هل سترسم الرقاقات الإلكترونية المعالم الجيوسياسية الدولية في المستقبل؟

كوريا الجنوبية وتايوان تحتكران 70 % من الإنتاج العالمي لأشباه الموصلات

رقاقتا ذاكرة من صُنع كوريا الجنوبية داخل جهاز كومبيوتر (رويترز)
رقاقتا ذاكرة من صُنع كوريا الجنوبية داخل جهاز كومبيوتر (رويترز)
TT

هل سترسم الرقاقات الإلكترونية المعالم الجيوسياسية الدولية في المستقبل؟

رقاقتا ذاكرة من صُنع كوريا الجنوبية داخل جهاز كومبيوتر (رويترز)
رقاقتا ذاكرة من صُنع كوريا الجنوبية داخل جهاز كومبيوتر (رويترز)

(خاص)
وراء الحروب والمنافسات الاقتصادية المحتدمة منذ سنوات، والمواجهات العسكرية وما تستتبعه من سباق إلى التسلح، يدور صراع تكنولوجي محموم ستحدد نتائجه معادلات القوة وتوزيع النفوذ في العالم خلال العقود المقبلة.
في هذه المنافسة الضروس، تبرز دولتان آسيويتان، هما كوريا الجنوبية وتايوان اللتان تحتكران وحدهما 70 في المائة من الإنتاج العالمي لأشباه الموصلات، أو ما تُعرف بالرقاقات الإلكترونية، والتي تشكّل الركيزة الأساسية للصناعات الحديثة، وفي طليعتها الحربية، والتي أصبحت الرحى الحقيقية التي يدور حولها الصراع بين الولايات المتحدة والصين على الزعامة الدولية.
وحدها تايوان تستقطب نصف الإنتاج العالمي من الرقاقات الإلكترونية المتطورة عبر شركة «TSMC» التي يتحدث التايوانيون عنها بفخر واعتزاز على أنها «القوة الإلكترونية الأولى في العالم». الأمر الذي يفسّر تنامي قلق الولايات المتحدة من إقدام الصين على ضمّ هذه الجزيرة بالقوة، والتحكّم بهذه السلعة الثمينة التي تعتمد عليها معظم الصناعات الأميركية، والأمن القومي الأميركي لكونها أحد العناصر الأساسية في الصناعات الحربية الحديثة. هذا يعني أن اقتصاد القوة العظمى الأولى في العالم، وقواتها المسلحة التي تشكّل عماد هيمنتها الدولية، يعتمد بنسبة عالية على جزيرة صغيرة لا تزيد مساحتها على 36 ألف كيلومتر مربع، ولا تحظى باعتراف الأسرة الدولية كبلد مستقل.
لكن ما يُقلق الولايات المتحدة بشكل خاص، هو أن الصين التي تعد تايوان جزءاً لا يتجزأ منها، صعّدت مؤخراً مطالبتها باستعادتها، مؤكدة استعدادها لاستخدام القوة إذا ما فشلت مساعي التوحيد سلمياً، كما جاء على لسان الزعيم الصيني شي جينبينغ في خطابه أمام المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الشهر الماضي. وهذا ما دفع واشنطن من جانبها إلى تصعيد مواقفها المعلنة من النزاع حول تايوان، حين أكّد الرئيس الأميركي جو بايدن أن الولايات المتحدة ستدافع عن الجزيرة في حال تعرضها لعمل عسكري من الصين، وذلك على الرغم من أن واشنطن تعترف بمبدأ الصين الواحدة بعدما قطعت علاقاتها الدبلوماسية الرسمية مع الجزيرة واعترفت بجمهورية الصين الشعبية كممثل شرعي وحيد للصين. يضاف إلى ذلك، أن القلق الأميركي يتزايد منذ فترة مع ارتفاع منسوب التوتر الناشئ عن الاستفزازات العسكرية التي تقوم بها كوريا الشمالية ضد جارتها الجنوبية، المركز العالمي الثاني لصناعة الرقاقات الإلكترونية المتطورة، وكان الخبراء والمحللون الاستراتيجيون الأميركيون قد دقّوا ناقوس الخطر منذ سنوات، محذّرين من عواقب هذه «التبعية الإلكترونية» والاعتماد المفرط على مصادر خارجية محدودة لعناصر حيوية بالنسبة للصناعات المتطورة والقدرات الحربية.
وتقدّر دراسة أجرتها مؤخراً لجنة شكّلها مجلس الشيوخ الأميركي، أن انقطاع إمدادات الرقاقات الإلكترونية المتطورة عن السوق الأميركية لسنة واحدة فقط، توازي تكلفته 3.2 في المائة من إجمالي الناتج القومي، وملايين فرص العمل. ولا شك في أن تلك التحذيرات كانت من الأسباب التي دفعت بإدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما إلى تحويل مركز الثقل في السياسة الخارجية الأميركية نحو القارة الآسيوية، وتحديداً نحو منطقة المحيط الهادئ التي كانت قد تحوّلت منذ أواخر القرن الفائت إلى القطب العالمي الرئيسي للصناعات الإلكترونية المتطورة، بالتزامن مع صعود الصين السريع، وتمددها الإقليمي، مسخّرة لذلك قدراتها الاقتصادية الهائلة، في وقت كانت تضاعف موازنتها الحربية مرة كل خمس سنوات.
