تساؤلات حول أسباب استبعاد الجيش عن ترسيم الحدود

(تحليل سياسي)

مركبتان تابعتان لقوات اليونيفيل في دورية على الطريق الساحلي المؤدي إلى الناقورة جنوب لبنان (أ.ف.ب)
مركبتان تابعتان لقوات اليونيفيل في دورية على الطريق الساحلي المؤدي إلى الناقورة جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

تساؤلات حول أسباب استبعاد الجيش عن ترسيم الحدود

مركبتان تابعتان لقوات اليونيفيل في دورية على الطريق الساحلي المؤدي إلى الناقورة جنوب لبنان (أ.ف.ب)
مركبتان تابعتان لقوات اليونيفيل في دورية على الطريق الساحلي المؤدي إلى الناقورة جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ينتظر أن ينتقل اليوم وفد رسمي لبناني إلى منطقة الناقورة عند الحدود مع إسرائيل، ليسلم الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين والأمم المتحدة كتاباً موقعاً من رئيس الجمهورية ميشال عون، يتضمن الموافقة على الترسيم بصيغته النهائية، فيما فتح ترسيم الحدود البحرية مع سوريا صفحة جديدة من التعقيد، بعد إلغاء الجانب السوري الزيارة التي كانت مقررة أمس لوفد سياسي لبناني إلى دمشق، بزعم تسرع لبنان في تحديد موعدها من دون التنسيق المسبق مع دمشق.
وبدا لافتاً تغييب الجيش اللبناني عن هاتين المحطتين الأساسيتين، علما بأن المؤسسة العسكرية هي المعنية مباشرة بالتفاوض التقني، وإزاء ضخ معلومات تفيد بأن الجيش نأى بنفسه عن هذه الاستحقاقات، استغرب مصدر أمني بارز ما يسرب عن رفض الجيش الخوض في موضوع ترسيم الحدود البحرية، وأوضح المصدر لـ«الشرق الأوسط»، أن «السلطة السياسية هي التي حيدت الجيش عن هذه المهمة». وقال: «بموضوع ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، كلف الجيش من قبل السلطة بمهمة التفاوض، وحدد الوفد العسكري الخط 29 نقطة تفاوض، وقدم الأدلة والوثائق التي تثبت أنه يقع تحت السيادة اللبنانية، بما يحفظ حق الدولة والشعب في الثروات الموجودة تحته.
لكن القيادة السياسية سحبت هذا الملف من يد الجيش، واتفقت مع الوسيط الأميركي على الخط 23 نقطة تفاوض دون تقديم المبررات»، مشيراً إلى أنه «عندما استشار (السياسيون) الجيش بعد الاتفاق مع الوسيط الأميركي، كلفت القيادة مسؤول وحدة الهيدروغرافيا في الجيش، الذي وضع النقاط على الخرائط وانتهى دوره عند هذا الحد».
واللافت أن استبعاد الجيش عن مفاوضات الحدود البحرية الجنوبية، انسحب على الحدود الشمالية مع سوريا، خصوصاً أن الوفد الذي شكله الرئيس عون وضم وزراء وشخصيات من فريقه السياسي، وكان بصدد التوجه إلى سوريا أمس الأربعاء، خلا من ممثل للمؤسسة العسكرية، وكشف المصدر الأمني أن «السياسيين لم يسألوا الجيش عن رأيه ولا عن خرائطه والإحداثيات التي لديه المتعلقة بالحدود مع سوريا»، معتبراً أن «المزاعم التي تروج عن أن قائد الجيش رفض الدخول بالمفاوضات غير صحيح». وقال إن من غير المعقول أن يكلف الجيش بمهمة وطنية، ويتردد في تنفيذها.
وأعطى تغييب المؤسسة العسكرية تفسيرات تثير قلق اللبنانيين حيال خلفيات هذا القرار، إلا أن مصادر مطلعة على أجواء القصر الجمهوري، بررت عدم وجود ممثل للجيش، وأوضحت أن «أي ضابط لبناني لن يشارك ضمن الوفد المتوجه إلى الناقورة، لعدم وجود محادثات تقنية تتطلب حضور الخبراء العسكريين». وأكدت لـ«الشرق الأوسط»، أن «كل ما في الأمر أن وفداً مدنياً (لم يحدد أسماء أعضائه حتى مساء أمس)، سيسلم الكتاب الذي سيوقعه رئيس الجمهورية (اليوم) إلى الوسيط الأميركي (آموس هوكشتاين) وإلى فريق تابع للأمم المتحدة في الناقورة، ليصبح وثيقة معتمدة لدى المنظمة الدولية تكرس حق لبنان في ثرواته».
لافتة إلى أن «الجيش لعب دوراً أساسياً وفاعلاً خلال جلسات التفاوض غير المباشرة التي عقدت بين لبنان والجانب الإسرائيلي العام الماضي». وشددت المصادر على أنه «لا توقيع لأي وثيقة من الجانب اللبناني في الناقورة، بل مجرد نقل الكتاب الموقع من رئيس الجمهورية وتسليمه إلى هوكشتاين وفريق الأمم المتحدة».
وبدا لافتاً أن تغييب الجيش يخالف ما حصل في مناسبات مماثلة، إذ إن اتفاقية الهدنة بين لبنان وإسرائيل وقعها ضابطان في الجيش اللبناني هما المقدم توفيق سالم والرائد ج. حرب في 23 مارس (آذار) 1949، كما أن تفاهم أبريل (نيسان) الذي أنهى حرب «عناقيد الغضب» الإسرائيلية ضد لبنان، وقعه الجيش عن الجانب اللبناني في 26 أبريل 1996.
ولم يجد العميد المتقاعد في الجيش بسام ياسين الذي كان رئيس الوفد العسكري الذي خاض مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل، تفسيراً لاستبعاد الجيش عن مفاوضات الترسيم مع سوريا، ولا عن مخاض التفاوض الذي حصل بين الوسيط الأميركي والقيادة اللبنانية، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «القيادة السياسية التي أدارت المفاوضات هي التي تملك الأجوبة وليس أي طرف آخر».
وفي قراءته لأسباب عدم إدراج فريق تقني وعسكري ضمن الوفد اللبناني الذي كان بصدد الذهاب إلى سوريا للبحث بالترسيم البحري، أعلن العميد ياسين أنه «لا يملك معلومات إذا كان الوفد السياسي ذاهباً للتفاوض المباشر أم لفتح الباب أمام المفاوضات اللبنانية السورية». وذكر بأن «الجيش والفرق التقنية والفنية التابعة له، هي التي تحدد الخرائط والإحداثيات، ومن ثم تقوم السلطة السياسية بإبرام الاتفاق».


