المنظمات النقابية الفرنسية تعرض عضلاتها وتتوعد الحكومة بشتاء ساخن

وسط أجواء اجتماعية شديدة الاحتقان

جانب من المظاهرات الشعبية والنقابية
جانب من المظاهرات الشعبية والنقابية
TT

المنظمات النقابية الفرنسية تعرض عضلاتها وتتوعد الحكومة بشتاء ساخن

جانب من المظاهرات الشعبية والنقابية
جانب من المظاهرات الشعبية والنقابية

بعد أقل من ستة أشهر على انتخاب الرئيس إيمانويل ماكرون لولاية ثانية، تبدو طموحات الرئيس الفرنسي في مفترق طرق صعب جداً. وهذا لأن واقع السياسات الحكومية، سواء تلك التي تّم تطبيقها، أو التي يجري التحضير لها، بدأ يلقي بثقله بشدة على الحياة اليومية للفرنسيين؛ فبين ارتفاع أسعار المواد الأساسية، لا سيما الطاقة، والتشديد المرتقب على إعانات البطالة، وإصلاح المعاشات المتوقع في نهاية العام... مروراً بالطوابير التي لا تنتهي أمام محطات الوقود، بدا التذمر الشعبي وكأنه وصل إلى ذروته. أما النتيجة، فموجة عارمة من الإضرابات والمسيرات الاحتجاجية تشهدها فرنسا منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، حتى إنه لا يكاد يمر أسبوع من دون أن نسمع عن إضراب عمالي أو مسيرة احتجاجية في شوارع المدن الكبرى.
بعد إضراب عمال قطاع النقل والتربية والتعليم ثم قطاع الصحّة والتوظيف العمومي في فرنسا، ينضم عمال مصافي النفط التابعة لمجموعة «توتال إنيرجي» وعمال المحطات النووية، إضافة لشركات نادراً ما كانت تُضرب عن العمل، كمجموعة صناعة الطيران «داسو»، و«ستيلانتيس» للسيارات، و«صفران» لصناعة المحركات، و«غروباما» للتأمينات، وشركة «أرمور ميكا» للتجهيزات الطبية، وشركة «كارفور»، إلى حشود الغاضبين التي تزداد يوماً عن يوم.
المطالب اجتماعية قبل كل شيء، وعلى رأسها رفع الأجور التي لم تعد تفي بحاجات الفرنسيين، على ضوء الغلاء الفاحش في الأسعار، وذلك بعد ارتفاع معدلات التضخم إلى أرقام قياسية وصلت في فرنسا إلى نسبة 6 في المائة، حسب الأرقام الرسمية لـ«معهد الإحصاء والدراسات الاقتصادية الفرنسي» (لينسي). وهذه نسبة لم تُسجّل في هذا البلد منذ أربعين سنة، وبالأخص، إذا علمنا أن مؤشرات الأجور قد تراجعت بنسبة 2.5 في المائة بين يونيو (حزيران) 2021 ويونيو 2022 بسبب غلاء الأسعار.
> مطالب اجتماعية قبل كل شيء...
المطالب تخص تحديداً الشرائح الاجتماعية البسيطة التي تتقاضى أجوراً ضعيفة، والتي باتت تواجه صعوبة في مواجهة تداعيات التضخم، بسبب انخفاض قدرتها الشرائية.
المواد الغذائية، مثلاً، عرفت زيادة في الأسعار بلغت نسبة 8 في المائة، بينما سجلت أسعار الطاقة من كهرباء وغاز زيادة بنسبة تفوق 20 في المائة. وعلى هذا الأساس تطالب التنظيمات النقابية برفع رواتب العمال، علماً بأن فرنسا تطبق ما يسمى بالحد الأدنى للأجور الذي يحدّده قانون العمل بـ1300 يورو. في حين تطالب المنظمات النقابية برفعه إلى 1600 يورو، بل إن بعض التنظيمات النقابية، كـ«الكونفدرالية العامة للشغل» (سي جي تي) تذهب إلى المطالبة برفع هذا الأجر الأدنى إلى 2000 يورو.
هذا، وكانت قناة «بي أف أم بيزنيس» الاقتصادية قد أفادت في تقرير بأن بعض شركات القطاع الخاص قد منحت موظفيها زيادات في الأجور بلغت نسبة 3 في المائة في 2022، قد تصل إلى 3.3 في المائة خلال 2023. وهذه نسبة متوسطة، علاوة على أنها تُعتبر ضعيفة مقارنة بالتضخم؛ فهي تخّص في غالبيتها الكوادر الذين ينشطون في قطاعات اقتصادية معينة، كالإعلام الآلي والتسويق والتكنولوجيا الرقمية.
