المكتبة الوطنية الفرنسية... قبو يحوي كنوزاً مخبأة

تفتح أبوابها مجدداً بعد 12 عاماً

قاعة «سال أوفال» الذي يعد جوهرة معمارية أعيد تصميمها الآن كقاعة قراءة عامة مفتوحة للجميع (أ.ف.ب)
قاعة «سال أوفال» الذي يعد جوهرة معمارية أعيد تصميمها الآن كقاعة قراءة عامة مفتوحة للجميع (أ.ف.ب)
TT

المكتبة الوطنية الفرنسية... قبو يحوي كنوزاً مخبأة

قاعة «سال أوفال» الذي يعد جوهرة معمارية أعيد تصميمها الآن كقاعة قراءة عامة مفتوحة للجميع (أ.ف.ب)
قاعة «سال أوفال» الذي يعد جوهرة معمارية أعيد تصميمها الآن كقاعة قراءة عامة مفتوحة للجميع (أ.ف.ب)

العرش البرونزي للملك داغوبيرت، وقطع الشطرنج العاجية لشارلمان، النوت الموسيقية لأوبرا «دون جيوفاني» المكتوبة بخط اليد لموتسارت، ومجسم للكرة الأرضية يعود للقرن السادس عشر - استخدمت فيه كلمة «أميركا» للمرة الأولى.
هل كل هذا في مكتبة؟ نعم، لكنها ليست كأي مكتبة، إذ تنتمي هذه الأعمال إلى «مكتبة فرنسا الوطنية». فبعد اثني عشر عاماً أنفق خلالها 261 مليون يورو (أكثر من 256 مليون دولار) على التجديدات، أعيد افتتاح المكتبة الوطنية للبلاد في قلب باريس لتعرض أكثر من 900 كنز من كنوزها.


الدرج الجديد من الصلب والألمنيوم بالمكتبة الوطنية (رويترز)

افتتحت رئيسة الوزراء إليزابيث بورن، الموقع، رسمياً، في حفل أقيم في سبتمبر (أيلول) حضره الكثيرون من الطبقة المثقفة الحاكمة في باريس. «تحيا المكتبة الوطنية الفرنسية»، «تحيا الجمهورية»، «تحيا فرنسا»، هكذا هتفت رئيسة الوزراء في كلمة ألقتها أمام وزرائها، ومديري المتاحف، والكتاب، والفنانين وغيرهم.
النخبة المثقفة هنا لا تعبر عن مشاعرها بسهولة. فحتى الابتسام يمكن أن يكون صعباً ونادراً وبحساب. لكن عند رؤية مجموعة الأعمال المحببة عن كثب، اندفع الجميع في التعبير عن انبهارهم بما يرونه.
«هائل، مجنون»، كانت تلك هي الكلمات التي جاءت على لسان جيروم كليمان، مؤسس قناة «أرت»، وهي قناة تلفزيونية أوروبية معنية بالثقافة.
وفيما كانت تقف مشدوهة لما تراه، قالت ماري كلود شار، المديرة الإعلامية السابقة بدار النشر الفرنسية «غاليمار» وأرملة الشاعر رينيه شار، وهي تتجول في «معرض مازارين» الغني بالمخطوطات، «يا لها من متعة أن تكتشف مخطوطة رواية (نوتردام) لفيكتور هوغو للمرة الأولى».


فضيات من العصر الروماني ضمن مجموعة تسمى «كنز بيرتوفيل» في المكتبة الوطنية بباريس (أ.ف.ب)

