مساعدة أميركية عسكرية جديدة لأوكرانيا

واشنطن وحلفاؤها مصممون على توفير حماية جوية لكييف

وحدة عسكرية أوكرانية تعود إلى موقعها في خيرسون حيث تدور معارك ضارية لاستعادة المدينة من الروس (أ.ف.ب)
وحدة عسكرية أوكرانية تعود إلى موقعها في خيرسون حيث تدور معارك ضارية لاستعادة المدينة من الروس (أ.ف.ب)
TT

مساعدة أميركية عسكرية جديدة لأوكرانيا

وحدة عسكرية أوكرانية تعود إلى موقعها في خيرسون حيث تدور معارك ضارية لاستعادة المدينة من الروس (أ.ف.ب)
وحدة عسكرية أوكرانية تعود إلى موقعها في خيرسون حيث تدور معارك ضارية لاستعادة المدينة من الروس (أ.ف.ب)

أعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) مساء الجمعة، تقديم 275 مليون دولار، على شكل مساعدات عسكرية إضافية لأوكرانيا. وقالت سابرينا سينغ، نائبة المتحدث باسم «البنتاغون»، إن الحزمة ستشمل ذخيرة لمنظومة صواريخ «هيمارس»، ومئات من قذائف المدفعية دقيقة التوجيه من عيار 155 ملّيمتراً، وأنظمة ألغام مضادة للدروع عن بعد، وعربات مدرعة، وأسلحة صغيرة. وقالت خلال إحاطة صحافية في «البنتاغون»، إن المدفعية الأوكرانية تواجه نقصاً في الذخيرة بساحة المعركة، في مناطق تمتد من ميكولايف إلى خيرسون. وأضافت: «مقابل كل قذيفة نرسلها، فإنهم (الروس) يرسلون خمساً».
وكانت الخارجية الأميركية قد أعلنت في بيان أن الرئيس بايدن وافق على التزويد الرابع والعشرين للأسلحة والمعدات الأميركية الخاص بأوكرانيا، منذ أغسطس (آب) 2021. ويشمل هذا التزويد أسلحة وذخائر ومعدات إضافية من مخزونات وزارة الدفاع الأميركية.
وبموجب هذا التزويد الجديد، يرتفع إجمالي المساعدة العسكرية الأميركية لأوكرانيا إلى مستوى غير مسبوق، يزيد على 18.5 مليار دولار منذ بداية إدارة بايدن. وأكد البيان أن الولايات المتحدة ستواصل الوقوف مع أكثر من 50 دولة من الحلفاء والشركاء، لدعم شعب أوكرانيا في الدفاع عن حريتهم واستقلالهم بشجاعة غير عادية وتصميم لا حدود له. وأكد بيان الخارجية أن واشنطن تعمل أيضاً على تزويد أوكرانيا بقدرات الدفاع الجوي التي تحتاجها، عبر تزويدها بالنظامين الأوليين لصواريخ أرض–جو المتطوّرة «ناسامس» اللذين قدمتهما الولايات المتحدة، وهما جاهزان للتسليم إلى أوكرانيا الشهر المقبل. كما أكد العمل مع الحلفاء والشركاء لتمكين «تسليم أنظمة الدفاع الجوي الخاصة بهم إلى أوكرانيا، ومعايرة القدرات التي نقدمها بعناية، لكي تكون قادرة على إحداث أكبر قدر من الاختلاف في ساحة المعركة لأوكرانيا اليوم».

