في «بيت الصحفيين» بباريس: شِبهُ معسكر ونصفُ حياة

شارع «بلوميه» حيث يوجد «بيت الصحفيين»
شارع «بلوميه» حيث يوجد «بيت الصحفيين»
TT

في «بيت الصحفيين» بباريس: شِبهُ معسكر ونصفُ حياة

شارع «بلوميه» حيث يوجد «بيت الصحفيين»
شارع «بلوميه» حيث يوجد «بيت الصحفيين»

أمضيتُ أربعة شهور في فندق «عدن» المتواضع، الواقع في شارع «بلوميه»، أنفقت خلالها معظم ماجئتُ به من نقود حصيلة بيع سيارتي وبقية مدّخرات متواضعة؛ في انتظار الحصول على اللجوء. أبلغتني منظمة «مراسلون بلا حدود»، التي تبنّت طلبي للجوء، بأنهم حصلوا لي على غرفة للإقامة في «بيت الصحفيين». تنفسْتُ الصعداء، ولم أكن أعلم أنني سأعيش حياة غريبة لم أتوقعها فيما يشبه القسم الداخلي أو معسكر الرحلات.
غادرت فندق عدن، ذات مساء، في سيارة تاكسي نحو شارع «كوشي» المتفرع من شارع «سان تشارلز»، لحسن طالعي حظيتُ بغرفة جيدة واسعة - إلى حد ما - تقع في الطابق الأرضي ويميّزها حمّامٌ خاص بها، بينما يستخدم سكان بيت الصحفيين حمامات ومرافق مشتركة في الطابقين اللذين يضمّان الغرف المخصصة للوافدين من طالبي اللجوء. المنزل هو البيت الوحيد من نوعه للصحفيين في العالم، وهو مشروع مستقلٌّ تماماً لا علاقة له بأية منظمات أو أحزاب، وتنحصر مهمته في كونه مقراً للانتظار يقيم فيه الصحفي طالب اللجوء 6 أشهر، وتوفّرُ له إدارة البيت الحماية والسكن المجاني وقسائم الطعام وبطاقات الهاتف وبطاقات شهرية للتنقل في وسائل النقل العامة. يتلقى البيت مساعدات مالية كبيرة من وسائل الإعلام الفرنسية، وتتمُّ رعاية كل غرفة نوم فيه من قِبل بعضٍ من أكبر المؤسسات الصحفية «لوموند، الفيغارو، باري ماتش...»، غرفتي ترعاها صحيفة الفيغارو، على سبيل المثال؛ بما معناه أنها تغطي المخصصات البسيطة لساكنها من تذاكر مترو وبطاقات طعام وتكاليف الطاقة والخدمات الأخرى، كما يقدّمُ الصندوق الأوروبي للاجئين وبلدية مدينة باريس جزءاً من الدعم الذي يديم بيت الصحفيين ويعزز الخدمات التي تُقدَّم للّاجئين. لغرفتي نافذة مرتفعة بزجاج موصد يسمح بمرور الضوء، ويُفتَحُ جزء وسطي منها عمودياً لتتسلل منه أصوات العربات وأغاريد الطيور الجاثمة على أشجار مقبرة «غرينيل» التي يواجه سورها العتيق بيت الصحفيين. استيقظت كعادتي في وقت مبكر، وانتظرت أن تُفتَحَ المحلات التجارية، قصدتُ سوبر ماركت «ليدل LIDL» المجاور لبيت الصحفيين، والمُطلّ على شارع «سان تشارلز»، واشتريت مفارش ومواد تنظيف وطعاماً لفطوري، وكرّست يومي الأول لتنظيم حياتي للأشهر المقبلة.
أمضيت ليلتي الأولى والليالي التاليات في نوم مضطرب، مقارنة باطمئناني النوعي في فندق عدن، قرأت قليلاً، كنت متوترة، بل مرتعبة، داهمتني كوابيس مريعة، سقطتُ من السرير الضيق على البساط خشن النسيج، تملّكتني نوبةٌ من الضحك على ما أنا فيه، لم أستطع العودة إلى النوم، جلست إلى منضدة الكتابة، وفتحت اللاب توب وبدأت أكتب حتى الساعة الرابعة. من النافذة، من وراء سور المقبرة أسمع في الفجر حفيف أشجار ينذر بعاصفة، مرت سيارات، سمعت جرس الكنيسة القريبة، عندما أشرق الصباح غيرتُ ملابسي وخرجت للتمشي واستكشاف منطقة الجوار وما فيها، تعرفتُ على موقع بارك «أندريه ستروين» المحاذي لنهر السين، وبجانبه المستشفى الأوروبي، اهتديتُ إلى أقرب محطة مترو وجلست في المتنزه الخالي المجاور للمقبرة أتأمل فيما سيجيء.
