أوللا جيردس: لوحاتي مصدر لطاقة إيجابية أشعر بها قبل أن أنقلها للآخرين

ترى في اللون الأحمر أكثر الألوان بهجة وشاعرية

الفنانة الألمانية أولا جيردس
الفنانة الألمانية أولا جيردس
TT

أوللا جيردس: لوحاتي مصدر لطاقة إيجابية أشعر بها قبل أن أنقلها للآخرين

الفنانة الألمانية أولا جيردس
الفنانة الألمانية أولا جيردس

درست الفنانة الألمانية أوللا جيردس الأنثروبولوجيا في جامعة برلين الحرة عام 1995، وفن النحت عام 2001. ولديها العديد من المقتنيات في ألمانيا وفرنسا وموناكو وإنجلترا، حيث تتنقل منذ أكثر من عشرة أعوام بينها وبين مصر، أما في القاهرة فقد أقامت معرضين، الأول بعنوان «زهور القمر» في أبريل (نيسان) 2017 بقاعة «بي غاليري»، وهذا هو معرضها الثاني «حدائق سرية» المقام حالياً في قاعة كريم فرانسيس، ويستمر حتى 10 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي. «أوللا»، مهتمة بالفنون البصرية، ومتخصصة في الفوتوغرافيا، تسعى من خلال لوحاتها لإبراز أعماق الواقع الذي تتابعه، بالتركيز على التكوينات التي تحدث بالصدفة، وتفاصيل الأشياء الدقيقة التي تراها بطريقة عفوية، تلتقطها وتحولها إلى أشياء جديرة بالاهتمام... هذا حوار معها على هامش معرضها.


جانب من المعرض

> ما الفكرة التي تعملين على إبرازها في لوحات معرضك الحالي؟
- أحاول أن أستكشف الأشكال المتكررة والمعتادة الموجودة في الطبيعة بشكل عادي، فالعالم في وعيي ليس صارماً ولا ثابتاً، ولكنه متغير دائماً، يبدو مائعاً وأكثر ديناميكية، وسيولة بألوانه غير المحدودة الموجودة في الطبيعة، فالصور والأشكال والموتيفات تتغير باستقلالية وفردانية، ولا يملك الفنان حيالها سوى مجموعة من الرؤى والتأويلات حسب أفكاره ومشاعره والموقف الآني الذي يعيشه، وأركز في معرضي «حدائق سرية» على الأشياء غير المعتادة في الطبيعة وما تشيعه من إشارات، وما يبرز فيها من صمت عميق وغموض، أجمعها في تكوين أحافظ خلاله على الجماليات التي يتيحها دون تدخل مني، وأضعها في رؤية مختلفة، وبنوع من التناول الطازج، أجعلها تبدو كما لو كانت غير عادية، وتتحرك في متاهة.
> هل ثمة رمزية ما للزهور والنباتات والتي تبدو محور الإيقاع في معرضك؟
- كانت في رأسي صور جميلة بشكل لا يصدق، تلك الصور المقربة الدقيقة للنباتات للمصور الألماني كارل بلوسفيلدت (1865 - 1932)، فقد كانت صوره بمثابة وحي وإلهام بالنسبة لي، وقد ذكر ذات مرة، أنه يمكن للجميع التقاط صور للنباتات، ولكن قلة من الناس فقط قادرون على ملاحظتها واكتشاف أشكالها. وأود أن أضيف لتلك العبارة، «أن أي نبات لديه الكثير ليعطيه من الناحية الجمالية».