وفي معرض قريب، استخدم كريستوف ليريبولت، رئيس متحف «ميوزي دي أورسي»، جهاز «آيفون» الخاص به لتكبير الصور التي تعود إلى عهد لويس الرابع عشر، ووصف العرض بـ«بالغ الروعة».
حدق أدريان غوتيز، أحد مؤرخي الفن البارزين في فرنسا ومحرر مجلة «لوفر غراند غالاري»، في «حجر ماتشو» الأسود القديم من بابل، وهو أول قطعة منقوشة بالكامل بالخط المسماري تصل إلى أوروبا، وكان غوتيز حريصاً على عرضه لكل من مر إلى جواره. وقال «لقد عملت في المكتبة لسنوات عندما كانت القاعات مظلمة ومغبرة وكئيبة. لكن ثمة شعوراً رائعاً يسود المكان الآن».
تمتلك فرنسا مكتبة وطنية تعود للقرن السادس عشر، ويعود الجزء الرئيسي من هذا الموقع الذي يحمل اسم «المكتبة الوطنية الفرنسية» بمبنى «ريشيليو» - المبني على مساحة 624307 أقدام مربعة بالقرب من البورصة ومتحف اللوفر - إلى القرن الثامن عشر. عندما توسعت المكتبة في عام 1998 بافتتاح مزار فرنسوا ميتران على الجانب الآخر من نهر السين، جرى تخصيص مبنى «ريشيليو» للأقسام المتخصصة التالية: المخطوطات والمطبوعات، الصور الفوتوغرافية، والآثار والفنون المسرحية، والموسيقى، والخرائط، و600 ألف قطعة نقدية وميدالية.
إجمالاً، يحتوي مبنى «ريشيلو» على 22 مليون قطعة ووثيقة (من إجمالي 40 مليوناً في المكتبة) يعود تاريخها إلى العصور القديمة وحتى يومنا هذا. ويبلغ عدد المطبوعات والصور الفوتوغرافية وحدها 15 مليوناً.


رسومات لشاغال وماتيس وبيكاسو (أ.ف.ب)

جاء التجديد بمثابة انتصار للنور، حيث جرى فتح غرف تخزين لطالما كانت مغلقة ومظلمة، وأُنشأت ممرات جديدة تربط بين القاعات والغرف، وجرى تركيب أبواب زجاجية ونوافذ كبيرة.
ولدى سؤاله عن عمليات التجديد، قال لورانس إنجل، مدير المكتبة، «نريد أن نثبت أن المكتبة الوطنية ليست مكاناً ميتاً، بل هي مكان للمفاجآت والاكتشافات والأحلام».
الطابق العلوي أصبح متحفاً يمكن الوصول إليه من خلال درج ضخم من الفولاذ والألمنيوم يمثل العمود الفقري للموقع. ويستطيع الزائر أن يرى المنحوتات القديمة وقد وضُعت في خزانات زجاجية، بحيث يمكنك رؤيتها من كل جانب، جنباً إلى جنب مع الميداليات واللوحات ذات الإضاءة الخلفية، والمجوهرات، والمنحوتات، والصور، والكتب والمطبوعات. يحتوي الموقع على ثاني أكبر مجموعة من المزهريات اليونانية القديمة بعد متحف اللوفر، وبعض أندر العملات المعدنية في فرنسا. هناك أيضاً أزياء، وبالطبع مخطوطات معرض «مازارين غالاري»، التي سيجري تدويرها كل أربعة أشهر لتجنب الضرر الناجم عن التعرض للضوء.
يعد معرض «مازارين غالاري» الأكثر لفتاً للانتباه في المتحف، حيث يبلغ طوله حوالي 150 قدماً، وتم افتتاحه قبل 40 عاماً من إنشاء «قاعة المرايا» في فرساي (1684). وقد استوحى سقفه من كتاب «Metamorphoses»، أو «التحولات» للشاعر الروماني أوفيد.


