المنظمات النقابية الفرنسية تعرض عضلاتها وتتوعد الحكومة بشتاء ساخن

وسط أجواء اجتماعية شديدة الاحتقان

جانب من المظاهرات الشعبية والنقابية
جانب من المظاهرات الشعبية والنقابية
TT

المنظمات النقابية الفرنسية تعرض عضلاتها وتتوعد الحكومة بشتاء ساخن

جانب من المظاهرات الشعبية والنقابية
جانب من المظاهرات الشعبية والنقابية

بعد أقل من ستة أشهر على انتخاب الرئيس إيمانويل ماكرون لولاية ثانية، تبدو طموحات الرئيس الفرنسي في مفترق طرق صعب جداً. وهذا لأن واقع السياسات الحكومية، سواء تلك التي تّم تطبيقها، أو التي يجري التحضير لها، بدأ يلقي بثقله بشدة على الحياة اليومية للفرنسيين؛ فبين ارتفاع أسعار المواد الأساسية، لا سيما الطاقة، والتشديد المرتقب على إعانات البطالة، وإصلاح المعاشات المتوقع في نهاية العام... مروراً بالطوابير التي لا تنتهي أمام محطات الوقود، بدا التذمر الشعبي وكأنه وصل إلى ذروته. أما النتيجة، فموجة عارمة من الإضرابات والمسيرات الاحتجاجية تشهدها فرنسا منذ أكثر من ثلاثة أسابيع، حتى إنه لا يكاد يمر أسبوع من دون أن نسمع عن إضراب عمالي أو مسيرة احتجاجية في شوارع المدن الكبرى.
بعد إضراب عمال قطاع النقل والتربية والتعليم ثم قطاع الصحّة والتوظيف العمومي في فرنسا، ينضم عمال مصافي النفط التابعة لمجموعة «توتال إنيرجي» وعمال المحطات النووية، إضافة لشركات نادراً ما كانت تُضرب عن العمل، كمجموعة صناعة الطيران «داسو»، و«ستيلانتيس» للسيارات، و«صفران» لصناعة المحركات، و«غروباما» للتأمينات، وشركة «أرمور ميكا» للتجهيزات الطبية، وشركة «كارفور»، إلى حشود الغاضبين التي تزداد يوماً عن يوم.
المطالب اجتماعية قبل كل شيء، وعلى رأسها رفع الأجور التي لم تعد تفي بحاجات الفرنسيين، على ضوء الغلاء الفاحش في الأسعار، وذلك بعد ارتفاع معدلات التضخم إلى أرقام قياسية وصلت في فرنسا إلى نسبة 6 في المائة، حسب الأرقام الرسمية لـ«معهد الإحصاء والدراسات الاقتصادية الفرنسي» (لينسي). وهذه نسبة لم تُسجّل في هذا البلد منذ أربعين سنة، وبالأخص، إذا علمنا أن مؤشرات الأجور قد تراجعت بنسبة 2.5 في المائة بين يونيو (حزيران) 2021 ويونيو 2022 بسبب غلاء الأسعار.
> مطالب اجتماعية قبل كل شيء...
المطالب تخص تحديداً الشرائح الاجتماعية البسيطة التي تتقاضى أجوراً ضعيفة، والتي باتت تواجه صعوبة في مواجهة تداعيات التضخم، بسبب انخفاض قدرتها الشرائية.
المواد الغذائية، مثلاً، عرفت زيادة في الأسعار بلغت نسبة 8 في المائة، بينما سجلت أسعار الطاقة من كهرباء وغاز زيادة بنسبة تفوق 20 في المائة. وعلى هذا الأساس تطالب التنظيمات النقابية برفع رواتب العمال، علماً بأن فرنسا تطبق ما يسمى بالحد الأدنى للأجور الذي يحدّده قانون العمل بـ1300 يورو. في حين تطالب المنظمات النقابية برفعه إلى 1600 يورو، بل إن بعض التنظيمات النقابية، كـ«الكونفدرالية العامة للشغل» (سي جي تي) تذهب إلى المطالبة برفع هذا الأجر الأدنى إلى 2000 يورو.
هذا، وكانت قناة «بي أف أم بيزنيس» الاقتصادية قد أفادت في تقرير بأن بعض شركات القطاع الخاص قد منحت موظفيها زيادات في الأجور بلغت نسبة 3 في المائة في 2022، قد تصل إلى 3.3 في المائة خلال 2023. وهذه نسبة متوسطة، علاوة على أنها تُعتبر ضعيفة مقارنة بالتضخم؛ فهي تخّص في غالبيتها الكوادر الذين ينشطون في قطاعات اقتصادية معينة، كالإعلام الآلي والتسويق والتكنولوجيا الرقمية.
> إضرابات وشعور بالظلم
في مجموعة «غروبوما»، مثلاً، التي دخل ثلاثة أرباع عمالها في إضراب منذ ثلاثة أسابيع، لم تسجل الأجور أي زيادة منذ أكثر من عشر سنوات، ما جعل نسبة العمال الذين تركوا وظائفهم في هذه المؤسسة خلال السنوات الخمس الأخيرة يرتفع إلى 20 في المائة. السبب، كما يشرح إيريك شوفي، وهو أحد مسؤولي المنظمة النقابية (سي أف دي تي)، في صحيفة «لوجورنال دو ديمانش» يعود إلى أن «أصحاب الشركات الذين يرفضون إعادة تقييم أجور عمالهم سيفقدونهم، وبالأخص مع تنامي الشعور الظلم... فحين يرى العامل أن مديره قد حصل على زيادة بين 15 و20 في المائة بينما هو لم يطله شيء، فهذا سيدفعه إلى التخلي عن هذه الوظيفة».
الأزمة نفسها يعيشها عمال شركة «وولد لاين» للدفع الإلكتروني الذين يطالبون منذ ثلاث سنوات برفع قيمة أجورهم بـ250 يورو، غير أن الإدارة لم توافق إلا على 40 يورو. إنها «قمة الأنانية»، حسب تصريحات باسكال رينيه ممثل نقابة القوى العمالية (أف أو) في صحيفة «لو جورنال دو ديمانش» الذي يشرح بأن المفاوضات التي بدأت منذ ثلاث سنوات وصلت إلى طريق مسدود، وهذا رغم نسبة الأرباح الكبيرة التي تحققها هذه الشركة، والتي ارتفعت عام 2021 بنسبة 12 في المائة.
الأسباب ذاتها، تقريباً، دفعت عمال شركة صناعة السيارات «ستيلانتيس» العملاقة للمطالبة برفع رواتبهم، لا سيما عندما جرى الإعلان عن راتب المدير العام، كارلوس تافاريس؛ إذ تبين أنه تقاضى أكثر من 19 مليون يورو في سنة 2021، ثم إن المدير العام لمجموعة «توتال إنيرجي»، باتريك بويانيه، أثار هو الآخر جدلاً كبيراً في وسائل الإعلام حين حاول، عبر تغريدة نشرها في «تويتر»، تبرير زيادة أجره. ولقد جاء الهجوم أساساً من اليسار، حيث ردّ عليه النائب فرنسوا روفان ساخراً: «عزيزي باتريك، كلي تعاطف معك... كيف استطعت أن تعيش على راتب أربعة ملايين يورو؟». أما الممثل الكوميدي غييوم موريس، فقد حوّل القضية إلى موقف كوميدي حين أنشأ على وسائل التواصل «صندوق تضامن» للمدير العام لـ«توتال أنيرجي» لمساعدته على الخروج من «الأزمة»، وصل بالكاد إلى 30 يورو. والمعروف أن عملاق النفط والغاز الفرنسي (توتال)، حققت أرباحاً جاوزت الـ16 مليار يورو بفضل ارتفاع الأسعار. وبالتالي، قرر مجلس إدارة الشركة زيادة مخصصات رئيسه بنسبة 52 في المائة لترتفع من أربعة ملايين إلى ستة ملايين يورو، إضافة إلى أن حَمَلة أسهم المجموعة تلقّوا حصصاً من الأرباح مرتفعة جداً، قياساً بالسنوات السابقة.
> غضب الشارع
مثل هذه الحالات أثارت غضب الفرنسيين. أما المسؤول الأول في نظرهم فهو الحكومة التي لم تحرك ساكناً لمساندة الشرائح الشعبية الأكثر هشاشة، ولذا لا لوم على المضربين الذين لا يطالبون إلا بحقوقهم المشروعة. هذا، على الأقل، ما أكدته نتائج دراسة لمعهد «فيفافويس» نشرتها صحيفة «ليبيراسيون»، تبين من خلالها أن 82 في المائة من الفرنسيين يرون أن الحكومة لا تقوم بأي شيء لحمايتهم من التضخم، مقابل 4 في المائة فقط يؤمنون بأن الحكومة تفعل كل ما بوسعها للتخفيف من وطأة الأزمة الاقتصادية التي تضرب البلاد. ثم إن أكثر من 79 في المائة يعتقدون أن هذه الحالة ستؤدي إلى انفجار الأوضاع وظهور المزيد من الحركات الاحتجاجية هذا الشتاء، إذا ما استمرت الحكومة على سياستها الراهنة.