> إضرابات وشعور بالظلم
في مجموعة «غروبوما»، مثلاً، التي دخل ثلاثة أرباع عمالها في إضراب منذ ثلاثة أسابيع، لم تسجل الأجور أي زيادة منذ أكثر من عشر سنوات، ما جعل نسبة العمال الذين تركوا وظائفهم في هذه المؤسسة خلال السنوات الخمس الأخيرة يرتفع إلى 20 في المائة. السبب، كما يشرح إيريك شوفي، وهو أحد مسؤولي المنظمة النقابية (سي أف دي تي)، في صحيفة «لوجورنال دو ديمانش» يعود إلى أن «أصحاب الشركات الذين يرفضون إعادة تقييم أجور عمالهم سيفقدونهم، وبالأخص مع تنامي الشعور الظلم... فحين يرى العامل أن مديره قد حصل على زيادة بين 15 و20 في المائة بينما هو لم يطله شيء، فهذا سيدفعه إلى التخلي عن هذه الوظيفة».
الأزمة نفسها يعيشها عمال شركة «وولد لاين» للدفع الإلكتروني الذين يطالبون منذ ثلاث سنوات برفع قيمة أجورهم بـ250 يورو، غير أن الإدارة لم توافق إلا على 40 يورو. إنها «قمة الأنانية»، حسب تصريحات باسكال رينيه ممثل نقابة القوى العمالية (أف أو) في صحيفة «لو جورنال دو ديمانش» الذي يشرح بأن المفاوضات التي بدأت منذ ثلاث سنوات وصلت إلى طريق مسدود، وهذا رغم نسبة الأرباح الكبيرة التي تحققها هذه الشركة، والتي ارتفعت عام 2021 بنسبة 12 في المائة.
الأسباب ذاتها، تقريباً، دفعت عمال شركة صناعة السيارات «ستيلانتيس» العملاقة للمطالبة برفع رواتبهم، لا سيما عندما جرى الإعلان عن راتب المدير العام، كارلوس تافاريس؛ إذ تبين أنه تقاضى أكثر من 19 مليون يورو في سنة 2021، ثم إن المدير العام لمجموعة «توتال إنيرجي»، باتريك بويانيه، أثار هو الآخر جدلاً كبيراً في وسائل الإعلام حين حاول، عبر تغريدة نشرها في «تويتر»، تبرير زيادة أجره. ولقد جاء الهجوم أساساً من اليسار، حيث ردّ عليه النائب فرنسوا روفان ساخراً: «عزيزي باتريك، كلي تعاطف معك... كيف استطعت أن تعيش على راتب أربعة ملايين يورو؟». أما الممثل الكوميدي غييوم موريس، فقد حوّل القضية إلى موقف كوميدي حين أنشأ على وسائل التواصل «صندوق تضامن» للمدير العام لـ«توتال أنيرجي» لمساعدته على الخروج من «الأزمة»، وصل بالكاد إلى 30 يورو. والمعروف أن عملاق النفط والغاز الفرنسي (توتال)، حققت أرباحاً جاوزت الـ16 مليار يورو بفضل ارتفاع الأسعار. وبالتالي، قرر مجلس إدارة الشركة زيادة مخصصات رئيسه بنسبة 52 في المائة لترتفع من أربعة ملايين إلى ستة ملايين يورو، إضافة إلى أن حَمَلة أسهم المجموعة تلقّوا حصصاً من الأرباح مرتفعة جداً، قياساً بالسنوات السابقة.
> غضب الشارع
مثل هذه الحالات أثارت غضب الفرنسيين. أما المسؤول الأول في نظرهم فهو الحكومة التي لم تحرك ساكناً لمساندة الشرائح الشعبية الأكثر هشاشة، ولذا لا لوم على المضربين الذين لا يطالبون إلا بحقوقهم المشروعة. هذا، على الأقل، ما أكدته نتائج دراسة لمعهد «فيفافويس» نشرتها صحيفة «ليبيراسيون»، تبين من خلالها أن 82 في المائة من الفرنسيين يرون أن الحكومة لا تقوم بأي شيء لحمايتهم من التضخم، مقابل 4 في المائة فقط يؤمنون بأن الحكومة تفعل كل ما بوسعها للتخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية التي تضرب البلاد. ثم إن أكثر من 79 في المائة يعتقدون أن هذه الحالة ستؤدي إلى انفجار الأوضاع وظهور المزيد من الحركات الاحتجاجية هذا الشتاء، إذا ما استمرت الحكومة على سياستها الراهنة.