مقالات ذات صلة

توتّر على الحدود الإسرائيلية-اللبنانية بعد تظاهرة لأنصار «حزب الله»

المشرق العربي توتّر على الحدود الإسرائيلية-اللبنانية بعد تظاهرة لأنصار «حزب الله»

توتّر على الحدود الإسرائيلية-اللبنانية بعد تظاهرة لأنصار «حزب الله»

دعت قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في لبنان (يونيفيل)، مساء الجمعة، إلى الهدوء بعد توتر بين حرس الحدود الإسرائيليين وأنصار لـ«حزب الله» كانوا يتظاهرون إحياءً لـ«يوم القدس». ونظّم «حزب الله» تظاهرات في أماكن عدّة في لبنان الجمعة بمناسبة «يوم القدس»، وقد اقترب بعض من أنصاره في جنوب لبنان من الحدود مع إسرائيل. وقالت نائبة المتحدّث باسم يونيفيل كانديس أرديل لوكالة الصحافة الفرنسية إنّ عناصر القبعات الزرق «شاهدوا جمعاً من 50 أو 60 شخصاً يرمون الحجارة ويضعون علم حزب الله على السياج الحدودي».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تباين بين «أمل» و«حزب الله» بشأن صواريخ الجنوب

تباين بين «أمل» و«حزب الله» بشأن صواريخ الجنوب

ذكرت أوساط سياسية لبنانية أنَّ «الصمت الشيعي» حيال إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان باتجاه منطقة الجليل في شمال إسرائيل لا يعني أنَّ «حزب الله» على توافق مع حركة «أمل» بهذا الشأن، بمقدار ما ينم عن تباين بينهما، إذ ارتأيا عدم إظهاره للعلن لقطع الطريق على الدخول في سجال يمكن أن ينعكس سلباً على الساحة الجنوبية. وقالت المصادر إنَّ حركة «أمل»، وإن كانت تتناغم بصمتها مع صمت حليفها «حزب الله»، فإنها لا تُبدي ارتياحاً للعب بأمن واستقرار الجنوب، ولا توفّر الغطاء السياسي للتوقيت الخاطئ الذي أملى على الجهة الفلسطينية إطلاق الصواريخ الذي يشكّل خرقاً للقرار 1701. وعلى صعيد الأزمة الرئاسية، ذكرت مصادر فرنسية مط