> الحكومة تدافع عن نفسها
رئيسة الوزراء إليزابيث بورن، طبعاً، دافعت عن موقف الحكومة ضد الانتقادات التي استهدفتها بخصوص قصورها في أداء مهمتها؛ إذ صرّحت إثر لقاء صحافي على القناة الخاصة «تي أف 1» بأنها «تستمع لكل مطالب الفرنسيين بخصوص القدرة الشرائية». وأردفت: «الواقع في هذا البلد أن الحكومة تحمي القدرة الشرائية أكثر من أي جهة أخرى؛ فقد رفعنا الأجور كما حددنا سقف لأسعار الطاقة، ومنحنا تخفيض 30 سنتيم على سعر الوقود إلى غاية نهاية السنة».
أما جيرار دارمانان، وزير الداخلية، فقد اعترف في مظاهرة سياسية بأن هناك مشكلة «أجور» في فرنسا، وتحديداً ما يخّص الفروق المتباينة بين ما يتقاضاه كبار أرباب العمل من أجور ومِنَح وما يحصل عليه العمال البسطاء، إلا أنه ذكر في الوقت نفسه أن «المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة فقط؛ فهي رفعت أجور موظفي القطاع العام في حدود المستطاع... والكرة الآن في معسكر نقابة أرباب العمل. وعليهم فتح باب المفاوضات مع عمال القطاع الخاص والنقابات».
هذا ما أكده أيضاً وزير الاقتصاد برونو لومير، الذي دعا كل الشركات التي تستطيع إلى رفع رواتب عمالها. وهذا أضعف الإيمان بالنسبة للحكومة، التي لا تملك إلا أن تدعو الشركات للتفاوض بشأن رفع الأجور مع موظفيها، وهو ما تشرحه كارولين لوش روكيا من «مكتب غرانت تورونتون للقانون الاجتماعي»؛ إذ تقول: «للحكومة الحق في دعوة الشركات والعمال إلى التفاوض، لكن لا يوجد أي قانون يُجبر هذه الشركات على رفع الرواتب، فهي وحدها بالتشاور مع عمالها تستطيع حلّ هذه المعضّلة».
وفي السياق ذاته، انتقد وزير الحكومة غابريال أتال استمرار الإضراب، وقال: «حق الإضراب موجود بالتأكيد، لكن في لحظة ما يجب أن تبقى البلاد قادرة على العمل». وتابع: «المؤكَّد هو أن هناك عدداً قليلاً من النقابيين الذين يعطون أحياناً انطباعاً بأنهم يجلسون على مصالح الملايين من الفرنسيين»، مستطرداً أنه «من غير المقبول أن يستمر التعطيل، بينما وُقّعت اتفاقات لتحسين الأجور في الشركات».
> أزمة ثلاثية الأبعاد
المشكلة عند بعض المتابعين تكمن في غياب عنصر «الحزم والشدة» عند الرئيس ماكرون، الذي يبدو وكأنه فقد السيطرة على الأوضاع، مع تراكم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية خلال ستة أشهر فقط من توليه رئاسة البلاد لولاية ثانية؛ ففي غضون أسابيع، أخذت الأجواء الاجتماعية تتدهور بسبب إضراب عمال مصافي النفط ومستودعاته؛ إذ أوقفت ست مصافٍ من أصل سبع (هي الموزع الأساسي لهذه المادة في فرنسا) نشاطها كلياً، وكانت النتيجة طوابير طويلة أمام محطات الوقود التي أغلقت أبوابها الواحدة تلو الأخرى.
وحتى، وإن لم تكن تسوية هذه المعضلة من صلاحيات الحكومة، كما حاول الرئيس ماكرون التأكيد عليه مراراً، فإن نقص الوقود في أكثر من ثلث المحطات الفرنسية، والمشكلات التي واجهت المستهلكين للتزود بالوقود، ومشاهد الفوضى التي عمّت في محيط هذه المحطات... كلها كانت قد أثرت سلباً على الرأي العام. وما فاقم الوضع تجاهل الحكومة لهذه المطالب في البداية، ثم المماطلة في مواجهة الأوضاع الصعبة فيما بعد.
الحكومة (كما كان متوقعاً) دافعت عن موقفها بحجة أنها فضلت الحكمة على التهور؛ إذ أعلن مسؤول حكومي لصحيفة «ليبيراسيون» أنه «لا يمكننا اتهام الحكومة بالتقصير؛ فلو كانت قرّرت اللّجوء إلى مصادرة مصافي النفط من العمال المُضربين في الساعات الأولى لبدايات الأزمة، كما طلبه البعض، لكان القرار قد أُلغي بحكم قضائي. إلا أننا أقحمنا أنفسنا في أزمة سياسية كبيرة... وتابع: «اليوم، بعدما استنفدت المنظمات النقابية وسائل الطعن القانونية، وبعد اتفاق الطرفين على رفع الأجور بنسبة 7 في المائة، فإن ماتينيون (الحكومة الفرنسية) تراهن على عودة المياه إلى مجاريها في القريب العاجل».
من ناحية ثانية، كتب الصحافي جيروم بيغلي، في عمود الرأي بصحيفة «ليبراسيون» معلقاً: «كل شيء في زيادة في هذا البلد ما عدا سطوة الرئيس. أسعار الوقود، الطاقة، المواد الغذائية، تذاكر الطائرة... كل شيء ما عدا كلمة الإليزيه التي تتجه عكس التيار وإلى الأسفل». وأضاف: «الرئيس لا يترأس فقط المجالس الأوروبية، ولا يتحاور فقط مع بوتين وبايدن وشولتز. هو قبل أي شيء مُطالَب بالاستماع إلى هواجس وانشغالات الأشخاص الذين منحوه أصواتهم». ثم تابع انتقاده: «بعد ستة أشهر من توليه الرئاسة لم يجرِ تصويت على أي قانون مهم... ومقابل رفض الامتثال يكتفي بكلمات منمقة: المالية، ضرائب التركات، البطالة، التحول البيئي... هناك طابور من ورش العمل تنتظر البنّاء الذي يبدو عاجزاً عن تعبئة عماله. سيارة فرنسا ينقصها الوقود، وسائقها مُتردد في الاتجاه الواجب سلكه».
كل هذه الأجواء خلقت نوعاً من الفوضى وصعوبة في الوصول إلى اتفاق بين مختلف الأطياف السياسية. ولقد برز ذلك جلياً في المناقشات البرلمانية الأخيرة حول قانون المالية لعام 2023، إلى حد أن رئيسة الحكومة، إليزابيث بورن، وجدت نفسها مضطرة للجوء إلى إحدى المواد القانونية (49 - 3) لطرح التصويت على الموازنة، وذلك هرباً من انتقادات المعارضة والمناقشات التي لا تنتهي، وطلبات التعديلات الكثيرة الآتية من المعارضة، لا سيما من اليسار.
الباحث والمؤرخ ميشال وينوك، في كتابه «إدارة فرنسا» (دار نشر «كالمون ليفي»)، يشير إلى هذه السمة الفرنسية، واصفاً إياها بـ«التشنجات» السياسية التي تصيب البلد كل 12 أو 15 سنة. ورغم هدوء الأوضاع نوعاً ما منذ إقرار «الجمهورية الخامسة»، فإن المؤرخ لا يرى أن فرنسا وصلت إلى التحلي بثقافة «التسوية» أو «التوافق» التي تميز معظم الديمقراطيات الغربية. وهنا لا يستثني سوى مرحلتي حكم الجنرال تشارل ديغول وفرنسوا ميتران، اللذين نجحا إلى حد كبير في لمّ شمل الأطراف المتنازعة، وتقديم حلول اتفقت عليها جميع الأطراف.
> نقابات العمل الفرنسية من أبرز المستفيدين... رغم خلافاتها
> تعتبر المعارضة اليسارية الفرنسية، أو تحالف الأحزاب اليسارية «الاتحاد الشعبي البيئي والاجتماعي الجديد»، المستفيد الكبير من هذه الأزمات التي تضعف كاهل الحكومة وتقوّي موقف المعارضة، وعلى رأسها حزب «فرنسا المتمردة»، التي يتقدم زعيمها جان لوك ميلونشون كل المواكب الاحتجاجية.

