الاقتصاد ليس العامل الوحيد في خيار الناخب الأميركي

18 من 20 جولة انتخابات نصفية خسرها حزب الرئيس الحاكم

تصويت مبكر في مركز اقتراع في ميامي أول من أمس (أ.ب)
تصويت مبكر في مركز اقتراع في ميامي أول من أمس (أ.ب)
TT

الاقتصاد ليس العامل الوحيد في خيار الناخب الأميركي

تصويت مبكر في مركز اقتراع في ميامي أول من أمس (أ.ب)
تصويت مبكر في مركز اقتراع في ميامي أول من أمس (أ.ب)

يوم الثلاثاء المقبل، ستجري الانتخابات الأميركية النصفية التي غالباً ما توصف بأنها اختبار لحزب الرئيس وعقاب له بعد سنتين من حكمه.
غير أن انتخابات هذا العام تحولت إلى حدث تتفوق درجات الاهتمام به دولياً على ما تعنيه بالنسبة للداخل الأميركي. فهي تجري وسط أحداث دولية فائقة الأهمية والخطورة، وسيتابع العالم ما الذي ستحدثه من تغيير في القرار السياسي الأميركي حولها.
وبينما تشير كل الاستطلاعات إلى أن الاقتصاد سيكون العامل الرئيسي وراء تفضيلات الناخبين، تشير بعض التحليلات التي صدرت الثلاثاء إلى أنه ليس العامل المهيمن، ولم يكن كذلك أبداً، إذا ما تمت مراجعة نتائج الانتخابات النصفية في تاريخها الحديث.
وتؤكد إحصاءات مثبتة أن حزب الرئيس يخسر دوماً الانتخابات النصفية، وخصوصاً انتخابات مجلس النواب، في حين أن مجلس الشيوخ غالباً ما كان محط صراع غير محسوم. وهو ما يشير إلى أن الشعب الأميركي سعى على الدوام إلى الحفاظ على التناغم بين طرفي السلطة التنفيذية: البيت الأبيض، ومجلس الشيوخ.
ومن أصل 20 جولة انتخابات نصفية، منذ 1942، خسر حزب الرئيس 18 منها؛ لا بل إن كثيراً منها حصل في ظل أداء اقتصادي قوي للرئيس ولحزبه. وهذا ما حصل في انتخابات أعوام 2000 و2006 و2014 و2018، في حين أن باراك أوباما تم التجديد له في انتخابات 2012، في ظل اقتصاد سيئ.
وبحسب بعض التحليلات، كان هناك دائماً تفسيران لأسباب خسارة حزب الرئيس الحاكم لتلك الانتخابات، ولا يتعلق أي منهما بالاقتصاد:
الأول أن الناخبين -وخصوصاً ناخبي الحزب الحاكم- لا يتوجهون إلى صناديق الاقتراع بالحماسة والكثافة نفسيهما لدى ناخبي حزب المعارضة الذين عادة ما يكونون متحفزين للانتقام من خسارة حزبهم انتخابات الرئاسة قبل سنتين. وهو ما تطلَّب جهوداً كبيرة على الدوام من الحزب الحاكم لحض ناخبيه على المشاركة في التصويت.
وثانياً، هناك كتلة المستقلين التي غالباً ما تتأرجح بين الحزبين، وتتطلع دائماً إلى موازنة السلطة في واشنطن. وهو ما يعكس حرفياً رغبة المؤسسين الأوائل الذين صاغوا الدستور الأميركي، بما يمنع تحول الرئيس إلى «ملك»، في ظل السلطات الواسعة التي يمتلكها. وهو ما يدفع الحزب الحاكم إلى الاهتمام بتلك الكتلة من الناخبين، لحضهم على التصويت لمصلحة مرشحي الحزب أيضاً.
ويضيف محللون أن الاقتصاد الجيد لا يضمن فوز الحزب الحاكم، مثلما أنه لا يضمن هزيمته. وإذا كان نمو الناتج المحلي الإجمالي، أو معدل البطالة، أو مؤشر أسعار المستهلك، أو أي مقياس آخر، يعد أفضل مؤشر للظروف الاقتصادية للأميركيين؛ فإنه في الواقع أمر قابل للنقاش أيضاً. فلا يوجد عامل واحد يمكن البناء عليه في توقع نتائج الانتخابات الأميركية. فخسارة الديمقراطيين المتوقعة لمجلس النواب، ليست بسبب التضخم وحده: «بل لأن ساكن البيت الأبيض دائماً ما يخسر مجلس النواب».
ويناقش البعض أيضاً بأن خسارة الديمقراطيين المتوقعة، فد تعود إلى تركيزهم على قضايا الإجهاض والعرق والسياسة، على سبيل المثال، وابتعادهم عن محاولة استقطاب البيض الذين يشعرون على الدوام بأنهم مهددون من التغيير الديمغرافي الزاحف على التركيبة السكانية.
وعلى الرغم من ذلك، لم ينجح الحزب الديمقراطي -على الأقل في تاريخه الحديث- في استقطاب تلك الشريحة التي عادة ما تميل إلى الجمهوريين، بمعزل عن الخطاب والإنجازات الاقتصادية التي يحققها الحزب الديمقراطي.
فالجمهوريون قادرون على التحريض على تلك القضايا في أوساط البيض، بمعزل عن قضايا الاقتصاد، كما يحصل اليوم في حملاتهم في الولايات المتأرجحة والأكثر أهمية في تقرير مصير الانتخابات، كولايات بنسلفانيا وويسكنسن ونيويورك.
وتظهر الاستطلاعات أن الاقتصاد كان مهماً بنسبة لم تتجاوز الـ30 في المائة؛ لكن عديداً من المحللين يجمعون على أنه من غير المرجح أن يصوّت هؤلاء لمرشحين على أساس خطابهم الاقتصادي. ويتوقعون أن يكون التصويت على أساس الحزبية، بنسبة قد تفوق 80 في المائة أو 90 في المائة.
وعلى الرغم من قدرة الحزب الحاكم على الترويج لإنجازاته الاقتصادية، وبأنها كانت جيدة وإيجابية، فإن التصويت لا يقوم على هذه الرافعة فقط. وهذا يشمل كتلة المستقلين التي ينبغي رصد اتجاهاتها في أي انتخابات نصفية، ناهيك عن احتفاظهم بآرائهم أو حتى كذبهم بشأن نيات تصويتهم في الاستطلاعات، والتي سببت نتائجها كثيراً من الإحراجات للمؤسسات التي تنظمها.
وعليه، يقول بعض المحللين إن خسارة الحزب الديمقراطي للانتخابات النصفية قد لا تكون مؤشراً كافياً لخسارتهم انتخابات الرئاسة عام 2024، مثلما أنها قد لا تفقد الرئيس الحالي القدرة على تطبيق أجندته. لكنها حتماً ستضيف صعوبات على تطبيق أجندته في العامين المقبلين من عهده، والتي حماها الدستور الأميركي نفسه، عبر صلاحياته «التنفيذية» التي يستطيع من خلالها الالتفاف أو تجاوز معارضة الكونغرس. والتجارب كثيرة في هذا المجال، من كلينتون وأوباما وترمب وعديد من الرؤساء السابقين.