زوّدَني المسيو فيليب سبينو، مدير بيت الصحفيين، ببطاقة المواصلات وبطاقات التموين التي أشتري بواسطتها الطعام من أي سوبر ماركت، ويمكنني مبادلتها بوجبة جيدة في مطاعم قريبة تتّفق مع بيت الصحفيين على صرف قسائم الطعام بثمن مضاعَف. تعرفتُ إلى أسماء الزميلات والزملاء في ملاذنا، كنت متوجسة ومنكمشة، لم أعتد العيش مع مجموعة غريبة من البشر، حملتُ اللاب توب وهبطتُ الى البَيْسْمِنْت «السرداب» المزود بخدمة الإنترنت وفيه خزانات الكتب. انصرفتُ للكتابة. بعد أسبوع اعتدتُ حياة المعسكر أو القسم الداخلي؛ فلا بد لي أن أعيش الحياة كما تُتاح لي، لا كما أردتها أو حلمت بها.
تنطلق من إحدى الزوايا موسيقى منغولية، وتزاحمها موسيقى الهيب هوب من كومبيوتر اللاجئ الأفريقي كلود، وبغتة تهبُّ علينا كنسائم عذبة بعضُ الأغاني الصحراوية الصوفية من كومبيوتر الآنسة إيزانا العروسي القادمة من الصحراء الغربية التي تتوسط المغرب وموريتانيا. أنصتُّ إلى موسيقى مقامات شرقية من كومبيوتر المصورة الصحفية الشيشانية تمارا وهي تنظر لي باستغراب من وراء زجاج نظارتها السميكة ويهفهف شعرها الأبيض الشائب قبل أن تعقصه في كعكة تقليدية خلف عنقها. أحضر درس اللغة الفرنسية، وتوزعُ علينا مدام دارلين كوثيريه كتب المرحلة الأولى، نُمضي نحو ثلاث ساعات في الدروس، وبعدها ننطلق إلى تدبير شؤون حياتنا.
تواصل الصحفية التركية من أصل كردي «نوراي» سماع الأغاني الكردية ومشاهدة المسلسلات التركية على كومبيوترها المحمول وتطلق ضحكاتها الطفولية؛ في محاولة للتخفف من وحشة غربتها، ثم تبدأ برنامجها الليلي بمحادثة أسرتها اللاجئة إلى ألمانيا بعد أن تعذّر على أهلها استقدامها إلى ألمانيا. يباغتنا إيدي جون اللاجئ الهاييتي من أصل أفريقي بضحكة متفجرة تشير إلى صعود سخريته من الحياة واضطرابه النفسي وتعلن يأسه من كل شيء، يكرّرُ رواية قصة عائلته ونكران أخيه له وما عاناه من تعذيب وسجون ومطاردات في بعض الدول الكاريبية حتى أصيب بمرض عصبي تفضحه تصرفاته الغريبة، يطلق إيدي جون على نفسه لقب «الرجل الميت الحي»، ويسهبُ في الحديث عن مقتل والدته ونهب أموالها عقاباً لها بعد هربه من هاييتي. أصادفه، كل صباح، في قاعة الإنترنت التي تقع في الطابق تحت الأرضي يُحَيّيني بطريقته الصاخبة: بونجور بونجور، ونكون كلانا أول من يستيقظ في بيت الصحفيين، ننهمك في عملنا: هو على أحد كومبيوترات بيت الصحفيين، وأنا على جهازي المحمول، أتصفحُ الصحف والمواقع وأكتبُ رسائلي ومقالاتي. في بيت الصحفيين ثقافاتٌ شتى، مكان في أقصى تجليات عولمته وعالميته؛ لذا سوف أسمع لغات هجينة: صينية مطعّمة بالفرنسية، أوردو ممتزجة بإنجليزية سائلة تجعلها أشبه بعصير استوائي متبّل بالفلفل الحار، نسمع لغات أوغندية ونيجرية تتنازل بغتة عن غرابة ألفاظها وتختار الفرنسية.
الموظفة الفرنسية الجميلة أنييس تقوم بمهمة المساعِدة لمدير البيت مسيو سبينو، تتحدث منفردة مع سفيتلانا البلغارية التي حاولت الانتحار مرتين خلال أسبوع، وإلى السيدة التبتية الصامتة، واللاجئ الإيراني الخمسيني الذي يعاني من نوبات هلع.

- خريطة الآلام الكونية
في بيت الصحفيين لا أرى في الوجوه سوى انعكاسات التجارب المريرة التي أرغمت هذا الرجل وهذه المرأة وتلك الفتاة على المجازفة والبحث عن وطن بديل في بلاد غريبة بعد هربهم من أوطان تفشّى فيها العنف. تجارب دفعت بهذا الجمع من الصحفيين إلى الفرار والتشرد في أوروبا لعلهم يحظون بفرصة للبقاء، أو - ربما - للحفاظ على قدرة استيعاب الحياة وقبولها بعد أن جاوروا الرعب والموت في المعتقلات والطرقات والحدود بين بلدانهم والبلدان التي فرّوا عبرها إلى بلد لجوء يحتضن المحظوظين منهم، جازفوا بكل شيء وزجّوا بأنفسهم في حاضر ملتبس بين رغبة اللجوء وحلم العودة ذات يوم إلى وطن قد يتسع لهم. هنا نحن لاجئون من بلاد العالم المتباعدة، نتاجُ ثقافات مختلفة، تجمعُ بيننا محنٌ إنسانية نرجو بعدها شيئاً من نجاة. الكاتب والصحفي الكوبي الأصلع ذو السحنة النحاسية خيسوس زونيكا، والصحفي الأريتيري ب. سايمون، والصحفية الصحراوية إيزانا العروسي، والصحفية البوروندية موجوما مسعود، والهاييتي جون، والآخرون، تحولت صفتنا من مواطن هارب إلى طالب لجوء على لائحة الانتظار، وهي الفترة القلقة التي يجهل كلٌّ منا ما ستُفضي إليه من رفض قاطع أو قبول تبدأ معه رحلة عذاب من طراز مختلف.
ينتظر اللاجئ عادة شهراً أو اثنين ليصله بلاغٌ إما بقبوله وإما برفض طلبه، وعندها لا بد أن يقدم طلباً للمحكمة لاستئناف النظر في طلب اللجوء، وتكلف إدارة بيت الصحفيين محامين متعاونين معها ليتابعوا قضاياهم.
كنتُ في الشهور الماضية وقبل انتقالي إلى بيت الصحفيين، أقصد دائرة الإقامة في ضاحية بعيدة وأقف ساعات طويلة تحت المطر في صف طويل من اللاجئين الهنود والصينيين والأفارقة والشيشان واللاتينيين والهنغاريين وغيرهم، أستقلُّ المترو عند الساعة 6 صباحاً كي أحصل على تمديد للإقامة الشهرية، ولا يتسنى لي إنجاز المهمة إلا بعد الساعة الرابعة عصراً. كنت أقف في المطر والبرد، وأحاول التماسك والصبر، لكنّ دموعي كانت تنهمر دون إرادة مني للواقع الذي وجدتني فيه. كنت أعيش حالة من التيه: لاأعرف ماذا سأفعل بعد أن تورطتُ بطلب اللجوء وسحبوا مني جواز سفري العراقي، ولا أملك أية وثيقة سوى ورقة الإقامة المؤقتة التي تشير إلى رقمي في طلبات اللجوء، تحولتُ إلى رقم مجرد، وأقيم مع طالبي اللجوء الغرباء في بيت الصحفيين الذي يشبه قسماً داخلياً متقشفاً يتقاسمه 15 شخصاً، وكانت فضيلة البيت الوحيدة وجود قاعة كبيرة للمحاضرات مزودة بالإنترنت. كنا نُمْضي معظم أوقاتنا فيها لتلقّي دروس الفرنسية صباحاً، وكنّا نحضّرُ طعامنا في مطبخ مشترك لم يُزَوّدْ بغير أربعة أفران مايكروويف تحيلُ أي طعام إلى مادة ذات طعم سيئ أشبه بمذاق اللدائن المحترقة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

ديناصور يختنق بـ800 حجر في حلقه قبل 120 مليون عام

بقايا طائر تروي لغزاً منقوشاً بالحجارة (متحف فيلد في شيكاغو)
بقايا طائر تروي لغزاً منقوشاً بالحجارة (متحف فيلد في شيكاغو)
TT

ديناصور يختنق بـ800 حجر في حلقه قبل 120 مليون عام

بقايا طائر تروي لغزاً منقوشاً بالحجارة (متحف فيلد في شيكاغو)
بقايا طائر تروي لغزاً منقوشاً بالحجارة (متحف فيلد في شيكاغو)

اكتشف علماء نوعاً غامضاً من الديناصورات عاش قبل نحو 120 مليون سنة، وعُثر في أحفورته على مئات الحصى في حلقه، في اكتشاف قد يسلط مزيداً من الضوء على تطوّر الطيور. وأُطلق على هذا النوع الجديد اسم «كرومورنيس فانكي»، تيمّناً بفرقة الموسيقى التكنو - فانك «كروميو». وربما يُشكل النوع المُكتشف حديثاً مفتاحاً لفهم كيفية نجاة مجموعة صغيرة من الديناصورات من الانقراض، وفق الباحثين.

وكشف تحليل أحفورة الديناصور الموجودة بـ«متحف شاندونغ تيانيو للطبيعة» في الصين أنه اختنق حتى الموت بسبب الصخور، وذلك وفق دراسة نُشرت في دورية «باليونتولوجيكا إلكترونيكا» ونقلتها «الإندبندنت». ولا يزال السبب المحدّد وراء هذا الاختناق غير واضح.

في هذا السياق، قالت الدكتورة جينغماي أوكونور، من المُشاركين في الدراسة: «يضمّ (متحف شاندونغ تيانيو) الآلاف من حفريات الطيور، لكن خلال زيارتي الأخيرة لمجموعاتهم، لفتت هذه الحفرية انتباهي بشدّة».

ويبلغ حجم الديناصور نحو حجم عصفور الدوري الحديث، بينما يشبه في خصائصه طائراً أحفورياً أكبر حجماً يُدعى «لونجيبتريكس».

وأضافت أوكونور: «كانت لديه أسنان كبيرة جداً في نهاية منقاره، تماماً مثل (لونجيبتريكس)، لكنه صغير الحجم. وبناءً على ذلك، عرفت أنه اكتشاف جديد».

المثير أنه عندما فحصت عالمة الحفريات الحفرية تحت المجهر، لفت انتباهها أمرٌ محيّر. وعلّقت على ذلك بقولها: «لاحظت وجود كتلة غريبة من الحصى في مريئه، ملاصقة لعظام الرقبة. وهذا أمرٌ غريبٌ حقاً، لأنه في جميع الأحافير التي أعرفها، لم يسبق لأحد أن عثر على كتلة من الحجارة داخل حلق حيوان».

وكشف تحليلٌ إضافي أنّ الحيوان ابتلع الحجارة خلال حياته، وليس مجرّد أن جرفتها الأمواج إلى قاع البحيرة حيث تشكلت أحفورته. ويشبه هذا سلوكاً يُلاحظ لدى الطيور، بما فيها الدجاج، التي تبتلع حجارة صغيرة تُخزن في معدة عضلية تُسمى القانصة، وتُستخدم للمساعدة في طحن طعامها.

إلا أنه لم يسبق اكتشاف حجارة مثل هذه في قانصة طيور أحفورية من عصر الديناصورات.

وكشف فحصٌ بالأشعة المقطعية عن وجود أكثر من 800 حجر صغير في حلق الطائر الأحفوري. وهذا، وفق الباحثين، «أكثر بكثير مما كنا نتوقّعه في طيور أخرى ذات قانصة».

وشرحت أوكونور: «بعض هذه الحجارة لم تكن حجارة بالمعنى الحرفي، وإنما بدت أشبه بكرات طينية صغيرة»، مضيفةً أنه «بناءً على هذه البيانات، يمكننا أن نؤكد بوضوح أنّ هذه الحجارة لم تُبتلع لمساعدة الطائر على طحن طعامه».

والآن، بما أنّ هذه الحصى لا تبدو مثل حصى قانصة، فلا بد أنها كانت تخدم غرضاً آخر. هنا يشتبه العلماء في أن الطائر الأحفوري ربما كان مريضاً ويتصرّف بطريقة غريبة. وعبّرت أوكونور عن اعتقادها بأنه «ابتلع كثيراً منها، وحاول تقيؤها دفعة واحدة، لكن كتلة الحجارة كانت كبيرة جداً واستقرّت في المريء».

وأضافت: «من النادر معرفة سبب نفوق فرد معين في السجل الأحفوري»، مشيرةً إلى أن «تقيؤ تلك الكتلة» على الأرجح سبَّب اختناقه وموته.

إضافةً إلى ذلك، يقدّم هذا الطائر الأحفوري رؤى ثاقبة حول انقراض الديناصورات، علماً بأنّ طائر «كرومورنيس فانكي» ينتمي إلى مجموعة من الطيور تُسمّى الإينانتيورنيثينات، التي كانت الأكثر انتشاراً خلال العصر الطباشيري قبل أكثر من 66 مليون سنة.

وعندما اصطدم الكويكب الذي قضى على الديناصورات بالأرض، انقرضت طيور الإينانتيورنيثينات. وهنا قالت أوكونور: «في أثناء تلك الكارثة البيئية، تحولت الإينانتيورنيثينات من كونها أنجح مجموعة من الطيور إلى مجموعة مُبادة».

وأضافت: «فهم أسباب نجاحها، وكذلك أسباب ضعفها، يمكن أن يساعدنا في التنبؤ بمسار الانقراض الجماعي الذي نشهده الآن».


إهداء من فيرجينيا وولف لطبّاختها يظهر في مزاد

حكاية إنسانية تعود بعد قرن (شاترستوك)
حكاية إنسانية تعود بعد قرن (شاترستوك)
TT

إهداء من فيرجينيا وولف لطبّاختها يظهر في مزاد

حكاية إنسانية تعود بعد قرن (شاترستوك)
حكاية إنسانية تعود بعد قرن (شاترستوك)

من المقرَّر عرض نسخة موقَّعة ومكتوب عليها إهداء من الطبعة الأولى لرواية «أورلاندو» لفيرجينيا وولف، التي أهدتها إلى طبّاختها ومديرة منزلها نيلي بوكسال، للبيع في مزاد علني.

ووفق «بي بي سي»، تحمل الرواية، التي كُتب عليها «نيلي بوكسال من فيرجينيا وولف»، تاريخ 11 أكتوبر (تشرين الأول) 1928، وهي جزء من مجموعة كتب وصور قديمة متعلّقة بالطباخة. ومن المتوقَّع أن يصل سعر النسخة الموقَّعة إلى ألفَي جنيه إسترليني، في المزاد الذي ستقيمه دار مزادات «إيوبانكس» في ووكينغ بساري، في 26 مارس (آذار) الحالي.

وتتضمَّن المقتنيات المعروضة للبيع سيرةً ذاتيةً موقَّعةً ومكتوباً عليها إهداء من الطبعة الأولى، حصلت عليها نيلي من الممثّل تشارلز لوتون وزوجته الممثلة إلسا لانشستر، التي عملت نيلي معها لاحقاً، بالإضافة إلى صور من فيرجينيا وولف.

أما الطبعة الأولى من كتاب «تشارلز لوتون وأنا» لإلسا لانشستر، الذي نُشر عام 1938، فتحمل توقيع كلّ من لانشستر ولوتون، بالإضافة إلى بطاقتَيْن بريديتَيْن دعائيتَيْن للزوجين.

يُذكر أنّ نيلي، التي تُوفيت عام 1965، أصبحت شخصيةً أدبيةً بارزةً بفضل فرجينيا وولف، ولها صلات متعدّدة بما عُرف باسم «مجموعة بلومزبري».

وُلدت نيلي في فارنكومب، وهي الأخت الصغرى بين 10 أطفال، وعملت في الخدمة المنزلية بعد وفاة والدتها، وكانت البداية لدى الرسام والناقد الفنّي روجر فراي في منزله، دوربينز، في غيلدفورد.

وهناك التقت صديقتها المقرَّبة لوتي هوب، التي تظهر في الصور معها ومع أفراد من عائلة فرجينيا وولف.

«كبسولة زمنية رائعة»

عملت نيلي طاهيةً ومدبرة منزل لدى فرجينيا وزوجها ليونارد وولف طيلة 18 عاماً. وتضمَّنت كتابات وولف اللاحقة ذكر نيلي، رغم أنها لم تذكرها بالاسم قط. وقد وُصفت علاقتهما بالمتقلّبة في بعض الأحيان، وسجَّلت وولف في مذكراتها أنّ نيلي أبلغت عن استقالتها «للمرة 165».

عن ذلك، قالت الاستشارية المتخصّصة في شركة «إيوبانكس»، دنيز كيلي: «هذه كبسولة زمنية رائعة، تُسهم في إعادة تسليط الضوء على شخصية مهمة مرتبطة بمجموعة بلومزبري بعد مرور نحو 100 عام».

ومن طريقة كتابة فرجينيا وولف عن نيلي، ومن أسلوب مخاطبة تشارلز لوتون وإلسا لانشستر لها، يتّضح أنها لم تكن مجرّد عاملة منزل، بل كانت فرداً يحظى بالاحترام والحبّ داخل المنزل.


جاد أبو علي لـ«الشرق الأوسط»: في دور «رالف» أكشف الوجه الآخر لبعض «التيكتوكرز»

في «بالحرام» يتقمص شخصية «التيكتوكرز رالف» (جاد أبو علي)
في «بالحرام» يتقمص شخصية «التيكتوكرز رالف» (جاد أبو علي)
TT

جاد أبو علي لـ«الشرق الأوسط»: في دور «رالف» أكشف الوجه الآخر لبعض «التيكتوكرز»

في «بالحرام» يتقمص شخصية «التيكتوكرز رالف» (جاد أبو علي)
في «بالحرام» يتقمص شخصية «التيكتوكرز رالف» (جاد أبو علي)

يطلّ الممثل جاد أبو علي في الموسم الرمضاني بشخصيتين متناقضتين في مسلسلي «بخمس أرواح» و«بالحرام». ففي الأوَّل يُجسِّد دور «ريان»، الابن المدلّل لرجل أعمال ثري، في شخصية تحمل كثيراً من الترف والغموض وتكشف تدريجياً عن أبعاد نفسية وإنسانية متشابكة.

أما في «بالحرام» فيقدّم شخصية مختلفة تماماً، إذ يتقمّص دور «رالف» المعروف بـ«الدكتور فان»، وهو «تيكتوكر» ينتمي إلى شبكة مافيا تستدرج الشباب وتوقعهم في فخاخها لخدمة مصالحها المشبوهة، في شخصية مركَّبة تجمع بين الكاريزما والخطورة وتضع الممثل أمام تحدٍ أدائي مختلف تماماً عن دوره الأول.

يؤدي جاد الدورين بحرفية لافتة، متنقلاً بسلاسة بينهما، ما يضفي متعة خاصة على متابعة أدائه.

وكان جاد أبو علي قد اعتذر عن عرض تمثيلي في عمل درامي معرّب، بعدما كان قد ارتبط مسبقاً بالمشاركتين المذكورتين. فكيف صدف اختياره لمسلسلين رمضانيين بعد غياب عن الشاشة؟ يردّ لـ«الشرق الأوسط»: «غيابي كان بسبب انشغالي بأعمال أخرى خارج لبنان، متنقلاً بين مصر وتركيا. وقررت هذا العام العودة إلى الدراما اللبنانية، لا سيما أن العرضين اللذين تلقيتهما يلبِّيان تطلعاتي بصفتي ممثلاً».

يتحدّث جاد أبو علي عن دوره في «بالحرام» بشغف واضح، مؤكداً أنّ شخصية «رالف»، المعروف بـ«الدكتور فان»، يقدِّمها بحماسة كبيرة. ويشرح: «سبق أن تعرَّفت إلى عدد من المؤثرين المشهورين على وسائل التواصل الاجتماعي، واكتشفت وجهاً آخر لهم، وجهاً مجبولاً بالفساد والشر. بعضهم يختبئ وراء الشهرة ليخفي ماضياً أسود. ومن خلال (رالف) وظَّفت هذه المعطيات لكشف حقيقة بعض صانعي المحتوى على (تيك توك)، وحملت مسؤولية إيصال رسالة توعوية بشأن هذه الظاهرة».

يصف دوره في «بالحرام» بمسؤولية إيصال رسالة توعوية (جاد أبو علي)

ويتابع: «منذ سنوات طويلة أحمل هذه القضية على عاتقي، وهي تتصدر منشوراتي عبر منصاتي الاجتماعية، حيث أحذّر متابعي من عصابات تشبه إلى حد كبير الشبكة التي يعمل ضمنها رالف في المسلسل».

وعن سؤال عمَّا إذا كان قد تأذَّى شخصياً من هؤلاء، يوضح: «لست أنا من تأذّى، بل مقرّبون مني. وعندما قرأت دوري في (بالحرام) وجدته مناسباً لخدمة هذه القضية. استعنت ببعض ما خزَّنته عن شخصياتهم الحقيقية، ورسمت للدور ملامح أساسية مستوحاة من الأقنعة التي كانوا يرتدونها لإخفاء مرضهم النفسي وحبّهم لأذية الآخرين».

ويرى جاد أنّ التحدي في الدور لم يكن في صعوبته التقنية بقدر ما كان في حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه لتقديمه في الإطار الصحيح. ويضيف: «كان ضرورياً أن أؤدّيه بدقة بحيث يكرهني المشاهد. عندها فقط أكون قد نجحت في إيصال الرسالة».

في «بخمس أرواح» يقدّم جاد أبو علي تجربة درامية مختلفة تماماً. فمن خلال شخصية «ريان»، يقدّم أداءً يتدرّج بسلاسة بين النعومة الظاهرة والقلق الدفين، ليكشف تباينات الشخصية وأبعادها.

فريان الذي يبدو في بداياته أسير حياة مترفة ومحصّنة بالنفوذ والمال، سرعان ما تتصدَّع هذه القشرة البراقة عندما تهتزّ ركائز أمانه، ليتجه بالشخصية نحو منعطف درامي حاد يبدِّل ملامحها بالكامل.

هذا التحوّل الجذري، الناتج عن خوف «ريان» من خسارة حياته الفخمة وما تمثّله له من سلطة وهوية، يقدّمه جاد بصدق، فيجعل المشاهد يتماهى معه ويصدّق انكساره. وهكذا ينجح في رسم مسار داخلي للشخصية ينتقل بها من سطحية الرفاه إلى هشاشة الإنسان حين يشعر بأن كل ما اعتاده مهدّد بالانهيار.

ويعلّق جاد: «إن شخصية (ريان) غير نمطية وتعيش حالة صراع حقيقية. فهو يشاهد حياته المرفهة تُسلب منه، ومسؤوليته تتطلب إنقاذ عائلته من الانهيار. فبعد ممارسته العنجهيّة يتجه نحو الدبلوماسية. وفي الوقت نفسه يعاني من الملل، لأنه رغم كل الثراء الذي كان يعيشه لم يشعر يوماً بالسعادة. وفي الحلقات المقبلة سنرى نقلة واضحة له في هذا الإطار».

ويشيد أبو علي بتجربته في «بخمس أرواح»، لا سيما أنها ليست الأولى مع شركة الصبّاح للإنتاج. فهو سبق أن شارك في بداياته معها في مسلسل «تشيللو» عام 2014.

في «بخمس أرواح» يجسّد شخصية الابن المدلل لرجل ثري (جاد أبو علي)

ويتابع: «استمتعت بتعاوني مع مخرج (بخمس أرواح) رامي حنا. استغللت كل دقيقة عمل لأتزود بخبراته، فهو مخرج مبدع، وهدوؤه في موقع التصوير ينعكس راحة على الممثل، فيولّد شراكة مميزة».

ويشير إلى أن علاقة أخوية نشأت بينه وبين الممثل قصي الخولي، ويستطرد: «التجربة برمّتها كانت رائعة، لا سيما أنها تحمل في طياتها مسؤولية المنافسة في شهر رمضان».

ويصف جاد خياراته اليوم في الأدوار التي يؤديها بأنها نابعة من حرصه على تقديم الجديد، ويقول: «يجب أن تحمل إضافة لي وللجمهور، وإلا فلن أخوض تجربة تذكّر الناس بأدوار سبق أن قدّمتها. هذا التوازن بين خياراتي ورغبة الجمهور أحاول الحفاظ عليه قدر الإمكان. وتلعب المهنية دوراً أساسياً في مسيرة الممثل».

ومن المسلسلات التي يتابعها في الشهر الفضيل «مولانا»، إذ يستمتع بمتابعة أداء كلٍّ من تيم حسن ونور علي، التي يصفها بأنها صديقة وزميلة عزيزة. كما يشاهد من وقت لآخر «مطبخ المدينة»، و«أنا وهي وهي»، و«سوا سوا»، وغيرها من الأعمال التي يشارك فيها أصدقاء كثر له.

ويضيف: «أعمال رمضان هذا العام رائعة وتشرح القلب، ومن بينها (المحافظة 15) الذي يحقق نجاحاً ملحوظاً. وأحرص على تهنئة كثيرين لأنهم يستحقون الإشادة بأدائهم والجهد الذي يبذلونه».

وعن سؤال عمّا إذا كان يتلقى بدوره التهاني من زملائه، يردّ: «لا أتوقف كثيراً عند هذه الأمور. هناك زملاء على اتصال دائم معي، وأعذر غيرهم لانشغالاتهم».

ويصف جاد أبو علي نفسه بأنه صاحب شخصية تميل إلى الانطوائية، إذ يفضّل الابتعاد عن الأضواء وعدم الانخراط في نشاطات ومناسبات فنية كثيرة.

ويقول: «لا تهمني الشهرة أو زيادة عدد متابعي على وسائل التواصل الاجتماعي. أنأى بنفسي عن المشكلات وأكتفي بمحبة الناس التي تشعرني بالرضا. فالفنان يحمل مسؤولية تأثيره على الآخرين. وهو يشبه السياسيين إلى حد ما، لأنه يستطيع التأثير في جمهور كبير بأفكاره ومبادئه. هذا الأمر يعنيني مباشرة، وأسعد عندما ألمس هذا القرب بيني وبين الناس».