رئيسة الوزراء الفرنسية (إ.ب.أ)

بيد أن مثل هذه الأجواء المتسمة بالاحتقان تعتبر أيضاً فرصة المنظمات النقابية لعرض عضلاتها، وهي بالفعل تلعب دوراً كبيراً في تعبئة الحشود، وتقف وراء تنظيم المسيرات والإضرابات. والمعروف عن فرنسا ليس فقط تقليدها النقابي الموروث عن الثورة وأحداث مايو (أيار) 1968، ولكن أيضاً ثقل هذه المركزيات في المعادلات السياسية. وهذه، وإن فقدت من نفوذها الذي كان واسعاً خلال عقدي السبعينات والثمانينات، فإنها في العديد من الأزمات التي واجهت فيها الحكومة نجحت في ليّ ذراعها وإرغامها على التراجع. وهذا حدث عام 1995، حين تراجعت حكومة آلان جوبيه - آنذاك - عن «الإصلاحات» المزعوم تنفيذها بعد الضغوط التي مارستها هذه النقابات.

الرئيس الفرنسي (أ.ف.ب)

في فرنسا راهناً خمس منظمات نقابية كبيرة، إلا أن اثنتين منها فقط ما زالتا تحظيان بنفوذ قوي في أوساط العمال. المنظمتان هما:
1 - «الكونفدرالية الديمقراطية للشغل» و (سي أف دي تي)، وهي أول منظمة نقابية في فرنسا من حيث عدد المنخرطين، حيث تضم أكثر من 600 ألف عضو، ولديها مداخيل مادية مهمة تفوق 500 ألف يورو سنوياً. هذه المنظمة حاضرة بقوة بين أوساط موظفي القطاع الخاص، ومعروفة بمواقفها المعتدلة (أحياناً تتهم بمواقفها المُتساهلة وقربها من الحكومة)، كما أنها تميل إلى اليمين المعتدل.
2 - «الكونفدرالية العامة للشغل» (سي جي تي)، التي تضم، حسب آخر التقارير، 470 ألف عضو، وهي مَن كان وراء الدعوة لتنظيم الإضرابات. هذه المنظمة قريبة من الحزب الشيوعي الفرنسي، وحاضرة بقوة في القطاع العام، ولا سيما التربية والتعليم والصحة والنقل. مواقفها في الغالب متشّددة، وكانت الوحيدة التي رفضت القبول بعرض إدارة مجموعة «توتال إنيرجي» بزيادة أجور العمال بنسبة 7 في المائة، وأصّرت على زيادة بنسبة 10 في المائة. ولقد وصف زعيمها، فيليب مارتينيز، عرض العملاق النفطي الفرنسي بـ«المهزلة»، ودعا إلى التوقف عن إجبار العاملين المضربين في المصافي ومستودعات الوقود عن العمل.
العلاقة بين المنظمتين النقابيتين كثيراً ما وُصِفت بـ«المتوترة»، بل وصلت مرات عديدة إلى العنف وتبادل التهم. منها أحداث التكسير التي تعرض لها مقر «الكونفدرالية الديمقراطية للشغل» بفعل أعضاء من «سي جي تي»، بعد دعوة زعيم «سي أف دي تي»، لوران بيرجيه، أتباعه إلى التصويت لصالح الرئيس إيمانويل ماكرون في الانتخابات الرئاسية. كذلك اتهمت قيادة «سي جي تي» منافستها بخيانة العمال ومبادئ العمل النقابي حين قبلت توقيع اتفاق مع الحكومة لإنهاء الإضراب، الذي نظم ضد تعديل قانون الشغل، الذي استفاد منه أرباب العمل بامتيازات جديدة.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
TT