من أجواء المعرض

> حدثيني عن المراحل التي تتبعينها بداية من التقاط الصورة حتى ظهورها في شكلها الذي يحقق رؤيتك الفنية؟
- الجانب الوحيد التقني في عمل الفنان الفوتوغرافي هو التقاط الصورة، بعدها أعمل على تصحيح الألوان وتعديلها، وما يبقى بعد ذلك سواء كان متعلقاً بالإطار، أما مفردات اللوحة والبنى فتأتي كتفاصيل، أعمل عليها لتشكيل المشهد، وكلها ذات طبيعة ذاتية تتعلق برؤيتي كفنانة، أما عن عملية الشروع في التقاط الصورة، فلا بد أن يكون هناك محرك لذلك، أو مثير إبداعي يدفعني للعمل، أبني عليه الصورة، وأشكلها بالطبع قبل التقاطها، وهذا العمل هو الذي يظهر فيه الدور الفني والجانب الإبداعي الذي أسعى لإبرازه في اللوحات التي أتحرى دائماً أن تكون مصدراً لطاقة إيجابية وسعادة أشعر بها أولاً قبل أن أحاول نقلها للآخرين بأبعاد متعددة يحقق كل منها مستوى من مستويات التلقي، والنظر الذي ينبني على عنصر أساسي تأتي بعده عناصر متعددة تسهم جميعها في بث شعور مثير للمشاعر أركز عليه في اللوحة.
> يغلب اللون الأحمر على مساحات كبيرة من اللقطات ما سر ذلك؟
- اللون الأحمر يمنح الكثير من الدفء، وقد اختارته بعض الورود لنفسها، لذا أراه من أكثر الألوان بهجة وشاعرية، وهناك عديد من اللوحات أضعها إلى جوار بعضها لتخلق نوعاً من الحوار فيما بينها وكأنها جوقة موسيقية تتشكل من الورود والأشجار ذات الألوان والأشكال المختلفة.
> ماذا عن واقع الفن التشكيلي حالياً في ألمانيا وهل يختلف عن نظيره في بلدان أوروبية أخرى؟
- الفن في ألمانيا هو بالطبع مجال واسع جداً لا يمكن وصفه بشكل كافٍ ببضع كلمات، لكن إذا نظرنا إلى الوراء «التاريخ»، سنجد أنه خاصة بعد الحرب العالمية الثانية كان التأثير الأميركي على ما حدث في أوروبا وبالخصوص في ألمانيا الغربية قوياً جداً في كل شيء ننظر إليه تقريباً، وهذا بالطبع ينسحب على الفن الحديث وتطوره أيضاً، من دون هذا التأثير القوي ربما كنا نقف في مكان مختلف الآن، وهناك عدد لا يحصى من المعارض الفنية والمتاحف في الوقت الحاضر، كما هو الحال في كل البلدان الأوروبية، وبقدر ما أستطيع أن أرى أصبح من الصعب تحديد أي اختلافات كبيرة بينهما، من شأنها أن تسمح للمتفرج بتمييز أو التعرف على الفن الألماني المعاصر من بينها.
> اهتم الفنان الألماني بتصوير مآسي الحرب العالمية وعبر عن أهوالها هل ما زال حتى الآن يضعها في مخيلته؟
- بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، حاول فنانون إيجاد طرق جديدة لترك البؤس وراءهم، بشكل محدد للغاية وطرق قوية وذات مغزى ودلالات كثيرة، والآن كدنا أن ننسى أهوال تلك الأيام تقريباً، وأصبح الفنانون التشكيليون يروون قصصاً مغايرة مع مجموعة متنوعة من الموضوعات مختلفة تتملكها «روح العصر» كما يقولون، أما أسلوب العمل المتسيد فهو «التجريدية» أو «غير الموضوعية»، وكلها مسائل فردية وتجريبية للغاية، وفي رأيي تم استبدال الجوانب الاجتماعية في الفن أو حتى المسؤوليات أكثر فأكثر بالتركيز على التنوع.
> لكن ما التوجهات التي يرتكز عليها الفن التشكيلي في ألمانيا حالياً؟
- الفن يحتفي بنفسه بطريقة ما هذه الأيام، يبدو مسلياً أكثر من أي وقت مضى، وليس تعليمياً؛ هذا التطور هو بالتأكيد، وإلى حد ما، نجم عن حقيقة أن الفن قد تم استدراجه إلى المجال التجاري، حيث أصبح سلعة حصرية بكل ما للكلمة من معنى، وقد كان بالطبع لكل هذا أثره الشديد على إنتاجه ومحتواه أيضاً.
> وماذا عن مصر؟
- نظراً لأنني عشت في مصر وتمكنت من حضور العديد من المناسبات الفنية خاصة في القاهرة. وانطباعي أن المشهد الفني حي وممتع للغاية، ولا تختلف طريقة إنتاج الأعمال الفنية عنها في الغرب تقريباً، لكن أعتقد أن الفارق في المحتوى، إذ يميل الفنانون المصريون إلى الإشارة إلى ثقافة ومجتمع مصري معين، وغالباً ما يتم ذلك بطريقة إيجابية حسنة النية.
ولا يقتصر التصوير الفني بالطبع على العالم الغربي، وتبدو مصر «أكثر الأماكن تصويراً»، كما عبرت ماريا جوليا بشكل رائع في كتابها «التصوير ومصر»، وقد كان الأجانب يسيطرون على هذا النوع في البداية، لكن تغير هذا خطوة بخطوة خلال القرن العشرين، وفي الوقت الحاضر هناك العديد من فناني التصوير المثيرين للاهتمام في مصر، من المصريين والأجانب الذين يعيشون على أرضها منذ فترة طويلة، وكل منهم يتبع أفكاره ورؤاه بطرق فريدة مختلفة، بالتأكيد تستحق المتابعة.
> كيف ترين الجدل الذي يدور بين آنٍ وآخر حول مدى فنية التصوير الفوتوغرافي؟
- أدرك حقيقة أن الكثير من الناس ما زالوا يرفضون فكرة أن الصورة يمكن اعتبارها قطعة فنية، الجميع يلتقطون الصور في كل مكان، وفي أي وقت هذه الأيام على ما يبدو بلا جهد، لكن كما أجادل دوماً: يمكن للجميع أيضاً استخدام الفرشاة وبعض الألوان، ولن يكون بالضرورة قادراً على إنتاج لوحة يمكن اعتبارها عملاً فنياً، وهذه القضية ليست جديدة على الإطلاق، فقد استمر هذا الجدل زمناً طويلاً في العالم الغربي واشتد كثيراً منذ 70 عاماً أو يزيد، لكن بمرور الزمن اعترف عالم الفن بمتاحفه وجامعي الفن أخيراً وقبلوا التصوير الفوتوغرافي كطريقة أخرى للتعبير الفني، ثم سمح لهذا النوع الفني بالازدهار.
> هل ثمة تقاليد وضوابط ما تجعل الصورة فناً؟
- هذا يتوقف على غاية المصور، يتمتع التصوير الفوتوغرافي الفني بطابع شخصي للغاية، حيث يحاول الفنان التعبير عن شعور أو معنى أو فكرة، هذا يقف على النقيض تماماً من نوع وثائقي موضوعي من أنواع التصوير الفوتوغرافي، مما نجده على سبيل المثال في التصوير الصحافي، وكما قال جامع الفن السويدي الشهير ومدير متحف و«مركز بومبيدو بباريس» بونتوس هولتين ذات مرة: «من السهل التقاط صورة، لكن التصوير فن صعب».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: مقبرة رومانية نادرة في المنيا... ألسنة ذهبية وبردية تكشف عن أسرار البهنسا

مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)
مومياء اكتُشفت داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت وزارة السياحة والآثار المصرية، السبت، اكتشاف مقبرة نادرة تعود إلى العصر الروماني، خلال أعمال الحفائر التي تنفّذها البعثة الأثرية الإسبانية و«معهد الشرق الأدنى القديم» بمنطقة «البهنسا» بمحافظة المنيا (جنوب مصر).

وعثرت البعثة داخل المقبرة على عدد من المومياوات العائدة إلى العصر الروماني، بعضها ملفوف بلفائف مزخرفة بزخارف هندسية، إلى جانب توابيت خشبية، و3 ألسنة ذهبية إضافةً إلى لسان آخر من النحاس، فضلاً عن دلائل على استخدام رقائق الذهب على بعض المومياوات، وفق بيان الوزارة.

وأوضح أستاذ الآثار بجامعة القاهرة ومدير الحفائر بالبعثة، الدكتور حسان عامر، أن «أعمال الحفائر في المقبرة رقم (65) أسفرت عن الكشف عن ألسنة ذهبية ونحاسية، إلى جانب عدد من المومياوات الرومانية، بالإضافة إلى توابيت خشبية ملوّنة داخل حجرة دفن تحت الأرض»، مشيراً إلى «تدهور حالتها نتيجة تعرّضها للنهب في العصور القديمة».

توابيت مُكتشفة داخل المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وتُعدّ قرية البهنسا (شمال المنيا) من المناطق الأثرية الثرية التي تضم آثاراً تعود إلى عصور مختلفة، من المصري القديم إلى اليوناني والروماني والقبطي والإسلامي. وقد عثرت فيها البعثة نفسها في عام 2024 على ألسنة وأظافر ذهبية وعدد من المقابر تعود إلى العصر البطلمي، مُزيَّنة بنقوش وكتابات ملوّنة، بداخلها مجموعة من المومياوات والهياكل العظمية والتوابيت، وغيرها من اللقى الأثرية.

