وريث الصراعات الزائفة

شهادة عن جيل التسعينات الشعري في العراق

خالد علي مصطفى - فوزي كريم - فاضل العزاوي
خالد علي مصطفى - فوزي كريم - فاضل العزاوي
TT

وريث الصراعات الزائفة

خالد علي مصطفى - فوزي كريم - فاضل العزاوي
خالد علي مصطفى - فوزي كريم - فاضل العزاوي

ما الذي تبقى لنا لكي نقوله بعد تهافت الستينيين، وموجتهم الصاخبة، وروحهم الحية؟ وكأن جيل الستينات سنَّ سنةً للأجيال التي تليه في أن يوثقوا تجارب جيلهم الإبداعية الشعرية نثراً؛ بمعنى أنهم لم يكتفوا بالقصيدة حصاناً رابحاً في السباق؛ إنما بدأوا يأخذون مقاعد النقاد، ويتبادلون أدوارهم في أن ينظروا وينظِّروا لجيلهم الشعري، معبئين بصراخ الآيديولوجيا؛ بعثيين وقوميين وشيوعيين ومستقلين، صارخين بكل ما أوتوا من عنفوان ليزيحوا جيل الريادة الذي سبقهم، ومن ثم يعلون شأن جيلهم، وبعد ذلك يوزعون وصفتهم الشعرية على صيدليات الأجيال التي تليهم، ليقولوا إن خريطتهم الشعرية هي الوحيدة الناجعة، وإنها الوصفة الرئيسية والوحيدة لعلاج الشعرية العراقية من إدمان الرواد، وبعد ذلك يمارسون الإزاحة فيما بينهم، حيث يزيح بعضهم بعضاً، فالشيوعيون غير مقتنعين بالبعثيين، والبعثيون غير مقتنعين بالشيوعيين، وكل ينافح عن توجهه السياسي المغلف بالثقافي.
أقول؛ لقد اختط الستينيون هذه الطريقة في الكتابة؛ في أن يستعينوا بالنقد والكتابة عن جيلهم، وهم في الحقيقة لم يكتبوا نقداً بما في هذه الكلمة من معنى جوهري، إنما كتبوا تفوهات نقدية كما يسميها سامي مهدي، وكتبوا مانشيتات عريضة وصادمة في الوقت نفسه، ومغلفة بالصراع الذي دار بينهم؛ ذلك أن الأوساط الثقافية حين تعود إلى تلك الكتب ـ على أهميتها - لن تنتفع منها الآن إلا بوصفها وثيقة تاريخية لمرحلة من مراحل العراق، فهم معبؤون بالجو العام؛ الجو الانقلابي السياسي، وطامحون للمسك بزمام القيادة الثقافية على غرار الانقلاب السياسي الذي حصل عليه البعثيون، لهذا انصبت مجمل تلك الكتابات على تلك الصراعات في زمنهم، ولم نستفد منهم بوصفنا أجيالاً لاحقة إلا إصابات الشظايا التي تأتينا بسبب عراكهم غير الثقافي، ولكنهم حسناً فعلوا؛ فقد سنّوا هذه السنة في أن يكتب الشعراء أنفسهم كتابات عن جيلهم.
وعلى هذا النمط؛ استمر الشعراء، وعلى مختلف الأجيال؛ سبعينيين وثمانينيين وتسعينيين، نافحين وناقدين تجارب جيلهم الشعرية، فظهرت كتب عديدة تخوض في هذا المجال، ولكني أيضاً غير مقتنع بكثير من تلك الكتابات بوصف كاتبيها رموزاً وفرساناً لأجيالهم، وحين يكتبون تكون شهادتهم مجروحة في الواقع، ولن يكتبوا إلا ما يؤمنون به، ولن يؤمنوا بأي نموذج شعري إلا النموذج الذي يكتبونه، وبهذا؛ فإن حجم الإزاحات في تلك الكتب واسعٌ جداً، وغير موضوعي.
وحين أتحدث عن نفسي وعن جيلي؛ أقول: إننا أيضاً لن نختلف عن تلك الأجيال التي سبقتنا، فقد أغرتنا كثيراً فكرة قيادة الجيل الشعري، وسكرنا بنشوة الصعود، لنكون فرسان جيل التسعينات، وكأننا نفتح عمورية، والواقع أن هذه الخمرة التي نسكر فيها، هي خمرة مغشوشة سببها الجيل الستيني، الذي صدَّر مثل هذه الخمرة، لتسكر بها الأجيال اللاحقة، وهذا ما عبَّر عنه فيما بعد فوزي كريم في كتابه «ثياب الإمبراطور»؛ فالقضية هي فعلاً ثياب إمبراطور عارٍ، ولكن الناس تصفق له بجمال الثوب وفصاله، فيما كانت «الروح الحية» و«الموجة الصاخبة» تدوران حول النصوص ولا تحللها، إنما تهتم بالشخوص وتوجهاتهم، وتتابع تاريخ النصوص ونشرها وأسبقيتها في المجلات والصحف دون أن تؤشر نقدياً لحركة الحداثة في ذلك الوقت، واكتفت بتثبيت الأسبقية التاريخية والتي لا تخفي الصراع السياسي لإثبات الأحقية في قيادة الجيل الثقافي في ذلك الوقت، ما عدا الدكتور خالد علي مصطفى الذي كتب في آخر المطاف كتاباً سماه «شعراء جيلي» وكان كتاباً توفيقياً لم يتعرض فيه إلى الصراعات التي دارت، وأعتقد أن زمن كتابته الكتاب، حيث كتبه بعد 2003، هو الذي فرض عليه نمط تفكير مختلفاً في أن يكون كتابه توفيقياً، حيث جاء بعد كتاب «الروح الحية» لفاضل العزاوي، و«الموجة الصاخبة» لسامي مهدي و«تهافت الستينيين» لفوزي كريم، ليأتي خالد علي مصطفى؛ المعروف بصخبه وعنفوانه، الذي فاجأنا في كتابه «شعراء جيلي» بأنه كتاب هادئ لم يتعرض للصراعات الجيلية، ولا التلميحات السياسية التي حوتها الكتب السابقة.