حرية الصحافة وحدود السلطة وأزمة الثقة في أميركا

ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)
ترمب مع مراسلي الإعلام قبل الأزمة الأخيرة (أ.ف.ب - غيتي)

معركة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الإعلام، لم تعد خلافاً على سؤال مستفز أو تقرير سلبي. فمع منع الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من دخول البيت الأبيض، وتعليق الشبكات الكبرى التغطية التلفزيونية المشتركة لأنشطته، انتقل النزاع إلى اختبار حدود السلطة على المعلومات، وقدرة الصحافة على الدفاع عن استقلاليتها أمام جمهور تتراجع ثقته بها. وتجمع المواجهة بين أسئلة يصعب فصلها: أين تنتهي صلاحية الإدارة في تنظيم الوصول إلى المؤسّسات الحكومية؟ وأين تبدأ معاقبة التوجه التحريري؟ وهل أضعفت بعض وسائل الإعلام موقعها حين غلَّبت الخصومة السياسية على تفسيرها للوقائع؟ ثم هل يفسر أسلوب ترمب وحده هذا التصعيد، أم أنه يكشف عن أزمة أوسع في العلاقة بين المؤسسات المنتخبة والصحافة والمواطنين؟ وبين رئيس يرى في التغطية «المعادية» تشويهاً لسياساته، ومؤسسات تعد استبعادها اعتداء على حرية الصحافة، يدور صراع يتجاوز الطرفين: من يحدد المعلومات التي تصل للأميركيين عن حكومتهم، وبأي شروط؟

بدأ الفصل الأخير، الأسبوع الماضي، حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حظر الـ«سي إن إن» والـ«إم إس ناو» و«بوليتيكو»، متهماً إياها بنشر أخبار كاذبة. وبعد ذلك منع صحافيوها من الدخول وسحبت تصاريحهم. ودخل القضاء على خط المواجهة بعدما لجأت المؤسسات إليه يوم الاثنين. ويوم الأربعاء أمر القاضي تيموثي كيلي، الذي عيّنه ترمب عام 2017، بإعادة اعتمادات صحافيي المؤسسات الثلاث فوراً، ووقف تنفيذ الحظر لمدة 14 يوماً. ورجح القرار مخالفة الحظر للضمانات الدستورية، واعتبر أن مبررات الأمن القومي تفتقر إلى سند واقعي كاف. وهو تدخّل مؤقت يضع إجراءات الإدارة تحت الرقابة القضائية، فيما يستمر النزاع بشأن حدود سلطتها على وصول الصحافة.

جذور في ولاية ترمب الأولى

للخلاف جذور في ولاية ترمب الأولى، حين ألغى اعتماد مراسل الـ«سي إن إن» جيم أكوستا عام 2018، قبل أن يأمر كيلي بإعادته لغياب الضمانات الإجرائية اللازمة. لكن الانتقال من إجراء ضد مراسل إلى استبعاد مؤسسات كاملة يوسع نطاق السؤال: هل ينظم عمل الصحافة وفق قواعد معلنة، أم يصبح استمرار وجودها رهناً بتقييم الرئيس لتغطيتها؟

وامتد النزاع في ولايته الثانية إلى مواقع أخرى. ففي فبراير (شباط) 2025، أخرج البنتاغون مؤسسات من مساحات عملها ضمن برنامج قال إنه يوسع فرص الوصول لمؤسسات أخرى. ثم أثارت شروط الاعتماد اللاحقة نزاعاً قضائياً، وفي مارس (آذار) 2026، حكم قاض بعدم دستورية السياسة المطعون فيها، قبل أن تعلن الوزارة تعديلات ومواصلة الاستئناف.

وتكشف هذه الوقائع عن أن القضية تتصل بقواعد مؤسسية قابلة للاستمرار بعد مغادرة ترمب منصبه. وفي المقابل، فإن اختزال خيارات اليمين، من الهجرة إلى التجارة والسياسة الخارجية، في شخصية الرئيس، يحجب النقاش حول أسباب تأييدها. فالإعلام يستطيع مساءلة الخيارات ونتائجها، لكن تفسير كل منها بوصفه نزوة شخصية قد يضعف قدرته على فهم المجتمع الذي يمنحها التأييد. كما أن «شخصنة» الصراع تؤدي أيضاً خدمة سياسية للرئيس: فحين تتحوّل المناقشة إلى محاكمة طباعه، يسهل تقديم الاعتراض على قراراته، باعتباره خصومة معه ومع ناخبيه. وعندئذ تتراجع الأسئلة القابلة للتحقق، مثل كلفة السياسة ونتائجها والبدائل المتاحة، لمصلحة سجال حول النيات والولاءات. وتلك مشكلة تحريرية حتى حين تكون الانتقادات الأصلية مبرّرة.

الصحافة تحت الاختبار

تمنح أزمة الثقة هذا الخطاب أرضية أوسع؛ ففي استطلاع «غالوب»، نشر في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قال 28 في المائة من الأميركيين إن لديهم ثقة كبيرة أو معقولة بقدرة الصحف والتلفزيون والإذاعة على تقديم الأخبار بدقة وإنصاف وشمول. وبلغت النسبة 8 في المائة بين الجمهوريين، و27 في المائة بين المستقلين، و51 في المائة بين الديمقراطيين.

وحقاً، لا تثبت هذه الأرقام أن الأخبار خاطئة، لكنها تظهر أن المؤسسات الإعلامية لا تخاطب جمهوراً يتفق على أهليتها للحكم على الوقائع. كما أن ضعف الثقة بين المستقلين، وتراجعها حتى عند الديمقراطيين، يمنعان تفسير المشكلة كنتيجة لخطاب ترمب وحده.

ومع ذلك، يحتاج اتهام الإعلام بالتحول إلى معارضة سياسية إلى أدلة تتجاوز عدد الأخبار السلبية: هل تُمنح المعلومات المخالفة للرواية الغالبة مكانها؟ هل يظهر التصحيح بوضوح؟ وهل يستطيع القارئ تمييز الخبر من التحليل والرأي؟ وهي معايير يمكن تطبيقها على المؤسسات الليبرالية والمحافظة معاً.

في تغطية حرب إيران، على سبيل المثال، يتهم وزير الخارجية ماركو روبيو وسائل الإعلام بأنها بدت وكأنها تدافع عن طهران. هنا يختلف نقد قرار الحرب أو مساءلة الرواية الرسمية عن تفاصيل عملياتية قد تعرّض أفراداً للخطر. كما يختلف التحقيق في خسائر أو إخفاقات عن افتراض سوء نيات الإدارة سلفاً. وحين تصف السلطة النقد بالخيانة أو بتشويه الحقائق، وحين تتعامل التغطية مع كل تفسير رسمي بوصفه تضليلاً محسوماً، تضيع هذه الفروق.