العرش البرونزي للملك داغوبيرت (أ.ف.ب)

كيف لك ألا تشعر بالإثارة عندما ترى الصفحات الأصلية المكتوبة بخط اليد من مذكرات جياكومو جيرولامو كازانوفا، مقامر القرن الثامن عشر والمحتال، الدبلوماسي، والمحامي، والجندي، والباحث عن المتعة؟ أو عندما ترى صفحة من كتاب مارسيل بروست المكون من سبعة مجلدات الذي يحمل عنوان «بحثاً عن الوقت الضائع»، الذي كانت أغلب كلماته إما مخدوشة أو أعيد كتابتها، التي يراها الكثيرون شاهداً على حالة التردد وعدم اليقين التي عاشها صاحبها، وكذلك سعيه الدائم للتميز؟
تتضمن المخطوطات الأخرى أعمالاً قيمة مثل كتاب القرن الثالث عشر الغني بالصور «مزامير سانت لويس»، وكتاب «الجنس الثاني» لسيمون دي بوفوار، وعشرات الكتب لسترافينسكي، ومطبوعات أصلية بدءاً من رامبرانت إلى بيكاسو، ورسومات للفنانة الفرنسية سونيا ديلوناي، وصور فوتوغرافية لنادار وروبرت كابا، ونقوش لماتيس، وإحدى كتابات غوتنبرغ الإنجيلية، وخريطة لباريس نُشرت قبل ثورة 1789، جميعها محفوظة بحالة جيدة، وتحكي الشاشات الرقمية التفاعلية بعض قصصها.
لا يزال الطابق الأرضي مكتبة، كما كان دائماً، في عام 1936، تم تخصيص قاعة «سال أوفال» الذي يعد جوهرة معمارية لفترة طويلة للعلماء والطلاب، وأعيد تصميمها الآن كقاعة قراءة عامة مفتوحة للجميع، دون أي اشتراك أو رسوم، وذلك للمرة الأولى (رسم زيارة المتحف في الطابق العلوي 10 يورو). توفر القاعة مقاعد وطاولات تتسع لـ160 شخصاً، ومنطقة للأطفال بها مناضد وكراسٍ مريحة، والمكان مزود بشاشات تفاعلية و20 ألف عمل متاح للجمهور.
للقاعة حالياً مدخلان، الأول في 58 شارع ريشيليو (للمجموعات) والثاني: 5 شارع فيفيان (للأفراد). وجرى زراعة حديقة على جانب شارع «فيفيان» بأنواع مستوحاة من كتب التاريخ، حيث اشتملت على ورق التوت، ورق البتولا، والنخيل الصيني.
الجدير بالذكر أنه تم افتتاح مقهى صغير، تديره شركة «روز بيكري» في الطابق الأرضي، وإلى جواره مكتبة وقاعة، وهناك غرفة بروفة وخمس غرف قراءة متخصصة في الطابق العلوي.
تفخر المكتبة بالدعم المالي المقدم من المانحين الأميركيين الذين ساهموا بثلث التبرعات الخاصة. وبلغت أكبر هدية أميركية (1.2 مليون يورو) قدمها رجل الأعمال وفاعل الخير مارك بيجوت. وتشمل الجهات المانحة الأخرى «مؤسسة ليون ليفي» و«جمعية التراث الفرنسي».
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

العلم يفكّ شفرة الشعور بالوحدة لدى الحيوانات

حتى الحيوانات لا تحتمل الوحدة (شاترستوك)
حتى الحيوانات لا تحتمل الوحدة (شاترستوك)
TT

العلم يفكّ شفرة الشعور بالوحدة لدى الحيوانات

حتى الحيوانات لا تحتمل الوحدة (شاترستوك)
حتى الحيوانات لا تحتمل الوحدة (شاترستوك)

لا يقتصر الشعور بالوحدة على الإنسان فحسب، إذ توصَّل العلماء، بعد دراسات استمرَّت نحو 10 سنوات، إلى أنّ الحيوان أيضاً يتوق إلى الصحبة الاجتماعية، وأنّ هذا الأمر ليس مسألة هامشية، وإنما هو حاجة أساسية وراسخة في النفس الحيوانية.

وربما يختلف قدر التواصل الاجتماعي المطلوب من فصيلة حيوانية إلى أخرى، بل ومن فرد إلى آخر داخل الفصيلة الواحدة، ولكن هذه القاعدة تسري على غالبية الفصائل الحيّة، من الطيور والقرود إلى الأسماك، بل والحشرات أيضاً، مثل الصراصير.