بدوره، أشار عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير لـ«الشرق الأوسط» إلى أهمية الكشف، بكونه «إضافة علمية بالغة الأهمية لفهم أحد أكثر المواقع المصرية ثراءً وتعدّداً في طبقاته الحضارية خلال العصور اليونانية والرومانية»، مؤكداً أنّ «إقليم مصر الوسطى لم يكن هامشاً حضارياً، بل كان مركزاً تفاعلياً نشطاً داخل العالم المتوسّطي القديم».

تكوين المقبرة المُكتشفة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعدَّ عبد البصير «العثور على ألسنة ذهبية بمنزلة نافذة مباشرة على المعتقدات الجنائزية في تلك المدّة»، موضحاً أنّ «الذهب كان يُستخدم بوصفه رمزاً للخلود والعبور إلى العالم الآخر، وهو تقليد يعكس امتزاج الفكر المصري القديم بالتصوّرات اليونانية والرومانية حول الموت والحياة بعده».

وكشفت الحفائر جنوب الموقع عن «تماثيل صغيرة من التيراكوتا والبرونز، من بينها تماثيل للمعبود (حاربوقراط) على هيئة فارس، وتمثال صغير لـ(كيوبيد)».

وقال الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إنّ «الكشف يُقدّم رؤى جديدة حول الممارسات الجنائزية في مدينة البهنسا خلال العصرين اليوناني والروماني»، لافتاً إلى «نجاح البعثة في الكشف عن بردية نادرة داخل إحدى المومياوات، تتضمَّن نصاً من الكتاب الثاني من الإلياذة للشاعر هوميروس، يصف المشاركين في الحملة اليونانية ضدّ طروادة، والمعروف باسم (فهرس السفن)»، مضيفاً أن «هذا الاكتشاف يضيف بُعداً أدبياً وتاريخياً مهمّاً للموقع».

مقبرة المنيا النادرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووصف عبد البصير اكتشاف البردية بأنه «أمر استثنائي يربط بين النصوص الأدبية اليونانية والطقوس الجنائزية في مصر، ويؤكد أنّ البهنسا لم تكن فقط موقعاً للدفن، بل كانت أيضاً فضاءً ثقافياً تفاعلياً تتجاور فيه اللغة والطقس والرمز».

كما أسفرت أعمال الحفائر شرق المقبرة البطلمية رقم (67)، المُكتشفة خلال موسم 2024، عن فتح خندق يحتوي على 3 غرف مبنية من الحجر الجيري، لم يتبقَّ منها سوى أجزاء محدودة، وفق تصريحات رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع.

وقال عبد البديع إنّ «البعثة عثرت في الغرفة الأولى على لوح حجري وجرة كبيرة تحتوي على بقايا بشرية محروقة تعود لشخص بالغ، إلى جانب عظام طفل رضيع ورأس حيوان من فصيلة السنوريات، وجميعها كانت ملفوفة بقطع من النسيج»، في حين «احتوت الغرفة الثانية على جرّة مماثلة تضمّ بقايا شخصين محروقين، بالإضافة إلى عظام حيوان من الفصيلة نفسها».

وأكد وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، وفق البيان، أنّ «الكشف يُضاف إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية المهمة التي شهدتها محافظة المنيا أخيراً، ممّا يعكس ثراء الحضارة المصرية عبر العصور وتنوّعها».

جانب من المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ووفق عبد البصير، فإنّ «الكشف يضيف بعداً جديداً إلى تاريخ البهنسا بوصفها مدينة الموتى المقدسة في مصر القديمة»، مشيراً إلى أنّ «كلّ طبقة تُكتشف هناك لا تروي فقط تاريخ مدينة، بل تكتب فصلاً جديداً في تاريخ الحضارة المصرية الممتدّ والمُتجدّد عبر العصور».

ويُذكر أنّ البهنسا عُرفت في المرحلة الرومانية باسم «بيمازيت»، وفتحها قيس بن الحارث المرادي عام 22 هجرية، وسُمّيت ولاية البهنسا في العصر الإسلامي، وكانت تمتدّ من منطقة الواسطى حتى سمالوط، واستمرّت عاصمة للإقليم حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، وعُرفت بـ«أرض الشهداء» أو «البقيع الثاني»، نسبةً إلى الشهداء الذين لقوا حتفهم على أرضها خلال الفتح الإسلامي، حيث تضم، وفقاً لوزارة السياحة والآثار، 17 قبة ضريحية للصحابة والتابعين الصالحين، مثل قبة السبع بنات ومقام سيدي جعفر.


أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

أنيت أوسترو لـ«الشرق الأوسط»: «البجعة الذهبية» رحلة إنسانية معقدة

المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
المخرجة قدمت الفيلم من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة النرويجية أنيت أوسترو إن فيلمها «البجعة الذهبية» جاء بعد رحلة طويلة من التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها سرد هذه القصة المعقدة، فمنذ اللحظة الأولى كانت تدرك أن واقعة قتل شقيقها على أيدي جماعات متطرفة تحمل أبعاداً متعددة، سواء على مستوى الصراع السياسي بين الهند وباكستان أو على مستوى التناول العائلي أو الدولي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها احتاجت وقتاً طويلاً لتحدد أي زاوية ستختار، قبل أن تحسم قرارها بالتركيز على قصة شقيقها هانز وحده، وما مرّ به خلال فترة احتجازه، لأن امتلاكها لكتاباته وقصائده التي دونها في تلك الفترة جعلها تميل إلى تقديم العمل من داخله، وليس من خارجه.

وأوضحت أنها لم تكن ترغب في تقديم فيلم تحقيقات أو عمل من نوعية «الجريمة الحقيقية»، لأنها تعرف بالفعل ما حدث، وتدرك قسوة النهاية، فالتقارير الإخبارية التي وثّقت الواقعة كانت كافية في عرض الجانب العنيف منها، مما جعلها تفضّل البحث عن لغة مختلفة، ولغة أكثر شاعرية وتجريداً، تعكس ما كتبه شقيقها بنفسه.

المخرجة النرويجية (الشركة المنتجة للفيلم)

ينطلق فيلم «البجعة الذهبية» الذي عرض في النسخة الماضية من مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» من واقعة حقيقية تعود إلى عام 1995، لكنه لا يقدّمها بوصفها مجرد حدث سياسي أو أمني عابر، بل يعيد تفكيكها من الداخل، عبر تجربة إنسانية شديدة الخصوصية، من خلال رحلة داخلية يخوضها شاب نرويجي يبحث عن المعنى، قبل أن يجد نفسه أسيراً في قلب صراع معقد في كشمير.

تعتمد المخرجة أنيت أوسترو على رسائل وقصائد شقيقها هانز، التي كتبها خلال فترة أسره من قبل جماعة مسلحة اختطفته في الجانب الهندي من كشمير للضغط على الحكومة الهندية من أجل الإفراج عن سجناء، وشكلت هذه الرسائل العمود الفقري للسرد، ويتحول النص الشخصي إلى شهادة وجودية تتجاوز حدود الزمن والمكان، فبدلاً من التركيز على تفاصيل الجريمة أو المفاوضات السياسية، ينشغل الفيلم بما كان يدور داخل الإنسان نفسه، الخوف، الأمل، مقاومة الانكسار، ومحاولة التمسك بالإنسانية في مواجهة العنف، عبر مزج المخرجة بين الأرشيف العائلي، ولقطات الفيديو القديمة، والتصوير المعاصر، إلى جانب عناصر تعبيرية.

تؤكد المخرجة النرويجية أن التحدي الأكبر تمثل في كيفية التعامل مع الحزن الشخصي دون أن يطغى على بنية الفيلم، مشيرة إلى أن الحادث وقع عام 1995 وكان صدمة هائلة لها ولعائلتها، وأنها أمضت سنوات طويلة في محاولة التعايش مع هذا الفقد.

أرشيف شقيقها الراحل كان المرجع الرئيسي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضافت أنها عندما بدأت دراسة السينما كان يُطرح عليها دائماً سؤال حول متى ستصنع فيلماً عن شقيقها، لكنها لم تكن تملك الإجابة في ذلك الوقت، لافتة إلى أنها لم تكن مستعدة لخوض هذه التجربة إلا بعد مرور سنوات، وبعدما خاضت رحلة طويلة في التعامل مع مشاعرها.