بيد أن مشكلة المصالح تظهر في ملفات أخرى، كالجدل الدائر حول «أخطار» الذكاء الاصطناعي. ففي مقال رأي في الـ«وول ستريت جورنال»، جادل غابرييلي مازيني الذي يشغل منصب زميل في مبادرة «إم آي تي كونيكشن ساينس»، وقاد الفريق الذي صاغ مقترح قانون الذكاء الاصطناعي الخاص بالمفوضية الأوروبية، بأن تضخيم شركات الذكاء الاصطناعي أخطار تقنياتها، قد يخدم مصالح تنظيمية وتجارية واحتكارية. وهذه حجة تستدعي اختبار روايات الشركات ومصادرها، من دون أن تثبت أن الأخطار مختلقة أو أن الصحافة تتبنى أجندة موحدة ضد الرئيس.

والاختبار هنا عملي: هل تُعامل ادعاءات شركة نافذة بالمقدار نفسه من التدقيق الذي يواجه به تصريح سياسي؟ وهل يوضح التقرير ما ثبت بالتجربة وما بقي متوقعاً؟ هذه الأسئلة تصلح أيضاً للتعريفات الجمركية والهجرة والحروب، حيث تتنافس مصادر رسمية وتجارية وحزبية على توجيه التغطية. ومن نافلة القول إن مهنية الصحافة تقاس بقدرتها على كشف هذه المصالح، بما فيها مصالح المصادر التي تتفق معها.

في دفاعها أمام المحكمة،

قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض

«امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات

المستبعدة بمخالفة معايير المهنية

الأمن القومي وحدود السلطة

في دفاعها أمام المحكمة، قالت الإدارة إن دخول البيت الأبيض «امتياز وليس حقاً»، واتهمت المؤسسات المستبعدة بمخالفة معايير المهنية ونشر معلومات حساسة وسرية. وبحسب «نيويورك تايمز»، استشهدت الرسائل الموجهة إليها بتقارير عن منشآت البيت الأبيض وترتيبات أمنية، وأخرى عن تقديرات ترمب للحرب مع إيران.

هذه حجج للسلطة التنفيذية في دعوى جارية، وليست أحكاماً تثبت وقوع مخالفات. وتقول المؤسسات الإعلامية إن العقوبة استهدفت توجهها التحريري ونُفذت من دون إنذار أو فرصة مسبقة للاعتراض، بينما تتمسك الإدارة بأن الإجراءات التي وفرتها بعد المنع كانت كافية. والتمييز القانوني أساسي: ليست الصحافة صاحبة حق مطلق في دخول كل مكان أو حضور كل لقاء رئاسي. لكن سابقة «شيريل ضد نايت» عام 1977 قررت أن إدارة نظام التصاريح الصحافية تخضع لضمانات دستورية، تشمل معايير واضحة وإخطاراً بأسباب الرفض وفرصة الرد.

ومن هنا، لا يكفي وصف الدخول بالامتياز لإعفاء قرارات الاستبعاد من المراجعة. وتزداد حساسية المساءلة عندما يتسع مفهوم الأمن القومي ليشمل نشر تقدير سياسي لا يعجب الرئيس. ونقلت الـ«نيويورك تايمز» عن أستاذة القانون باربرا ماكويد قولها، إن المحاكم تمنح السلطة التنفيذية هامشاً في المسائل الأمنية، لكنها حذرت من أن الاستخدام غير الجدي لهذه الذريعة قد يضعفها حين تكون ضرورية بالفعل.

ويشمل النزاع توقيت تقديم أسباب المنع والضمانات المتاحة للاعتراض عليه. وتقول المؤسسات الثلاث إن الإدارة سحبت اعتمادات صحافييها من دون إخطار مسبق أو فرصة للطعن، بينما يتمسك البيت الأبيض بكفاية الإجراءات التي أتاحها بعد تنفيذ القرار. ونقلت الصحيفة عن غيب روتمان، نائب رئيس السياسات في لجنة المراسلين لحرية الصحافة، اعتراضه على تعليق الاعتماد ثم تقديم مبررات لاحقة. وبذلك، يمتد الخلاف إلى الإجراءات التي اتبعتها الإدارة، إلى جانب النزاع بشأن مضمون التغطية الصحافية.

السوابق ومعيار المقارنة

يدافع نائب الرئيس جي دي فانس عن القرار بعدّه حجباً لوصول مميز عن مؤسسات تمارس، وفق وصفه، الدعاية، ويستشهد بمعاملة وسائل محافظة في عهدي أوباما وبايدن. وتقول الإدارة إن المؤسسات المستبعدة ما زالت قادرة على النشر، بينما ترى تلك المؤسسات أن استمرار البث لا يعوض حرمانها من جمع الأخبار داخل المقر الرئاسي.

وتوجد بالفعل سوابق لضغوط اتخذتها إدارات ديمقراطية، أبرزها تحقيقات التسريبات في عهد أوباما التي شملت سجلات الـ«أسوشييتد برس» ومراسل «فوكس نيوز» جيمس روزن. غير أن هذه السوابق لا تنتج تبريراً تلقائياً للإجراء الحالي، ولا تسمح بنسبة حسابية تختزل المقارنة بين الحزبين.

إذ إن ملاحقة مصدر، والحصول على سجل اتصالات، والاستبعاد من مقابلة، وسحب اعتماد مؤسسة، إجراءات تختلف في طبيعتها وآثارها. وقد يكون إجراء محدود العدد بالغ التأثير إذا أخاف المصادر وعطل التحقيقات. المعيار الأكثر جدية يجمع بين نطاق الإجراء ومدته، وضمانات الاعتراض عليه، ومدى ارتباطه بمخالفة محددة أو بموقف تحريري.

وتعقّد مشاركة «فوكس نيوز»، المحسوبة على الجمهوريين، في موقف الشبكات اختزال المواجهة بأنه صراع مع الإعلام الليبرالي. ففي بيان مشترك نشرته الشبكة مع الـ«إيه بي سي» والـ«سي بي إس» والـ«سي إن إن» والـ«إن بي سي»، أكّدت المؤسسات «مصلحة الجمهور في معلومات مستقلة»، ورفضت تقييد مؤسسة بسبب الاعتراض على تقاريرها. غير أن هذا «التضامن» وإن كان لا يلغي المنافسة أو الانحيازات بين الشبكات، لكنه يوضح وجود مصلحة مهنية مشتركة في منع السلطة من اختيار من يراقبها. وأيضاً يضع سؤالاً أمام الإعلام نفسه عن كيفية الدفاع عن حق الوصول مع استمرار تزويد الجمهور بالمعلومات، حتى في أثناء الاحتجاج على القيود.

الديمقراطية وأزمة الثقة

قابل البيت الأبيض تراجع التغطية المشتركة بإطلاق بث «ترمب تي في»، الذي يقدم محتوى تختاره الإدارة. وبدأ بخطابات الرئيس ومشاهد عسكرية، من دون برامج أصلية. وهو ما يبرز إمكانية تجاوز الوسيط الصحافي والوصول مباشرة إلى الجمهور، مع غياب الأسئلة المستقلة عن الشاشة الرسمية. غير أن أزمة الوساطة ليست أميركية حصراً، فقد وجد تقرير «معهد رويترز لدراسة الصحافة» لعام 2026 أن الثقة بالأخبار انخفضت في 29 من أصل 48 سوقاً شملها، وبلغ متوسطها 37 في المائة. ويربط التقرير هذا التراجع بتحولات استهلاك الأخبار والقلق الأوسع من المؤسسات، مع بقاء الثقة بعلامات إعلامية محددة أكثر تماسكاً من الثقة بالإعلام عموماً.