وإلى جانب ذلك، باشر الكونغرس الأميركي مؤخراً مناقشة «قانون الرقاقات والعلوم» الذي يتيح تخصيص مليارات الدولارات لتنشيط صناعة الرقاقات المتطورة في الولايات المتحدة، والاستعداد لنزاع مسلح محتمل في تايوان ومحيطها، من شأنه قطع الإمدادات الإلكترونية الحيوية من الجزيرة والتعرّض لخطر جيوسياسي كبير يسعى المحللون الاستراتيجيون في البنتاغون والبيت الأبيض إلى استدراكه قبل حدوثه.
تجدر الإشارة إلى أن الرقاقات الإلكترونية المتطورة هي اليوم عنصر أساسي في كل الصناعات المتطورة، من الهواتف الذكية إلى الطائرات المدنية المتطورة، ومن الروبوتات إلى أحدث المقاتلات الحربية. وبالتالي، فهي التي ستحدد في المستقبل عافية الاقتصاد العالمي ومعالم المعادلات الجيوسياسية الجديدة. ومشروع القانون الذي يناقشه الكونغرس الأميركي حول هذا الموضوع، يقتبَس في حيثياته من تصريح للمدير التنفيذي لشركة «إينتيل» الإلكترونية العملاقة باتريك جسلينغر، جاء فيه: «إذا كان النفط هو الذي رسم المعالم الجيوسياسية الدولية خلال العقود الخمسة المنصرمة، فإن الرقاقات الإلكترونية المتطورة هي التي سترسم هذه المعالم في العقود الخمسة المستقبلية».
والسباق الدولي اليوم يدور حول إنتاج رقاقات أسرع، وأدقّ، وأقل تكلفة، وأصغر، وذات قدرة استيعابية أكبر.
وجاء في مسوغات مشروع القانون الأميركي أن حالة الشلل الصناعي التي تسببت بها جائحة كوفيد في مراحلها الأولى، كشفت أهمية هذه الرقاقات عندما توقف إنتاجها، أو تراجع بنسبة كبيرة، ما أدّى إلى تعثّر في سلاسل الإمدادات ما زالت معظم الشركات الكبرى تجرّ أذياله إلى اليوم، بعد تكبدها خسائر مالية فادحة.
في بداية العقد الأخير من القرن الماضي، كانت الولايات المتحدة تُنتج 30 في المائة من الرقاقات الإلكترونية في العالم، أما اليوم فلا تتجاوز قدراتها الإنتاجية الـ12 في المائة مقابل 51 في المائة تُنتجها شركة واحدة في الجزيرة التي تهدد بكين بضمّها.
أما شركة «إينتيل» الأميركية التي كانت رائدة الصناعات الإلكترونية المتطورة حتى نهايات القرن الماضي، فقد تجاوزتها بكثير شركتا «TSMC» التايوانية و«سامسونغ» الكورية الجنوبية.
ويكفي بعض الأرقام لتوضيح ضخامة رهانات الدول الكبرى في هذا السباق الإلكتروني الذي تحوّل، كما أظهرت الحرب الدائرة في أوكرانيا والانتكاسات التي يتعرض لها الجيش الروسي أمام المقاومة الأوكرانية، إلى عنصر أساسي في الأمن القومي وتحديد دوائر النفوذ والقوة في العالم.
فقد قررت الولايات المتحدة تخصيص 76 مليار دولار في السنوات الثلاث المقبلة لبلوغ 30 في المائة من الإنتاج العالمي، ومضاعفة هذا المبلغ حتى نهاية العقد الجاري.
كما أعلنت شركة «إينتيل» عن استثمارات بقيمة 40 مليار دولار لبناء مصنعين لإنتاج جيل جديد من الرقاقات في أوهايو وآريزونا، وعن خطة للاستثمار في أوروبا بقيمة 30 مليار دولار اعتباراً من العام المقبل.
في المقابل، أعلنت الصين خطة بقيمة 100 مليار دولار لتطوير صناعة الرقاقات التي ما زالت دون المستوى الذي وصلت إليها جاراتها الآسيوية، والولايات المتحدة التي كانت قد قررت منذ سنوات الانصراف إلى التصميم والبرمجيات المتطورة، تاركةً مهمة الإنتاج لتايوان وكوريا الجنوبية.وفيما يستغرب المحللون كيف أن هذا القطاع الصناعي الذي يلعب دوراً أساسياً منذ سنوات في تشكيل المعادلات الاقتصادية والتوازنات العسكرية في العالم، والذي تزيد قيمته على 550 مليار دولار سنوياً، لم يستقطب اهتماماً كافياً من القوى الصناعية الكبرى مثل الولايات المتحدة واليابان وألمانيا، يتوقعون له أن يكون أحد محاور الصراع الرئيسية بين واشنطن وبكين، ولا يستبعدون أن يكون عنصراً مفجراً لمواجهات عسكرية في المستقبل.