مقالات ذات صلة

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الولايات المتحدة​ الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

تواجه المحكمة العليا للولايات المتحدة، التي كانت تعدّ واحدة من أكثر المؤسّسات احتراماً في البلاد، جدلاً كبيراً يرتبط بشكل خاص بأخلاقيات قضاتها التي سينظر فيها مجلس الشيوخ اليوم الثلاثاء. وتدور جلسة الاستماع، في الوقت الذي وصلت فيه شعبية المحكمة العليا، ذات الغالبية المحافظة، إلى أدنى مستوياتها، إذ يرى 58 في المائة من الأميركيين أنّها تؤدي وظيفتها بشكل سيئ. ونظّمت اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، التي يسيطر عليها الديمقراطيون، جلسة الاستماع هذه، بعد جدل طال قاضيين محافظَين، قبِل أحدهما وهو كلارنس توماس هبة من رجل أعمال. ورفض رئيس المحكمة العليا جون روبرتس، المحافظ أيضاً، الإدلاء بشهادته أمام الك

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي كيفين مكارثي قبول دعوة الرئيس جو بايدن للاجتماع (الثلاثاء) المقبل، لمناقشة سقف الدين الأميركي قبل وقوع كارثة اقتصادية وعجز الحكومة الأميركية عن سداد ديونها بحلول بداية يونيو (حزيران) المقبل. وسيكون اللقاء بين بايدن ومكارثي في التاسع من مايو (أيار) الجاري هو الأول منذ اجتماع فبراير (شباط) الماضي الذي بحث فيه الرجلان سقف الدين دون التوصل إلى توافق. ودعا بايدن إلى لقاء الأسبوع المقبل مع كل من زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر (ديمقراطي من نيويورك)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب ميتش ماكونيل (جمهوري من كنتاكي)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز (ديمقراطي م