> الحكومة تدافع عن نفسها
رئيسة الوزراء إليزابيث بورن، طبعاً، دافعت عن موقف الحكومة ضد الانتقادات التي استهدفتها بخصوص قصورها في أداء مهمتها؛ إذ صرّحت إثر لقاء صحافي على القناة الخاصة «تي أف 1» بأنها «تستمع لكل مطالب الفرنسيين بخصوص القدرة الشرائية». وأردفت: «الواقع في هذا البلد أن الحكومة تحمي القدرة الشرائية أكثر من أي جهة أخرى؛ فقد رفعنا الأجور كما حددنا سقف لأسعار الطاقة، ومنحنا تخفيض 30 سنتيم على سعر الوقود إلى غاية نهاية السنة».
أما جيرار دارمانان، وزير الداخلية، فقد اعترف في مظاهرة سياسية بأن هناك مشكلة «أجور» في فرنسا، وتحديداً ما يخّص الفروق المتباينة بين ما يتقاضاه كبار أرباب العمل من أجور ومِنَح وما يحصل عليه العمال البسطاء، إلا أنه ذكر في الوقت نفسه أن «المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة فقط؛ فهي رفعت أجور موظفي القطاع العام في حدود المستطاع... والكرة الآن في معسكر نقابة أرباب العمل. وعليهم فتح باب المفاوضات مع عمال القطاع الخاص والنقابات».
هذا ما أكده أيضاً وزير الاقتصاد برونو لومير، الذي دعا كل الشركات التي تستطيع إلى رفع رواتب عمالها. وهذا أضعف الإيمان بالنسبة للحكومة، التي لا تملك إلا أن تدعو الشركات للتفاوض بشأن رفع الأجور مع موظفيها، وهو ما تشرحه كارولين لوش روكيا من «مكتب غرانت تورونتون للقانون الاجتماعي»؛ إذ تقول: «للحكومة الحق في دعوة الشركات والعمال إلى التفاوض، لكن لا يوجد أي قانون يُجبر هذه الشركات على رفع الرواتب، فهي وحدها بالتشاور مع عمالها تستطيع حلّ هذه المعضّلة».
وفي السياق ذاته، انتقد وزير الحكومة غابريال أتال استمرار الإضراب، وقال: «حق الإضراب موجود بالتأكيد، لكن في لحظة ما يجب أن تبقى البلاد قادرة على العمل». وتابع: «المؤكَّد هو أن هناك عدداً قليلاً من النقابيين الذين يعطون أحياناً انطباعاً بأنهم يجلسون على مصالح الملايين من الفرنسيين»، مستطرداً أنه «من غير المقبول أن يستمر التعطيل، بينما وُقّعت اتفاقات لتحسين الأجور في الشركات».
> أزمة ثلاثية الأبعاد
المشكلة عند بعض المتابعين تكمن في غياب عنصر «الحزم والشدة» عند الرئيس ماكرون، الذي يبدو وكأنه فقد السيطرة على الأوضاع، مع تراكم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية خلال ستة أشهر فقط من توليه رئاسة البلاد لولاية ثانية؛ ففي غضون أسابيع، أخذت الأجواء الاجتماعية تتدهور بسبب إضراب عمال مصافي النفط ومستودعاته؛ إذ أوقفت ست مصافٍ من أصل سبع (هي الموزع الأساسي لهذه المادة في فرنسا) نشاطها كلياً، وكانت النتيجة طوابير طويلة أمام محطات الوقود التي أغلقت أبوابها الواحدة تلو الأخرى.
وحتى، وإن لم تكن تسوية هذه المعضلة من صلاحيات الحكومة، كما حاول الرئيس ماكرون التأكيد عليه مراراً، فإن نقص الوقود في أكثر من ثلث المحطات الفرنسية، والمشكلات التي واجهت المستهلكين للتزود بالوقود، ومشاهد الفوضى التي عمّت في محيط هذه المحطات... كلها كانت قد أثرت سلباً على الرأي العام. وما فاقم الوضع تجاهل الحكومة لهذه المطالب في البداية، ثم المماطلة في مواجهة الأوضاع الصعبة فيما بعد.