العالم العربي المطارنة الموارنة يستنكرون تحويل جنوب لبنان إلى «صندوق» في الصراعات الإقليمية

المطارنة الموارنة يستنكرون تحويل جنوب لبنان إلى «صندوق» في الصراعات الإقليمية

استنكر المطارنة الموارنة في لبنان، اليوم (الأربعاء)، بشدة المحاولات الهادفة إلى تحويل جنوب لبنان إلى صندوق لتبادل الرسائل في الصراعات الإقليمية. ووفق وكالة الأنباء الألمانية، طالب المطارنة الموارنة، في بيان أصدروه في ختام اجتماعهم الشهري في الصرح البطريركي في بكركي شمال شرقي لبنان اليوم، الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية بالحزم في تطبيق القرار 1701، بما في ذلك تعزيز أجهزة الرصد والتتبُّع والملاحقة. وناشد المطارنة الموارنة، في اجتماعهم برئاسة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، «القوى الإقليمية والمجتمع الدولي مساعدة لبنان على تحمل أعباء لم تجلب عليه ماضياً سوى الخراب والدمار وتشتيت ا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي ميقاتي: عناصر غير لبنانية وراء إطلاق الصواريخ من الجنوب على إسرائيل

ميقاتي: عناصر غير لبنانية وراء إطلاق الصواريخ من الجنوب

أكد رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي، اليوم الأحد، أن العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان والانتهاك المتمادي للسيادة اللبنانية أمر مرفوض، مؤكدا أن «عناصر غير لبنانية» وراء إطلاق الصواريخ من الجنوب. وقال ميقاتي إن «الهجوم الإسرائيلي على المصلّين في الأقصى وانتهاك حرمته أمر غير مقبول على الإطلاق، ويشكل تجاوزاً لكل القوانين والأعراف، ويتطلب وقفة عربية ودولية جامعة لوقف هذا العدوان السافر». وعن إطلاق الصواريخ من الجنوب والقصف الإسرائيلي على لبنان، وما يقال عن غياب وعجز الحكومة، قال ميقاتي إن «كل ما يقال في هذا السياق يندرج في إطار الحملات الإعلامية والاستهداف المجاني، إذ منذ اللحظة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لبنان لتقديم شكوى إلى مجلس الأمن رفضاً لاعتداءات إسرائيل

لبنان لتقديم شكوى إلى مجلس الأمن رفضاً لاعتداءات إسرائيل

قررت الحكومة اللبنانية تقديم شكوى إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن ضد إسرائيل، على خلفية الغارات التي نفذتها على مناطق لبنانية بعد إطلاق صواريخ من الجنوب اللبناني باتجاه المستوطنات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

إسرائيل تقطع أوصال جنوب لبنان بقصف منشآته المدنية

النيران تشتعل في مبنى استهدفته غارة إسرائيلية في بلدة العباسية بعد إنذار بالإخلاء (أ.ف.ب)
النيران تشتعل في مبنى استهدفته غارة إسرائيلية في بلدة العباسية بعد إنذار بالإخلاء (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تقطع أوصال جنوب لبنان بقصف منشآته المدنية

النيران تشتعل في مبنى استهدفته غارة إسرائيلية في بلدة العباسية بعد إنذار بالإخلاء (أ.ف.ب)
النيران تشتعل في مبنى استهدفته غارة إسرائيلية في بلدة العباسية بعد إنذار بالإخلاء (أ.ف.ب)

بدأت إسرائيل، الجمعة، قصف أهداف تابعة للدولة اللبنانية، وأعلنت عن نيتها استهداف منشآت مدنية، بالتزامن مع التحضيرات لعملية برية في الجنوب. وبدأت مؤشرات هذه العملية على شكل توغلات محدودة ومؤقتة، قبل أن تمتد الجمعة لتصل إلى تخوم نهر الليطاني، مع دفع فرقة «كوماندوس» لتنفيذ مهمة في الخط الثاني من الحدود مع إسرائيل.