وتدعم النتائج بحث أزمة أوسع في الديمقراطيات الغربية، لكنها لا تكفي لإعلان انهيار نموذج واحد. فالفروق بين الدول، وأنظمة الإعلام، واستقلال المحاكم، وملكية المؤسسات، تؤثر في قدرة كل مجتمع على مواجهة الضغط. كما أن تراجع الثقة قد يطال الحكومة والصحافة معاً، فلا تستفيد منه السلطة بالضرورة على المدى الطويل.

وفي الولايات المتحدة يختبر اللجوء إلى القضاء والتضامن بين شبكات متنافسة قدرة المؤسسات على فرض حدود للصراع. ومع أن القضاء تدخل لإعادة الاعتمادات مؤقتاً، فإن قراره لا يعالج وحده شكوك جمهور يرى الصحافة خصماً، ولا يعفي غرف الأخبار من مراجعة أخطائها.

والواقع أن المواجهة الجارية بين ترمب ووسائل الإعلام تكشف عن تاريخ أوسع من استخدام السلطة التنفيذية أدواتها للضغط على الصحافة؛ إذ شهد عهد الرئيس الديمقراطي باراك أوباما إجراءات طالت اتصالات الصحافيين ومصادرهم، وأثارت اعتراضات حادة على إدارة تعهدت بالشفافية، ثم وسعت ملاحقة تسريبات المعلومات الحكومية.

في مايو (أيار) 2013، كشفت وكالة الـ«أسوشييتدبرس» أن وزارة العدل حصلت سراً على سجلات 21 خطاً هاتفياً استخدمها صحافيوها ومكاتبها خلال فترة شهرين. واعترض رئيس الوكالة آنذاك، غاري برويت، على اتساع الإجراء وتنفيذه من دون إخطار مسبق يتيح الطعن فيه، محذراً من أثره في قدرة الصحافة على جمع الأخبار.

وطالت التحقيقات جيمس روزن، مراسل «فوكس نيوز»؛ إذ حصل المحققون على سجلات اتصالاته وبريده الإلكتروني في قضية تسريب معلومات عن كوريا الشمالية. ولقد وصفته وثائق التحقيق بأنه شريك محتمل في مخالفة قانون التجسس، بما أثار مخاوف من التعامل مع العمل الصحافي نفسه بوصفه نشاطاً جنائياً. ولم توجّه إليه اتهامات، لكن الإجراء وضع سرية علاقته بمصادره تحت ضغط مباشر.

وبحسب تقرير «لجنة حماية الصحافيين» في أكتوبر 2013، شملت الملاحقات بموجب قانون التجسّس منذ 2009 ستة موظفين حكوميين ومتعاقدَين اثنين، مقارنة بثلاث ملاحقات مماثلة في الإدارات السابقة مجتمعة. وتتعلق هذه الأرقام بقضايا التسريب، لكنها تكشف عن حجم التصعيد الذي رافق خطاب الإدارة عن الانفتاح.

وتبرز هذه الوقائع وجهاً للضغط لا يظهر بالضرورة في منع كاميرا أو سحب اعتماد: حين يخشى المصدر كشف اتصالاته، قد تتوقّف المعلومة قبل وصولها إلى الصحافي. ولذلك، لا يكفي استمرار مؤسسة إعلامية في النشر للقول إن حريتها لم تتأثر. وتمنح هذه السوابق أساساً للاعتراض على انتقائية الدفاع عن الصحافة وفق هوية الرئيس أو المؤسسة المستهدفة. فالمعيار هو ما تفعله السلطة بأدواتها، ومدى خضوعها للمساءلة. ومن مراقبة الاتصالات في عهد أوباما إلى سحب الاعتمادات في عهد ترمب، يبقى السؤال: كيف تُحمىَ قدرة الصحافة على كشف ما تُفضِّل الإدارة حجبه عن الجمهور؟


أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
TT

أولريش زيغموند... شاب يفرض «البديل» قوة حزبية شعبوية متطرفة في ألمانيا

تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني
تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني

عبر مكبر الصوت في أحد التجمعات الانتخابية في ولاية سكسونيا-أنهالت في شرق ألمانيا، يخرج هتاف «زيغ»، الذي في الألمانية يعني «النصر». دلالات الهتاف التاريخية لا تخفى على أحد في ألمانيا ولا خارجها؛ ذلك أن «زيغ هايل»، ومعناه «يعيش النصر»، كان شعار النازيين الذي تردد لسنوات، وأصبح محظوراً في ألمانيا بعد هزيمة النازيين من ضمن مساعي البلاد للابتعاد عن إرثها الداكن. ومع ذلك، يلعب مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» الفائر بالانتخابات في ولاية سكسونيا-أنهالت، أولريش (أولي) زيغموند، على الكلمات، ويحمّس مؤيديه على الرد لدى سماع كلمة «زيغ» في تجمّعاته، بكلمة «موند»، وهي تعني بالألمانية «فم»، ثم يمازح قائلاً إن اسمه «زيغ موند»، وإن الهتاف هو هتاف لاسمه، ضاحكاً ومتسائلاً: «ما المشكلة في اسمي؟!». لعل هذه القصة تلخّص الكثير عن الرجل الذي تحوّل إلى نجم من دون منافس لدى الحزب اليميني المتطرف، والذي سيصبح قريباً أول رئيس حكومة محلية في ألمانيا ينتمي إلى حزب يميني متطرف منذ هزيمة النازيين. فهو يستخدم خليطاً من الفكاهة و«الكاريزما» ليرى إلى أي مدى يمكنه تخطي الخطوط الحمراء. وكما حول الشعار المحظور إلى دعابة، يسعى الشاب البالغ من العمر 35 سنة إلى فرض واقع جديد في ألمانيا. ويسعى حزبه إلى أن يختبر عبره إلى أي مدى يمكن الذهاب في ولاية صغيرة، على أمل نقل التجربة على الصعيد الوطني قريباً.

في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وقف أولريش زيغموند أمام قرابة 20 شخصاً، بينهم نازيون جدد ومتطرفون يمينيون، داخل فندق فخم ناءٍ في مدينة بوتسدام القريبة من برلين، يتكلم أمام مشاركين في اجتماع سرّي دُعي إليه برسائل ورقية.

كان حينذاك رئيس الكتلة النيابية لحزبه «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت. ووقف داعياً المشاركين إلى تقديم تبرعات لحملته الانتخابية التي كان بدأ يعد لها منذ ذلك الوقت، وعارضاً أفكاره لـ«تغيير صورة الشوارع في ألمانيا».

