لندن في قصائد تستكشف وجهها الآخر

وفاة الملكة إليزابيث حملت العاصمة البريطانية العريقة إلى قلب الاهتمام

جسر برج لندن الذي يربط بين ضفتي نهر التيمز
جسر برج لندن الذي يربط بين ضفتي نهر التيمز
TT

لندن في قصائد تستكشف وجهها الآخر

جسر برج لندن الذي يربط بين ضفتي نهر التيمز
جسر برج لندن الذي يربط بين ضفتي نهر التيمز

ككل المدن الكبرى في التاريخ، تلمع صورة لندن في قصائد عديدة، كما في روايات ومسرحيات ربما تكون أكثر وتناولها أشهر. وهي إذ تلمع فإن لمعانها ليس مشرقاً باستمرار، وإنما هو براق مبهج حيناً وخافت باعث على الكآبة حيناً آخر. وفاة الملكة إليزابيث مؤخراً حملت العاصمة البريطانية العريقة إلى بؤرة الأحداث وقلب الاهتمام، وحملتني إلى قصائد بعضها من الشعر الرومانسي الإنجليزي، وبعضها من الشعر الحديث. من تلك القصائد قصيدتان رومانسيتان إحداهما لوليم بليك Blake والأخرى لمعاصره وزميله في التيار ذاته، وليم وردزورث Wordsworth. غير أن الانتماء إلى التيار الرومانسي ذاته في النصف الثاني من القرن الثامن عشر لم يؤد بالشاعرين الإنجليزيين الكبيرين إلى النظر إلى لندن من الزاوية ذاتها. اختلفت زاويتاهما لكنه الاختلاف الذي لم يؤد إلى اختلاف الخلاصات، كما سأحاول أن أبين في هذه التأملات.
في القرن العشرين، أو في أوائله بالأحرى، عادت لندن لتحتل واجهة الشعر مرة أخرى، وإن بتناول مختلف اختلافاً كبيراً ومتوقعاً بتغير الظروف وتغير الرؤية الشعرية والمزاج الثقافي. ولعل أبرز الشعراء الذين رأوا لندن من زاوية مغايرة كان ت. س. إليوت في قصيدته الأشهر «الأرض اليباب». تلتقي صورة لندن في قصيدة إليوت، وبصورة مباشرة تقريباً، بقصيدة وليم بليك من حيث إن كليهما معني بوجه كالح من وجوه المدينة، لكن كيفية التناول مختلفة كلياً. لغة إليوت الموغلة في الحداثة والتجريب تقف على وجه النقيض من قصيدة بليك التقليدية في بنيتها الشعرية وإن لم تكن تقليدية في رؤيتها.
تنسجم رؤية بليك للندن مع نقده اللاذع في أعمال أخرى للحياة الإنجليزية إبان عصر الثورة الصناعية حين انتشر الفقر واضطهد الإنسان، وامتهنت الطفولة بإخضاعها لأعمال قاسية ومهينة في صورة عمال صغار دفعتهم أسرهم (كما يحدث اليوم في مناطق عديدة من آسيا وأفريقيا) إلى ممارسات قاسية مثل تنظيف المداخن، الوظيفة التي تركزت عليها قصائد لبليك ضمن مجموعتيه «أغاني البراءة» و«أغاني الخبرة» اللتين كانتا في نهاية القرن الثامن عشر، وعلى الأرجح، أول مجموعتين شعريتين تتركزان على الطفولة في الشعر الإنجليزي. يرسم بليك مدينة تحت السيطرة، فالشوارع مخططة أو مرسومة (charted)، وإن بدا ذلك طبيعياً فإن التخطيط يكتسب دلالة مقلقة حين نتبين أن نهر التيمز نفسه واقع تحت نفس القبضة، فهو نهر يتدفق كما خطط له. لينطلق الشاعر من ذلك لرسم ملامح القلق والأسى على وجوه الناس، في صرخات الناس أطفالاً ونساء، ماسحي مداخن ونساء غرر بهن أو دفعتهن الظروف ليصرن مومسات. المدينة مثقلة بالقيود التي «اصطنعها العقل»، والمسؤول عن ذلك هو الكنيسة من ناحية، الكنيسة التي تسود جدرانها بصرخات ماسح المداخن، إلى جانب السلطة السياسية ممثلة بالقصر، حيث «تتدفق آهة الجندي المسكين دماً» على جدرانه. لينتهي كل ذلك بصورة المومس الشابة ومعها طفلها إذ ترى حفلة عرس حرمت من الاستمتاع بمثلها.