بهذا النمط من التفكير؛ تربَّى جيلنا التسعيني على هذه الأفكار الإزاحية أيضاً، وهي متلوثة أو مهاجرة من عالم السياسة المغلق في زمننا، فنحن لم نعش مرحلة سياسية يصح أن نصفها بالسياسية؛ إنما حزب واحد متفرد حكم البلد، ومن ثم تحوَّل الحزب إلى عائلة، وما البعثيون القدامى والجدد إلا بيادق يحركهم أطفال قريبون من عائلة الرئيس، وبهذا؛ فإننا كنا مغشوشين بخمرة فاسدة ونسكر بها من بعيد، لضعف تجارب جيلنا، الذي فتح عينيه أواسط عقد التسعينات من القرن الماضي، حيث الحياة نحو أفولها المرير، والجوع والخوف بأعلى مناسيبهما المريرة أيضاً.
البلد منهار في لحظتنا؛ سياسياً كان مغلقاً تماماً ومحاصراً، ولا يستطيع عبور حدوده، والرئيس الذي كان يحكم البلد بقبضة حديدية لا يستطيع أن يسافر إلى أي دولة قريبة أو بعيدة؛ بل وصلت الحال به إلى أن مُنع عليه دخول محافظات كردستان العراق، بعد أن وضعت الأمم المتحددة خطوط الطول والعرض.
وانسحبت الحياة الثقافية من اخضرارها إلى الذبول المريع، بعد أن وصل راتب المعلم - وهو القيمة الأعلى التي نملكها - إلى ما يعادل دولارين في الشهر، فانسحبت ملامح الحياة المعقولة التي حاولت سنوات السبعينات أن تتزين بها، وبقي جزءٌ منها في الثمانينات رغم الحرب العراقية - الإيرانية، إلا إن الحياة هذه قد أُجهِز عليها بالكامل في التسعينات، يعني أننا قصصنا شريط شبابنا على حياة ممحلة زائفة، لا عمل لنا فيها إلا ترديد الأناشيد الكاذبة، التي تهدد العالم بسحله كله، فيما كنا لا نستطيع أن نصل إلى أربيل.
بلا وعينا تسربت لأرواحنا وعقولنا ثقافة أن الآخر عدوٌ لك، ويجب ألا تثق به، ومن هذا المنطلق كان يكرهنا شعراء قصيدة النثر، ونحن - الذين كنا متمسكين بالعمود الشعري - نكرههم أيضاً، فيما غاب الصوت الوسط؛ غابت قصيدة التفعيلة التي يُفترض أن تكون وسطية؛ نحن نعيش في بلد لا يعير اهتماماً كبيراً للوسطية والاعتدال، وهذا نابع من ثقافات متراكمة على مد الزمان، فالوسطية ليست درساً تتعلمه أو حكاية تسمعها وتطبقها، إنما هي طريقة عيش تأتيك من خلال تراكم زمني تعيشه العوائل والمجتمعات، ليكون سياقاً متشرباً بسلوكها وثقافتها ووعيها... أقول هذا وأنا لستُ وسطياً في تلك الفترة، فقد كنتُ وأبناء جيلي في قمة الراديكالية والعنف، وكنا نتصور أننا الأحق في أن نمثل الجيل التسعيني في تلك الفترة، ولو رجعنا الآن لتلك المقولات لشبعنا من الضحك على كمية السخف الذي كنا نعاني منه، وعلى حجم الجهل الثقافي الذي كنا عليه، فعلى أي عظمة كنا نتقاتل ونحن مجردون من الأسلحة؟ نحن الخارجين من المدارس التي هرب معلموها، وباعوا السكائر في الطرقات، والساكنين في بيوت غادرتها أسباب الراحة كالكهرباء والتبريد البسيط، والدارسين في جامعات تحولت إلى ثكنات عسكرية، وتدريب دائم، فيما بدأت الكوادر المهمة والكفاءات تلملم ثيابها وتغادر البلد أملاً في عيش كريم أو معقول حتى، فنحن للأسف لم نستطع أن نميز في تلك الفترة بين العيش الكريم، والمقبول، والرديء، فقد بهتتْ الحياة كما بهتت ملابسنا في الجامعة، وليس لنا إلا صبغها وترقيعها.
رغم كل هذا الذبول والحياة الكارتونية التي نعيشها؛ فإننا كنا نتصارع ونختلف، ولا نتحاور، منطلقين - بلا وعينا - من أن الآخر المختلف هو عدو لنا، وبهذا تتقلص مساحة الحوار، وتتسع مساحات العنف الجرداء حتى لو كانت تلك المساحات في الروح، فهي نتيجة طبيعية لتصحر الأرواح وانطفاء لمعتها البراقة.