في ذلك التجمع قال إنه في حال فوزه، فإن «المطاعم الأجنبية» في ولايته «ستصبح تحت ضغوط كبيرة»، وإنه سيجعل العيش في سكسونيا-أنهالت «غير جذاب بأكبر قدر ممكن لهذه الفئة»، قاصداً بذلك المهاجرين ومَن هم من أصول مهاجرة، الذين كانوا حقاً موضوع نقاش الاجتماع السرّي. وتابع يقول إن تحقيق ذلك «سيكون سهلاً جداً جداً».

فضح الاجتماع السرّي

الاجتماع السرّي فضحه لاحقاً صحافيون ألمان من موقع «كوريكتيف» الاستقصائي الذي كشف أن إحدى الرسائل سُربت إليه، وأنه أرسل صحافياً إلى الفندق لكي يراقب الاجتماع ويكتب عنه.

وكان هدف الاجتماع الذي دعا إليه اثنان من كبار رجال الأعمال والمموّلين الألمان، مناقشة خطة لترحيل ملايين المهاجرين والألمان من أصول مهاجرة، بحسب الموقع الاستقصائي.

أثار الكشف عن الاجتماع آنذاك غضباً كبيراً في ألمانيا وإدانات سياسية واسعة؛ خاصة لأنه حمل أصداء تاريخية، مذكّراً باجتماع النازيين لمناقشة وإقرار «الحل النهائي» الذي شكّل بداية المحرقة (الهولوكوست). وللعلم، أيضاً عُقد اجتماع النازيين في مدينة بوتسدام في مكان قريب من موقع الاجتماع الحديث الذي شارك فيه زيغموند.

اللافت أن زيغموند كان واحداً من 3 سياسيين في حزب «البديل من أجل ألمانيا» شاركوا في الاجتماع، والثلاثة يعتبرون من المتطرفين داخل الحزب؛ ولذا حاول الحزب إبعاد نفسه عنهم، مدّعياً أنهم حضروا «بصفة شخصية»، وأن ما نوقش ليس سياسة يتبناها الحزب. غير أن الحزب لم يتمكن من إنكار ما نوقش بسبب وجود تسجيلات تثبت ذلك.

لا ذكر للاجتماع في الإعلام

أيضاً، كان لافتاً أنه رغم الصدمة والنقمة التي تسبب فيها الكشف عن الاجتماع في ذلك الحين، لم تُذكر القصة في الإعلام الألماني خلال حملة زيغموند الانتخابية وتغطية الانتخابات التي سبقت فوزه، وكأن الجميع نسي أنه شارك في ذاك الاجتماع، علماً بأنه في ذاك الوقت لم يكن معروفاً خارج ولايته، على عكس الوضع اليوم؛ فهو الآن بات معروفاً ليس فقط في كامل ألمانيا، بل في العالم بأسره؛ ذلك أن فوزه جذب الإعلام العالمي وترددت أصداء فوزه في كل مكان. وقد تكون مجلة «دير شبيغل» قد ساهمت عن غير قصد في تحويله إلى «نجم» بعدما وضعته على غلافها قبل الانتخابات، في صورة تثني عليه مع عنوان «أخطر رجل في ألمانيا»، ولكن من دون مضمون يعكس العنوان. زيغموند، نفسه، استغل ذلك لينشر صوراً له مع المجلة مبتسماً، والحزب اشترى كل الأعداد ليوزّعها على مؤيديه الذين بدأوا يصطفون في تجمّعاته حاملين المجلة للحصول على توقيعه.

وعندما سئل زيغموند أخيراً عن مشاركته في اللقاء قبل سنتين في سؤال عابر ضمن مقابلة مع مجلة «بوليتيكو» أخيراً، قلّل القيادي اليميني المتطرف من أهمية اللقاء، منتقداً في المقابل الصحافة التي زعم أنها «ضخّمت القصة!». أيضاً رفض زيغموند وصفه بـ«رجل متطرّف خطير»، مدّعياً أنه «شخص عادي يقلق على بلده، ويريد بلداً أفضل له ولعائلته وأولاده». وأردف: «ببساطة لا أستطيع أن أقف على الحياد في حين أشاهد بلدي يتطوّر بهذا الشكل السلبي وبسرعة». ولكن رغم إنكار الحزب تبنّي السياسات التي ناقشها الاجتماع السرّي، فإن الحملة الانتخابية في سكسونيا-أنهالت، التي قادها زيغموند وأوصلته إلى الفوز، أثبتت أن «البديل من أجل ألمانيا» تبنّى الكثير منها، ثم إن تعبير «إعادة الهجرة»، الذي استُخدم للمرة الأولى في ذلك الاجتماع السرّي، أصبح شعار الحزب العلني؛ فزعيمته أليس فايدل، التي تحظى بإعجاب «أغنى رجل في العالم» إيلون ماسك، تكرّر أنه يجب إعادة كل السوريين إلى بلدهم. والحزب أيضاً استخدم التعبير مراراً في بيانه الانتخابي في ولاية سكسونيا-أنهالت الذي امتد على أكثر من 140 صفحة. وفيه يتعهد الحزب بإلغاء المشاريع المموّلة من الحكومة والمخصّصة لدمج المهاجرين، وإلغاء مسؤولي ومفوّضي الدمج وإبدال «مفوضي إعادة الهجرة» بهم.

نشأة زيغموند وتدرّجه

وُلد أولريش زيغموند عام 1990 في بلدة هافلبرغ بولاية سكسونيا-أنهالت لعائلة كاثوليكية. وهو متزوّج من يوليا، التي تعمل مدرّسة، ولديهما ابنة، ويعيشان في بلدة تانغرمونده القريبة من مكان ولادته في هافلبرغ.

في بدايات حياته المهنية، تلقى زيغموند تدريباً في تجارة الجملة والتجارة الخارجية، وأسّس شركة عطور عام 2014. وتخرّج لاحقاً عام 2016 في جامعة هامبورغ ببكالوريوس في العلوم الإدارية وعلم النفس الاقتصادي.

وعام 2017 هجر زيغموند الكنيسة الكاثوليكية بسبب «دورها السياسي المشين» بحسب زعمه. وللعلم، تدافع الكنيسة الكاثوليكية عن اللاجئين بشكل مستمر، وتفتح أبوابها للذين تصدر بحقهم طلبات ترحيل.

وقبل الانتخابات التي فاز بها حزب «البديل من أجل ألمانيا» في سكسونيا-أنهالت، حذّرت الكنيسة الكاثوليكية في ماغدبورغ، عاصمة الولاية، من التصويت للحزب. وعلّقت لافتات ضخمة على الكاتدرائية وسط المدينة تذكّر فيها بالأخلاق المسيحية، وتدعو إلى التصويت «بضمير»، ومما كتبت: «أَحِب جارك، الحوار، الكرامة الإنسانية، التضامن، صوّت بضمير!». وبعد فوز الحزب المتطرف، أعرب مطران الكاتدرائية، إلى جانب الكنيسة البروتستانتية، عن صدمته وقلقه الكبير من زيادة الانقسام في المجتمع.