إنه عالم يبابي من ناحية، ومؤشر باتجاه رواية أورويل حول الأخ الأكبر في القرن العشرين، من ناحية أخرى. لكن قبل المضي في ذلك الاتجاه المظلم، دعونا نتأمل صورة تبدو مناقضة للندن، صورة تحمل قدراً أكبر من الإشراق في قصيدة وردزورث. زار الشاعر الرومانسي لندن في أوائل عام 1800 ودون رؤيته لها في قصيدة شهيرة هي «نُظمتْ على جسر وستمنستر» التي ترسم مشهداً لمدينة نائمة مثل عملاق التقط الشاعر صورته في لحظة من لحظات البراءة والسلام. في الصورة «ترتدي المدينة وجه الصباح» ويلوم الشاعر من يمر بالمشهد دون اكتراث، لا سيما والمدينة تتخلى في تلك اللحظة عن مدنيتها، تصير جزءاً من الطبيعة التي آثر الشاعر العيش فيها. هنا «تمتد السفن والأبراج والقباب والمسارح والمعابد/ صامتة وعارية، مكشوفة على الحقول ونحو السماء». الهواء هنا «خالٍ من الدخان» الذي تحدث عنه بليك. والنهر الذي وصفه الشاعر الرومانسي الآخر بأنه مقيد نراه هنا «يتدفق... كما تملي إرادته الحلوة». يحدث ذلك في تلك اللحظة من الهدوء حين «البيوت نفسها تبدو نائمة».
ما يرسمه وردزورث عالم جميل ومتلألئ لكنه يحمل مؤشرات نقيضه: ماذا سيحدث حين تستيقظ المدينة؟ حين يصحو العملاق؟ كل ذلك الهدوء سيتبخر بالتأكيد وسيمتلئ الهواء بدخان بات محبوساً طوال الليل وستضج البيوت التي «تبدو» الآن نائمة، ربما بصراخ ماسحي المداخن ودماء الجنود وأصوات المومسات. المدينة التي يرسمها وردزورث لا تختلف جوهرياً أو ضمنياً عن تلك التي يرسمها بليك، لكن اللقطة جاءت في لحظة تفارق فيها المدينة حقيقتها، حين تكتسي وداعة الطبيعة وهدوء البحيرات التي عاش وردزورث بجوارها زمناً طويلاً. اختار الشاعر المدينة حين لا تكون نفسها وذكرنا في الوقت نفسه بما ليس ماثلاً أمامنا.
تلك الصورة الضمنية الممتلئة بالضجيج والدخان والقيود هي ما استعاده ت. س. إليوت بعد قرنين ليضعه في بؤرة الصورة وليضيف إليه المزيد من الكآبة والألم، كآبة أوروبا التي شهدت حرباً عالمية وعرفت تمزقاً سياسياً واقتصادياً وتشظياً اجتماعياً وثقافياً وانهيارات إنسانية لا حصر لها. اختيار إليوت لجسر لندن الذي سبق لوردزورث أن نظم عليه قصيدته قد لا يكون مجرد صدفة أو فقط لأن للجسر رمزية عالية. هذه ترجمة فاضل السلطاني للمشهد ضمن ترجمته الكاملة للنص:

مدينة وهمية
تحت الضباب الأسمر لفجر شتائي،
تدفق جمع غفير على جسر لندن، غفير جداً،
ما كنت أحسب أن الموت حصد كل هذا العدد،
كانوا ينفثون حسرات قصيرة متقطعة،
الكل مسمر عينيه على قدميه...