واستهل الجيش الإسرائيلي قصف أهداف مدنية من أصول الدولة اللبنانية، الخميس، باستهداف جسر على نهر الليطاني في منطقة القنطرة، يربط وادي الحجير بالقرى الواقعة على الخط الأول من الحدود، ثم استأنف بقصف جسر رئيسي على نهر الليطاني، يربط بلدتي الزرارية وطيرفلسيه، ما قطع أوصال منطقة واسعة من منطقة جنوب الليطاني عن شماله.

وحاز الجيش الإسرائيلي تغطية سياسية لاستهداف منشآت مدنية، تنفيذاً لتهديدات سابقة يوم الأربعاء، بعد إطلاق «حزب الله» نحو 200 صاروخ باتجاه العمق الإسرائيلي خلال ساعات قليلة.

آثار غارة إسرائيلية استهدفت منطقة برج حمود يرقي بيروت (رويترز)

وأفادت «هيئة البث العامة» بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، طَلَبَ من الجيش الإسرائيلي، تحضير أهداف مدنية إضافية ليصادق عليها بعد تدمير جسر الليطاني. كما قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في تقييم للوضع بعد تدمير الجسر الذي يربط ضفتي نهر الليطاني، إن «هذه مجرد البداية، وستدفع الحكومة اللبنانية ودولة لبنان ثمناً متزايداً، يتمثل في خسارة الأراضي، وتدمير البنية التحتية التي يستخدمها (حزب الله)، حتى يتم الوفاء بالالتزام المركزي المتمثل في نزع سلاح (حزب الله)».

ويؤشر كاتس إلى العملية البرية التي يستعد الجيش الإسرائيلي لتنفيذها داخل الأراضي اللبنانية، وبدأ التحضيرات لها الأسبوع الماضي؛ حيث حشد 4 فرق عسكرية ولواءين على الحدود مع لبنان، للبدء بالتوغّل. وبالفعل، نفّذت القوات الإسرائيلية توغلات محدودة، داخل الأراضي اللبنانية.

أكبر التوغلات في الخيام

وأوضح مصدر أمني لبناني أن التوغل الأكبر مسافة حصل من تلة الحمامص باتجاه وسط مدينة الخيام؛ حيث توسع فيها، وبات الجيش الإسرائيلي في وسطها، أما أعمق وصول من الحدود، فتم تسجيله ليل الخميس-الجمعة في عملية كوماندوس إسرائيلية وصلت إلى أطراف بلدة مجدل سلم في جنوب لبنان، ويُرجح أنها تسللت عبر مسلك سري في وادي السلوقي، ووصلت إلى أطراف مجدل سلم؛ حيث نفذت تفجيراً لمنزل في المنطقة.

وشرح المصدر لـ«الشرق الأوسط» خطوط التوغلات الإسرائيلية داخل جنوب لبنان، قائلاً إن الجيش الإسرائيلي توسع من تلة الحمامص باتجاه الخيام، ومن بلدة العديسة باتجاه بلدة رب تلاتين وتوسع من هناك باتجاه الطيبة؛ حيث وقعت اشتباكات عنيفة وامتدت إلى منطقة مشروعات الطيبة، لكن المصدر أكد أن الجيش الإسرائيلي لم يدخل إلى بلدة الطيبة.

وجنوب هذا الخط، توغّلت القوات الإسرائيلية من منطقة واقعة بين مركبا وحولا باتجاه طلوسة، في محاولة للوصول إلى النقاط المشرفة على وادي الحجير، إضافة إلى تحركات من حولا باتجاه وادي السلوقي مقابل بلدة شقرا، وذلك للإشراف على الوادي، من دون تسجيل أي نزول إلى وادي السلوقي.

وأكد المصدر أن هذا المحور شهد أغلبية التوغلات وأخطرها، وذلك في مسعى للوصول إلى نهر الليطاني ووادي الحجير، وهي المنطقة التي تنظر إليها إسرائيل على أنها الأخطر، أما المحاور الأخرى فلم تشهد توغلات كبيرة وعميقة رغم التحركات فيها، لا سيما محور عيترون - يارون - بنت جبيل، الذي سجل دخولاً للقوات الإسرائيلية وخروجاً منها، أما في بلدة القوزح فقد تم التوغل إلى أطراف بلدة بيت ليف، لكن لم يدخلوا تلك البلدة. وفي القطاع الغربي، يعد الحضور العسكري العملياتي في بلدات الضهيرة وعلما الشعب خجولاً.

