لبنان: عائلة داني شمعون تتذكره بعد 32 عاماً على اغتياله

ابنته مرشحة للرئاسة وحزب «الوطنيين الأحرار» قريب من «القوات»

داني شمعون (غيتي)
داني شمعون (غيتي)
TT

لبنان: عائلة داني شمعون تتذكره بعد 32 عاماً على اغتياله

داني شمعون (غيتي)
داني شمعون (غيتي)

متغيران طبعا تحولاً أساسياً في مسيرة حزب «الوطنيين الأحرار» في الذكرى الـ32 لاغتيال رئيسه الأسبق داني شمعون، نجل الرئيس الراحل كميل شمعون، في عام 1990، أولهما تحول عائلته نحو توثيق العلاقة مع حزب «القوات اللبنانية»، التي كانت متهمة في التسعينات بالمسؤولية عن اغتيال داني مع زوجته أنغريد عبد النور وطفليه طارق وجوليان في منزلهم، والثاني تمثل في ترشيح ابنته ترايسي لرئاسة الجمهورية، في مسعى لتأمين استمرارية لمشروعه السياسي.
وداني شمعون، الابن الأصغر للرئيس كميل شمعون، لعب دوراً رئيسياً في بداية الحرب الأهلية اللبنانية منذ عام 1975، وأصيب في معركة تل الزعتر، كما يؤكد مقربون منه، وقاد عدة جبهات من خلال «نمور الأحرار» التي كان يرأسها قبل انتكاسها في معركة «الصفرا» على يد «الكتائب اللبنانية»، في عام 1980، في ذلك الوقت، تحول إلى العمل السياسي المؤثر، إلى جانب والده، وتولى منصب الأمين العام لحزب الوطنيين الأحرار سنة 1983، ثم منصب رئيس الحزب سنة 1985 خلفاً لوالده، وأسس سنة 1988 الجبهة اللبنانية الجديدة التي دعمت قائد الجيش العماد ميشال عون. واغتيل شمعون في 21 أكتوبر (تشرين الأول) 1990، بعد أسبوع على دخول الجيش السوري إلى القصر الجمهوري في بعبدا، ما أدى إلى الإطاحة بالحكومة الانتقالية التي كان يرأسها عون في ذلك الوقت، ولجوئه إلى فرنسا.
وبقي اغتيال شمعون لغزاً، وسط تقاذف الاتهامات المتبادلة، ففيما أدان القضاء اللبناني رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، في التسعينات، باغتيال شمعون، نفى جعجع الاتهامات وعدّها مسيسة في ظل الوصاية السورية على لبنان.
ويقول المؤرخ للحرب اللبنانية نبيل يوسف لـ«الشرق الأوسط»، إن ألغازاً أمنية عديدة أحيطت بظروف اغتياله، بينها: «لماذا لم يترك منزله في ذلك الوقت مع أن المنزل بقي من دون حماية؟ وكيف تُترك شخصية مثل شمعون بلا حماية؟ ولماذا لم ينتقل للسكن عند أصدقاء له، مثل رئيس الحكومة الأسبق سليم الحص الذي كان رفيقه على مقاعد الدراسة؟ ولماذا لم يشاركه السكن أصدقاء له، طالما أنه كانوا يعتقدون أن اسمه ودوره كانا حصانة له؟» وأضاف: «هذه الأسئلة من الألغاز، رغم قناعتي أن (القوات) لم تكن مسؤولة عن اغتياله».
والدور الذي يُفترض أن يشكل حصانة له، يتمثل في دوره السياسي بعد إزاحة العماد عون من قصر بعبدا في 13 أكتوبر في ذلك العام. يقول يوسف: «كان يمكن لشمعون أن يكون صلة الوصل بين الأحزاب المسيحية والسلطة اللبنانية التي انبثقت عن (اتفاق الطائف)، وهي العلاقة التي افتُقدت بإبعاد عون إلى فرنسا، ثم بحل حزب (القوات اللبنانية) في عام 1994».