الحكومة (كما كان متوقعاً) دافعت عن موقفها بحجة أنها فضلت الحكمة على التهور؛ إذ أعلن مسؤول حكومي لصحيفة «ليبيراسيون» أنه «لا يمكننا اتهام الحكومة بالتقصير؛ فلو كانت قرّرت اللّجوء إلى مصادرة مصافي النفط من العمال المُضربين في الساعات الأولى لبدايات الأزمة، كما طلبه البعض، لكان القرار قد أُلغي بحكم قضائي. إلا أننا أقحمنا أنفسنا في أزمة سياسية كبيرة... وتابع: «اليوم، بعدما استنفدت المنظمات النقابية وسائل الطعن القانونية، وبعد اتفاق الطرفين على رفع الأجور بنسبة 7 في المائة، فإن ماتينيون (الحكومة الفرنسية) تراهن على عودة المياه إلى مجاريها في القريب العاجل».
من ناحية ثانية، كتب الصحافي جيروم بيغلي، في عمود الرأي بصحيفة «ليبراسيون» معلقاً: «كل شيء في زيادة في هذا البلد ما عدا سطوة الرئيس. أسعار الوقود، الطاقة، المواد الغذائية، تذاكر الطائرة... كل شيء ما عدا كلمة الإليزيه التي تتجه عكس التيار وإلى الأسفل». وأضاف: «الرئيس لا يترأس فقط المجالس الأوروبية، ولا يتحاور فقط مع بوتين وبايدن وشولتز. هو قبل أي شيء مُطالَب بالاستماع إلى هواجس وانشغالات الأشخاص الذين منحوه أصواتهم». ثم تابع انتقاده: «بعد ستة أشهر من توليه الرئاسة لم يجرِ تصويت على أي قانون مهم... ومقابل رفض الامتثال يكتفي بكلمات منمقة: المالية، ضرائب التركات، البطالة، التحول البيئي... هناك طابور من ورش العمل تنتظر البنّاء الذي يبدو عاجزاً عن تعبئة عماله. سيارة فرنسا ينقصها الوقود، وسائقها مُتردد في الاتجاه الواجب سلكه».
كل هذه الأجواء خلقت نوعاً من الفوضى وصعوبة في الوصول إلى اتفاق بين مختلف الأطياف السياسية. ولقد برز ذلك جلياً في المناقشات البرلمانية الأخيرة حول قانون المالية لعام 2023، إلى حد أن رئيسة الحكومة، إليزابيث بورن، وجدت نفسها مضطرة للجوء إلى إحدى المواد القانونية (49 - 3) لطرح التصويت على الموازنة، وذلك هرباً من انتقادات المعارضة والمناقشات التي لا تنتهي، وطلبات التعديلات الكثيرة الآتية من المعارضة، لا سيما من اليسار.
الباحث والمؤرخ ميشال وينوك، في كتابه «إدارة فرنسا» (دار نشر «كالمون ليفي»)، يشير إلى هذه السمة الفرنسية، واصفاً إياها بـ«التشنجات» السياسية التي تصيب البلد كل 12 أو 15 سنة. ورغم هدوء الأوضاع نوعاً ما منذ إقرار «الجمهورية الخامسة»، فإن المؤرخ لا يرى أن فرنسا وصلت إلى التحلي بثقافة «التسوية» أو «التوافق» التي تميز معظم الديمقراطيات الغربية. وهنا لا يستثني سوى مرحلتي حكم الجنرال تشارل ديغول وفرنسوا ميتران، اللذين نجحا إلى حد كبير في لمّ شمل الأطراف المتنازعة، وتقديم حلول اتفقت عليها جميع الأطراف.
> نقابات العمل الفرنسية من أبرز المستفيدين... رغم خلافاتها
> تعتبر المعارضة اليسارية الفرنسية، أو تحالف الأحزاب اليسارية «الاتحاد الشعبي البيئي والاجتماعي الجديد»، المستفيد الكبير من هذه الأزمات التي تضعف كاهل الحكومة وتقوّي موقف المعارضة، وعلى رأسها حزب «فرنسا المتمردة»، التي يتقدم زعيمها جان لوك ميلونشون كل المواكب الاحتجاجية.

