو (تموز) - بتسمية «لجنة تواصل» من شخصين، هما شمس الدين كباشي من العسكريين، وطه عثمان من «الحرية والتغيير» بمشاركة ممثلين للمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة؛ بهدف إجراء المشاورات على الدستور الجديد، وهياكل الحكم والإصلاح الأمني والعسكري.


مقالات ذات صلة

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

شمال افريقيا «أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

«أمانة» السعودية تجلي 1765 شخصاً لـ32 دولة من السودان

نقلت سفينة «أمانة» السعودية، اليوم (الخميس)، نحو 1765 شخصاً ينتمون لـ32 دولة، إلى جدة، ضمن عمليات الإجلاء التي تقوم بها المملكة لمواطنيها ورعايا الدول الشقيقة والصديقة من السودان، إنفاذاً لتوجيهات القيادة. ووصل على متن السفينة، مساء اليوم، مواطن سعودي و1765 شخصاً من رعايا «مصر، والعراق، وتونس، وسوريا، والأردن، واليمن، وإريتريا، والصومال، وأفغانستان، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر، ونيجيريا، وبنغلاديش، وسيريلانكا، والفلبين، وأذربيجان، وماليزيا، وكينيا، وتنزانيا، والولايات المتحدة، وتشيك، والبرازيل، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، والكاميرون، وسويسرا، والدنمارك، وألمانيا». و

«الشرق الأوسط» (جدة)
شمال افريقيا مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

مصريون يسهمون في إغاثة النازحين عند المعابر الحدودية

بعد 3 أيام عصيبة قضتها المسنة السودانية زينب عمر، بمعبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان، وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على غر

شمال افريقيا الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

الأمم المتحدة تطلب 445 مليون دولار لمساعدة الفارين من السودان

أعلنت الأمم المتحدة، الخميس، أنها تحتاج إلى 445 مليون دولار لمساعدة 860 ألف شخص توقعت أن يفروا بحلول أكتوبر (تشرين الأول) المقبل من القتال الدامي في السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين هذا النداء لجمع الأموال من الدول المانحة، مضيفة أن مصر وجنوب السودان سيسجّلان أكبر عدد من الوافدين. وستتطلب الاستجابة للأزمة السودانية 445 مليون دولار حتى أكتوبر؛ لمواجهة ارتفاع عدد الفارين من السودان، بحسب المفوضية. وحتى قبل هذه الأزمة، كانت معظم العمليات الإنسانية في البلدان المجاورة للسودان، التي تستضيف حالياً الأشخاص الفارين من البلاد، تعاني نقصاً في التمو

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شمال افريقيا الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

الصراع في الخرطوم يوجّه ضربة جديدة للاقتصاد

وجّه الصراع المحتدم الذي يعصف بالسودان ضربة قاصمة للمركز الرئيسي لاقتصاد البلاد في العاصمة الخرطوم. كما عطّل طرق التجارة الداخلية، مما يهدد الواردات ويتسبب في أزمة سيولة. وفي أنحاء مساحات مترامية من العاصمة، تعرضت مصانع كبرى ومصارف ومتاجر وأسواق للنهب أو التخريب أو لحقت بها أضرار بالغة وتعطلت إمدادات الكهرباء والمياه، وتحدث سكان عن ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في السلع الأساسية. حتى قبل اندلاع القتال بين طرفي الصراع في 15 أبريل، عانى الاقتصاد السوداني من ركود عميق بسبب أزمة تعود للسنوات الأخيرة من حكم الرئيس السابق عمر البشير واضطرابات تلت الإطاحة به في عام 2019.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

فيصل بن فرحان وغوتيريش يبحثان وقف التصعيد في السودان

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، اليوم (الخميس)، الجهود المبذولة لوقف التصعيد العسكري بين الأطراف في السودان، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين السودانيين والمقيمين على أرضه. وأكد الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي أجراه بغوتيريش، على استمرار السعودية في مساعيها الحميدة بالعمل على إجلاء رعايا الدول التي تقدمت بطلب مساعدة بشأن ذلك. واستعرض الجانبان أوجه التعاون بين السعودية والأمم المتحدة، كما ناقشا آخر المستجدات والتطورات الدولية، والجهود الحثيثة لتعزيز الأمن والسلم الدوليين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الجنوب الليبي... جبهة مفتوحة لتنافس سياسي وعسكري بين الشرق والغرب

عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)
عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)
TT

الجنوب الليبي... جبهة مفتوحة لتنافس سياسي وعسكري بين الشرق والغرب

عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)
عربات عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي على الحدود الجنوبية الغربية (إعلام الجيش الوطني)

تحوّل الجنوب الليبي خلال الأشهر الأخيرة، إلى ساحة تنافس سياسي وعسكري مفتوحة بين الأفرقاء السياسيين في شرق البلاد وغربها، في ظل استمرار الانقسام الحكومي، والصراع على النفوذ منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011.

وترسخت رؤية نخب سياسية ليبية لهذا التنافس اللافت بعد تعيين سالم الزادمة نائباً لرئيس حكومة «الوحدة» الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، الأسبوع الماضي، وذلك بعد أشهر من إقالته من منصبه بوصفه نائباً لرئيس حكومة «الاستقرار»، المكلّفة من مجلس النواب في يوليو (تموز) الماضي.

ويرى سياسيون أن هذه الخطوة «تعكس سيولة التحالفات السياسية بين المعسكرين المتنافسين»، وتتماشى مع إعادة تموضع سياسي وأمني للقوى الليبية في الجنوب، الممتد على الحدود الجنوبية مع دول الجوار والغني بالموارد الاستراتيجية.

نائب رئيس حكومة الوحدة في غرب ليبيا سالم الزادمة (متداولة)

وبهذا الخصوص، قالت العضوة السابقة في «المؤتمر الوطني العام»، نادية الراشد، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يجري في الجنوب «يمثل جزءاً من إعادة رسم موازين القوى بين الشرق والغرب، تحسباً لأي مسار تفاوضي مقبل لتقاسم محتمل للسلطة».

وتذهب تقديرات بحثية صادرة عن «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، إلى أن الأحداث تأتي في سياق «استثمار الانقسامات المحلية، والتناقضات بين بعض القيادات المرتبطة بمعسكر الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، ضمن صراع أوسع للسيطرة على الإقليم الجنوبي، وتحويله إلى ورقة تفاوض في أي تسوية سياسية مستقبلية».

وتعد «عائلة الزادمة» من الأسر المؤثرة في الجنوب، حيث ينتمي أفرادها إلى قبيلة «أولاد سليمان»، التي حظيت بتحالف سابق مع حفتر. وإلى جانب سالم الزادمة، هناك شقيقاه حسن، وهو قيادي عسكري سبقت له قيادة إحدى كتائب «الجيش الوطني» في الجنوب، ورضوان، القيادي القبلي في المنطقة.

رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الفريق أول خالد حفتر خلال إفطار رمضاني مع عسكريين في جنوب غربي ليبيا (إعلام الجيش الوطني)

تاريخياً، اعتمد نظام القذافي على ترتيبات اجتماعية وأمنية محلية لإدارة الجنوب الليبي، وفي هذا السياق، يعيد «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية» التذكير بأن القذافي استعان بشخصيات قبلية ومحلية لضمان الاستقرار، على غرار تكليف مسعود عبد الحفيظ بإدارة مدينة سبها، التي تحولت في فترة معينة إلى منطقة خاضعة لإشراف أمني خاص لسنوات.

ولا ينفصل التحول السياسي الحاصل في الجنوب عن التطورات العسكرية، إذ تصاعد نشاط ما يعرف بـ«غرفة عمليات الجنوب» في مواجهة «الجيش الوطني الليبي» خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، خصوصاً بعد هجمات متزامنة، استهدفت 3 نقاط حدودية على الحدود مع النيجر نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي.

ومع استمرار الصراع الميداني، يتحدث الطرفان عن تحقيق تقدم في بعض المناطق، فيما تشير تقارير إلى دعم أطراف سياسية وإعلامية في غرب ليبيا لقائد «غرفة عمليات الجنوب»، محمد ودرقو، وهو دعم لم تُنفِه حكومة الدبيبة.

