أول عملية اغتيال لمسؤول مصري رفيع منذ «عزل مرسي» تطال النائب العام

مصر تلغي «احتفال 30 يونيو».. والرئاسة: فقدنا قامة شامخة

خبراء أمنيون مصريون يعاينون موقع التفجير في حي مصر الجديدة بالقاهرة الذي استهدف النائب العام المصري المستشار هشام بركات (في الإطار) (أ.ف.ب)
خبراء أمنيون مصريون يعاينون موقع التفجير في حي مصر الجديدة بالقاهرة الذي استهدف النائب العام المصري المستشار هشام بركات (في الإطار) (أ.ف.ب)
TT

أول عملية اغتيال لمسؤول مصري رفيع منذ «عزل مرسي» تطال النائب العام

خبراء أمنيون مصريون يعاينون موقع التفجير في حي مصر الجديدة بالقاهرة الذي استهدف النائب العام المصري المستشار هشام بركات (في الإطار) (أ.ف.ب)
خبراء أمنيون مصريون يعاينون موقع التفجير في حي مصر الجديدة بالقاهرة الذي استهدف النائب العام المصري المستشار هشام بركات (في الإطار) (أ.ف.ب)

نعت الرئاسة المصرية والمسؤولون البارزون في الحكومة والمؤسسات المستشار هشام بركات النائب العام المصري، الذي لقي مصرعه عصر أمس عقب ساعات من استهدافه في حادث تفجير بسيارة مفخخة جرى تفجيرها عن بعد صباح أمس. وفيما توالت الإدانات المحلية والدولية للواقعة، والمطالبات بمحاسبة «الجناة»، تعهدت الرئاسة بأن «مرتكبي هذه الجريمة النكراء سيلقون أشد العقاب»، وواعدة بمواصلة طريق التنمية رغم ما تحاول قوى الإرهاب فعله.
ووقعت الحادثة أثناء توجه المستشار بركات من بيته صباح أمس إلى عمله خلال مروره بشارع شارع عمار بن ياسر المتاخم لمبنى الكلية الحربية بضاحية مصر الجديدة. ونقل المستشار بركات إلى مستشفى النزهة الدولي، بعد تعرضه لإصابات بالغة في الحادث، وتضاربت الأنباء حول استقرار صحته، وقال الدكتور حسام عبد الغفار المتحدث الرسمي لوزارة الصحة لـ«الشرق الأوسط» إن النائب العام مصاب بنزيف داخلي وشظايا وتهتكات في الكبد، وإنه تحت الرعاية الفائقة، وإن الساعات القادمة حاسمة في الأمر. لكن المستشار بركات لفظ أنفاسه الأخيرة بالمستشفى عن عمر يناهز 65 عاما، متأثرا بجراحه، بعد أن أجريت له عملية جراحية دقيقة.
ونعت رئاسة الجمهورية ببالغ الحزن والأسى، المستشار بركات، وتقدمت لأسرته وذويه ولأبناء الشعب المصري بخالص التعازي والمواساة. وقالت الرئاسة في بيان لها أمس: «إن مصر فقدت اليوم قامة وقيمة قضائية شامخة، طالما تفانت في العمل والتزمت بآداب وأخلاق مهنة القضاء النبيلة، وضربت مثالا يحتذى في الوطنية والعمل الجاد والدؤوب، وسيظل الفقيد الذي اغتالته يد الإرهاب الآثمة بعطائه الممتد وسعيه الدائم لإقرار العدالة، رمزا لرجل القضاء المصري النزيه، رحم الله الفقيد وأسكنه فسيح جناته».
وأكدت رئاسة الجمهورية أن مرتكبي هذه الجريمة النكراء سيلقون أشد العقاب، كما شددت على أن مثل هذه الأعمال الخبيثة لن تثني الدولة عن مواصلة طريق التنمية وإقرار الحقوق وتحقيق آمال وطموحات أبناء الشعب المصري في الاستقرار والأمن، كما تعلن عن وقف المظاهر الاحتفالية التي تم الإعداد لها لإحياء الذكرى الثانية لثورة الثلاثين من يونيو، حدادًا على الفقيد الراحل.