رئيسة الوزراء الفرنسية (إ.ب.أ)

بيد أن مثل هذه الأجواء المتسمة بالاحتقان تعتبر أيضاً فرصة المنظمات النقابية لعرض عضلاتها، وهي بالفعل تلعب دوراً كبيراً في تعبئة الحشود، وتقف وراء تنظيم المسيرات والإضرابات. والمعروف عن فرنسا ليس فقط تقليدها النقابي الموروث عن الثورة وأحداث مايو (أيار) 1968، ولكن أيضاً ثقل هذه المركزيات في المعادلات السياسية. وهذه، وإن فقدت من نفوذها الذي كان واسعاً خلال عقدي السبعينات والثمانينات، فإنها في العديد من الأزمات التي واجهت فيها الحكومة نجحت في ليّ ذراعها وإرغامها على التراجع. وهذا حدث عام 1995، حين تراجعت حكومة آلان جوبيه - آنذاك - عن «الإصلاحات» المزعوم تنفيذها بعد الضغوط التي مارستها هذه النقابات.

الرئيس الفرنسي (أ.ف.ب)

في فرنسا راهناً خمس منظمات نقابية كبيرة، إلا أن اثنتين منها فقط ما زالتا تحظيان بنفوذ قوي في أوساط العمال. المنظمتان هما:
1 - «الكونفدرالية الديمقراطية للشغل» و (سي أف دي تي)، وهي أول منظمة نقابية في فرنسا من حيث عدد المنخرطين، حيث تضم أكثر من 600 ألف عضو، ولديها مداخيل مادية مهمة تفوق 500 ألف يورو سنوياً. هذه المنظمة حاضرة بقوة بين أوساط موظفي القطاع الخاص، ومعروفة بمواقفها المعتدلة (أحياناً تتهم بمواقفها المُتساهلة وقربها من الحكومة)، كما أنها تميل إلى اليمين المعتدل.
2 - «الكونفدرالية العامة للشغل» (سي جي تي)، التي تضم، حسب آخر التقارير، 470 ألف عضو، وهي مَن كان وراء الدعوة لتنظيم الإضرابات. هذه المنظمة قريبة من الحزب الشيوعي الفرنسي، وحاضرة بقوة في القطاع العام، ولا سيما التربية والتعليم والصحة والنقل. مواقفها في الغالب متشّددة، وكانت الوحيدة التي رفضت القبول بعرض إدارة مجموعة «توتال إنيرجي» بزيادة أجور العمال بنسبة 7 في المائة، وأصّرت على زيادة بنسبة 10 في المائة. ولقد وصف زعيمها، فيليب مارتينيز، عرض العملاق النفطي الفرنسي بـ«المهزلة»، ودعا إلى التوقف عن إجبار العاملين المضربين في المصافي ومستودعات الوقود عن العمل.
العلاقة بين المنظمتين النقابيتين كثيراً ما وُصِفت بـ«المتوترة»، بل وصلت مرات عديدة إلى العنف وتبادل التهم. منها أحداث التكسير التي تعرض لها مقر «الكونفدرالية الديمقراطية للشغل» بفعل أعضاء من «سي جي تي»، بعد دعوة زعيم «سي أف دي تي»، لوران بيرجيه، أتباعه إلى التصويت لصالح الرئيس إيمانويل ماكرون في الانتخابات الرئاسية. كذلك اتهمت قيادة «سي جي تي» منافستها بخيانة العمال ومبادئ العمل النقابي حين قبلت توقيع اتفاق مع الحكومة لإنهاء الإضراب، الذي نظم ضد تعديل قانون الشغل، الذي استفاد منه أرباب العمل بامتيازات جديدة.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.