بعد سنوات قليلة على اغتياله، انقسمت العائلة بين تأييد «القوات اللبنانية» الذي يمثله شقيقه دوري شمعون، وتأييد «التيار الوطني الحر» الذي كانت تمثله ابنته ترايسي التي تم تعيينها سفيرة للبنان لدى الأردن، وكانت مقربة من «التيار». غير أنه بعد اندلاع حراك «17 تشرين»، بدلت ترايسي موقفها من تأييد «التيار»، وباتت أقرب إلى «القوات اللبنانية»، فيما ترشح ابن شقيقه كميل دوري شمعون على لائحة «القوات اللبنانية» في بعبدا في الانتخابات الأخيرة، وفاز في الانتخابات.
هذان المتغيران طبعا مسيرة أساسية في تحول العائلة، فيما بقي المحازبون القدامى والمقربون من داني، خارج هذا الاصطفاف، وأحيوا أمس ذكرى الاغتيال وحدهم بالوقوف دقيقة صمت في «مركز رثاء داني شمعون» في الحازمية. ورغم ذلك، يرى عارفوه أن المشروع السياسي الذي حمله داني، «صعب أن يستمر»، كون الرجل كان «براغماتياً، وعابراً للطوائف، ومحبوباً من قبل الجميع، وله مؤيدون ومعاونون من سائر المذاهب والمناطق».
ويقول القيادي السابق في الحزب الذي كان مستشاراً لداني شمعون قبل اغتياله نبيل ناصيف، إنه اختبر «كبر نفس داني شمعون ونظافة كفه ووطنيته وجرأته، طوال تلك الفترة»، مشيراً في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه كان يلتقيه يومياً في منزله بالحازمية بعد دخول المجنزرات السورية إلى قصر بعبدا. ويضيف: «عشت هذا الأسبوع بتفاصيله، وكان داني يعرف أنه سيُقتل، ومن ينوي قتله. في هذا الأسبوع، تركه الكثيرون»، لافتاً إلى أنه كان قريباً منه، وسمع منه الكثير من الهواجس «التي تحققت بعد اغتياله، خصوصاً فيما يتصل بأوضاع المسيحيين في فترة ما بعد الحرب».
ويرى ناصيف أن «معايير السياسة لم تعد المواقف»، مشيراً إلى أن داني «كان براغماتياً أكثر من الجنرال عون نفسه في ذلك الوقت، واكتسب من والده الشجاعة، وكان مثل والده سيادياً ووطنياً، غير طائفي، والتف حوله الكثيرون من سائر الطوائف». أما الآن، فيرى ناصيف أن «المشروع السياسي الذي كان يحمله الرئيس شمعون وداني، تراجع، وتبدلت السياسة كثيراً» في إشارة إلى الاصطفافات على أسس طائفية.
وكانت ترايسي شمعون قدمت ترشيحها للانتخابات الرئاسية في شهر أغسطس (آب) الماضي. وقالت: «جئت لأكرس نفسي لخدمتكم، خدمة لبنان، لأعلن لشعبي وممثليه وهم نواب الأمة، عن ترشحي». وأضافت أن ترشحها يقوم على «رؤية جديدة للجمهورية قادرة أن تعطي حلولاً للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يرزح تحت عبئها الوطن».
وتوالت المواقف التي تتذكر شمعون في ذكرى اغتياله أمس. ونشر رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، صورة له كتب عليها: «أوفياء... وقفات ومواقف»، فيما نشرت ترايسي ابنته صورة والدها وكتبت: «في هذا اليوم أستذكر والدي داني، وطارق وجوليان، وأستذكر معهم جميع من سقطوا من أجل لبنان. وعند كل محطة تاريخية، كالتي نعيشها اليوم، أقول مع كثيرين: لو كان داني حياً». وأضافت: «على أمل أن يحيا الوطن، ونحيا فيه بكرامة».