مقالات ذات صلة

«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

«رؤية 2030» تحوّل السعودية إلى منصة لوجستية عالمية

في مشهد عالمي تتقاذفه اضطرابات سلاسل الإمداد، وتقلبات الجغرافيا السياسية، برزت السعودية بوصفها ركيزة استقرار لا غنى عنها في خريطة اللوجستيات الدولية.

ساره بن شمران (الرياض)
خاص التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

خاص «غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

تقول «غوغل كلاود» إن هدوء الهجمات لا يلغي الخطر، وإن المرونة السيبرانية تبدأ من الثغرات والاستعداد المبكر قبل التصعيد.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
خاص تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)

خاص من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» في «نيكست 2026» الذكاء الاصطناعي كاختبار لجاهزية المؤسسات في البنية والبيانات والحوكمة والأمن والتشغيل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد جانب من ملتقى «حكومة الرقمية 2025» (الهيئة)

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

أعلنت هيئة الحكومة الرقمية السعودية تقرير «مؤشر جاهزية تبنّي التقنيات الناشئة»، الذي يؤكد التطور المتسارع في جاهزية الجهات الحكومية لتبنّي التقنيات الناشئة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)

دراسة من «لينوفو»: 98 % من طلاب الجيل زد يستخدمون الذكاء الاصطناعي مسانداً يومياً

دراسة «لينوفو» تكشف اعتماد طلاب الجيل زد على الأجهزة اللوحية، والذكاء الاصطناعي للدراسة، والإبداع، والتنظيم اليومي مع أولوية للأمان، والاستدامة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...