الثقافة العراقية ليست ثقافة تراكمية، هي ثقافة طفرات، وعلى الرغم من أن فيها طفرات مهمة ولافتة ومغرية، فإنها لا تشكل بناءً متكاملاً في نهاية الأيام والأزمنة. وثقافة الطفرات نابعة من روح العنف المستبدة في هذا البلد؛ البلد الذي لم يسترح طيلة سنواته القديمة والحديثة، ولم يقدم لأبنائه إلا مزيداً من الشعارات والأكفان والحروب المقدسة والداعرة، فيما ثقافته ذات بعد أحادي حاد وصارم ونابع من روح مستغرقة في داخلها كثيراً، دون أن تنظر إلى الجوار، وتفتح له باباً أو نافذةً تطل عليه، لتتحاور أو تسلم عليه على الأقل، وهذا نابع من عدم الثقة بالآخر، حيث أنشأ أهلنا، ونحن من بعدهم، أسيجةً عاليةً للبيوت، وأبواباً أعلى، وكأننا في سجون، وهنا أتحدث عن الأغلبية التي تفكر بهذا النمط؛ أما الاستثناء فهم الذين يثبتون هذه الفرضية أو الفكرة.
الأبواب العالية، والأسيجة العالية، والبيوت الضيقة الخالية من الحدائق، والأصدقاء المتشابهون في الدين، والمحلة، والطائفة، وحتى في العشيرة، والطريق الوحيدة التي تسلكها وتعود منها، والمدرسة القريبة من بيتك، التي تجمع أشباهك، والمعلم المروَّض الذي يخشى من الحائط، والقراءات النمطية، وعدم رؤية مختلف عنك... كل ذلك يتراكم ليشكل غدة وورماً منتفخاً يصورك أنك شخصٌ مهم، وأنك تختلف عن الآخرين لأنك الأفضل دائماً، فدينك الأفضل، وفرقتك الفرقة الناجية، ولغتك أعظم لغة، وعائلتك أفضل العوائل، ومنطقتك أفضل من المناطق المجاورة، ومحافظتك التي ولدت فيها أعظم محافظة، وبلدك أعظم بلد... وبالنتيجة تتسرب كل هذه الثقافات لتصب في هذا الورم الذي يتضخم معك كلما تكبر، لتصنع منك في الأخير شخصاً مأزوماً شكّاكاً، يعيش الوهم فقط؛ الوهم الذي يقول له: أنت الأهم والأعظم، ولكن في الحقيقة لا هو مهم ولا هم يحزنون؛ الأهمية التي يتصورها نابعة من أوهام العزلة، فكلما انعزل الإنسان عن الآخرين كلما تصور نفسه عظيماً.
بهذه الثقافة، فتحنا أعيننا؛ نحن أبناء الجيل التسعيني، ونحن نتصارع بين قصيدة الشعر وقصيدة النثر، ونحن نكرر صراعات الأجيال التقليدية؛ في أن نترك لنا موطئ قدم كبيرة تزيح أقدام أصدقائنا المختلفين معنا، وكذلك كان المختلفون معنا لا يقتنعون بنا، بوصفنا كائنات قادمة من خارج التاريخ، والواقع كنا نتصارع دون أن يقرأ بعضنا لبعض، وبهذا؛ فإننا حصدنا جهلاً مركباً، والكل يبني أحكامه على الكل دون أن يقرأ له شيئاً؛ أي شيء.
بعد مضي أكثر من خمسة وعشرين عاماً لهذا الجيل؛ جيلنا الذي يسمى «الجيل التسعيني» الذي فتح عينيه في الحصار، وشبَّ وكبر في الاحتلال، وبدأ يمارس حياته الثقافية في أجواء الحرب شبه الأهلية؛ نعم هذا هو جيلنا الوارث عقد الأجيال التي سبقته، والعاكس نمط تفكير السلطة في أن الآخر هو العدو... حاله حال كل الأجيال الشعرية؛ بمن فيهم أولئك الذين هاجروا من البلد مبكراً وعارضوا النظام السابق، إلا إنهم بقوا على نمط تفكير بثته السلطات على تعاقبها في أن الآخر المختلف عدو فاحذره، وبهذا؛ فإن التراكم الثقافي يحدث فقط في النظرة العدوانية للآخر، فيما عدا ذلك؛ فإنها خاضعة للحظ وللطفرات التي ذكرتها قبل قليل.
لا أريد أن أصنع بانوراما سوداوية للمرحلة التي كنا فيها، ولكني أكتب هنا شهادتي عن جيلي، فهذه الكلمات عتبة وشهادة لنزف الذاكرة الذي مررنا فيه، والذي نطل الآن عليه من مكان أعلى، ونتذكر تفاصيلنا، فنضحك من حماقتنا، وبهذا؛ فكلما طالت المسافة بين الحدث وتدوينه، فإن منطقة العقلانية تكون جيدة وواسعة، وباب المراجعة يكون مفتوحاً على أوسعه، وربما تقع هذه المقالة أو المراجعة في باب «رؤية بعض صراعات جيلنا الشعري والثقافي».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