مقالات ذات صلة

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

المشرق العربي رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

رحيل الموسيقار اللبناني إيلي شويري

تُوفّي الموسيقار اللبناني إيلي شويري، عن 84 عاماً، الأربعاء، بعد تعرُّضه لأزمة صحية، نُقل على أثرها إلى المستشفى، حيث فارق الحياة. وأكدت ابنته كارول، لـ«الشرق الأوسط»، أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تعلم به العائلة، وأنها كانت معه لحظة فارق الحياة.

المشرق العربي القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

القضاء اللبناني يطرد «قاضية العهد»

وجّه المجلس التأديبي للقضاة في لبنان ضربة قوية للمدعية العامة في جبل لبنان القاضية غادة عون، عبر القرار الذي أصدره وقضى بطردها من القضاء، بناء على «مخالفات ارتكبتها في إطار ممارستها لمهمتها القضائية والتمرّد على قرارات رؤسائها والمرجعيات القضائية، وعدم الامتثال للتنبيهات التي وجّهت إليها». القرار التأديبي صدر بإجماع أعضاء المجلس الذي يرأسه رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي جمال الحجار، وجاء نتيجة جلسات محاكمة خضعت إليها القاضية عون، بناء على توصية صدرت عن التفتيش القضائي، واستناداً إلى دعاوى قدمها متضررون من إجراءات اتخذتها بمعرض تحقيقها في ملفات عالقة أمامها، ومخالفتها لتعليمات صادرة عن مرجع

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

جعجع: فرص انتخاب فرنجية للرئاسة باتت معدومة

رأى رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع أن فرص انتخاب مرشح قوى 8 آذار، رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، «باتت معدومة»، مشيراً إلى أن الرهان على الوقت «لن ينفع، وسيفاقم الأزمة ويؤخر الإصلاح». ويأتي موقف جعجع في ظل فراغ رئاسي يمتد منذ 31 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث فشل البرلمان بانتخاب رئيس، وحالت الخلافات السياسية دون الاتفاق على شخصية واحدة يتم تأمين النصاب القانوني في مجلس النواب لانتخابها، أي بحضور 86 نائباً في دورة الانتخاب الثانية، في حال فشل ثلثا أعضاء المجلس (86 نائباً من أصل 128) في انتخابه بالدورة الأولى. وتدعم قوى 8 آذار، وصول فرنجية إلى الرئاسة، فيما تعارض القوى المسيحية الأكثر

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

بخاري يواصل جولته على المسؤولين: الاستحقاق الرئاسي شأن داخلي لبناني

جدد سفير المملكة العربية السعودية لدى لبنان، وليد بخاري، تأكيد موقف المملكة من الاستحقاق الرئاسي اللبناني بوصفه «شأناً سياسياً داخلياً لبنانياً»، حسبما أعلن المتحدث باسم البطريركية المارونية في لبنان بعد لقاء بخاري بالبطريرك الماروني بشارة الراعي، بدأ فيه السفير السعودي اليوم الثاني من جولته على قيادات دينية وسياسية لبنانية. وفي حين غادر السفير بخاري بكركي من دون الإدلاء بأي تصريح، أكد المسؤول الإعلامي في الصرح البطريركي وليد غياض، أن بخاري نقل إلى الراعي تحيات المملكة وأثنى على دوره، مثمناً المبادرات التي قام ويقوم بها في موضوع الاستحقاق الرئاسي في سبيل التوصل إلى توافق ويضع حداً للفراغ الرئا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

شيا تتحرك لتفادي الفراغ في حاكمية مصرف لبنان

تأتي جولة سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى لبنان دوروثي شيا على المرجعيات الروحية والسياسية اللبنانية في سياق سؤالها عن الخطوات المطلوبة لتفادي الشغور في حاكمية مصرف لبنان بانتهاء ولاية رياض سلامة في مطلع يوليو (تموز) المقبل في حال تعذّر على المجلس النيابي انتخاب رئيس للجمهورية قبل هذا التاريخ. وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر نيابية ووزارية أن تحرك السفيرة الأميركية، وإن كان يبقى تحت سقف حث النواب على انتخاب رئيس للجمهورية لما للشغور الرئاسي من ارتدادات سلبية تدفع باتجاه تدحرج لبنان من سيئ إلى أسوأ، فإن الوجه الآخر لتحركها يكمن في استباق تمدد هذا الشغور نحو حاكمية مصرف لبنان في حال استحال عل

محمد شقير (بيروت)

إسرائيل تفتتح مسار توغل جديداً من سوريا إلى لبنان عبر جبل الشيخ

دبابة على الحدود بين إسرائيل ولبنان (إ.ب.أ)
دبابة على الحدود بين إسرائيل ولبنان (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تفتتح مسار توغل جديداً من سوريا إلى لبنان عبر جبل الشيخ

دبابة على الحدود بين إسرائيل ولبنان (إ.ب.أ)
دبابة على الحدود بين إسرائيل ولبنان (إ.ب.أ)

يفرض التوغّل الإسرائيلي عبر محور جبل الشيخ إيقاعاً ميدانياً مختلفاً، مع انتقال العمليات من الضغط الناري التقليدي إلى اختبار محاور التفاف مرتفعة، من شأنها إعادة رسم خطوط الاشتباك، وتغيير قواعد المواجهة تدريجياً.

وأعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ عملية عابرة للحدود انطلاقاً من الشق السوري لجبل الشيخ وصولاً إلى منطقة جبل «روس» داخل الأراضي اللبنانية (مزارع شبعا)، في خطوة تعكس توجهاً لتوسيع نطاق العمليات نحو تضاريس أكثر تعقيداً. وبحسب البيان، نفذت وحدة كوماندوز جبلية المهمة عبر تسلّق في ظروف ثلجية، بهدف تمشيط المنطقة، وجمع معلومات استخبارية، إلى جانب كشف بنى تحتية ميدانية.

هذا التطور يتجاوز كونه عملية استطلاع موضعية، ليشير إلى إعادة تفعيل محور استراتيجي يمنح أفضلية جغرافية واضحة؛ إذ يتيح الموقع المرتفع إمكان الإشراف على مساحات واسعة، وفتح مسارات التفاف تتجاوز خطوط التماس التقليدية.

آليات عسكرية إسرائيلية على الجانب اللبناني من الحدود (إ.ب.أ)

أفضلية جغرافية وتطويق للجنوب

قال مصدر مطّلع على مجريات الحرب في الجنوب لـ«الشرق الأوسط» إن «التطور الأبرز ميدانياً يتمثّل في دخول قوة إسرائيلية من محور جبل الشيخ، في خطوة كانت متوقعة ضمن السيناريوهات المطروحة، نظراً للأفضلية الجغرافية التي يوفرها هذا المحور، ما يتيح إمكان التقدّم نحو البقاع الغربي أو الالتفاف نزولاً باتجاه كفرشوبا (السفح الغربي لجبل الشيخ) وتنفيذ عمليات ميدانية من هناك»، لافتاً إلى أن «هذا المسار، في حال تثبيته، قد يتيح عملياً قطع التواصل الجغرافي بين الجنوب والبقاع الغربي خلال وقت قصير نسبياً، وهو ما كان يُطرح نظرياً ضمن التقديرات العسكرية».

بدوره، رأى العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن «السيناريو الأخطر يتمثل في احتمال استخدام محور جبل الشيخ لتطويق الجنوب أو قطع إمداد الجنوب عن البقاع الغربي؛ ما قد يؤثر مباشرة على البنية اللوجيستية لـ(حزب الله)»، مؤكداً أن «المسار الميداني لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، لكن المرحلة المقبلة تنطوي على مخاطر تصعيد كبيرة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «أهمية جبل الشيخ تكمن في كونه أعلى مرتفَع بات بيد إسرائيل؛ ما يمنحها قدرة واسعة على الرصد الاستخباري، سواء للصواريخ أو المسيّرات، إضافة إلى تعزيز منظومات المراقبة المتقدمة»، مشيراً إلى أن «الحديث عن عمليات تسلل عبر المناطق الجبلية، رغم طابعه المحدود، قد يهدف إلى استدراج «حزب الله» للتمركز في هذه النقاط، ومنع أي توغل أوسع لاحقاً، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام جبهة جديدة».

تصاعد الدخان عقب غارة إسرائيلية في ظل تصاعد المواجهات في جنوب لبنان (رويترز)

صعوبات المواجهة البرية

رأى المصدر أن «التطور الأبرز يتمثل في احتمال فتح جبهة باتجاه البقاع عبر تمركزات على الحدود السورية المحاذية لجبل الشيخ، وهو ما قد يؤدي إلى توسيع نطاق الاشتباك وإشغال (حزب الله) في جبهة إضافية»، محذّراً من أن «أي توغل من الجانب السوري نحو الأراضي اللبنانية، وما قد يستتبعه من رد، قد يضع الجيش السوري أمام معادلة حساسة؛ إذ سيُفسَّر إطلاق النار على أنه يستهدف الأراضي السورية؛ ما يستدعي موقفاً رسمياً حاسماً من دمشق».