ليس من السهل على كل قارئ، حتى الغربي، أن يدرك أن عبارة «ما كنت أحسب أن الموت حصد كل هذا العدد» مستلة من جحيم دانتي (حسب الملاحظة الشارحة التي أضافها إليوت نفسه). يتحول الناس إلى أحياء/أموات في مدينة وهمية هي لندن، وهمية (unreal) بمعنى أن من الصعب تصديق أن ذلك ما وصلت إليه.
هل يمكن النظر إلى لندن، بتلك الطوابير من البشر التي امتدت على طول نهر التيمز لتودع الملكة إليزابيث، من هذه الزوايا المظلمة التي رسمها ثلاثة شعراء على تباعد المسافات الزمنية بينهم؟ قد لا يكون في ذلك إنصاف لمشاعر الناس أو لجمال وأهمية مدينة عريقة وغنية بالحضارة مثل لندن. لكن المؤكد أن للندن، كما لمدن أخرى كبيرة وصغيرة، وجوهها الأخرى التي لا تلمع عادة على شاشات التلفزيون أو السينما، وبالتأكيد ليس على شاشات الإعلان في ساحة بيكاديلي اللندنية أو تايم سكوير في نيويورك أو الشانزليزيه في باريس. لكن للرؤية الشعرية أو للفن عامة حريته في عرض رؤى مغايرة للعالم الذي نعيش فيه، بل لعل ذلك ما يتوقع منه.
ولعل من الطريف هنا أن إليوت كان يقلل من شأن الشعراء الرومانسيين بل ويذم الرومانسية كلها، والأرجح أنه لم يدرك أن رؤيته الشعرية للمدينة التي عاش فيها بقية حياته جمعته باثنين من أعلام الرومانسية نفسها، أنه التقى معهما في قراءات للمدينة تقاربت في استكشاف وجوهها الأخرى.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.


حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
TT

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها، خصوصاً بعد تقديم الفنانة السورية أصالة نصري أغنية «على روض الحبيب»، خلال إحيائها حفلاً في بلدها سوريا بعد سنوات من الغياب. وأكدت أصالة أمام الحضور أن اللحن من تراث اللاذقية، رغم تشابهه مع لحن «زوروني كل سنة مرة»، وفقاً لنقاد ومتابعين.

ورفض الجمهور والنقاد، في تعليقات ومشاركات كثيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما قالته أصالة في المقطع الذي جرى تداوله على نطاق واسع خلال اليومين الماضيين، معبّرين عن استيائهم مما حدث. وأكدوا أن اللحن من التراث المصري، وموثَّق باسم سيد درويش الذي رحل منذ أكثر من قرن، مطالبين الفنانة السورية بإثبات حديثها بوثائق رسمية، بدلاً من الكلام المرسل.

وبدورها، أصدرت جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية، السبت، بياناً أكدت فيه متابعتها ما أُثير حول أغنية «على روض الحبيب»، التي أدَّتها أصالة، وما أُعلن بشأن نسبة لحنها إلى التراث السوري، وتحديداً إلى تراث اللاذقية.

وأكدت الجمعية أن تناولها هذا الموضوع لا يستهدف أصالة، لكن إعلانها أن اللحن من التراث السوري يحمّلها مسؤولية مهنية في تحرّي الدقة والتثبّت من صحة هذه النسبة، والأساس الذي استندت إليه في الجزم بأنه من التراث السوري، وما إذا كان ذلك يستند إلى دليل موثوق به.

ورأت الجمعية المصرية أن الأمر لا يقتصر على تشابه عابر، بل إن «البنية اللحنية» الأساسية تتطابق بصورة واضحة مع لحن «زوروني كل سنة مرة» لسيد درويش، مع بعض «التحويرات والتنويعات» في الصياغة؛ إذ تظل الملامح الأساسية للحن حاضرة من حيث البناء، والمسار النغمي، والتفعيلات الزمنية والإيقاعية، والإطار المقامي، والعلاقات بين الجمل الموسيقية.