عمال إنقاذ يعملون في موقع تضرر بفعل صواريخ أطلقها «حزب الله» باتجاه شمال إسرائيل (رويترز)

ورغم ذلك، سجّلت القوات الإسرائيلية اختراقاً للخط الأزرق من جميع المحاور، في وقت تراجع الجيش اللبناني من النقاط الحدودية إلى الثكنات ونقاط التجمع، ضمن خطة تموضع أعلنتها قيادة الجيش اللبناني في الأسبوع الماضي، بعد قرار الحكومة اللبنانية بعدم مواجهة التوغل الإسرائيلي، وتراجع الجيش إلى ثكناته، في وقت يقول «حزب الله» إن مقاتليه يشتبكون مع القوات المتقدمة داخل الأراضي اللبنانية، ويقصف تجمعاته على الحدود بالصواريخ والمدفعية.

ووصف المصدر قصف الجسور بأنه خطير، قائلاً إن أهداف القصف «ليست عسكرية فقط، بل تحمل دلالات تشديد الخناق على المدنيين؛ حيث يمكن أن يجبر المدنيين على التوجه في اتجاه واضح، أو سلوك مسلك محدد، كما يهدد بمحاصرتهم في داخل المنطقة».

قصف بيروت ومحيطها

ويأتي ذلك في ظل تضييق مساحة الأمان في عمق لبنان؛ حيث استهدفت غارات إسرائيلية مناطق محددة في منطقة برج حمود، شرقي بيروت، ومنطقة بئر حسن قرب الواجهة البحرية لبيروت، فضلاً عن مناطق في محيط العاصمة اللبنانية.

وألقت طائرات إسرائيلية مناشير في سماء العاصمة اللبنانية، محدثة دوياً هائلاً أثار تكراره الرعب بين السكان الذين يعيشون على وقع الحرب المتواصلة بين «حزب الله» وإسرائيل.

مناشير أسقطتها طائرات إسرائيلية فوق مدينة بيروت (إ.ب.أ)

وسمع أهالي بيروت دوياً قوياً تكرر 4 مرات بفاصل زمني قصير، قبل أن يشاهدوا مناشير في سماء العاصمة. وقد لوحظ وجود نوعين من هذه المنشورات: النوع الأول موجه إلى اللبنانيين، ويدعو إلى نزع سلاح «حزب الله» ويحث على التعاون مع الجيش الإسرائيلي، كما تضمن المنشور رمزاً للمسح، مع عبارة «الوحدة 504 تعمل لضمان مستقبل لبنان وشعبه»، ليكون وسيلة اتصال، وهو ما دفع الجيش اللبناني للتحذير من مسح الكود.

وارتفع عدد القتلى جراء الحرب منذ 2 مارس (آذار) إلى 773، فيما تجاوز عدد الجرحى 1933، حسب بيانات وزارة الصحة العامة. كما سُجل ارتفاع في عدد الأطفال الضحايا بنحو 103 قتلى، و326 جريحاً.


السفير البابوي في جنوب لبنان دعماً لصمود المسيحيين

السفير البابوي باولو بورجيا لحظة وصوله إلى كنيسة القليعة خلال زيارته إلى القرى المسيحية بالجنوب (متداول)
السفير البابوي باولو بورجيا لحظة وصوله إلى كنيسة القليعة خلال زيارته إلى القرى المسيحية بالجنوب (متداول)
TT

السفير البابوي في جنوب لبنان دعماً لصمود المسيحيين

السفير البابوي باولو بورجيا لحظة وصوله إلى كنيسة القليعة خلال زيارته إلى القرى المسيحية بالجنوب (متداول)
السفير البابوي باولو بورجيا لحظة وصوله إلى كنيسة القليعة خلال زيارته إلى القرى المسيحية بالجنوب (متداول)

دفع السفير البابوي في لبنان باولو بورجيا برسائل دعم للمسيحيين في جنوب لبنان، خلال زيارة تضامنية معهم نفّذها الجمعة، وجال خلالها على عدد من القرى، بعد مقتل 5 مسيحيين في 3 قرى في الجنوب، منذ مطلع الأسبوع، بنيران إسرائيلية. وتزامن ذلك مع موقف من البابا ليو الرابع عشر، شدّد فيه على أهمية الحفاظ على الحضور المسيحي في لبنان والشرق الأوسط.