الباحث العسكري، محمد الترهوني، يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن ظهور «غرفة عمليات الجنوب» يعكس محاولة لإعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي، أكثر من كونه جهداً لترسيخ الاستقرار، متحدثاً عن «معلومات متطابقة عن دعم أطراف في غرب ليبيا لهذا التمرد في جنوب البلاد».

وفي السياق ذاته، يقول رئيس «المركز الليبي للدراسات الأمنية والعسكرية»، أشرف عبد الله، إن «تشكيلات مسلحة في الجنوب تحركها حسابات مصلحية، أكثر من ارتباطها بمشروع سياسي واضح»، مشيراً إلى أن ولاءاتها تتغير وفق ميزان القوة والتمويل.

لكن مآلات هذا الصراع العسكري في الجنوب الليبي تبدو تحت رحمة «الطبيعة الجغرافية المعقدة للجنوب، التي تجعل السيطرة العسكرية الكاملة صعبة»، وفق عبد الله، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «المساحة واسعة، والبنية الأمنية والاجتماعية ضعيفة، ما يحد من قدرة أي طرف على فرض سيطرة شاملة».

عبد الحميد الدبيبة يصافح أحد عناصر تشكيل مسلح في غرب البلاد (مكتب الدبيبة)

وبحسب توقعات «المركز البحثي الليبي»، فقد يسعى «الجيش الوطني» لتعزيز حضوره في الجنوب الشرقي، خصوصاً في مناطق الكفرة وجبل العوينات والقواعد العسكرية القريبة من تشاد، بينما تحاول القوات الموالية لحكومة الدبيبة توسيع نفوذها في الجنوب الغربي، نحو الجزائر والنيجر ومحيط غات والمعابر الصحراوية.

كما يحظى البعد الاقتصادي بحضور بارز في تفاعلات هذا الملف، إذ يلفت الباحث السياسي خالد الحجازي، إلى احتضان الجنوب حقولاً نفطية كبرى؛ مثل حقلي الشرارة والفيل، إلى جانب ثروات معدنية ضخمة مثل الذهب، ما يمنح السيطرة عليها وزناً اقتصادياً وسياسياً في أي مسار تفاوضي.

يشار إلى أن حقل الشرارة يعدّ الأكبر في ليبيا، إذ يصل إنتاجه إلى نحو 240 ألف برميل يومياً، بما يعادل نحو 25 في المائة من إجمالي إنتاج الخام في البلاد.

ولا يقتصر الصراع على المنافسة الداخلية؛ بل يتقاطع مع تحولات إقليمية ودولية. وبهذا الخصوص، تقول نادية الراشد إن «التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، والتنافس الدولي على النفوذ، يجعلان الجنوب الليبي ورقة استراتيجية لإعادة تشكيل موازين القوى في ليبيا ودول الساحل والصحراء».

وبحسب الحجازي، فإن الجنوب أصبح ساحة تجاذبات إقليمية ودولية نظراً لأهميته الجيوسياسية، ونشاط شبكات التهريب والهجرة غير النظامية، بالإضافة إلى اضطرابات دول الجوار مثل النيجر وتشاد والسودان، ما زاد من اهتمام القوى الدولية بالمنطقة.


انتقادات لوزير «داخلية الوحدة» الليبية عقب استقباله شخصيات «مطلوبة دولياً»

الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)
الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)
TT

انتقادات لوزير «داخلية الوحدة» الليبية عقب استقباله شخصيات «مطلوبة دولياً»

الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)
الطرابلسي خلال حفل الإفطار بالزاوية (داخلية الوحدة)

أثار حضور وزير الداخلية المكلف بحكومة الوحدة الليبية «المؤقتة»، عماد الطرابلسي، مأدبة إفطار في مدينة الزاوية، مساء الجمعة، جدلاً واسعاً وانتقادات لاذعة، بعد استقباله قادة تشكيلات مسلحة، من بينهم محمد كشلاف، الملقب بـ«القصب»، والمطلوب دولياً في قضايا تهريب البشر، فيما وصف حقوقيون ووسائل إعلام محلية اللقاء بأنه «تطبيع مع قادة الميليشيات».