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

تمكّن تلميذ أميركي يبلغ 13 سنة من إيقاف حافلة مدرسية تقل عشرات التلاميذ بعدما فقد سائقها وعيه. وحصلت الواقعة الأربعاء في ولاية ميشيغان الشمالية، عندما نهض مراهق يدعى ديلون ريفز من مقعده وسيطر على مقود الحافلة بعدما لاحظ أنّ السائق قد أغمي عليه. وتمكّن التلميذ من إيقاف السيارة في منتصف الطريق باستخدامه فرامل اليد، على ما أفاد المسؤول عن المدارس الرسمية في المنطقة روبرت ليفرنوا. وكانت الحافلة تقل نحو 70 تلميذاً من مدرسة «لويس أي كارتر ميدل سكول» في بلدة وارين عندما فقد السائق وعيه، على ما ظهر في مقطع فيديو نشرته السلطات.

يوميات الشرق أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

كشفت دراسة أجريت على البشر، ستعرض خلال أسبوع أمراض الجهاز الهضمي بأميركا، خلال الفترة من 6 إلى 9 مايو (أيار) المقبل، عن إمكانية السيطرة على مرض السكري من النوع الثاني، من خلال علاج يعتمد على النبضات الكهربائية سيعلن عنه للمرة الأولى. وتستخدم هذه الطريقة العلاجية، التي نفذها المركز الطبي بجامعة أمستردام بهولندا، المنظار لإرسال نبضات كهربائية مضبوطة، بهدف إحداث تغييرات في بطانة الجزء الأول من الأمعاء الدقيقة لمرضى السكري من النوع الثاني، وهو ما يساعد على التوقف عن تناول الإنسولين، والاستمرار في التحكم بنسبة السكر في الدم. وتقول سيلين بوش، الباحثة الرئيسية بالدراسة، في تقرير نشره الجمعة الموقع ال

حازم بدر (القاهرة)
آسيا شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

نقلت وكالة الإعلام الروسية الحكومية عن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو قوله، اليوم (الجمعة)، إن موسكو تعزز الجاهزية القتالية في قواعدها العسكرية بآسيا الوسطى لمواجهة ما قال إنها جهود أميركية لتعزيز حضورها في المنطقة. وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، تملك موسكو قواعد عسكرية في قرغيزستان وطاجيكستان، لكن الوكالة نقلت عن شويغو قوله إن الولايات المتحدة وحلفاءها يحاولون إرساء بنية تحتية عسكرية في أنحاء المنطقة، وذلك خلال حديثه في اجتماع لوزراء دفاع «منظمة شنغهاي للتعاون» المقام في الهند. وقال شويغو: «تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها، بذريعة المساعدة في مكافحة الإرهاب، استعادة حضورها العسكري في آسيا الوسطى

«الشرق الأوسط» (موسكو)

أميركا... وفاة طالب لجوء أفغاني خلال احتجازه لدى وكالة الهجرة

عناصر من وكالة الهجرة والجمارك (أرشيفية-رويترز)
عناصر من وكالة الهجرة والجمارك (أرشيفية-رويترز)
TT

أميركا... وفاة طالب لجوء أفغاني خلال احتجازه لدى وكالة الهجرة

عناصر من وكالة الهجرة والجمارك (أرشيفية-رويترز)
عناصر من وكالة الهجرة والجمارك (أرشيفية-رويترز)

قالت جماعة ‌حقوقية يقودها محاربون قدامى أميركيون، اليوم الأحد، إن مهاجراً أفغانياً لقي حتفه مطلع هذا الأسبوع في ​أثناء احتجازه لدى وكالة الهجرة والجمارك، وذلك بعد أقل من 24 ساعة من اعتقاله في ولاية تكساس.

وكان محمد ناظر باكتيوال عمل سابقاً مع الجيش الأميركي في أفغانستان وطلب لاحقاً اللجوء إلى الولايات المتحدة.

وقال شون فانديفير، رئيس جماعة «أفغان ‌إيفاك» المدافعة ‌عن حقوق اللاجئين، في بيان، ​إن ‌باكتيوال ⁠كان ​يعيش في ⁠إحدى ضواحي دالاس مع زوجته وأطفاله الستة في انتظار البت في طلب اللجوء الذي قدمه.