إردوغان باع الكعك وترمب جمع الزجاجات الفارغة... أعمال البدايات

TT

إردوغان باع الكعك وترمب جمع الزجاجات الفارغة... أعمال البدايات

في سنوات المراهقة والشباب قام قادة العالم بأعمال بسيطة وخارجة عن المألوف (وكالات)
في سنوات المراهقة والشباب قام قادة العالم بأعمال بسيطة وخارجة عن المألوف (وكالات)

هؤلاء الذين حكموا وما زالوا يحكمون كبرى البلاد، بدأوا رحلتهم من أسفل السلّم. خذوا مثلاً ناريندرا مودي، رئيس حكومة الهند منذ 2014، والذي انطلق كبائع شاي في محطة قطار. ولد مودي عام 1950 وسط عائلة فقيرة وهو الثالث بين إخوانه الستة. بينما كانت والدته تغسل الصحون في المطاعم للمساعدة في مصاريف المنزل، كان مودي يبيع الشاي في الكشك الخاص بأبيه داخل محطة قطار فادناغار شمالي الهند.

شكّلت هذه البداية المتواضعة جزءاً أساسياً من شعبيته، لا سيما في نظر الشباب الهندي، ودعامةً لوصوله إلى سدّة الحكم لاحقاً؛ إذ تحوّل مودي إلى رمزٍ للشاب الهندي الآتي من عائلة فقيرة، والذي استطاع الوصول إلى أعلى المراتب. وفي تحيةٍ لبداياته المتواضعة، غالباً ما نظّم مودي تجمّعاته الانتخابية ولقاءاته بالناخبين في أكشاك ومقاهي الشاي.