جاءت المأدبة الرمضانية التي جمعَت وزير الداخلية الليبي بعدد من عمداء البلديات والقيادات الميليشياوية في مدينة الزاوية (30 كلم غرب طرابلس)، في وقت تشهد فيه المنطقة توترات أمنية واشتباكات متكررة. وأبدى الطرابلسي تفاؤله، مؤكداً أن «مدينة الزاوية قادرة على الإسهام الفاعل في دعم الاستقرار، وتعزيز الأمن في المنطقة الغربية».

عماد الطرابلسي (أ.ف.ب)

وذهب وزير الداخلية في غرب ليبيا إلى الحديث عن التصالح، قائلاً إن «الخلافات مهما طالت فلن تدوم، وأبناء الوطن الواحد قادرون على تجاوزها بروح الأخوة والمسؤولية». وشدد على «نبذ الفرقة والخلاف، وأن تكون جميع مدن ومناطق ليبيا يداً واحدة لترسيخ الأمن والاستقرار».

لكن نشطاء ووسائل إعلام محلية انتقدوا استقبال الطرابلسي للقصب، المتهم بتهريب البشر والوقود، فيما أشاد القصب عبر حسابه الرسمي بموقع «فيسبوك» بـ«حسن الضيافة»، عاداً هذا الإفطار «يعزز جسور التواصل بين أبناء الوطن الواحد».

والقصب قائد ميليشيا «سرية الإسناد»، المعروفة أيضاً باسم «سرية النصر» في الزاوية، مدرج على قوائم العقوبات الدولية منذ يونيو (حزيران) 2018، مع ستة أشخاص آخرين متهمين بـ«الانخراط في شبكات تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر في ليبيا». وأصدر النائب العام الليبي، الصديق الصور، أمراً بحبسه قبل عامين بتهم تتعلق بـ«تهريب النفط».

الصديق الصور النائب العام الليبي (مكتب النائب العام)

يشار إلى أن الزاوية، ذات الأهمية الاستراتيجية، تضم أكبر مصفاة نفط عاملة في البلاد، إضافة إلى موقعها الحيوي على الطريق الساحلي الدولي الرابط بين العاصمة ومعبر رأس جدير الحدودي مع تونس.

وتعد مآدب الإفطار التي ينظمها رئيس حكومة الوحدة، عبد الحميد الدبيبة، ووزير الداخلية الطرابلسي، تجمعاً غير معتاد لقادة ميليشيات وقيادات قبلية واجتماعية من غرب البلاد، لكنها تواجه انتقادات حقوقية واسعة.

في هذا السياق، قال رئيس منظمة «ضحايا» لحقوق الإنسان، ناصر الهواري، إن هذه الموائد «تمثل ترسيخاً لمبدأ الإفلات من العقاب، ومظلة رسمية لتجاهل حقوق الضحايا، وإضفاء الطابع الرسمي على ممارسات غير قانونية لقادة الميليشيات في غرب ليبيا».

وأضاف الهواري لـ«الشرق الأوسط» أن «اللقاءات قد تمثل بداية لتنسيق جديد لتصعيد في العاصمة طرابلس، وربما يؤدي إلى مزيد من المآسي على المدنيين».

من جانبه، علّق مدير «مركز بنغازي لدراسات الهجرة»، طارق لملوم، على صورة مصافحة الدبيبة مع أحد قادة الميليشيات قائلاً: «احتفظوا بهذه الصورة جيداً، فقد تصبح دليلاً لاحقاً على مسؤوليات لم يُعترف بها، كما حدث سابقاً حين تبرأ بعض الأشخاص من أمراء حرب، كانوا يجلسون معهم على موائد مماثلة».

بدورها، استهجنت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» إقامة هذه المآدب، وأكدت استنكارها الشديد لاستقبال الدبيبة لشخصيات جدلية، مثل معمر الضاوي، قائد «الكتيبة 55 مشاة»، المتهم بانتهاكات جسيمة تشمل الاعتقالات التعسفية والتهجير القسري، والتعذيب والقتل خارج نطاق القانون.