ونقلت «وكالة الأنباء الألمانية» عن اختصاصية طب الأعصاب في معهد سالك للدراسات البيولوجية في كاليفورنيا، الباحثة كاي تاي، قولها إنّ الإنسان قد يشعر بالوحدة خلال وجوده في حفل، مثلاً، وقد لا يشعر بأي ضيق خلال جلوسه وحيداً في مكتبه.

وترى أنّ التوازن بين درجة العزلة والصحبة الاجتماعية موجود أيضاً في عالم الحيوان، مضيفة، في تصريحات لموقع «نوبل ماغازين» المتخصّص في البحوث العلمية، أنّ العلماء يبحثون داخل المخ عن الجزء المسؤول عن هذا التوازن، أملاً في التوصل إلى نتائج تصبّ في خدمة البشر الذين يعانون الوحدة.

ويرى الباحث في مجال علم الأحياء التطوّري بجامعة كامبريدج، تيم كلوتون بروك، أنّ هناك عوامل عدّة تتحكم في التوازن بين الرغبة في الصحبة أو العزلة الاجتماعية خلال عملية نشوء الأنواع الحيوانية وارتقائها. فقد يرتبط هذا التوازن بالبحث عن الدفء خلال الحياة في المناطق الباردة، وقد تكون له علاقة بالبحث عن الغذاء، إذ إنّ المجموعة قد تصل إلى الغذاء بشكل أسهل من الفرد.

وقد يقترن حبّ الصحبة الاجتماعية بالرغبة في الحماية من الافتراس، مثلاً، أو طلب المساعدة في تربية الصغار لدى الإناث.

ويقول إنّ «التعامل مع الجيران» يُعدّ من العوامل المهمّة في تحديد درجة التواصل الاجتماعي بين أفراد الجماعة الحيوانية الواحدة. فحيوان السُّرقاط، مثلاً، يعيش في جماعات لديها نزعة للسيطرة على مناطق نفوذ خاصة بها، وبالتالي، عندما ينفصل أحد هذه الحيوانات عن مجموعته، فإنه يُصاب بحالة انزعاج واضحة، ويبدأ عملية بحث مستمرّة عن أقرانه، مضيفاً أنّ هذه الحيوانات «تشعر بقلق شديد من الوحدة».

بين العزلة والرفقة... يبحث الدماغ عن توازنه (شاترستوك)

وأثبتت الدراسة أنّ للوحدة عواقب وخيمة على الصحة العقلية والبدنية للفرد. فعندما يعيش البشر بمفردهم لمدّة طويلة، تتزايد احتمالات إصابتهم بالمرض والوفاة المبكرة، كما تبيَّن أن إناث الفئران تتزايد احتمالات إصابتها بالسرطان في حالة عزلها بمفردها بعيداً عن باقي أفراد الجماعة.

وتوصَّلت الباحثة كاي، في دراسة تعود إلى عام 2016، إلى أن خلايا عصبية معينة في جذع المخّ تنشط عندما يتم عزل بعض الفئران الذكور، ثم جمعها مجدّداً بفئران أخرى في اليوم التالي.

وعندما تدخَّل العلماء لوقف نشاط هذه الخلايا، كانت الفئران تُصاب بحالة من التحفُّظ تجاه غيرها. وعلى العكس، عندما أعاد الباحثون تنشيط عمل هذه الخلايا، أصبحت فئران التجارب أكثر رغبة في البحث عن الصحبة.

وتيقّن الباحثون من خلال هذه التجربة من وجود ركيزة خليوية وراء التحكم في التوازن الاجتماعي.

وعام 2019، طرحت كاي وزميلها جيليان ماثيوز فرضية علمية مفادها أنّ الخلايا العصبية في جذع المخّ تؤدّي دورَ «منظِّم الحرارة الاجتماعي» للفرد، بمعنى أنّ هذه الخلايا تحدد مقدار التواصل الاجتماعي اللازم كي يكون الحيوان في أفضل حالاته، على غرار درجة الحرارة المثالية للجسم البشري، البالغة 37 درجة؛ فإذا ارتفعت، يتصبب الإنسان عرقاً، وإذا انخفضت، يُصاب بالرعشة والبرودة.