طفلاً عمل ناريندرا مودي في كشك لبيع الشاي في محطة القطار (رويترز)

إردوغان... بائع الليموناضة والكعك

في الآونة ذاتها أي في مطلع الستينات من القرن الماضي، إنما على المقلب الآخر من قارة آسيا، كان مراهقٌ يُدعى رجب طيب إردوغان يبيع الليموناضة، والبطّيخ، والكعك في شوارع إسطنبول. في الـ13 من عمره، حمل مَن سيصبح لاحقاً رئيس تركيا وأحد أبرز القادة العالميين، حقيبة المدرسة على ظهره، وأكواب الليموناضة في يديه.

هكذا أمضى إردوغان سنوات الطفولة والمراهقة، ما بين مقاعد «مدرسة الإمام الخطيب» وتأمين مصروفه اليوميّ، بما أنّ وضع العائلة المادي لم يكن يسمح بدعمه. أما خلال دراسته الجامعية، فهو استبدل بالفواكه والعصير والكعك، الطابة، محاولاً احتراف كرة القدَم، إلى أن حطّت به الرحال لاحقاً على كرسيّ الرئاسة التركية.

ترمب باع العبوات الفارغة

لم يأتِ دونالد ترمب من عائلة فقيرة، فوالدُه كان اسماً معروفاً في قطاع العقارات والبناء في نيويورك. إلا أنّ الرجل، ورغم وضعه المادي الميسور، أراد أن يعلّم أبناءه العصاميّة منذ الصغر.

في حوار أجراه مع مجلة «فوربس» عام 2006، تحدّث دونالد ترمب عن مدخوله الأول قائلاً إنه كان يرافق وأخوه والدَيهما إلى مواقع البناء، حيث كانا يجمعان زجاجات المشروبات الغازية الفارغة ويُعيدانها إلى المحال التجارية مقابل بعض النقود. كانت تلك الإشارة الأولى إلى حسّه التجاريّ. أما الوظيفة الثانية التي أوكلها والده إليه، فكانت التجوال على المستأجرين في مبانيه وجمع الإيجارات منهم.

دونالد ترمب مع والده في حفل تخرّجه عام 1968 (فيسبوك)

أوباما عبّأ البوظة

إذا كان على دونالد ترمب أن يغمس يدَيه في التراب للحصول على نقوده الأولى، فإنّ الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، قد غمس يدَيه في البوظة خلال وظيفته الأولى. في سن الـ16 وعندما كان يقضي عطلة الصيف في منزل جدّيه لأمّه في هونولولو – هاواي، عمل أوباما في متجر لبيع المثلّجات.

في منشور على منصة «لينكد إن» عام 2016، كتب أوباما: إنّ غَرفَ الآيس كريم أصعب مما يبدو عليه. فالكميات المتكدسة من المثلجات الصلبة كالصخر قد تكون قاسية على الرسغَين». وأضاف أنه بوظيفته الأولى تلك، كان يمرّن يدَيه لرياضة كرة السلة. أما على المستوى الشخصي، فقد اكتسب حسّ المسؤولية والجدّيّة والموازنة بين العمل والدراسة والعائلة والأصدقاء.

مراهقاً عمل باراك أوباما في تعبئة المثلّجات في هاواي (رويترز)

مادورو سائق حافلة ركّاب

قبل أن يطيح به ترمب، كان يعدّد نيكولاس مادورو أسباباً كثيرة للاعتداد بالنفس، من بينها بداياته المتواضعة. فالرئيس الفنزويلي المخلوع خرج من الشارع، حيث كان سائق حافلة لنقل الركّاب خلال سنوات عدّة في شركة «مترو كاراكاس». مادورو المولود في عائلة تنتمي إلى الطبقة العاملة، ترك المدرسة قبل التخرّج وبدأ بقيادة الباصات. كما عمل في تلك الفترة مرافقاً شخصياً لأحد المرشّحين إلى رئاسة فنزويلا عام 1983.

بدأ نيكولاس مادورو مسيرته كسائق حافلة في شوارع كاراكاس (رويترز)

ميدفيديف نظّف الشوارع

يذكره العالم في منصب رئيس حكومة روسيا السابق، لكن لا يعرف كثيرون أن ديمتري ميدفيديف أمضى سنوات دراسته الجامعية متنقّلاً بين الورش والشوارع. في الأولى كان يعمل في البناء، أما في الثانية فكان عامل تنظيفات.