وفي وقت تواجه فيه القرى المسيحية الحدودية واقعاً صعباً مع استمرار الغارات، وتزايد المخاوف من موجات نزوح جديدة قد تضرب التوازنات الديموغرافية في المنطقة، زار السفير البابوي في لبنان المونسينيور باولو بورجيا، الجمعة، بلدة القليعة في إطار جولة تفقدية شملت عدداً من القرى المسيحية في الجنوب.

دعم وتضامن

وأكد بورجيا خلال الزيارة أن حضوره إلى المنطقة يهدف إلى إظهار الدعم والتضامن مع سكان القرى الجنوبية، في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة. وقال إن وجوده في الجنوب «يشكل دلالة دعم لسكان هذه البلدة وسائر قرى الجنوب»، مشدداً على أهمية التعاون بين الجميع لمواجهة التحديات الراهنة.

وأشار إلى أنه سيعمل على تأمين المساعدات والمساهمة في دعم الاستقرار وضمان حفظ الأمن في المنطقة، داعياً الأهالي إلى التمسك بالوحدة والتكاتف، ومؤكداً أن أبناء القرى الجنوبية «يتشاركون الأعباء والتحديات نفسها، وأن التضامن بينهم يساعد على تجاوز المرحلة الصعبة».

قائد الجيش رودولف هيكل يرحب بالسفير البابوي في لبنان باولو بورجيا خلال تشييع الأب بيار الراعي في بلدة القليعية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وتكتسب هذه الزيارة بعداً رمزياً في ظل الظروف الأمنية التي تعيشها المنطقة الحدودية، حيث تعرّضت قرى عدة لقصف وغارات خلال الحرب الجارية.

ضحايا في القرى المسيحية

تزامنت هذه الزيارة مع اتساع رقعة الخسائر البشرية في القرى المسيحية الحدودية نتيجة استمرار القصف الإسرائيلي. فقد توفي كاهن بلدة القليعة الأب بيار الراعي متأثراً بجروح أصيب بها جراء قصف مدفعي إسرائيلي استهدف منزله في البلدة، في حادثة أثارت صدمة واسعة في الأوساط الكنسية وسكان المنطقة. كما قتل مواطن في بلدة رميش، و3 شبان من أبناء عين إبل هم: جورج خريش، إيلي عطالله، شادي عمار، بنيران إسرائيلية الخميس. وتتهم تل أبيب عناصر من «حزب الله» بمحاولة استعمال هذه القرى كقواعد لانطلاق هجماته. وقال الناطق باسم جيشها، الجمعة، إنه «قبل أيام حاول عناصر (حزب الله) استغلال مبنى في قرية لبنانية مسيحية أخرى لتنفيذ اعتداء إرهابي ليرصدهم جيش الدفاع ويقضي عليهم».

نزوح وهواجس ديموغرافية

إلى جانب الخسائر البشرية، تواجه القرى المسيحية الجنوبية تحدياً آخر، يتمثل في النزوح. فقد غادرت عائلات عدة بلدات حدودية، مثل رميش وعين إبل، وبلدات أخرى بعد تصاعد القصف، فيما اختار عدد من السكان البقاء في قراهم رغم المخاطر.

ويعكس هذا القرار هاجساً تاريخياً لدى سكان هذه القرى، الذين يخشون أن يؤدي النزوح الطويل إلى تغيّر ديموغرافي دائم، خصوصاً في بلدات صغيرة يعتمد بقاؤها على استمرارية سكانها.

مسيحيون من 11 بلدة مسيحية في جنوب لبنان يحملون نعش الأب بيار الراعي الذي قتل بنيران إسرائيلية في بلدته القليعة بجنوب لبنان (د.ب.أ)

وتُعدّ القرى المسيحية في قضاءي مرجعيون وبنت جبيل، مثل القليعة ورميش وعين إبل ودبل ودير ميماس وجديدة مرجعيون، جزءاً من الشريط الحدودي الذي عاش لعقود في ظل توترات أمنية متكررة.