وأضاف فانديفير أن أفراد أمن اتحاديين اعتقلوا باكتيوال من أمام شقته صباح يوم الجمعة بينما كان يوصل أطفاله ⁠إلى المدرسة قبل أن يلقى حتفه أمس ‌لأسباب غير ‌معروفة.

باكتيوال (41 عاماً) هو الشخص الثاني ​عشر على الأقل ‌الذي يموت في أثناء احتجازه لدى وكالة ‌الهجرة والجمارك هذا العام في ظل حملة الرئيس الأميركي دونالد ترمب المناهضة للهجرة.

وتوفي 31 شخصاً العام الماضي بعد احتجازهم لدى وكالة الهجرة والجمارك، ‌وهو أعلى رقم خلال عقدين.

وأدت وكالة الهجرة والجمارك دوراً محورياً ⁠في ⁠سياسة ترمب القائمة على الترحيل الجماعي.

وقالت وزارة الأمن الداخلي الأميركية، التي تتبعها وكالة الهجرة والجمارك، إنها تحتاج إلى مزيد من الوقت للرد على طلب من وكالة «رويترز» للتعليق.

وقال فانديفير إن أسرة باكتيوال أُبلغت بأنه نُقل إلى أحد المستشفيات في دالاس ليلة اعتقاله، وكان لا يزال على قيد الحياة في صباح اليوم التالي، لكنه ​توفي بعد ذلك ​بوقت قصير. ودعت منظمة «أفغان إيفاك» إلى فتح تحقيق فوري.


مسؤول أميركي: الضربات على إيران كلفت حتى الآن 12 مليار دولار

مدير المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي كيفن هاسيت (إ.ب.أ)
مدير المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي كيفن هاسيت (إ.ب.أ)
TT

مسؤول أميركي: الضربات على إيران كلفت حتى الآن 12 مليار دولار

مدير المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي كيفن هاسيت (إ.ب.أ)
مدير المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي كيفن هاسيت (إ.ب.أ)

قال مدير المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي، كيفن هاسيت، إن هجمات إدارة الرئيس دونالد ترمب على إيران كلفت الولايات المتحدة حتى الآن 12 مليار دولار.

وأضاف هاسيت، في مقابلة مع برنامج «واجه الأمة» على شبكة «سي بي إس نيوز»: «آخر رقم تم إطلاعي عليه كان 12 مليار دولار»، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية. وكانت تقديرات البنتاغون المقدمة للكونغرس تشير إلى أن الحرب ستكلف 11.3 مليار دولار في أسبوعها الأول. ولم يوضح هاسيت الإطار الزمني لإنفاق الـ12 مليار دولار.

وعند سؤاله عما إذا كانت الولايات المتحدة ستحتاج لطلب المزيد من الأموال من الكونغرس، أجاب هاسيت: «أعتقد أننا الآن لدينا ما نحتاجه. أما ما إذا كان علينا العودة إلى الكونغرس لطلب المزيد، فهذا شيء أعتقد أن روس فوجت ومكتب الإدارة والميزانية سينظران فيه».

ويعرف مكتب الإدارة والميزانية الأميركي بأنه الجهة المسؤولة عن تخطيط وتنظيم ميزانية الحكومة الأميركية.


حرب إيران تمنح بكين مكاسب دبلوماسية وتُكبِّلها بأزمة طاقة

ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
TT

حرب إيران تمنح بكين مكاسب دبلوماسية وتُكبِّلها بأزمة طاقة

ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)

في الظاهر، تبدو بكين من أكبر المستفيدين من الحرب على إيران. فالولايات المتحدة تعود للتورط عسكرياً ومالياً في الشرق الأوسط، وتعيد تحويل حاملات وصواريخ ومنظومات دفاع جوي من آسيا إلى جبهة أخرى، بينما تزداد شكوك الحلفاء الآسيويين في صدقية التعهد الأميركي بأن يبقى «المحيطين الهندي والهادئ» أولوية استراتيجية.