في حوار مع مجلة «إيتوجي» الروسية، استعاد ميدفيديف تلك الحقبة، موضحاً أنه كان يسدّد مصاريف الدراسة الجامعية بالعمل في البناء وفي تنظيف الشوارع. في تلك الآونة كان يقيم في شقة والدَيه الصغيرة في إحدى ضواحي سان بطرسبرغ، وهو كان يحلم حينذاك بشراء أسطوانات فرقة «ديب بربل» وسروال جينز «ليفايس»، وهي سِلَعٌ كانت تُباع وقتَها في السوق السوداء حصراً.

عمل ديمتري ميدفيديف في البناء والتنظيف خلال شبابه (موقع الكرملين)

ترودو المتعدّد المهن

تنقّل جاستن ترودو بين وظائف كثيرة قبل أن يستقرّ في السياسة ويتولّى رئاسة حكومة كندا ما بين 2015 و2025. عمل لفترة وجيزة حارساً لملهى ليليّ، ثم تفرّغ للتدريب على القفز في الهواء (bungee jumping)، ولتعليم التزلّج بالألواح (snowboarding)، لينتقل لاحقاً إلى مهنة التدريس، حيث علّم اللغتين الإنجليزية والفرنسية، والعلوم الاجتماعية، والرياضيات، والمسرح. وقبل أن يسير على خطى والده ويتفرّغ للسياسة، جرّب ترودو حظّه في التمثيل فقدّم دوراً رئيسياً في مسلسل تلفزيوني عن تاريخ كندا.

من بين المهن التي احترفها جاستن ترودو التدريب على التزلّج (إكس)

بوريس جونسون... صحافي مثير للجدل

من الصحافة أتى بوريس جونسون وإليها عاد. فبعد استقالته من رئاسة الحكومة البريطانية عام 2023، استرجع قبّعته الصحافية وانضمّ إلى فريق صحيفة «ديلي ميل».

بدأ جونسون مسيرته الصحافية عام 1987 كمراسل متدرّج في صحيفة «ذا تايمز» البريطانية، لكنه سرعان ما طُرد بسبب اختراعه اقتباساً لا يمتّ للحقيقة بصِلة. انتقل لاحقاً إلى «ديلي تلغراف»، حيث تولّى متابعة الشؤون الأوروبية مندوباً للصحيفة في بروكسل. أسهم كذلك في «ذا سبكتايتور» و«جي كيو ماغازين» من خلال مقالات سياسية. وقد ارتبط أسلوبه الصحافي المثير للجدل بكثيرٍ من الفضائح المهنية.

جونسون صحافي قبل رئاسة الحكومة البريطانية وبعدها (أ.ف.ب)

زيلينسكي... الخشبة قبل الجبهة

قبل سنوات على بداية العداء بين بلده وروسيا، كان فولوديمير زيلينسكي الشخصية الأوكرانية الأحبّ إلى قلوب الروس، فهو كان نجماً كوميدياً على التلفزيون الروسي.

خلف مواهبه الفنية، لطالما خبّأ الرئيس الأوكراني طموحاً للسلطة. لكن في حساب السنوات، فإنّ الجزء الأكبر من عمره أمضاه بين خشبة المسرح واستوديوهات التلفزيون. انطلقت رحلة زيلينسكي مع التمثيل في سن الـ17، وهو احترف الكتابة والإخراج والرقص كذلك. أسّس فرقة جالت على دول الاتحاد السوفياتي في التسعينات، واستقرت لسنوات في العاصمة الروسية موسكو. ومع اعتزاله الفن عام 2018 من أجل الترشّح للرئاسة، أشار استطلاع أُجري آنذاك إلى أن أكثر من 85 في المائة من الأوكرانيين يعرفونه من خلال الشاشة والمسرح.

احترف زيلينسكي التمثيل وامتهنه قبل تولي رئاسة أوكرانيا (رويترز)

العميل السرّي بوتين

أما غريمه في السياسة فلاديمير بوتين، فكانت مهنته الأولى أشدّ خطورةً من التمثيل. فور حصوله على شهادة الحقوق، انضمّ بوتين إلى صفوف «كي جي بي» (جهاز الاستخبارات الروسية) في سن الـ23. عام 1985، وبعد سنوات أمضاها في تنفيذ المهام المحلية، أوكلت إليه مهمة خارجية دقيقة انتقل بموجبها إلى درسدن في ألمانيا، حيث تولّى جمع المعلومات بالتنسيق مع الشرطة السرية في ألمانيا الشرقية.

عام 1990 وعشيّة انهيار الاتحاد السوفياتي، تقاعد بوتين من «كي جي بي» برتبة عقيد وعاد إلى سان بطرسبرغ لدخول معترك السياسة.