العداء للهجرة واللاجئين

من ناحية أخرى، مع أن زيغموند وُلد وكبر في ريف سكسونيا-أنهالت، حيث أعداد اللاجئين ضئيلة، فهو بنى شعبيته في الولاية على مهاجمة اللاجئين وسياسات الحكومة الفيدرالية «وسخائها» في المعونات المقدّمة لهم، مدّعياً أنه يعبر عن مشاعر أبناء الولاية. وهو دائماً يكرّر في مقابلاته أن الشوارع في ألمانيا «لم تعُد آمنة»، ويزعم أن طفولته في المقابل كانت «مليئة بالحرية... وكان بإمكانك اللعب بأمان في الشوارع ليلاً». ومن ثم، يقول إن هذه ألمانيا التي يريد إعادتها. بالطبع، هو يلمِّح إلى مسؤولية اللاجئين والمهاجرين عن جعل الشوارع أقل أماناً.

في المقابل، رغم تسخيف حزب «البديل من أجل ألمانيا» التهم الموجّهة إليه بأن بعض أفكاره تحمل صدى النازية، فإن زيغموند نفسه تكلّم عن «استخدام القوة» لتنفيذ خطط «إعادة المهاجرين».

وعندما سئل عن موقفه من خطط فتح مصنع سلاح في الولاية، قال إنه لا يعارض الفكرة، مضيفاً: «سنحتاج بطبيعة الحال إلى الموارد اللازمة لحملة إعادة الهجرة والترحيل اللاحقة، وهذا يصب في مصلحة الأمن الداخلي واستقرارنا الذاتي والدفاع الوطني»، ثم عاد ليوضح لاحقاً أن «المصنع سيصنع أيضاً المعدات والآليات ووسائل تكنولوجية وغيرها لتستخدمها القوات المسلحة الألمانية والشرطة والسلطات الأمنية». ولكن الشركة التي يتكلم عنها شركة تصنيع أسلحة إسرائيلية متخصصة فقط في تصنيع تكنولوجيا عسكرية وأنظمة دفاع وآليات مدرعة، ولا علاقة لها بتصنيع معدات للشرطة.

على خطى أبيه

في الحقيقة، لا يحمل «أولي» زيغموند أفكاراً بعيدة عن أفكار عائلته؛ فوالده يعمل لدى أحد نواب حزب «البديل من أجل ألمانيا»، وهو ما دفع كثيرين لاتهامه وأعضاء في الحزب بالمحسوبية. ومثل معظم المنتمين إلى اليمين المتطرف، يتشكك زيغموند من الإعلام، ويتكلم عن خطط لـ«إصلاحه»، وإقفال القناة الرسمية المموّلة من أموال دافعي الضرائب في الولاية. وعوضاً عن ذلك، يترافق بشكل شبه عام مع «مؤثرين» على «يوتيوب» يحملون أفكاراً يمينية متطرفة، يروّجون له وينتقدون الإعلام المهني.

ويدعو برنامج الحزب إلى وقف توظيف الأجانب حتى في الوظائف المتخصصة، في مقابل إعداد خطط لإعادة جذب الألمان الذين هاجروا لملء تلك الوظائف.

وعن طلاب المدارس من أبناء المهاجرين أو المتحدّرين من أصول مهاجرة، يقول إنه يريد فصلهم في صفوف خاصة، والإحجام عن دمجهم مع الطلاب الألمان، وبدلاً من ذلك تعليمهم بمناهج بلدهم الأصلي، وبواسطة أساتذة مهاجرين، إذا أمكن، وذلك «تمهيداً لترحيلهم إلى بلدانهم» عندما تسمح الظروف بذلك.


ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
TT

ولاية سكسونيا ــ أنهالت تتأهب لتحالف متطرفي اليمين واليسار

سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)
سوق في ماغدبورغ عاصمة سكسونيا-أنهالت (أ.ب)

يدخل أولريش زيغموند زعيم التنظيم المحلي لحزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية سكسونيا-أنهالت الألمانية مفاوضات مع حزب «تحالف زارا فاغنكنيشت» الشعبوي اليساري المتطرف لتشكيل حكومة جديدة للولاية، وذلك بعدما تبين أن هذا الحزب كان الوحيد الذي وافق على التفاوض مع الحزب اليميني لتشكيل حكومة.

تلاقى الحزبان المتطرفان - يميناً ويساراً - بأفكارهما حول تشديد الهجرة وإعادة العلاقات مع روسيا. وبالتالي، يأمل زيغموند أن يصبح قريباً أول رئيس حكومة ولاية ينتمي لحزب متطرف في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

خطط الحزب تمتد إلى المناهج التعليمية التي يريد تعديلها لكي تخفّف التركيز على الشعور بالذنب الذي يلاحق الألمان بسبب ما ارتكبوه أيام النازيين، وإعادة توجيهها بحيث تركز على «الوطنية والجوانب الإيجابية».

ولا يتردد زيغموند نفسه في الكلام عن ذلك؛ إذ ينتقد فكرة أن النازيين ارتكبوا «أعظم جريمة ضد الإنسانية في التاريخ»، ويقول إن ما يبدو إنكاراً للمحرقة النازية، وهي جريمة يعاقب عليها القانون الألماني، «لا أدعي القدرة على الحكم على ذلك؛ لأنني لا أستطيع تقييم البشرية جمعاء». ويضيف: «أرى أن هذا التفسير مبالغ فيه للغاية ومنفصل تماماً عن الواقع، فبالنسبة لي من المهم التطلع إلى المستقبل لا النظر إلى الماضي. وبالطبع يجب علينا دائماً أن نتعلم من التاريخ، ليس فقط من جوانب محددة منه، بل من التاريخ ككل».

أفكار زيغموند هذه نجح في إيصالها إلى أعداد كبيرة من مؤيديه من خلال متابعيه على شبكات التواصل الاجتماعي التي ينشط عليها بشكل كبير، خاصة على منصتَي «تيك توك» و«إنستغرام» اللتين يتابعه عليهما أكثر من 600 ألف شخص، ما يجعله من ثم السياسي الألماني الأكبر شعبية على المنصتين، ثم إنه غالباً ما ينشر صوراً له تظهره «واحداً من الشعب»، في نقيض للسياسيين المنتمين للأحزاب الأخرى.

بداية مشوار زيغموند مع التطرف غير واضحة، ولكن على الأرجح أنه كان دائماً يحمل أفكاراً متطرفة تطوّرت مع الوقت لتطول اللاجئين والمهاجرين. بداياته السياسية تظهر أنه بدأ مشواره عندما كان يبلغ 19 سنة مع أكثر الأحزاب محافظةً آنذاك، وهو حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، الذي يتزعمه اليوم المستشار الألماني فريدريش ميرتس.

في حينه، لم يكن حزب «البديل من أجل ألمانيا» قد أُسس بعد، ولم تكن هناك أحزاب على يمين الديمقراطيين المسيحيين، ولكن بعد تأسيس «البديل من أجل ألمانيا» عام 2013، انضم زيغموند للحزب عام 2015.