هذا وحده يُقدِّم للصين هدية سياسية ثمينة؛ لأنه يُخفّف الضغط النسبي عنها في جوارها البحري، ويمنحها مادة دعائية جاهزة عن «تراجع» واشنطن وتشتت مواردها. ولكن هذه الصورة ليست مكتملة. فالصين، رغم استعدادها الأفضل مقارنة بكثير من الاقتصادات الآسيوية، تبقى أكبر مستورد للطاقة في العالم، وما يمر عبر مضيق هرمز يمسّ قلب أمنها الاقتصادي والصناعي. لذلك، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت بكين تربح فقط؛ بل ما إذا كانت مكاسبها السياسية يمكن أن تصمد أمام كلفة طاقة أعلى، واضطراب سلاسل الإمداد، وحدود قدرتها على ترجمة التعثر الأميركي إلى تفوق استراتيجي حاسم.

ميزان الردع

المكسب الصيني الأول سياسي واستراتيجي. فالحرب دفعت واشنطن إلى نقل أصول دفاعية مُتقدّمة من آسيا إلى الشرق الأوسط، وبينها منظومة «ثاد» في كوريا الجنوبية، كما زادت المخاوف من تأخير تسليم أسلحة وذخائر لحلفاء آسيويين، مثل اليابان وتايوان.

هذا التحوّل يضرب الرسالة التي كررتها الإدارات الأميركية منذ سنوات عن أولوية مواجهة الصين في آسيا، ويُعزّز سردية بكين بأن الولايات المتحدة قوة مُثقلة بأزمات متعددة وغير قادرة على التركيز طويل الأمد في مسرح واحد. كما أن التكلفة الأميركية نفسها تتضخّم بسرعة؛ إذ تجاوزت -حسب تقديرات أُبلغ بها الكونغرس- 11.3 مليار دولار في الأيام الستة الأولى فقط، ما يُضيف إلى الشّكوك بشأن استدامة هذا الانخراط.

ومن زاوية صينية بحتة، فإن أي استنزاف للترسانة الأميركية، وخصوصاً الدفاعات الجوية والاعتراضات الصاروخية مرتفعة التكلفة، يُعدّ خبراً جيداً لبكين. فالولايات المتحدة أنتجت نحو 600 صاروخ «باتريوت» اعتراضي فقط في 2025، بينما أشارت تقديرات تداولتها وسائل إعلام أميركية إلى استخدام مئات الصواريخ خلال أقل من أسبوعين من الحرب، ما يُسلّط الضوء على فجوة بين وتيرة الاستهلاك العسكري والطاقة الصناعية في التعويض. وهذا تحديداً هو النوع من المؤشرات الذي تراقبه الصين وهي تفكر في ميزان الردع حول تايوان وبحر الصين الجنوبي.

ولا يقتصر الأمر على تآكل المخزون الأميركي. فهناك أيضاً فسحة مناورة رمزية وميدانية. فقد أشار تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» إلى تكثيف أعمال الردم والبناء الصينية في مواقع متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، بينما تبدو القوى الإقليمية أكثر توتراً وأقل ثقة بأن واشنطن قادرة على تغطية جميع الجبهات في وقت واحد. ولكن هذه الفسحة ليست تفويضاً مفتوحاً؛ فهي تمنح بكين مجال ضغط أكبر، لا نصراً جاهزاً.

اعتبارات اقتصادية

المسار الثاني أكثر تعقيداً؛ لأنه اقتصادي. فقد استثمرت الصين خلال الأعوام الماضية بكثافة في بناء مخزونات استراتيجية من النفط وسلع حيوية أخرى، انسجاماً مع تحذيرات شي جينبينغ المتكررة من «أسوأ السيناريوهات».

تُقدِّر صحيفة «فايننشال تايمز» أن احتياطيات بكين النفطية تراوح الآن بين 1.1 و1.4 مليار برميل، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى أكثر من ملياري برميل. بعض هذه التقديرات يعني أن لدى الصين ما يكفي لتغطية أكثر من مائة يوم من الواردات، وهو ما يجعلها أفضل استعداداً من معظم الاقتصادات الآسيوية لمواجهة صدمة مؤقتة في الإمدادات.

الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)

والواقع أن بكين لم تكتف بتكديس الاحتياطيات؛ بل بدأت بالفعل استخدام أدوات إدارة الأزمة. فقد أمرت بوقف صادرات الوقود المكرر في مارس (آذار) لحماية السوق المحلية، وبدأت الإفراج مبكراً عن احتياطيات الأسمدة لاحتواء نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، بينما تتحرك شركات التكرير الكبرى لتقليص المعالجة وإعادة توجيه الإنتاج نحو الوقود المحلي، بدلاً من المنتجات البتروكيماوية الأقل ربحية. هذه الخطوات تكشف أن الصين ليست متفرجة؛ بل تدير الأزمة بمنطق دفاعي مبكر يهدف إلى منع انتقال الصدمة الخارجية إلى الداخل الاجتماعي والصناعي.