«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
TT

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)

أطلق برنامج «الرياض آرت» بالشراكة مع المعهد الفرنسي في السعودية، مساء الأربعاء، «لا فابريك - المصنع»، وهي مساحة جديدة مخصّصة للإبداع الفني والتبادل الثقافي، وذلك في حي جاكس، ضمن إطار الشراكة الثقافية الممتدة بين البلدين، وتستمر حتى 14 فبراير (شباط) المقبل.

ويأتي إطلاق «لا فابريك - المصنع» بوصفها منصة إبداعية مفتوحة صُممت لتكون مختبراً حياً يتيح للفنانين تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية تجمع ممارسات فنية معاصرة متعددة، تشمل فنون الأداء، والفنون الرقمية والتفاعلية، والتصوير الفوتوغرافي، والموسيقى، والسينما، وأخرى تفاعلية.

يُمكِّن المختبر الفنانين من تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية (واس)

وتتيح المساحة للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية أثناء تشكّلها، والاطلاع على مسارات إنتاج الأعمال الفنية وتطوّرها عبر الزمن، بما يُعزّز حضور الفن في الفضاء العام، ويقرّبه من المجتمع.

من جهته، أكد باتريك ميزوناف، السفير الفرنسي لدى السعودية، أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي بين البلدين، مشيراً إلى أن جمع الفنانين في فضاء إبداعي مشترك يفتح المجال لتبادل الخبرات وتلاقي الأفكار، وصناعة تعبيرات فنية معاصرة تعكس عمق الشراكة الثقافية، وتؤكد دور الفن بوصفه جسراً للتواصل وبناء الفهم المتبادل بين المجتمعات.

أكد السفير الفرنسي أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي (واس)

بدوره، أوضح عمر البريك، مدير أول إدارة الفن العام في البرنامج التابع لـ«الهيئة الملكية لمدينة الرياض»، أن إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزامهم بدعم الممارسات الفنية المعاصرة، وتوسيع نطاق الوصول إلى مسارات التطوير الإبداعي، مبيناً أنه يوفّر منصة تعزّز العمل التشاركي، وتسهم في دعم المنظومة الثقافية بالعاصمة السعودية ومشهدها الإبداعي المتنامي.

إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزام البرنامج بدعم الممارسات الفنية المعاصرة (واس)

وتعد «لا فابريك - المصنع» منصة طويلة المدى تجمع الفنانين والمؤسسات والاستوديوهات الإبداعية من السعودية وفرنسا، عبر مشاريع فنية مشتركة وحوارات إبداعية تشمل الفنون البصرية، والصورة المتحركة، والإبداع الرقمي، بما يسهم في دعم تحوّل مدينة الرياض إلى وجهة ثقافية دولية، ويتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، ويعزّز الروابط الثقافية بين البلدين.


«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
TT

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت بلاد الشرق توافداً من الفنانين الغربيين الذي تجولوا في المشرق العربي حاملين معهم أدواتهم لتسجيل تفاصيل ذلك العالم الجديد والمختلف بالنسبة إليهم، أخذوا من تلك التفاصيل وملامح الحياة في المدن وفي الصحراء مواد غنية للوحاتهم التي سمحت للشخص في الغرب برؤية ذلك العالم الغامض بالنسبة إليه. غير أن كثيراً من تلك اللوحات لجأت إلى الخيال في تفاصيل كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بعالم النساء، أو الحريم، كما ظهر في لوحات الفنانين العالميين وقتها.

تنتمي أعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك إلى اللون الاستشراقي ولكن كانت لديه ميزة عن غيره من الفنانين الاستشراقيين وهي أنه كان يرسم تفاصيل عالمه الشرقي ولكن بالأسلوب الغربي الذي درسه في فرنسا واستلهمه من أهم الفنانين الاستشراقيين في بدايات القرن العشرين. تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله. وحمَّل لوحاته بالكثير من التفاصيل الجمالية للقصور والمساجد وأيضاً النساء، ولكن بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين. وكان حمدي بك من أوائل الفنانين العثمانيين الذين ربطوا بين عالمي الفن في تركيا وفرنسا، وقد عكست أعماله، في جوانب عديدة، المواضيع الاستشراقية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا آنذاك.