وتوصل الباحثون أيضاً، في إطار هذه التجربة، إلى أنّ مخّ الفأر هو المُحرّك الرئيسي لسلوكه من أجل إيجاد التوازن الصحيح لنشاطه الاجتماعي.

وقد أجرت اختصاصية طبّ الأعصاب بجامعة هارفارد، الباحثة كاثرين دولاك، دراسة تناولت تأثير جزء آخر من المخ، وهو تحت المهاد، في النشاط الاجتماعي. ومن المعروف أنّ هذا الجزء يتحكم في الشعور بالجوع والعطش والرغبة في النوم، وهو المسؤول عن ضبط الشعور بالحاجة إلى تلبية الحاجات الأساسية للجسم.

وخلال دراسة نُشرت عام 2025، تبيَّن للباحثين أن هناك مجموعة معينة من الخلايا العصبية في منطقة تحت المهاد تنشط في حالة عزل فئران التجارب، وأنّ خلايا أخرى تنشط عندما تُعاد هذه الحيوانات إلى المجموعات التي تعيش بينها في المعتاد.

وعن طريق علم البصريات الوراثي للتحكم في نشاط الخلايا الحية، نشَّط الباحثون عمل الخلايا الخاصة بالعزلة خلال وضع الفئران في غرف معينة خلال التجربة، ثم نشّطوا عمل الخلايا الخاصة بالتواصل مع الآخرين خلال وضع الفئران في غرف أخرى.

وتبيَّن من التجربة، التي نشرتها الدورية العلمية «المراجعة السنوية لعلوم الأعصاب» عام 2026، أنّ الفئران تتجنب قضاء الوقت داخل الغرف التي تقترن بعملية العزلة، وتفضّل قضاء وقت أطول في الغرف التي ترتبط بالتواصل الاجتماعي.

وتقول دولاك في تصريحات لموقع «نوبل ماغازين»، إنه «من الواضح من التجربة أن الوحدة كانت تترك لدى الفئران شعوراً غير سارّ، تماماً مثل الشعور بالجوع، على سبيل المثال».

ربما خُلِقنا لنجد بعضنا (شاترستوك)

وترى تاي أنّ آلية التوازن الاجتماعي تتوزَّع بين مناطق عدّة داخل المخ، وأنّ عقول البشر والحيوان على السواء تحتاج إلى قياس هذا التوازن لتحديد درجة التواصل الاجتماعي المطلوبة لكلّ فرد، ثم انتهاج سلوكيات معينة للوصول إلى القدر اللازم من الصحبة الاجتماعية.

ويعتقد العلماء أنّ الخلايا العصبية التي تنظم هذه المسألة تتشابه لدى كل من البشر والقوارض، ومثل هذه التجارب قد تكون مفيدة في التوصّل إلى علاجات لبعض المشكلات النفسية المرتبطة بالوحدة، وتسليط الضوء على مخاطر بعض الظواهر المجتمعية، مثل السجن الانفرادي على سبيل المثال.


تكهّنات لا تتوقَّف حول زفاف تايلور سويفت وترافيس كيلسي

الغموض أيضاً يصنع العناوين (إنستغرام)
الغموض أيضاً يصنع العناوين (إنستغرام)
TT

تكهّنات لا تتوقَّف حول زفاف تايلور سويفت وترافيس كيلسي

الغموض أيضاً يصنع العناوين (إنستغرام)
الغموض أيضاً يصنع العناوين (إنستغرام)

تتزايد تكهّنات المعجبين ومراهناتهم بشأن تفاصيل حفل زفاف نجمة الغناء العالمية والفائزة بجائزة «غرامي» تايلور سويفت، واللاعب البارز في دوري كرة القدم الأميركية ترافيس كيلسي (كلاهما 36 عاماً)، في ظلّ استمرار الثنائي في التكتّم على خططهما الخاصة بالزفاف المُرتَقب، بدءاً من موقع إقامة الحفل، وصولاً إلى هوية وصيفات العروس.