مندوب الصين لدى الأمم المتَّحدة يصوِّت ضد فرض عقوبات على إيران في مجلس الأمن يوم 12 مارس (رويترز)

لكن هذه الحماية ليست مطلقة، فثُلث واردات الصين النفطية تقريباً، ونحو ربع وارداتها من الغاز وفق التقديرات المتداولة، يمُرّ عبر هرمز، بينما قالت «رويترز» إن نحو نصف إمدادات الصين النفطية يأتي من منطقة الخليج، وإن آسيا عموماً تعتمد على الشرق الأوسط في نحو 60 في المائة من نفطها. ومع أن جزءاً من الشحنات الصينية أو الإيرانية ما زال يمر من المضيق، فإن أي إغلاق طويل أو شبه كامل للمضيق يرفع تكلفة النقل والتأمين، ويضغط على هوامش المصافي، ويربك سلاسل المواد الأولية من الغاز إلى الأسمدة والكبريت والميثانول. وقد وصفت وكالة الطاقة الدولية ما يجري بأنه أكبر اضطراب نفطي في التاريخ، مع توقع تراجع الإمدادات العالمية هذا الشهر بنحو 8 ملايين برميل يومياً، ما يوضح أن المسألة لم تعد مجرد تقلب سعري عابر.

اختلال القوة مع أميركا

هنا تظهر حدود الربح الصيني، فبكين قادرة على استثمار الحرب دبلوماسياً، وقد تستفيد من اندفاع بعض دول آسيا إلى مزيد من «الاعتماد على الذات» بدل الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية. كما أن الأزمة قد تدفع الصين إلى تعميق روابط الطاقة مع روسيا التي ارتفعت صادراتها عبر خط «سيبيريا 1» إلى الصين العام الماضي إلى 38.8 مليار متر مكعب، بينما يظل مشروع «سيبيريا 2» مطروحاً رغم خلافات التسعير. كذلك، كانت المصافي الصينية قد راكمت بالفعل كميات كبيرة من الخامين الإيراني والروسي رخيصي السعر، ما وفر لها وسادة قصيرة الأجل، حسب «رويترز».

شي لدى استقباله الرئيس الإيراني الأسبق إبراهيم رئيسي في بكين يوم 14 فبراير (أ.ب)

غير أن تحويل هذا كله إلى مكسب استراتيجي كبير يصطدم بثلاثة قيود: أولها أن الصين -بعكس الولايات المتحدة- لا تملك حرية حركة بحرية وجيوعسكرية عالمية تكفي لتأمين طرق الطاقة إذا طال النزاع. ثانيها أن استفادتها من انشغال واشنطن لا تُلغي فجوة القوة الشاملة، سواء في الانتشار العسكري أو شبكات التحالف، أو السيطرة على التكنولوجيا المالية والبحرية. وثالثها أن بكين نفسها حذرة من الانزلاق إلى مجابهة مباشرة؛ لأن اقتصادها المتباطئ أصلاً أقل قدرة على تحمل صدمة طاقة طويلة ومكلفة.

ولهذا بدت الصين -حتى الآن- أقرب إلى إدارة المخاطر منها إلى استثمار الحرب هجوميّاً. فهي تتفاوض لضمان مرور بعض الشحنات، وتحبس الوقود داخل السوق المحلية، وتستخدم الاحتياطيات بحذر، من دون أن تتصرف كقوة واثقة بأنها قلبت موازين القوة العالمية.

الخلاصة أن الصين تستفيد فعلاً من حرب إيران، ولكن استفادتها ليست مباشرة ولا مجانية. فهي تربح من تشتت أميركا، ومن تصدُّع الثقة الآسيوية بواشنطن، ومن الفراغ النسبي الذي يفتحه الاستنزاف الأميركي. ولكنها -في الوقت نفسه- تواجه اختباراً قاسياً لأمنها الطاقي ولقدرتها على تحويل المخزون والمرونة الصناعية إلى حصانة حقيقية.

لذلك، تبدو بكين اليوم في موقع «المستفيد القَلِق»: أقوى دبلوماسياً، ولكنها ليست مطلقة اليد اقتصادياً أو استراتيجياً؛ ومُحصّنة نسبياً ضد الصدمة، ولكنها ليست بمنأى عنها.