الفاتيكان يواكب الملف اللبناني

صورة للكاهن بيار الراعي تحمل شعار «باقون باقون حتى الموت» رفعها مسيحيون في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

في موازاة الحضور الميداني للسفارة البابوية في بيروت، برز موقف جديد للبابا لاون الرابع عشر خلال استقباله في الفاتيكان وفداً من مكتب التنسيق بين كنائس ودول البحر المتوسط برئاسة الكاردينال جان مارك أفلين. وتوقف البابا مطولاً عند الوضع في لبنان والحرب الدائرة فيه. وشدّد البابا ليو الرابع عشر على أهمية الحفاظ على الحضور المسيحي في لبنان والشرق الأوسط، مشيراً إلى أن قادة دول عدة يؤكدون في اتصالاتهم معه أهمية هذا الدور وضرورة المحافظة عليه.


بيروت تنتظر جواباً إسرائيلياً «لم يصل» للمفاوضات المباشرة

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبِلاً الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (رئاسة الجمهورية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبِلاً الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (رئاسة الجمهورية)
TT

بيروت تنتظر جواباً إسرائيلياً «لم يصل» للمفاوضات المباشرة

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبِلاً الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (رئاسة الجمهورية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبِلاً الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (رئاسة الجمهورية)

جدّد المسؤولون اللبنانيون خلال جولة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في بيروت الدعوة إلى وقف الحرب الإسرائيلية على لبنان، وفتح الطريق أمام حل سياسي، في حين شدد المسؤول الأممي على ضرورة التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار يمهد لمفاوضات تعيد الاستقرار والسيادة إلى البلاد، وأعلن عن إطلاق نداء إنساني عاجل بقيمة 325 مليون دولار لدعم لبنان.

عون: لم نتلقَّ جواباً على المبادرة

وأكد الرئيس عون خلال اللقاء أن «السلام لا يمكن تحقيقه من قبل طرف واحد، بل يتطلب موافقة طرفين عليه»، مشدداً على ضرورة البحث عن سبل لوقف الحرب في أقرب وقت ممكن؛ لأنها «لا تهدد حياة أفراد (حزب الله) فحسب، بل تهدد جميع المدنيين الأبرياء».

وأشار إلى أن لبنان «أُدخل في حرب ليست لنا»، محذراً من أن استمرارها سيؤدي إلى مزيد من الضحايا والنازحين والتدمير، الأمر الذي ينعكس سلباً على استقرار البلاد والمنطقة. ولفت إلى أن عدد الضحايا بلغ نحو 700 شخص، بينهم نسبة من النساء والأطفال، إضافة إلى نحو 800 ألف نازح.

وقال عون: «نحن نتطلع اليوم إلى السبل التي يمكن أن نوقف بها هذه الحرب في أقرب وقت ممكن»، مؤكداً أن «الحل الأفضل هو عبر المفاوضات؛ لأن مواصلة الحرب لن تؤدي إلا إلى مزيد من المآسي، ولكن من دون مساعدتكم لن يكون من الممكن الوصول إلى هذا الحل».

وأضاف أن لبنان أبدى «استعداداً للمفاوضات المباشرة وعلى أعلى المستويات»، لكنه أوضح أنه «لم يتلقَّ حتى الآن أي جواب على هذه المبادرة». ولفت إلى أن نجاح أي مسار تفاوضي يتطلب من إسرائيل «إعطاء شيء في المقابل مثل وقف مؤقت لإطلاق النار لكي نتمكن من إجراء المفاوضات»، متوجهاً إلى غوتيريش بالقول.

ملتزمون بحصر السلاح وقرار السلم والحرب

وذكر الرئيس اللبناني أن لبنان توصل عام 2024، برعاية الأمم المتحدة والولايات المتحدة وفرنسا، إلى اتفاق «وقف الأعمال العدائية»، إلا أن إسرائيل لم تلتزم به، ولا سيما في ما يتعلق بالانسحاب من النقاط اللبنانية خلال مهلة ستين يوماً، وانتشار الجيش اللبناني على طول الحدود، الأمر الذي كان من شأنه أن يسمح للدولة بالتعامل بفاعلية أكبر مع الوضع الأمني.

وشدد رئيس الجمهورية على التزام لبنان بقرار حصر السلاح بيد الدولة وامتلاكها وحدها قرار السلم والحرب، مؤكداً أن ذلك يأتي «ليس من أجل مصلحة أحد، بل من أجل مصلحة لبنان واللبنانيين»، وأن دعم الأمم المتحدة من شأنه أن يساهم في تسريع هذه الخطوة.

غوتيريش: الوقت للسلام والتفاوض وللدولة القوية

من جهته، أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تضامنه الكامل مع الشعب اللبناني، قائلاً: «أنا هنا كصديق للشعب اللبناني، وفي تضامن كامل معه». وأضاف أن اللبنانيين يعيشون ظروفاً صعبة في وقت يتزامن فيه شهر رمضان مع فترة الصوم لدى المسيحيين، معتبراً أن «هذا الوقت يجب أن يكون وقتاً للسلام والتضامن».

ودعا غوتيريش الطرفين، «حزب الله» وإسرائيل، إلى «وقف إطلاق النار ووقف الحرب»، والعمل على «تمهيد الطريق لإيجاد حل يتيح الفرصة للبنان ليكون بلداً مستقلاً وله سيادة كاملة على أراضيه». وأضاف: «هذا لم يعد وقت المجموعات المسلحة، إنه وقت الدولة القوية».

برّي: متمسكون بالقرار «1701»

وفي إطار جولته على المسؤولين اللبنانيين، استقبل رئيس مجلس النواب نبيه برّي، الأمين العام للأمم المتحدة والوفد المرافق في مقر الرئاسة الثانية، و«تناول الاجتماع تطورات الأوضاع العامة في لبنان والمنطقة والمستجدات السياسية والميدانية، في ظل تصاعد العدوان الإسرائيلي على لبنان وتداعياته على مختلف المستويات، ولا سيما ملف النزوح وتهجير مئات آلاف اللبنانيين قسراً من منازلهم، إضافة إلى دور قوات (اليونيفيل) وما تتعرض له من اعتداءات إسرائيلية»، بحسب بيان لرئاسة البرلمان.

وجدد برّي أمام غوتيريش التأكيد على تمسك لبنان بالقرار الأممي «1701»، مشدداً على أنه «لا بديل عن قوات (اليونيفيل) لتطبيقه بمؤازرة الجيش اللبناني»، وداعياً المجتمع الدولي إلى التحرك من أجل «إلزام إسرائيل بوقف عدوانها وتطبيق اتفاق تشرين الثاني (نوفمبر) 2024».

نداء إنساني من السراي الحكومي

ومن السراي الحكومي أُطلق «النداء الإنساني العاجل للبنان 2026»، في حضور غوتيريش ورئيس الحكومة نواف سلام وممثلين عن المجتمع الدولي، وسط تحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية نتيجة التصعيد العسكري في البلاد، وإعلان الأمم المتحدة خطة دعم عاجلة بقيمة 325 مليون دولار لمساعدة المتضررين خلال الأشهر الثلاثة المقبلة.

رئيس الحكومة نواف سلام مستقبِلاً الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (رئاسة الحكومة)

وقال سلام إن لبنان يمر بمرحلة بالغة الخطورة، مشيراً إلى أن «بلدي يواجه أحد أخطر فصول تاريخه الحديث»، وأن «الشعب اللبناني يجد نفسه مرة أخرى في مرمى النيران في صراع لم يختره ولم يرده». وأوضح أن التصعيد العسكري في الأسابيع الأخيرة أدى إلى نزوح واسع؛ إذ «أُجبر أكثر من تسعمائة ألف إنسان على النزوح من بيوتهم والبحث عن ملجأ». وأضاف أن قرى وبلدات كاملة في جنوب لبنان أُفرغت من سكانها، في حين «تحولت المدارس إلى مراكز إيواء، والمستشفيات تعمل فوق طاقتها».

وشدد سلام على أن «وقفاً فورياً لإطلاق النار ليس خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة إنسانية ملحّة»، مؤكداً أن «لبنان لم يختر هذه الحرب». كما أشار إلى أن الجيش اللبناني «فكك أكثر من خمسمائة موقع عسكري ومستودع أسلحة جنوب نهر الليطاني»، وأن الحكومة قررت «حظر جميع الأنشطة العسكرية والأمنية لـ(حزب الله) ولجميع الجهات غير الحكومية».