واجتمع الرئيس عبد الفتاح السيسي أمس باللواء مجدي عبد الغفار، وزير الداخلية. وصرح السفير علاء يوسف المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية بأن وزير الداخلية استعرض المعلومات الأولية حول حادث اغتيال النائب العام، وأضاف أن الرئيس وجّه بسرعة الكشف عن الجناة وتقديمهم للعدالة، واتخاذ كافة الإجراءات اللازمة للتصدي بحزم لمثل هذه الحوادث التي تستهدف زعزعة الاستقرار وترويع المواطنين الآمنين.
وذكر السفير يوسف أن اللواء عبد الغفار استعرض ملامح خطة تأمين البلاد في ذكرى ثورة 30 يونيو بالتنسيق مع القوات المسلحة، منوهًا إلى أن الوزارة رفعت حالة الاستنفار القصوى في جميع القطاعات وكثفت وجودها الأمني أمام وحول المؤسسات والمنشآت الحيوية ومرافق الدولة ووسائل النقل العام والقطارات ومترو الأنفاق، وذلك للتصدي لأي محاولات آثمة تستهدف إشاعة الفوضى وترويع المواطنين.
وذكر اللواء عبد الغفار أنه تم تأمين كل مرافق الدولة وتركيب كاميرات وبوابات إلكترونية بمترو الأنفاق للكشف عن المفرقعات، وتأمين الوزارات والهيئات والمؤسسات والسجون والمجرى الملاحي لقناة السويس والمطارات والسد العالي وأبراج الكهرباء خاصة الرئيسية.
وأعلن مصدر أمنى أن الحصيلة النهائية لحادث الاغتيال أمس أسفرت عن إصابة سبعة أشخاص بجروح طفيفة تتراوح بين كسور وشظايا في مختلف أنحاء الجسد بينهم ثلاثة من رجال الشرطة من طاقم الحراسة، وحارس إحدى العقارات وثلاثة آخرين وجدوا بموقع الحادث. وأضاف المصدر أن الانفجار أسفر عن تلفيات بواجهات 9 منازل وتهشم 31 سيارة بالإضافة إلى تفحم 4 سيارات أخرى.
وروى شهود عيان تصادف وجودهم بموقع التفجير الإرهابي أن الانفجار وقع في تمام الساعة العاشرة و15 دقيقة من صباح أمس، أثناء مرور موكب النائب العام، وأن التفجير جاء عن طريق تفجير إحدى السيارات الموجودة على جانب الشارع، وكانت معدة للتفجير بمجرد مرور موكب النائب العام.
وأعلنت وزارة العدل أن صلاة الجنازة على المستشار هشام بركات النائب العام، سوف تقام عقب صلاة ظهر اليوم (الثلاثاء) بمسجد المشير طنطاوي بطريق التجمع الخامس، على أن يكون الوجود اعتبارا من الساعة التاسعة صباحا. فيما رجحت مصادر أن تكون الجنازة عسكرية.
ونعت النيابة العامة المستشار بركات، مؤكدة أن مصر فقدت «رجلا من خيرة رجال القضاء المصري، ومن أكثرهم ترسيخا للعدل والعدالة، وكرس حياته وأفنى عمره في تطبيق القانون، وإعمال سيادته على الجميع دونما تمييز».
وأكدت النيابة العامة - في بيان لها - أنها وإن كانت قد فقدت قائدها النائب العام المستشار بركات، غير أن رجال النيابة العامة لا يخشون إلا الله ولا يخيفهم إرهاب أو غدر. موضحة أنها «تباشر التحقيقات منذ وقوع الحادث الإرهابي الخسيس، وحتى تقديم مرتكبيه من الإرهابيين الخونة إلى المحاكمة الجنائية لينالوا جزاءهم».