وكانت سويفت وكيلسي قد أعلنا خطوبتهما عبر موقع «إنستغرام»، في أغسطس (آب) 2025. بعد علاقة استمرَّت عامين. ومنذ ذلك الحين، توالت التقارير والتكهّنات حول مكان إقامة الحفل، بما في ذلك توقُّع، في وقت مبكر من الشهر الحالي، بإقامته في منطقة ووتش هيل بولاية رود آيلاند؛ حيث تمتلك المغنّية الشهيرة منزلاً شاطئياً فاخراً تبلغ قيمته 17.75 مليون دولار.

ومع ذلك، قد لا يكون ذلك صحيحاً؛ إذ يُذكر أن الثنائي يستعدّ لعقد قرانه، في الثالث من يوليو (تموز)، داخل «ماديسون سكوير غاردن» بمدينة نيويورك، وفق تقارير نقلتها «إندبندنت».

ولم يؤكد أي من سويفت أو كيلسي علناً موقع الزفاف، كما اشتهرا بإبقاء خططهما طي الكتمان. ورغم ذلك، توجَّه المعجبون إلى منصة «كالشي» الإلكترونية، التي تُعدّ سوقاً للتوقّعات، من أجل تسجيل المراهنات بشأن ما يخطّط له الثنائي الشهير.

ومنذ 24 يونيو (حزيران)، راهن 76 في المائة من المشاركين على منصة «كالشي» على أنّ سويفت وكيلسي سيتزوّجان في نيويورك، في حين توقَّع نحو 22 في المائة إقامة الحفل في رود آيلاند.

أما ولاية بنسلفانيا؛ حيث وُلدت مغنية «لوف ستوري»، فلم تحظَ سوى بنسبة 6 في المائة من التوقّعات.

كذلك يراهن المعجبون على قائمة المدعوّين، إذ توقَّع 92 في المائة من المُشاركين حضور زميل كيلسي في فريق «كانساس سيتي تشيفز»، النجم باتريك ماهومز. وفي الوقت نفسه، يُراهن أكثر من 89 في المائة على حضور الصديقتين المقرَّبتين لسويفت، الأختين ألانا هايم وإستي هايم، اللتين جلستا إلى جانبها خلال المباراة الرابعة من نهائي دوري كرة السلة الأميركي للمحترفين في وقت سابق من هذا الشهر.

كلما ازداد التكتّم... اتّسعت الحكاية (إنستغرام)

وتبدو احتمالات حضور المنتج الموسيقي والمتعاون الدائم مع سويفت، جاك أنتونوف، مرتفعة أيضاً، إلى جانب الفنانتين سابرينا كاربنتر وغرايسي أبرامز، اللتين شاركتا في افتتاح حفلات جولة «إيراس تور»، فضلاً عن صديقتها المقرَّبة سيلينا غوميز. وخلال دعمها لكيلسي في مباريات فريقه، أصبحت سويفت صديقة لبريتاني ماهومز، زوجة باتريك ماهومز، ويتوقَّع 89 في المائة من المشاركين حضورها الزفاف.

كذلك توقَّع أكثر من 83 في المائة أن تكون صديقة سويفت منذ الطفولة، أبيغيل أندرسون، ضمن فريق وصيفات العروس. ويراهن المعجبون أيضاً على أنّ صديقتها المقرَّبة آشلي أفيغنون، إلى جانب غوميز واستي وألانا وكايلي كيلسي، شقيقة خطيبها، سيكنَّ ضمن وصيفات العروس.