المنفي مع وفد نسائي بمناسبة اليوم العالمي للمرأة (المجلس الرئاسي)

في شأن آخر، أشاد رئيس المجلس الرئاسي، محمد المنفي، بالدور الوطني للمرأة الليبية، مثمناً إسهاماتها في دعم مسار الاستقرار، وتعزيز جهود الوحدة الوطنية وبناء مؤسسات الدولة. وقال خلال اجتماعه بالعاصمة طرابلس مع عدد من السيدات بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، مساء الجمعة، إن «المرأة كانت ولا تزال شريكاً أساسياً في مسيرة البناء والتنمية».

إلى ذلك، أعلن جهاز «مكافحة الهجرة غير المشروعة»، التابع لوزارة الداخلية في حكومة «الاستقرار» عن ترحيل 255 مهاجراً سرياً من بنغازي إلى مركز إيواء «أبراك الشاطئ»، استعداداً لإعادتهم إلى بلدانهم الأصلية في منطقة القرن الأفريقي.

مهاجرون غير شرعيين بليبيا (جهاز الهجرة)

وأوضح «الجهاز» أن المهاجرين ينتمون لثلاث جنسيات أفريقية، بينهم 144 إريترياً، و82 صومالياً، و29 إثيوبياً، مؤكداً أن «الإجراء يأتي ضمن جهود الحكومة لتنظيم ملف الهجرة غير المشروعة وحماية الأمن القومي في المناطق الخاضعة لسيطرتها».


لندن في مواجهة انتقادات واسعة بعد إغلاق باب الدراسة أمام السودانيين

وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود (رويترز)
وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود (رويترز)
TT

لندن في مواجهة انتقادات واسعة بعد إغلاق باب الدراسة أمام السودانيين

وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود (رويترز)
وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود (رويترز)

طالب أكثر من 1700 أكاديمي ومهني من المجتمع الأكاديمي السوداني والبريطاني والدولي، الحكومة البريطانية بمراجعة سياستها الأخيرة المتعلقة بوقف منح تأشيرات الدراسة للسودانيين، محذِّرين من أنَّ القرار قد يحرم آلاف الطلاب من إحدى آخر الفرص المتاحة لهم للوصول إلى التعليم العالي في ظلِّ الحرب التي تشهدها بلادهم.

وجاءت الدعوة في مذكرة مشتركة وُجِّهت إلى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وأعضاء حكومته، أعرب فيها الموقِّعون عن قلقهم من «الأثر غير المتناسب» الذي قد تُحدثه القيود الجديدة على المتقدمين السودانيين، مؤكدين أنَّ مثل هذه الإجراءات قد تمسُّ السمعة التاريخية للمملكة المتحدة بوصفها مركزاً عالمياً للفرص الأكاديمية والتبادل العلمي. ويخشى أكثر من 200 طالب سوداني، من طلاب الدراسات العليا والبكالوريوس، فقدان مقاعدهم الدراسية في 46 جامعة، من بينها أكسفورد وكمبردج وإمبريال كوليدج لندن. ويقول بعضهم إنَّ القرار «المفاجئ» مزَّق خططهم المستقبلية.

ملصقٌ صُمِّمَ لحملة الطلاب السودانيين لإلغاء قرار الحكومة بمنعهم من الدراسة في المملكة المتحدة

وتضم قائمة الموقِّعين أساتذة جامعات، وأطباء، ومتخصصين قانونيين، وقادة مجتمع مدني، وطلاباً من مؤسسات تعليمية في قارات عدة. وأشاروا في رسالتهم إلى أن حرمان الشباب السودانيين من فرص التعليم في الخارج، في وقت دمَّرت فيه الحرب الجامعات وشرَّدت الملايين، من شأنه تعميق التداعيات طويلة الأمد للنزاع، وإغلاق أحد المسارات القليلة المتبقية أمام الجيل المقبل.

وكانت وزارة الداخلية البريطانية قد أعلنت، في قرار صدر مطلع الشهر الحالي، وقف إصدار بعض أنواع تأشيرات الدخول الدراسية لمواطني السودان وأفغانستان والكاميرون وميانمار، في إطار ما وصفتها بـ«إجراءات طارئة» تهدف إلى تخفيف الضغط على نظام اللجوء، والحدّ من «إساءة استخدام القنوات القانونية». ومن المقرر أن يبدأ تطبيق القرار في السادس والعشرين من مارس (آذار) الحالي.