لوحة «عند باب المسجد» للفنان عثمان حمدي بك (بونامز)

عُرضت لوحات حمدي بك في أهم المتاحف، وحققت أرقاماً عالية في المزادات العالمية مثل لوحة «فتاة تقرأ القرآن» التي باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني، واليوم تطرح الدار لوحة أخرى لحمدي بك تقدِّر لها سعراً مبدئياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه، معتمدةً على جاذبية لوحات الفنان التركي الشهير لهواة الاقتناء.

اللوحة التي تعرضها الدار في 25 من مارس (آذار) المقبل ضمن مزادها للوحات القرن التاسع عشر والفن الانطباعي البريطاني، تحمل عنوان «عند باب المسجد»، وتصور مشهداً لباب أحد المساجد بمدينة بورصة بتركيا. تعرض اللوحة تفاصيل المشهد أمامنا بدقة وبألوان دافئة، مما يمنح اللوحة عموماً إحساساً بالهدوء يزيده وجود الحَمَام في أكثر من مكان في اللوحة؛ فهناك حمامات تلتقط بعض البذور من الأرض، وهناك عدد آخر منها يجلس على عارضة معدنية أعلى باب المسجد. ولكن المشهد أمامنا يبدو غنياً بالحياة والتفاعل بين الشخصيات أمامنا. في المشهد وعلى عتبات مدخل المسجد نرى عدداً من الأشخاص، كل منهم له شخصية مميزة؛ فهناك رجل يشمِّر عن ذراعيه استعداداً للوضوء، وخلفه شخص آخر يبيع بعض الكتب، وشخص إلى جانبه يجلس في تأمل... لا يغيب عن نظرنا شخصان إلى يسار اللوحة أحدهما يرتدي جلباباً أصفر اللون وعمامة جلس إلى جانبه متسول يمد يده وعلى وجهه تعبيرات التوسل. إضاءة لطيفة: يبدو أن الفنان قد رسم نفسه في ثلاث شخصيات هنا؛ فهو الرجل ذو الجلباب الأصفر، والرجل في يمين اللوحة الذي يتهيأ للوضوء، وهو أيضاً المتسول.

النساء في اللوحة أيضاً ظاهرات؛ نرى سيدة ترتدي رداءً ورديَّ اللون وهي تحمل مظلة بيضاء، لا نرى وجهها ولكنها فيما يبدو تنظر إلى كلب وقف يستجدي بعض الطعام من شخص جالس. تتلون أزياء النساء بألوان رائقة ومريحة للعين، فنرى سيدة ترتدي زياً باللون السماويّ، وأخرى باللون البرتقاليّ، وسيدة ترتدي زياً أبيض اللون بينما تحمل مظلة حريرية باللون الأخضر الفاتح. ما يميز المشهد هنا هو الحركة، تقع العين على سيدة تنظر إلى أخرى وهي مبتسمة كأنها تستكمل حديثاً بدأته منذ قليل، تقابلها سيدتان واقفتان أعلى الدرج؛ إحداهما تنظر أمامها بينما الأخرى تنظر إلى طفلة وطفل جالسين على الدَّرَج وعلى وجهها ابتسامة. تبدو الفتاة الصغيرة كأنها تنظر إلى المشاهد وتضع يداها على خصرها فيما يضحك الطفل إلى جانبها. التفاصيل كثيرة جداً هنا، ويتميز فيها أيضاً الاهتمام بتفاصيل البناء والزخارف على أعلى المدخل والستارة المطوية لتسمح للناس بدخول المسجد. تأخذ اللوحة عين الناظر لملاحظة نافذة مزخرفة أعلى البناء وقد تدلَّت منها سجادة مزخرفة بألوان جميلة.

حسب الدار؛ فاللوحة تُعرض في المزاد للمرة الأولى وتتمتع بسجل ملكية موثق ومتميز، إذ اقتُنيت مباشرةً من الفنان بعد أربع سنوات من إنجازها، حسب تصريح تشارلز أوبراين، مدير قسم لوحات القرن التاسع عشر في «بونامز» الذي يضيف أن اللوحة تُعد «مثالاً رائعاً على أعمال عثمان حمدي بك، أحد أبرز الشخصيات في المشهد الثقافي العثماني في مطلع القرن العشرين. إنها لوحة رائعة بكل المقاييس، من حيث الحجم والتفاصيل، وبوصفها من أوائل لوحاته ذات الأبعاد الضخمة، فهي تُعدّ مثالاً مثالياً على دمج مشهد شارع معاصر مع بعض السمات المعمارية لمسجد عثماني من القرن الخامس عشر."