إلا أن محمد حسن سيد درويش، حفيد «فنان الشعب»، دخل على خط الأزمة بموقف مغاير، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما صدر عن جمعية المؤلفين والملحنين كان يهدف إلى الدفاع عن الحقوق بوجه عام. وأضاف: «بصفتي حفيداً لسيد درويش، والحارس القضائي على تراثه الفني، واستناداً إلى دراستي الموسيقية، أوضح أنه، بمقارنة ما تغنَّت به أصالة في لحن (على روض الحبيب) بلحن (زوروني كل سنة مرة)، يتبيّن أنه لا يمت إليه بأي صلة».

وأضاف حفيد «فنان الشعب»: «يتفق اللحن الأول مع الثاني من حيث المقام الموسيقي والإيقاع، لكنه لا يرتبط بالنوتة الموسيقية الخاصة به». وأشار إلى أن أصالة أوضحت على المسرح أن اللحن يحمل روح التراث وعبقه، ويعود إلى أجواء الموسيقى القديمة، مثل موسيقى سيد درويش.

أصالة قدمت حفلاً في سوريا بعد فترة غياب طويلة (حسابها على «فيسبوك»)

وأكدت «ساسيرو» في بيانها أن موقفها «لا يأتي لمجرد أن سيد درويش أحد أعضائها، وإنما ينطلق من مسؤوليتها عن حماية التأليف الموسيقي المصري، وصون تراثه، والدفاع عن حقوق مبدعيه».

ورداً على أنباء اعتزامه اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفنانة السورية، أوضح حفيد سيد درويش أنه لم يقصد أصالة، التي يكنّ لها كل تقدير واحترام، بهذا التصريح، بل كان يتحدث بصورة عامة، قبل أن يوضع حديثه في سياق مختلف. وأضاف أن «استخدام أي لحن لسيد درويش من دون الرجوع إليه، بصفته الحارس القضائي على تراثه، والحصول على موافقة كتابية موثَّقة في الشهر العقاري، حفاظاً على حقوق الورثة، سيدفعه إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين».

بدوره، كشف الدكتور مدحت العدل، رئيس جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين»، لـ«الشرق الأوسط»، أن اتخاذ الجمعية إجراءات قانونية لا بد أن يكون بناءً على طلب العضو، وهو ما لم يحدث، مؤكداً اكتفاء الجمعية بإصدار البيان الرسمي.

وعن أصل أغنية «زوروني كل سنة مرة»، أوضح الناقد الفني المصري أحمد السماحي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الأغنية أثارت جدلاً كبيراً منذ سنوات طويلة، رغم شهرتها بألحان سيد درويش وكلمات محمد يونس القاضي. وكان حامد مرسي أول من قدَّمها عام 1917، ثم أصبحت لاحقاً واحدة من أشهر كلاسيكيات الغناء العربي، وغنّاها محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وفيروز، وفرق الموسيقى العربية في مصر والعالم العربي.

ونوَّه السماحي إلى أن بعض الباحثين قالوا إن الأغنية تعود إلى الموسيقار والمنشد العراقي الملا عثمان الموصلي، وإنها كانت تُؤدَّى في سياق ديني بكلمات مختلفة، أبرزها «زُرْ قبر الحبيب». لكنه أشار إلى أن لحن الموصلي ظهر عام 1925، ومن ثمَّ لا علاقة له بلحن سيد درويش، خلافاً لما يردّده البعض، مؤكداً أن «زوروني كل سنة مرة» تعود إلى التراث المصري دون سواه.


نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
TT

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)

أظهرت دراسة دولية أن نوافذ ذكية تستجيب تلقائياً لتغير درجات الحرارة يمكن أن تساعد في خفض استهلاك المباني للطاقة وتحسين الراحة الحرارية، من دون الحاجة إلى مصدر كهرباء خارجي أو أجهزة استشعار وأنظمة تحكم معقدة.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث إيست الصينية وجامعة كونكورديا الكندية، أن هذه النوافذ يمكن أن تصبح عنصراً نشطاً في التحكم بدرجة حرارة المباني، بما يفتح المجال أمام تقليل الطاقة اللازمة للتبريد والتدفئة، مع الحفاظ على الاستفادة من الضوء الطبيعي. ونشرت نتائج المراجعة، الجمعة، في دورية «Science Bulletin».