وذكرت وزارة الداخلية، في بيان، أن طلبات اللجوء المُقدَّمة من طلاب من الكاميرون والسودان ارتفعت بأكثر من 330 في المائة، وهو ما يُشكِّل - بحسبها - ضغطاً غير قابل للاستدامة على نظام اللجوء في المملكة المتحدة. وأفادت مصادر في الوزارة بأنَّ طلبات التأشيرات المُقدَّمة من طلاب الدول الـ4 ستستمر معالجتها حتى 26 مارس، غير أنه «من غير المرجح للغاية» أن يتمكَّن المتقدمون من الحصول على تأكيد قبول للدراسة قبل الموعد النهائي.

في المقابل، يرى معارضون أنَّ الحديث عن «إساءة استخدام» نظام التأشيرات مبالغ فيه، مشيرين إلى أن عدد الطلاب السودانيين الذين تقدَّموا بطلبات لجوء خلال العام الماضي بلغ 120 طالباً فقط، من إجمالي أكثر من 110 آلاف طلب لجوء.

شخصان يسيران على الضفة الجنوبية لنهر التيمس خلفها قصر وستمنستر في لندن (أ.ف)

ويرى المُوقِّعون أنَّ القرار لا يقتصر تأثيره على الأطر العامة للسياسات التعليمية والهجرة، بل امتد بالفعل إلى مسارات أكاديمية ومهنية فردية. ويستشهدون بحالة طبيبة سودانية لاجئة في أوغندا اجتازت بنجاح المراحل النظرية من زمالة الكلية الملكية لطب الطوارئ، غير أن استكمال الجزء العملي من الامتحان يتطلب السفر إلى بريطانيا، وهو ما أصبح مهدداً بسبب القيود الجديدة. وتقول الطبيبة إن حلمها بالتخصص في طب الطوارئ؛ للمساهمة في مواجهة الأوضاع الصحية الحرجة في بلادها، بات مؤجلاً وربما مهدداً، في وقت تفكر فيه بالبحث عن بدائل في دول أخرى تمنح المؤهل ذاته.

كما يلفت أكاديميون إلى أن القرار قد يقضي على خطط طلاب دراسات عليا وأولية كانوا قد حصلوا بالفعل على قبول في جامعات بريطانية أو في برنامج المنح الدولية «تشيفنينغ (Chevening)»، الذي استفاد منه آلاف السودانيين خلال السنوات الماضية. ويشير أحد الطلاب إلى أن الحرب أخَّرت تخرجه الجامعي، وأن قرار الحظر أجهض آماله في استئناف دراسته العليا وبناء مستقبل مهني مستقر.

وتؤكد الرسالة المشتركة أن القيود الجديدة، في ظلِّ استمرار النزاع في السودان، لا تعرقل فرص التعليم فحسب، بل قد تُعمّق خسائر بلد تضررت مؤسساته التعليمية بشدة، في وقت أصبحت فيه الدراسة في الخارج إحدى الفرص النادرة المتاحة أمام الشباب.

ودعا المُوقِّعون في ختام مذكرتهم الحكومة البريطانية إلى مراجعة عاجلة للنهج الحالي، بما يضمن اتساق قرارات التأشيرات مع التزامات المملكة المتحدة بمبادئ العدالة والانفتاح الأكاديمي، وعدم معاقبة الطلاب الساعين إلى التعليم بسبب ظروف الحرب التي أغلقت أمامهم آفاق الاستقرار داخل وطنهم.

من جانب آخر، ينتقد بعض الباحثين في السياسات العامة مبررات القرار، عادّين أنه يحمل أبعاداً سياسية أكثر من كونه إجراءً تنظيمياً. ويشيرون إلى أن أعداد الطلاب السودانيين الحاصلين على تأشيرات دراسة في بريطانيا تبقى محدودة مقارنة بإجمالي أعداد الطلاب الدوليين، ما يثير تساؤلات حول جدوى استهدافهم بهذه القيود.