والشهر الماضي، سرَّبت مصادر عدّة تفاصيل مزعومة عن حفل زفاف سويفت وكيلسي، من بينها اختيار «ماديسون سكوير غاردن» موقعاً للحفل. ويقع الصرح الشهير عالمياً في منطقة ميدتاون مانهاتن، أعلى محطة «بن ستيشن»، ويضمّ مداخل ومخارج متعدّدة، وهو ما قد يكون أحد أسباب اختيار الثنائي لهذا الموقع، وفق التقارير.

ونقلت منصة «بيدج سيكس» الإعلامية عن أحد المصادر قوله إن «الخصوصية كانت الأولوية القصوى بالنسبة إلى كليهما». وأضاف المصدر أنّ الضيوف قد يُنقلون إلى الموقع عبر حافلات ذات نوافذ معتمة، للحفاظ على السرّية والخصوصية.

والأسبوع الماضي، بدا أنّ عمدة مدينة نيويورك، زهران ممداني، يؤكد التقارير التي تفيد بأن سويفت وكيلسي سيتزوّجان في المدينة، الشهر المقبل.

وقال ممداني، خلال مؤتمر صحافي خُصص لمناقشة استعدادات المدينة لمباراة كأس العالم المقرَّرة في 5 يوليو (تموز)، على ملعب «ميتلايف ستاديوم» في إيست راذرفورد بولاية نيوجيرسي: «نحن أكبر مدينة في البلاد».

وأضاف: «نعلم أنّ ذلك يتزامن مع الرابع من يوليو (تموز)، واحتفالات مرور 250 عاماً على تأسيس الولايات المتحدة، وزفاف تايلور سويفت، وكلّ ذلك يحدث في الوقت نفسه»، مؤكداً ثقته الكاملة في قدرة شرطة نيويورك على توفير «تجربة آمنة» خلال عطلة نهاية الأسبوع الممتدة 3 أيام، لكنه لم يكشف عن الموقع المحدد للزفاف.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» لاحقاً بأنه جرى طلب تصريح إلى سلطات مدينة نيويورك لإغلاق الشوارع المحيطة بـ«ماديسون سكوير غاردن» من 2 يوليو (تموز) حتى منتصف نهار 4 يوليو (تموز)، من أجل فعالية مقرَّرة في 3 يوليو، وذلك وفق 3 مصادر، وهو ما يعزّز التكهنات بأنّ القاعة الشهيرة ستكون الموقع المختار لزفاف الثنائي.


استنفار في أوروبا بعد حر غير مسبوق

عامل يشرب ماء في موقع بناء بباريس أمس وسط ارتفاع الحر (أ.ب)
عامل يشرب ماء في موقع بناء بباريس أمس وسط ارتفاع الحر (أ.ب)
TT

استنفار في أوروبا بعد حر غير مسبوق

عامل يشرب ماء في موقع بناء بباريس أمس وسط ارتفاع الحر (أ.ب)
عامل يشرب ماء في موقع بناء بباريس أمس وسط ارتفاع الحر (أ.ب)

تشهد أوروبا حالة استنفار جراء موجة حر غير مسبوقة هي الثانية خلال أقل من شهر، وسط تحذيرات من مخاطر صحية على الفئات الضعيفة.

وسجلت فرنسا أعلى معدل حرارة في تاريخها الحديث، مع بلوغها 44.3 درجة مئوية في بعض المناطق. وتسبب ذلك في اضطرابات شملت إغلاقاً مبكراً لمعالم سياحية بارزة مثل برج إيفل ومتحف اللوفر، إضافةً إلى تعطيل بعض الأنشطة الاقتصادية والتعليمية.

كما شهدت دول أخرى، مثل إيطاليا وإسبانيا وبلجيكا وسلوفينيا، إجراءات استثنائية لمواجهة الحر. وفي بريطانيا، سُجّلت أعلى درجة حرارة لشهر يونيو (حزيران) على الإطلاق، مع صدور إنذارات حمراء وإغلاق مبكر لمئات المدارس.

ويؤكد العلماء أن التغير المناخي الناتج عن الأنشطة البشرية يزيد من شدة هذه الظواهر المناخية وتكرارها.