وأضاف البيان أن «المستشار هشام بركات اغتالته أيادي الإرهاب الغادر الخسيس الذي لا يعرف دينا ولا إسلاما، حيث استهدف الإرهابيون الخونة موكبه أثناء تحركه صباح اليوم متجها إلى مكتبه لمباشرة أعماله، بأن وضعوا بجانب الطريق على مقربة من منزله سيارة مزروعة بالمواد المتفجرة، وترقبوا تحركه وموكبه وعبوره المكان الذي وضعوا فيه تلك السيارة، وما إن مر الركب بجوارها حتى قاموا بتفجيرها عن بعد، مما أحدث موجة انفجارية تضاغطية قوية بالمكان أدت إلى تدافع السيارات بقوة في الطريق، وانفجارها بالسيارة التي يستقلها».
وأوضح البيان أن «المستشار بركات أصيب بإصابات بالغة، كما أصيب أفراد طاقم حراسته، وتم نقلهم على الفور إلى مستشفى النزهة الدولي، وأدخل النائب العام إلى غرفة العمليات في العاشرة صباحا، وتم التدخل الجراحي بالتعامل مع حالته الخطيرة، غير أن محاولات التدخل قد باءت بالفشل وفاضت روحه إلى بارئها شهيدا متأثرا بجراحه في الساعة الثانية والنصف ظهرا».
وقام وزير الداخلية اللواء مجدي عبد الغفار، بتفقد موقع الحادث وأمر الوزير القيادات الأمنية التي رافقته خلال تفقده لمحيط الانفجار بتشكيل فريق بحث موسع لتحديد هوية الجناة وضبطهم في أسرع وقت. وأجرى عدد من محققي النيابة معاينة لموقع الانفجار، وتفقدوا آثار الحادث وما أسفر عنه من تلفيات وحرائق، وكذا معاينة سيارة النائب العام التي تعرضت للاستهداف وسيارات طاقم الحراسة وكذلك عدد كبير من السيارات الخاصة بالمواطنين التي تصادف مرورها أو وقوفها بالقرب من موقع الحادث، والتي تعرضت لتلفيات شديدة جراء التفجير الإرهابي، وكذا المنازل التي تأثرت جراء قوة الانفجار.
كما كلفت النيابة خبراء مصلحة الأدلة الجنائية، رفع الآثار الفنية التي خلفها الانفجار، وتحديد نطاق الموجة الانفجارية وطبيعة المواد المستخدمة في صنع العبوة الناسفة التي تسببت في وقوع الانفجار، وبيان التلفيات التي أسفر عنها الانفجار وما ترتب عليه من أضرار.
وقررت النيابة العامة تكليف أجهزة الأمن، وقطاع الأمن الوطني بوزارة الداخلية، إجراء التحريات اللازمة في شأن الحادث الإرهابي، وتحديد هوية الجناة المتورطين فيه. وينتظر أن تستمع النيابة خلال الساعات القادمة إلى أقوال شهود العيان في الحادث وكذلك أفراد الحراسة المرافقين للنائب العام ممن تسمح حالتهم الصحية بذلك.
وكان المستشار هشام بركات قد تولى مهام منصبه كنائب عام في 10 يوليو (تموز) 2013. حيث أدى اليمين القانوني في ذلك اليوم أمام الرئيس المؤقت المستشار عدلي منصور نائبا لعموم لمصر، خلفا للمستشار الدكتور عبد المجيد محمود الذي كان قد طلب إعفاءه من منصبه وعودته لمنصة القضاء.
ووقع اختيار المستشار عدلي منصور على المستشار هشام بركات نائبا لعموم مصر، بعد التنسيق والتشاور مع مجلس القضاء الأعلى واستطلاع رأيه في شغل هذا المنصب القضائي الرفيع.
وكان آخر منصب يشغله المستشار بركات قبل توليه منصب النائب العام، هو رئيس المكتب الفني لرئيس محكمة استئناف القاهرة، ومن قبلها رئيس المكتب الفني لمحكمة استئناف الإسماعيلية.
والمستشار هشام محمد زكي بركات ولد في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 1950 وحصل على ليسانس الحقوق بتقدير عام جيد جدا عام 1973، حيث عين فور تخرجه معاونا للنيابة العامة.