وتمثل النوافذ جزءاً مهماً من المباني، إذ تسمح بدخول الضوء الطبيعي، وتوفر إطلالات على الخارج، لكنها في الوقت نفسه تعد من نقاط الضعف في غلاف المبنى، ويمكن أن تتسبب في فقدان الحرارة أو اكتسابها بصورة غير مرغوبة، ما يزيد الحاجة إلى أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء.

وأجرى الفريق مراجعة لرصد التطورات الرئيسية في تقنية تعرف باسم «النوافذ المتغيرة حرارياً»، إلى جانب التحديات التي لا تزال تعوق استخدامها على نطاق واسع.

وتعتمد هذه النوافذ على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة؛ ففي الظروف الباردة، تصبح أكثر شفافية، بما يسمح بدخول مزيد من الضوء الطبيعي والاستفادة من الحرارة الآتية من أشعة الشمس، بينما تقلل في الأجواء الحارة من نفاذ الطاقة الشمسية إلى داخل المبنى، خصوصاً الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء. ويمكن لهذه الخاصية أن تحد من اكتساب المبنى للحرارة خلال الفترات الحارة، وبالتالي تخفف الحمل الواقع على أنظمة التبريد، من دون الحاجة إلى تشغيل النافذة بالكهرباء بصورة مستمرة. وتتغير الخصائص البصرية لهذه النوافذ عند بلوغ درجة حرارة معينة، فتتبدل قدرتها على السماح بمرور الضوء والطاقة الشمسية، وتختلف آلية عملها حسب المواد المستخدمة.

وشملت المواد التي تناولتها المراجعة «ثاني أكسيد الفاناديوم»، و«بيروفسكايت الهاليد»، والمواد الهلامية المائية، والبلورات السائلة، والسوائل الأيونية.

ووفقا للباحثين، تتمتع هذه المواد بخصائص مختلفة؛ فبعضها يمتلك قدرة جيدة على التحكم في الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء، بينما يوفر بعضها الآخر تغيراً قوياً في الخصائص البصرية، أو يسمح بضبط درجة الحرارة التي تبدأ عندها عملية التحول.

لكنّ الباحثين أوضحوا أن نقل هذه التقنية من المختبر إلى المباني يواجه تحديات عدة، من بينها ارتفاع درجة حرارة التحول في بعض المواد، وتغير لون الزجاج، والضبابية، والحساسية للرطوبة، والإجهاد الميكانيكي، وعدم الاستقرار على المدى الطويل.

كما تعتمد فاعلية النوافذ المتغيرة حرارياً بدرجة كبيرة على المناخ، واتجاه واجهة المبنى، ونوعه، وتصميم الزجاج. وقد تكون أكثر فائدة في المناطق التي تسود فيها الحاجة إلى التبريد، بينما يمكن لتصميم غير مناسب أن يحجب الحرارة الشمسية المفيدة في المناطق التي تحتاج إلى التدفئة.

ويرى الباحثون أن تطوير هذه التقنية يجب ألا يركز على تحسين المواد وحدها، بل ينبغي أن يتجه أيضاً إلى دمج النوافذ في أنظمة المباني، بما يشمل التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والإضاءة ووسائل التظليل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن النوافذ المتغيرة حرارياً يمكن أن تحل محل أجهزة التكييف، وإنما تشير إلى إمكانية استخدامها لتقليل كمية الحرارة التي تدخل المبنى، وبالتالي خفض الطاقة التي تحتاج إليها أنظمة التبريد، مع اختلاف الفائدة المتوقعة وفقاً للظروف المناخية وتصميم المبنى.