وتصاعدت الهجمات التي تشنها روسيا باستخدام الصواريخ ومن طائرات إيرانية مُسيَّرة، منذ سبتمبر (أيلول) الماضي، الأمر الذي دفع الحكومة الأوكرانية إلى مطالبة حلفائها بزيادة مساعداتهم العسكرية لصد تلك الهجمات. وفي تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، ذكر أن الطائرات الإيرانية المُسيَّرة التي تستخدمها روسيا في أوكرانيا: «تستعرض قوة طهران خارج الشرق الأوسط»، و«تختبر من خلالها رد فعل الولايات المتحدة وأوروبا»، وتسلط الضوء على «فشل العقوبات الغربية في منع طهران من صناعة كميات كبيرة من الطائرات المُسيَّرة، وتسليح حلفائها بها».
وبينما يؤكد الجيش الأوكراني أن روسيا أطلقت في الأسابيع الأخيرة نحو 300 طائرة إيرانية مُسيَّرة من طراز «شاهد» الانتحارية، وأنه تمكن من إسقاط 70 في المائة منها، فإن أوكرانيا تطالب الولايات المتحدة وحلفاء «الناتو» بمزيد من المساعدات لمواجهة هذا التهديد الذي تسبب في دمار كبير في بنيتها التحتية، ومساعدتها على بناء شبكة دفاعية متكاملة ضد تلك الهجمات.
وتعهد حلف «الناتو» بإرسال مئات من طائرات التشويش المُسيَّرة إلى أوكرانيا، جزءاً من دعمه لتعزيز الدفاعات الجوية الأوكرانية. وتقول الصحيفة إن استخدام روسيا الطائرات الإيرانية حوَّل طهران إلى أهم حليف عسكري لها، في حملتها المتعثرة في أوكرانيا، وسلَّط الضوء على نجاح إيران في بناء أحد أنجح أساطيل الطائرات المُسيَّرة في العالم، على الرغم من سنوات من العقوبات الغربية. ونقلت عن خبير حربي قوله إنه «بينما ركز المجتمع الدولي لسنوات على محاولة تقييد البرنامج النووي الإيراني، قامت طهران بشكل منهجي ببناء جيش من الطائرات المُسيَّرة من دون طيار، وصلت إلى جميع أنحاء الشرق الأوسط». وأضاف: «تم اتهام إيران ووكلائها بتنفيذ هجمات على قواعد للقوات الأميركية في سوريا، وسفن تجارية في بحر العرب، ومناطق إسرائيلية، ومواقع نفطية في السعودية». وتقول الصحيفة إنه «منذ عام 2015، أطلقت إيران ووكلاؤها نحو ألف طائرة مُسيَّرة، في هجمات أودت بحياة مئات الأشخاص في اليمن والسعودية والإمارات وأوكرانيا وخليج عمان». كما أن إيران باعت إلى جانب روسيا، تكنولوجيا الطائرات من دون طيار، لحكومات صديقة، بما في ذلك فنزويلا وسوريا وإثيوبيا، وفقاً لوزارة الدفاع الأميركية.
وأضافت الصحيفة أن المحققين الأوكرانيين الذين قاموا بفحص بقايا الطائرات المُسيَّرة التي تم إسقاطها، يؤكدون أنها إيرانية الأصل، وأن الأجزاء الرئيسية التي تشغلها مصنوعة في أميركا وأوروبا وآسيا. وتسعى أوكرانيا إلى تكثيف استراتيجيتها لمكافحة هذه المُسيَّرات، على 3 جبهات، عبر إقامة نظام دفاعي متكامل أرضي وجوي، لتوفير طائرات مقاتلة تقوم بدوريات على مدار الساعة، وصواريخ مضادة للطائرات، وفرق من الجنود المسلحين بالبنادق الآلية لإسقاط المُسيَّرات.
وقال وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا، إنه تلقى مكالمة هاتفية من نظيره الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، الجمعة، وإنه طالب طهران بوقف إرسال أسلحة إلى روسيا. وقال كوليبا على «تويتر»: «طلبت من إيران أن توقف على الفور تدفق الأسلحة إلى روسيا، والتي تُستخدم لقتل المدنيين وتدمير البنية التحتية الحيوية في أوكرانيا». وذكرت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية أن عبد اللهيان كرر نفي إيران تزويد روسيا بالأسلحة لاستخدامها في الحرب بأوكرانيا. ونُقل عن عبد اللهيان قوله: «تربطنا علاقات طيبة مع روسيا، وهناك تعاون دفاعي بيننا؛ لكن سياستنا تجاه الحرب في أوكرانيا هي احترام وحدة أراضي الدول، وعدم إرسال أسلحة إلى طرفي الصراع، و(الدعوة إلى) وقف الحرب، وعدم تشريد الناس». وأضاف الوزير الإيراني: «نحن مستعدون لعقد اجتماعات فنية بحضور خبراء عسكريين بين البلدين دون الحاجة إلى أي وسيط». ووصف عبد اللهيان تصريحات بعض المسؤولين الغربيين بأنها لا أساس لها من الصحة؛ مشيراً إلى جهود إيران المتكررة للمساعدة في وقف إطلاق النار، وقال: «نحن مستعدون للمساعدة في وقف إطلاق النار». ورد وزير خارجية أوكرانيا في معرض تقديره لموقف إيران بشأن عدم إرسال أسلحة لاستخدامها في الحرب ضد بلاده: «إن محادثات الوفود الفنية العسكرية للبلدين أمر مهم».
ويأتي تركيز الجيش الأوكراني على توفير منظومة دفاعية متكاملة، للتصدي لخطر الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، للاستفادة من تقديرات لسلاح الجو الأوكراني، تؤكد أن مخزونات روسيا الأساسية من صواريخ «إسكندر» الباليستية قد استنفدت، ولم تعد تستخدم في استهداف القواعد العسكرية الأوكرانية. وذكرت صحيفة «تلغراف» البريطانية، أن النقص في هذا النوع من الأسلحة المدمرة، يعني أن على روسيا تغيير تكتيكاتها، لذلك هي تستهدف الآن بشكل حصري البنية التحتية الحيوية الأوكرانية. ونقلت عن المتحدث باسم القوات الجوية الأوكرانية، يوري أهنات، قوله: «لقد استنفدوا بالفعل مخزونهم الأساسي منها». وأضاف: «نرى أن العدو لم يعد مهتماً باستهداف المواقع العسكرية، وتمركز جنودنا ومواقعنا الاستراتيجية الأخرى». وأضاف أنه لتجديد مخزوناتها من الصواريخ الباليستية، تتجه روسيا إلى إيران وكوريا الشمالية. ويزيد طول صاروخ «إسكندر» على 7 أمتار، وقادر على حمل -إضافة لرأس نووي- حشوة تقليدية بقدرة تدميرية عالية، وتبلغ كلفته نحو 2.5 مليون دولار، ودخل الخدمة عام 2006.