وتدرج في المواقع المختلفة للنيابة العامة على مستوى الجمهورية، ثم انتقل للعمل في القضاء بالمحاكم الابتدائية، ثم محاكم الاستئناف حيث تدرج فيها بالدوائر الجنائية المختلفة، وهو متزوج ولديه 3 أبناء.
ويأتي الحادث عشية ذكرى ثورة 30 يونيو، التي أطاحت بالرئيس الإخواني المعزول محمد مرسي، ووسط استنفار أمني تشهده البلاد، بعد تهديدات بارتكاب أعمال إرهابية. كما يعد الحادث أول عملية إرهابية تنجح في اغتيال مسؤول رفيع بالدولة منذ الإطاحة بجماعة الإخوان المسلمين. وبعد صدور إحكام بالإعدام ضد الرئيس المعزول وخيرت الشاطر الرجل القوي في جماعة الإخوان.
ويرى مراقبون أن وقوع الحادث في محيط الكلية الحربية، وفي مكان حيوي وحساس أمنيا، حيث يسكن عدد من رجال الدولة ويتوسط المسافة بين مطار القاهرة وقصر الرئاسة، يعد تطورا نوعيا في أساليب الجماعات الإرهابية، واختراقا فادحا للمنظومة الأمنية، خاصة بعد عمليات سابقة استهدفت القضاة، وقع آخرها منذ نحو شهر، حيث تم اغتيال 3 من القضاء بسيناء وإصابة آخرين، في هجوم مسلح على السيارة التي كانوا يستقلونها، كما لقي سائقها مصرعه في الحادث.
وفي بيان لها بشأن الحادث، أكدت الهيئة العامة للاستعلامات أن هذه الجريمة، تؤكد مجددًا على مجموعة من الحقائق التي يحاول البعض خاصة في العالم الخارجي وفي بعض وسائل الإعلام الدولية القفز عليها والتعامي عنها، ومن بينها أنها تأكيد واضح لاستمرار جماعة الإخوان الإرهابية في نهج العنف والقتل والدماء واستهداف الأبرياء وترويع الآمنين والعبث بأمن واستقرار الوطن.. كما أنها تفضح محاولات الخديعة التي تحاول هذه الجماعة الآثمة أن تمارسها عبر عناصرها وحلفائها في المنطقة وخارجها.
وذكر بيان لاستعلامات أن الحادث المروع هو تأكيد جديد على رفض هذه الجماعة الإرهابية لدولة القانون، بل ولفكرة الدولة المصرية من أساسها، وإشاعة لمنهج الفوضى الذي تتبناه الجماعة. وذكر البيان أن استهداف رموز القضاء بهذه الجريمة هو امتداد للتاريخ الأسود لجماعة الإخوان بداية من اغتيالهم للقاضي أحمد الخازندار في 22 مارس (آذار) عام 1948 بينما كان يتولى النظر في جرائم القتل والإحراق التي اقترفوها، وصولاً إلى اغتيال ثلاثة من شباب القضاة في مدينة العريش في 16 مايو (أيار) الماضي.
ومن جانبه أكد المستشار أحمد الزند وزير العدل أن الحادث الإرهابي الإجرامي الآثم، الذي تعرض له المستشار هشام بركات النائب العام، لن يثني قضاة مصر وأعضاء النيابة العامة، عن أداء رسالتهم السامية وواجبهم الوطني الذي أناطه بهم الدستور في إعمال حكم القانون في مواجهة العناصر الإرهابية وغيرهم من مرتكبي الجرائم.
وأدان الأزهر والكنيسة ومفتي الجمهورية والأحزاب السياسية والنقابات العامة الهجوم الإرهابي الذي أودى بحياة النائب العام، مؤكدين أن مثل هذه الأعمال الإرهابية لن تثني الدولة المصرية عن استكمال مسيرتها، والشعب المصري عن ملاحقة هؤلاء القتلة والمجرمين شعبيا قبل ملاحقتهم جنائيا. مطالبين الشعب المصري بالاصطفاف خلف قيادته الوطنية وقضائه الشامخ.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.