وأكدت أنها عندما قررت أخيراً تنفيذ الفيلم، اضطرت للعودة إلى كل تفاصيل القضية والبحث فيها من جديد، وهو ما أدخلها في حالة من الحزن المتجدد، لكنها في الوقت نفسه وجدت طريقة للتعامل مع ذلك، فتعاملت مع نفسها ومع شقيقها بوصفهما شخصيتين داخل العمل، وليسا مجرد تجربة شخصية، مشيرة إلى أن هذا الفصل بين الذاتي والسينمائي ساعدها على عدم السماح للحزن بأن يسيطر على البناء الفني، لأن الفيلم ليس عن حزنها أو حزن عائلتها، بل عن تجربة شقيقها نفسه.

وأوضحت أنها خلال إعادة قراءة رسائل وقصائد شقيقها من منظور إخراجي، اكتشفت أشياء لم تكن قد أدركتها بالكامل من قبل، وفوجئت بمدى شجاعته وقوته الداخلية، لأنه رغم محاولاته المتكررة للهروب وما تعرض له من عقاب وعزلة، ظل متمسكاً برغبته في الحرية، والأهم من ذلك أنه لم يفقد إنسانيته، بل كان يحاول رؤية الجانب الإنساني حتى في من احتجزوه، وهذا الجانب تحديداً كان الأكثر تأثيراً بالنسبة لها.

وأضافت أن قراءة هذه النصوص في السابق كانت تمنحها نوعاً من العزاء، لكنها هذه المرة تعاملت معها بشكل مختلف، فقامت بتحليل كل كلمة وكل جملة، وهو ما كشف لها عمق التجربة التي عاشها شقيقها، لافتة إلى أنها قبل العمل على الفيلم لم تكن قد استوعبت بشكل كامل كيف كان يعالج خوفه داخلياً خلال فترة الاحتجاز.

قدمت المخرجة واقعة مقتل شقيقها من منظور مختلف في شريط وثائقي (الشركة المنتجة)

وأشارت أنيت أوسترو إلى أن مسألة تحويل الذاكرة الشخصية إلى عمل سينمائي كانت معقدة، لأن الذاكرة بطبيعتها ذاتية ومشحونة بالمشاعر، بينما السينما تفرض نوعاً من التنظيم وإعادة البناء، وهو ما جعلها تظل صادقة مع ذاكرتها، وفي الوقت نفسه تقدم فيلماً يحمل بنية واضحة.

كما تحدثت عن إدخال عنصر الرقص في الفيلم، موضحة أن شقيقها كان مهتماً بالرقص وسافر إلى الهند لتعلم أحد أشكاله، وهو ما دفعها للتفكير في استخدام الرقص وسيلةً تعبيريةً، مشيرةً إلى أنها في البداية فكرت في الاستعانة براقص رجل، لكنها شعرت أن ذلك لا يعكس الفكرة بشكل مناسب، قبل أن تقرر استخدام راقصة تجسد الحياة الداخلية للشخصية بشكل أكثر تجريداً، وهو ما ساعدها في التعبير عن مشاعر لا يمكن للكلمات أن تنقلها.

Your Premium trial has ended


مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
TT

مصر: النهاية السعيدة لقصة «إسلام الضائع» تتحول إلى «كابوس»

«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)
«إسلام الضائع» أعلن أنه لم يتوصل إلى أسرته (فيسبوك)

تحولت قصة الشاب المصري الذي يبحث عن أسرته الحقيقية بعد أن ثبت اختطافه وهو صغير، من النهاية السعيدة التي أعلنها قبل أيام بالعثور على أسرته، وأنه ينتمي إلى عائلة ليبية، إلى «كابوس» على حد وصفه، في فيديو على «تيك توك» أعلن فيه أنه قرأ نتيجة تحاليل «DNA» بطريقة خاطئة، وأنه لا ينتمي إلى العائلة الليبية، موجهاً الاعتذار إليهم وإلى كل مشاهديه ومتابعيه، طالباً منهم نسيان ما يسمى بـ«إسلام الضائع».

وارتبطت قصة الشاب إسلام الذي يبحث عن أسرته بقضية عُرفت باسم «عزيزة بنت إبليس» التي اختطفته رضيعاً من أحد المستشفيات بالإسكندرية لإيهام زوجها بأنه ابنها وأنها قادرة على الإنجاب، وكان إسلام ضحية ضمن ثلاث ضحايا آخرين اختطفتهم عزيزة التي تم الحكم عليها وعلى زوجها بالسجن.

وشاعت القصة واشتهرت بعد تناولها درامياً في مسلسل «حكاية نرجس» من بطولة الفنانة ريهام عبد الغفور، الذي تناول قصة الشاب إسلام، وكان اسمه في العمل الدرامي «يوسف»، وبعد انتهاء العمل الذي لاقى نجاحاً لافتاً بفترة قصيرة، أعلن إسلام أنه تعرف على عائلته، وحظي باهتمام كبير حين نشر صوره مع أسرة ليبية من قبيلة «الحراري» وقال إن له 21 أخاً وأختاً.

ثم عاد وأعلن خطأه في قراءة تحليل الحمض النووي موجهاً الاعتذار إلى متابعيه وإلى قبيلة «الحراري» الليبية التي اعتقد أنه ينتمي إليها.

وبينما أشار مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» رامي الجبالي، إلى أن نتيجة تحليل الحمض النووي لإسلام والأسرة الليبية جاءت سلبية، وأن المعمل حاول التواصل معه لكنه لم يرد عليهم، لفتت تعليقات إلى أن إسلام عمد إلى نشر فيديوهات وصور مع من قال إنهم «عائلته الحقيقية» لحصد مكاسب على «تيك توك»، ثم أكد مؤسس صفحة «أطفال مفقودة» في تحديث لمنشوره أنه تواصل معه، وأن إسلام أخبره بأنه قرأ نتيجة التحاليل بالخطأ، متمنياً له التوفيق في إيجاد أسرته. وكتب على صفحته في «فيسبوك»: «الحمد لله يا إسلام أنك عرفت الحقيقة قبل أن يتكرر ما حصل مع العائلة الأخيرة وتكتشف بعد سنين أنهم ليسوا أسرتك».

إسلام الضائع مع الأسرة الليبية (فيسبوك)

الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي، محمد فتحي، قال إن قصة «إسلام الضائع» تكشف عن كيف تتحول الحكايات الإنسانية سريعاً إلى «ترند جماهيري»، ثم إلى ساحة للاتهامات والتشكيك؛ فبين تعاطف واسع في البداية، وانقلاب مفاجئ بعد نتيجة تحليل الحمض النووي، ظهر اتهام بأنه يسعى للشهرة وركوب الموجة؛ لكن الواقع أكثر تعقيداً. مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «القصة في أصلها بحث حقيقي عن الهوية، إلا أن تضخيمها إعلامياً أسهم في رفع سقف التوقعات؛ ومع صدمة النتيجة، تحوّل الدعم إلى نقد قاسٍ».

في النهاية، لا يتحمل الفرد وحده المسؤولية، بل يشارك الجمهور والإعلام في صناعة «الترند»، ثم في هدمه بنفس السرعة؛ وهو ما جعل إسلام نفسه يدعو الناس لنسيانه، وفق تصريحات فتحي.

كان إسلام قد أعلن العثور على أسرته بعد رحلة بحث امتدت 43 عاماً، ولفت الانتباه بفيديوهات مواكبة لمسلسل «حكاية نرجس»، وطالب متابعيه على «تيك توك» بزيادة التفاعل والوصول لأرقام معينة، ووعدهم بعرض تفاصيل حكايته كاملة، ثم كشف عن توصله لجذوره الحقيقية وأنها تعود إلى ليبيا، قبل أن يظهر في بث مباشر ويقر بأن ما اكتشفه كان خطأ.

وترى أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن هذه القضية تشير إلى «ارتباك في الهوية والبحث عن الجذور، وهذا أمر إيجابي»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «الهدف من قصة الشاب الضائع هو البحث عن العائلة للشعور بالدفء والسعادة، لكن دون أن يكون في الأمر مخالفة أو خداع لأحد، قد يستغل البعض هذا الموضوع في الحصول على مكاسب بوسائل التواصل الاجتماعي، ما دام لم يعتدِ على أحد فلا مشكلة، خصوصاً أنه لم يؤذِ أحداً ولم يفعل شيئاً ضد الدين أو ضد القيم».