وأوضح أن «المؤشرات حتى الآن تدل على أن القيادة السورية تتجه إلى عدم الانخراط في أي مواجهة، وقد أبلغت موقفها بعدم السماح باستخدام أراضيها في نزاعات إقليمية، وهو ما انعكس أيضاً في تعزيز انتشار الجيش السوري على الحدود اللبنانية والعراقية»، لافتاً إلى أن «تفادي توريط سوريا، سواء في الجبهة اللبنانية أو العراقية، يشكل عاملاً أساسياً في منع توسّع النزاع».

وفي قراءة ميدانية، أشار إلى أن «المواجهة البرية في الجنوب لا تزال تواجه صعوبات؛ إذ إن التصدي الحالي أربك الجيش الإسرائيلي، وأوقعه في خسائر بشرية ومادية، ما يدل على أن التقدم لم يحقق أهدافه المعلنة حتى الآن»، لافتاً في المقابل إلى أن «رفع مستوى الجهوزية الإسرائيلية، سواء عبر استدعاء أعداد كبيرة من الاحتياط، أو تدفق كميات ضخمة من الذخائر، يعكس استعداداً لعمليات أوسع قد لا تبقى محصورة في الجنوب».


لماذا تعجز بغداد عن التصدي لأعمال الفصائل المسلحة؟

تصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
تصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

لماذا تعجز بغداد عن التصدي لأعمال الفصائل المسلحة؟

تصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
تصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

يتابع كثير من العراقيين باهتمام وقلق واضحين ارتدادات الحرب الإقليمية المستعرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى على البلاد، وهي ارتدادات، حسب مراقبين، لم تكن لتقع إلا بحدها الأدنى لولا انخراط الفصائل المسلحة الموالية لإيران في تنفيذ هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة بشكل واسع على أهداف مدنية وعسكرية ودبلوماسية واقتصادية في الداخل العراقي، من دون أي تحرك جدّي من حكومة بغداد حيال تلك الهجمات التي تجاوز سقفها نحو 500 هجمة، واكتفت الحكومة خلالها بإصدار بيانات الإدانة والاستنكار، من دون أن تتمكن من إلقاء القبض على عنصر واحد من الجماعات المنفذة لتلك الهجمات.

ويوماً بعد آخر، تنخرط البلاد في الحرب الإقليمية من دون أن يكون للحكومة أو القوى السياسية أي قرار أو تدبير لمواجهة ذلك، نتيجة سطوة الفصائل المسلحة وقرارها المنفرد بدخول الحرب. ويثير هذا الواقع كثيراً من علامات الاستفهام والتعجب في الأوساط الشعبية، وكذلك لدى بعض الشخصيات السياسية، حول حدود دور الحكومة ووظيفتها في مقابل نفوذ الفصائل وسلطتها.

وقد عبّر وزير الخارجية، فؤاد حسين (كردي)، السبت، عن استغرابه مما وصفه بـ«السياسة الشيعية» في إدارة البلاد، المتأرجحة بين التحالف مع الولايات المتحدة والاستجابة لمطالبها من جهة، ومواجهتها من جهة أخرى.

وقال في مقابلة تلفزيونية، إن «ساسة الشيعة ذبحونا بهذه السياسة»، وأضاف: «إنهم ينقدون أميركا من جهة، لكنهم يستجيبون لتغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، في إشارة إلى التغريدة التي رفض فيها ترشيح قوى «الإطار التنسيقي» نوري المالكي لرئاسة الوزراء.

وذكر حسين، أنه «لا أحد يعرف الفرق بين الحشد والفصائل، وبعضهم يستخدم عجلات وهويات الحشد، والفرق بين الحشد الذي هو مؤسسة أمنية والفصائل غير الشرعية، وهذه صورة صعبة يتم نقلها إلى الخارج، والأميركان يعلمون أن قسماً من هذه الفصائل لديهم أقسام منهم في الحشد».

ارتباط عقائدي بإيران

بدوره، يشير الأكاديمي ورئيس «مركز التفكير السياسي»، إحسان الشمري، إلى مجموعة من العوامل المتداخلة التي تتسبب في عجز الحكومة العراقية عن مواجهة هجمات الفصائل، ومن ضمن هذه العوامل «الارتباط العقائدي لتلك الفصائل، وتحالفها العسكري مع إيران، ما وفر لها قوة كبيرة في الداخل، لا سيما على المستوى السياسي. وبات يُنظر إلى أي استهداف لها على أنه، عملياً، استهداف لإيران ومحاولة لإضعاف نفوذها».

ويضيف الشمري في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن «الفصائل المسلحة بعد عام 2018 أصبحت أكثر تمكيناً في الدولة العراقية، من خلال دخول أجنحتها السياسية في مؤسسات الدولة، وقد وفّر لها حصانة سياسية حالت دون بروز أي مساءلة حول ما تقوم به، وصار معروفاً اليوم أن لدى الفصائل نحو 100 نائب في البرلمان».

وإلى جانب «القدم الراسخة» للفصائل في معظم مفاصل الدولة، يقول الشمري، إن «حكومة تصريف الأعمال الحالية التي تشكّلت عن طريق المحاصصة كان للفصائل الدور الأساسي فيها، وفي هذه الحالة يصعب الذهاب نحو فرضية قيام الحكومة بمواجهة الفصائل سياسياً وأمنياً».

غياب الإرادة السياسية

ويضيف الشمري عوامل أخرى للإخفاق الحكومي بمواجهة الفصائل تتمثل في «غياب الإرادة السياسية لدى الفاعل الأكبر وهو الفاعل الشيعي على وجه التحديد».

ويرى أن الفاعل السياسي الشيعي ما زال يعتقد أنه «ليس من الصحيح الذهاب لتقويض عمل هذه الفصائل، خاصة وهي تتمتع بقوة لا يستهان بها داخل منظومة قوى (الإطار التنسيقي)؛ لذلك قد يصعب على (الإطار التنسيقي) عموماً أو على المعتدلين داخله أن يتخذوا موقفاً سياسياً داعماً لأي خطوة من شأنها تقويض أو مواجهة الفصائل».

ويذكر الشمري أسباباً أخرى، من بينها إخفاق معظم الحكومات المتعاقبة في مواجهة نفوذ الفصائل، رغم إصرارها على تضمين برامجها الحكومية مسألة حصر السلاح بيد الدولة. كما تبرز خشية من اندلاع صدام أو حرب أهلية في حال اتخاذ قرار حكومي بمواجهة هذه الفصائل.

«التنسيقي» شرعن للفصائل

ويعلل المحلل والدبلوماسي السابق الدكتور غازي فيصل، العجز عن مواجهة الفصائل بأسباب عدة، أبرزها «قيام قيادات وأحزاب في (الإطار التنسيقي) بتأسيس الفصائل المسلحة وشرعنة وجودها، سواء عبر إدماجها في الحشد الشعبي ومنحها صفة قانونية بقرار من البرلمان، أو من خلال الدفاع المستمر عنها وعدم السماح بمساءلتها».

ويضيف فيصل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «وجود أكثر من 34 فصيلاً مسلحاً، من بينها 6 فصائل خاضعة للعقوبات الأميركية، تدين بولائها الكامل لولاية الفقيه في إيران، يمنحها حماية وفرصة كبيرة للإفلات من المساءلة داخل العراق، في ظل النفوذ الإيراني في البلاد».

ويعتقد أن «الفصائل المسلحة هي امتداد لقوى (الإطار التنسيقي) التي تُهيمن على الحكومة، وهي لذلك بمنأى عن المحاسبة، والمؤكد أنها غير معنية بتعليمات الحكومة وأوامرها، وكذلك غير معنية برؤية مرجعية النجف التي تميل للنأي بالبلاد عن الحرب، وهي تلتزم حصرياً بتعليمات ولاية الفقيه و(الحرس الثوري) الإيراني».

لهذه الأسباب وغيرها، يستبعد فيصل قدرة الحكومة على مواجهة الفصائل، على الرغم من معرفتها الأكيدة بكثير من عناصرها وقادتها، وكذلك عملها في معظم الهجمات التي نفذتها وتنفذها منذ أسابيع، وقد شاهدنا كيف أنها استهدفت مقر جهاز المخابرات العراقي ولم تتحرك ضدها، وقبلها قامت باستهداف منزل رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، وأخيراً استهدافها منازل القيادات الكردية في أربيل ودهوك.


موجة تعاطف مع رضيع فلسطيني تعرّض للتعذيب على يد الجيش الإسرائيلي

الطفل جواد أبو ناصر بعد تعرضه للتعذيب (عائلة الطفل - وسائل إعلام محلية)
الطفل جواد أبو ناصر بعد تعرضه للتعذيب (عائلة الطفل - وسائل إعلام محلية)
TT

موجة تعاطف مع رضيع فلسطيني تعرّض للتعذيب على يد الجيش الإسرائيلي

الطفل جواد أبو ناصر بعد تعرضه للتعذيب (عائلة الطفل - وسائل إعلام محلية)
الطفل جواد أبو ناصر بعد تعرضه للتعذيب (عائلة الطفل - وسائل إعلام محلية)

في واقعة أثارت تفاعلاً وتعاطفاً واسعاً، تعرض الطفل الفلسطيني جواد أسامة أبو نصار (18 شهراً) للاعتقال والتعذيب خلال حادثة وقعت في 19 مارس (آذار) 2026 قرب المنطقة الشرقية من مخيم المغازي وسط قطاع غزة، وفق ما أفادت به عائلته وتقارير محلية.

وحسب رواية العائلة، خرج والد الطفل جواد، واسمه أسامة أبو نصار برفقة طفله لشراء بعض الاحتياجات، قبل أن يقترب من منطقة قريبة من مواقع الجيش الإسرائيلي، حيث أطلق الجنود النار وطلبوا من الأب عبر مكبرات الصوت التوقف وترك الطفل، ليتم اعتقال الأب وأخذ الطفل بشكل منفصل. وبعد نحو 10 ساعات، تواصلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مع العائلة لتسليم الطفل ولمّ شمله بوالدته.

وذكرت العائلة أن الطفل كان في حالة صدمة شديدة، مع وجود آثار إصابات في جسده.

آثار التعذيب في جسد الطفل جواد أبو نصار (عائلة الطفل - وسائل إعلام محلية)

وأفاد تقرير طبي صادر عن مستشفى شهداء الأقصى بأن الطفل وصل وهو يعاني من انتفاخ في الركبة اليمنى، وتقيؤ متكرر، إضافة إلى جروح قطعية حول الركبتين، فيما كانت حالته العامة مستقرة ولا توجد إصابات داخلية، حسب التقرير الطبي.

https://www.facebook.com/asharqnews/videos/في المائةD8في المائةB9في المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةB1في المائةD9في المائة87-في المائةD8في المائةB9في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة85-في المائةD9في المائة88في المائةD9في المائة86في المائةD8في المائةB5في المائةD9في المائة81-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB9في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة85-في المائةD8في المائةB7في المائةD9في المائة81في المائةD9في المائة84-في المائةD9في المائة81في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB3في المائةD8في المائةB7في المائةD9في المائة8Aفي المائةD9في المائة86في المائةD9في المائة8A-في المائةD8في المائةB6في المائةD8في المائةADفي المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةAAفي المائةD8في المائةB9في المائةD8في المائةB0في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA8-في المائةD8في المائةACفي المائةD9في المائة86في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةAF-في المائةD8في المائةA5في المائةD8في المائةB3في المائةD8في المائةB1في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةA6في المائةD9في المائة8Aفي المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة8Aفي المائةD9في المائة8Aفي المائةD9في المائة86/911567234834713/

من جانبها، أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنها قامت بتسهيل نقل الطفل في ذلك اليوم بهدف لمّ شمله بعائلته، مشيرة إلى أن دورها يقتصر على ضمان النقل الآمن والإنساني، دون الإدلاء بتفاصيل إضافية حفاظاً على الخصوصية، وفق وسائل إعلام.

وتقول عائلة الطفل إن سلوكه تغيّر بعد الحادثة، حيث أصبح شديد التعلق بوالدته ويعاني من الخوف والبكاء المتكرر، في وقت أثارت فيه القضية ردود فعل غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي، ومطالبات حقوقية بفتح تحقيق في ملابسات ما حدث.

وشهدت حالة الطفل تعاطفاً واسعاً عالمياً، إذ تحدث عنه مؤثرون عالميون مثل المدربة ميغان كوبر، والمصور والناشط البريطاني ميسان هاريمان.

وتسلط هذه الحادثة الضوء على الأوضاع الإنسانية المعقدة التي يعيشها المدنيون، خصوصاً الأطفال، في قطاع غزة، في ظل استمرار العمليات العسكرية والمخاطر التي تهدد حياتهم بشكل يومي.