مقالات ذات صلة

المجر ترهن تمرير عقوبات أوروبية على موسكو بإعادة فتح كييف خطاً للنفط

أوروبا رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان (أ.ف.ب) p-circle

المجر ترهن تمرير عقوبات أوروبية على موسكو بإعادة فتح كييف خطاً للنفط

أعلنت المجر أنها لن تصادق على حزمة العقوبات الـ20 التي يعتزم الاتحاد الأوروبي فرضها على روسيا، ما لم تُعِد كييف فتح خط أنابيب نفط رئيسي يزوّد البلاد بالنفط.

«الشرق الأوسط» (بودابست)
أوروبا جندي أوكراني يُطلق طائرة استطلاع متوسطة المدى من طراز «فيكتور» للتحليق فوق مواقع القوات الروسية بالقرب من بلدة باخموت في منطقة دونيتسك (أرشيفية - رويترز)

مطارات في موسكو تقيد الرحلات الجوية وسط هجوم بطائرات مسيرة

فرضت أربعة مطارات في موسكو قيوداً على الرحلات الجوية لأسباب أمنية.

«الشرق الأوسط» (موسكو )
أوروبا البابا ليو الرابع عشر (أ.ب)

البابا ليو: السلام في أوكرانيا «لا يمكن تأجيله»

قال البابا ليو الرابع عشر، في خطاب ألقاه يوم الأحد قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو الروسي، إن السلام في أوكرانيا «ضرورة ملحة».

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا تظهر هذه الصورة التي التقطها ونشرها المكتب الصحافي لـ«اللواء الآلي 65» التابع للقوات المسلحة الأوكرانية يوم 20 فبراير 2026 عناصر إنفاذ القانون الأوكرانيين وهم يقفون بين الأنقاض أمام مبنى سكني متضرر عقب غارة جوية في كوميشوفاخا بمنطقة زابوريجيا (أ.ف.ب) p-circle

انقطاع الكهرباء في زابوريجيا بعد هجوم أوكراني على بنى تحتية للطاقة

قال مسؤول عيَّنته روسيا، اليوم (الأحد)، إن الجزء الخاضع لسيطرة موسكو من منطقة زابوريجيا الأوكرانية يعاني انقطاعاً في التيار الكهربائي بعد هجوم أوكراني.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا رجال إطفاء أوكرانيون أمام مبنى سكني تضرر جراء الغارات الروسية على كييف (رويترز) p-circle

روسيا تقصف كييف ومناطق أوكرانية أخرى قبيل الذكرى السنوية الرابعة للغزو

سُمِع دوي انفجارات، صباح الأحد، في العاصمة الأوكرانية كييف، بعدما كانت السلطات حذّرت من خطر هجوم بصواريخ باليستية، قبل يومين من الذكرى السنوية الـ4 للغزو الروسي

«الشرق الأوسط» (كييف)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended