بول فيني... عشق أبدي للعلم... والشعر

رحيل آخر المفكرين الكبار في فرنسا

بول فيني
بول فيني
TT

بول فيني... عشق أبدي للعلم... والشعر

بول فيني
بول فيني

أخيراً رحل المؤرخ الفرنسي الشهير بول فيني عن هذا العالم. لقد رحل صديق ميشيل فوكو ورينيه شار وبقية المشاهير عن عمر مديد يناهز الـ92 عاماً. كلهم رحلوا وسبقوه إلى دار الخلود بزمن طويل. فوكو مات منذ عقود عام 1984 رغم أنه من جيله أو مجايله، وكذلك بيير بورديو عام 2002، ورولان بارت عام 1980، وجاك دريدا عام 2004... إلخ. كل الكبار ذهبوا ما عداه. كلهم رحلوا وبقي هو يتحدى الأيام والسنوات. إنه صديق الشاعر الكبير رينيه شار. ومعلوم أنه كان يمثل بين يديه بكل تواضع كتلميذ صغير وهو الأستاذ الكبير في «الكوليج دو فرانس»! ومعلوم أنها أعلى مؤسسة علمية في فرنسا: أعلى من السوربون. ولا يدخلها من الأساتذة إلا الكبار أو كبار الكبار. ولكن الجميع يتواضعون في حضرة الشعر والقصائد العبقرية. وفي حضرة رينيه شار شاعر فرنسا الأكبر في القرن العشرين لا يوجد كبار. من يستطيع أن يزاحم رينيه شار على الشهرة والمجد؟ إنه رامبو العصور الحديثة. وقد نتجت عن لقاءاته المتكررة مع شاعر فرنسا الأكبر مخطوطة كتاب مهم وممتع جداً: «رينيه شار في قصائده»... منشورات «غاليمار» 1995، وهذه أول مرة أجد فيها مؤرخاً أكاديمياً ضخماً مثل بول فيني مهتماً بالشعر إلى مثل هذا الحد. عادة الأكاديميون والأساتذة الجامعيون لا يهتمون بالشعر ولا بالأدب عموماً. هناك كثيرون ممن لم يقرأوا قصيدة واحدة في حياتهم. ولا يعرفون كيف يستمتعون بالشعر ولا يرون أي ضرورة لذلك. لماذا تضييع الوقت؟ وهؤلاء أساتذة جامعات واضرب واطرح!... ولكن بول فيني كان مهووساً بالعلم الرصين والشعر في آن معاً. وهنا تكمن مزيته الأساسية.
يقول متحدثاً عن رينيه شار في هذه المذكرات التي تروي قصة عمر طويل ومديد: قبل أن أغادر فرنسا إلى روما لمتابعة دراساتي الأكاديمية عن الحضارة الرومانية القديمة رغبت في رؤية الشاعر رينيه شار. أردت أن أقوم بزيارته كما يقوم الطالب الصغير بزيارة الكاتب الكبير. كنت أمجده، أعبد أشعاره وقصائده عبادة. لقد اكتشفت نصوصه لأول مرة في الثانوي. وقد أحسست بعبقريته الشعرية على الفور. كانت واضحة بالنسبة لي، كانت ساطعة سطوع الشمس. كنت قد قرأت ديوانه: «وحدهم يظلون»، مراراً وتكراراً. وحفظت الكثير من قصائده عن ظهر قلب. ولكن قبل زيارته في شقته الباريسية لم أكن أجهل أن رينيه شار لم يكن شاعراً فقط، وإنما كان أيضاً أحد أبطال المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي إبان الحرب العالمية الثانية. وبالتالي فهو مناضل كبير من أجل الحرية. ولذلك لقبوه: ديغول الشعر!
ثم يضيف بول فيني قائلاً: لقد راسلته ورجوته أن يحدد لي موعداً، وما كنت أتوقع أن يقبل. فأنا كنت آنذاك مجرد نكرة أو شخص مبتدئ. ولكني فوجئت بأنه قبل أن يستقبلني، ولمدة ساعتين متواصلتين... وتحدث لي في ذلك اللقاء عن أشياء كثيرة أخرى ما عدا الشعر! ثم يضيف المؤرخ الأكاديمي الشهير قائلاً: أعترف بأن رينيه شار هو أعظم شخصية كارزمية أتيح لي أن أراها في حياتي. كانت تحيط به هالة من الهيبة والعظمة لا تكاد تصدق. إنه يفرض نفسه عليك بشكل عفوي طبيعي ويسحقك سحقاً بشخصيته الجبارة دون أن يقصد ذلك أو دون أن يدري... ولذا قررت عندئذ ألا أراه بعد اليوم خوفاً من هذه الهالة الإشعاعية التي تحيط به، وخوفاً من أن يحتقرني أو يزدريني عندما يرى مدى انسحاقي أمامه. ولكني حنثت بهذا الوعد الذي قطعته على نفسي. وحسناً فعلت. فقد التقيته لاحقاً مراراً وتكراراً، بل وأكثر من مائة مرة! ولكن ذلك حصل بعد ثلاثين عاماً من اللقاء الأول: أي بعد أن أصبحت أستاذاً شهيراً في الجامعات الفرنسية، ولم أعد ذلك التلميذ الصغير الذي ألتقاه في بداية شبابه. وعن هذه اللقاءات العديدة المكثفة نتج الكتاب المذكور: «رينيه شار في قصائده». ولكن للأسف لم أنشر الكتاب إلا بعد موته عام 1988، وبالتالي فلم يتح له الاطلاع عليه أو رؤيته في حياته. قال له رينيه شار مرة: لا ينبغي أن نبني أوهاماً كثيرة عن الشاعر. الشاعر إنسان كبقية البشر. ولا يصبح شاعراً إلا في لحظات معينة عندما يختلي بنفسه وتهيج هوائجه وتجيئ القصيدة... عندئذ يصبح شاعراً حقاً ولكن بقية اليوم فهو إنسان عادي وربما أقل من عادي. لا يمكن أن تكون شاعراً طيلة الوقت يا بول فيني. مستحيل. هذه صورة خاطئة عن الشعر والشعراء.
ثم يصفه بول فيني على النحو التالي: كان رينيه شار كريماً إلى أقصى الحدود، وكان جذاباً إلى أقصى الحدود. ولكن العيش معه كان شيئاً مستحيلاً لا يطاق تقريباً. لماذا؟ لأن انفجارات غضبه كانت مشهورة كالرعد القاصف وتتطلب ساعات لكي تهدأ. ولكنه بعدئذ كان يعود إلى طبيعته الجميلة إنساناً سمحاً طيباً. لم يكن رينيه شار إنساناً شريراً ولا خبيثاً أبداً رغم عواصف الغضب التي قد تعتريه. وإنما كان العكس تماماً. وأما على المستوى الشكلي فقد كان ضخماً عملاقاً مثل ديغول. ولذلك أيضاً لقبوه بـ«ديغول الشعر» كما ذكرنا آنفاً.
أما عن ميشيل فوكو، الذي كان من جيله (1926 - 1984) وصديقه الحميم حتى نهاية حياته، فيقول عنه بول فيني ما معناه: كنت الشخص الوحيد «غير الشاذ جنسياً» من بين أصدقائه الخلص. ما عدا ذلك كلهم كانوا مثليين مثله. وكان يستقبلني في شقته الباريسية الفخمة عندما أجيء إلى العاصمة قادماً من الجنوب الفرنسي. وذلك لأني ظللت أسكن في منطقتي الأصلية وأعيش في قرية صغيرة بعيداً عن ضجيج العواصم. ولم أسكن باريس ولم أستقر فيها أبداً. ولكني كنت مضطراً للمجيء إليها لإلقاء دروسي في «الكوليج دو فرانس». وعندئذ كنت أنزل عنده ويقدم لي الطعام والشراب مجاناً. كنت ضيفاً معززاً مكرماً في شقته الرائعة الواقعة في وسط باريس. والواقع أنه كان شهماً وكريماً جداً أيضاً مثل رينيه شار. ولكن مشكلته أنه كان ينتمي إلى التيار الشكوكي الارتيابي في الفلسفة. كان يقول لي مثلاً ما يلي: انظر إلى الوراء يا بول فيني، انظر إلى التاريخ، إلى الماضي. ماذا تلاحظ؟ تلاحظ أن ماضي البشرية كله ليس إلا «مقبرة ضخمة من الحقائق الميتة». بمعنى أن ماضي البشرية ما هو إلا سلسلة متلاحقة من المعايير المختلفة واليقينيات المتغيرة من عصر إلى عصر. فما كان سائداً في العصور الوسطى من حقائق ويقينيات أصبح باطلاً ولاغياً في العصور الحديثة. بمعنى أن ما هو حقيقة اليوم قد يصبح خطأ غداً ويتم تجاوزه. وهكذا دواليك... لقد وصلت الحياة مع الكائن البشري إلى مخلوق مقدر له أن يتيه ويخطئ إلى ما لا نهاية، دون أن يتوصل إلى حقيقة يقينية راسخة وثابتة.
ثم يعلق بول فيني على كلام فوكو قائلاً: إن فكر فوكو ليس إلا وصفاً لما اعتقده البشر ومارسوه كحقائق مطلقة في كل فترة من فترات تاريخهم. نقصد ما اعتقدوا أنه حقيقة عن الجنس مثلاً، أو الجنون، أو المراقبة والعقاب، أو أنظمة الحكم، إلخ... إنه وصف حيادي، موضوعي، بارد. وهذا يعني أن فوكو لم يكن يعتقد بإمكانية وجود ثوابت تاريخية. لا توجد حقائق ثابتة في نظره. وإنما فقط حقائق نسبية متغيرة من عصر إلى عصر. وهذا يعني أنه كان نسبوياً أو حتى عدمياً بمعنى من المعاني. ولكن هذا لا يعني أنه كان على صواب. قد يكون صحيحاً القول بأن تاريخ البشرية كلها ما هو إلا «مقبرة هائلة من الحقائق الميتة» ولكن ليس في كل المجالات. صحيح أن البشرية اعتقدت طيلة آلاف السنين أن الشمس هي التي تدور حول الأرض، وليس العكس، كما اكتشف كوبرنيكوس. وهذه حقيقة ضخمة هائلة أصبحت ميتة بعد أن كشف العلم الحديث عن أنها خاطئة تماماً. ولكنها طيلة العصور الوسطى كانت تفرض نفسها كحقيقة مطلقة لا يرقى إليها الشك. وصحيح أن العلم الحالي تجاوز أخطاء العلم السابق التي كانت بمثابة حقائق راسخة. كل هذا صحيح. ولكن في مجال القيم والأخلاق توجد ثوابت يقينية لا حقائق ميتة. ويوجد صح/ وخطأ، وحق/ وباطل، وحقيقة/ وأكذوبة، إلخ. ولا يمكن الشك مثلاً في أن الجنس الطبيعي بين الرجل والمرأة أفضل من الجنس المثلي الشذوذي. هذه حقيقة أنتربولوجية، أي إنسانية كونية، منذ بدء الخليقة وحتى اليوم. هذه حقيقة لا تتغير ولا تتبدل بتغير العصور والأزمان يا سيد ميشيل فوكو.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

نجم عملاق يقترب من نهايته... هل نشهد انفجاراً كونياً وشيكاً؟

تحوّل في اللون... وربما في المصير (المرصد الوطني لأثينا)
تحوّل في اللون... وربما في المصير (المرصد الوطني لأثينا)
TT

نجم عملاق يقترب من نهايته... هل نشهد انفجاراً كونياً وشيكاً؟

تحوّل في اللون... وربما في المصير (المرصد الوطني لأثينا)
تحوّل في اللون... وربما في المصير (المرصد الوطني لأثينا)

أظهرت دراسة حديثة أنَّ أحد أضخم النجوم المعروفة على مستوى الكون مرَّ بتحولات دراماتيكية عام 2014، وربما يتهيَّأ للانفجار.

وكشفت الدراسة، التي أجراها غونزالو مونزو سانشيز من المرصد الوطني بأثينا، ونقلتها «الإندبندنت» عن دورية «نيتشر أسترونومي»، أنّ النجم العملاق «WOH G64» تحوَّل من عملاق أحمر إلى عملاق أصفر أكبر، الأمر الذي قد يكون مؤشّراً على انفجار مستعر أعظم وشيك.

وتوحي الأدلة المتاحة بأننا ربما نعاين، في الوقت الحقيقي، نجماً ضخماً يفقد طبقاته الخارجية، ويتقلَّص حجمه مع ارتفاع درجة حرارته، ويقترب من نهاية عمره القصير.

نجم فريد من نوعه

رصد العلماء «WOH G64» للمرة الأولى في سبعينات القرن الماضي، وبدا حينها نجماً مثيراً للاهتمام داخل «سحابة ماجلان الكبرى»؛ مجرّة قزمة تدور حول مجرّتنا «درب التبانة».

ومع الوقت، اتّضح أنّ هذا النجم لم يكن شديد اللمعان فحسب، وإنما كان أيضاً من أكبر النجوم التي اكتُشفت على الإطلاق، إذ يزيد نصف قطره على 1.500 ضعف نصف قطر الشمس.

عام 2024، أصبح «WOH G64» أول نجم خارج مجرّتنا يُصوَّر بتفاصيل دقيقة، بفضل مقياس التداخل التابع للتلسكوب العملاق جداً. وأظهرت الصورة غلافاً غبارياً واضحاً يحيط بالنجم العملاق المركزي، ممّا أكَّد أنه يفقد كتلته مع تقدّمه في العمر.

من العملاق الفائق إلى العملاق الهائل... يبقى الحجم ضخماً

يُعدُّ «WOH G64» نجماً فتياً في الكون الفسيح، ويُقدَّر عمره بأقل من 5 ملايين سنة. وعلى عكس شمسنا (البالغ عمرها حالياً نحو 4.6 مليار سنة)، فإنّ «WOH G64» مُقدَّر له أن يعيش حياةً قصيرةً ويموت في ريعان شبابه.

كأنَّ الكون يبدّل جلده (غيتي)

يُذكر أنّ «WOH G64» وُلد ضخماً، وتشكَّل من سحابة هائلة من الغاز والغبار انهارت حتى تسبب الضغط الهائل في اشتعالها. ومثل شمسنا، كان من المفترض أن يحرق الهيدروجين في نواته من خلال الاندماج النووي.

وفي وقت لاحق، يتمدَّد ويحرق الهيليوم، ليُصبح ما يُسمى بالعملاق الأحمر الفائق.

يُذكر أنه ليست جميع النجوم العملاقة الفائقة تتحوَّل بالطريقة نفسها. وقد طُرحت نظرية مفادها أنَّ هذه النجوم تتشكَّل عندما تحترق النجوم الضخمة بسرعة وتتطوَّر من حرق الهيدروجين إلى حرق الهيليوم.

وخلال هذا التحوُّل، تبدأ النجوم في فقدان طبقاتها الخارجية، في حين تنكمش نواتها نحو الداخل. وبمجرَّد أن يُصبح النجم عملاقاً فائقاً، فإنه يكون مُقدَّراً له أن يموت سريعاً في انفجار مستعر أعظم.

ما الذي يتسبَّب بهذا التغيير الملحوظ في «WOH G64»؟

إذن، ماذا حدث لـ«WOH G64» خلال عام 2014؟ تقترح الدراسة الجديدة أنّ جزءاً كبيراً من سطح النجم العملاق الأصلي قد قُذف بعيداً عنه. وقد يكون ذلك نتيجة تفاعلات مع نجم مرافق، وهو ما دعمه الباحثون من خلال دراسة طيف الضوء الصادر عن «WOH G64».

وثمة نظرية أخرى في هذا الصدد تفيد بأنَّ النجم على وشك الانفجار. نعلم أنَّ النجوم بهذا الحجم ستنفجر حتماً، لكن من الصعب تحديد موعد حدوث ذلك بدقة مسبقاً.

ويتمثَّل أحد السيناريوهات المُحتملة في أنَّ التحوُّل الذي نشهده ناتج عن مرحلة «الرياح العملاقة» التي تسبق انفجار المستعر الأعظم. ويُفترض أنَّ هذه المرحلة تحدث بسبب نبضات داخلية قوية مع استهلاك الوقود في النواة بسرعة.

وحده الزمن كفيل بالإجابة

تعيش معظم النجوم لعشرات الملايين أو حتى لعشرات المليارات من السنوات. ولم يكن من المُسلَّم به قط أن نشهد هذا الكم الهائل من التحوّلات في نجم ونوثّقه، فضلاً عن نجم خارج مجرّتنا.

الزمن وحده كفيل بتقديم الإجابة. وإذا حالفنا الحظ، فقد نشهد موت «WOH G64» في حياتنا، وهو ما سيوفِّر مشهداً مدهشاً بين المجرات، وسيساعد العلماء أيضاً على إكمال لغز هذا النجم الفريد.


«ميمو» يسبح مطمئناً في فنيسيا... وعلى البشر الحذر!

يسبح حيث تكثر المراوح كأنَّ الطمأنينة خيارٌ شخصي (رويترز)
يسبح حيث تكثر المراوح كأنَّ الطمأنينة خيارٌ شخصي (رويترز)
TT

«ميمو» يسبح مطمئناً في فنيسيا... وعلى البشر الحذر!

يسبح حيث تكثر المراوح كأنَّ الطمأنينة خيارٌ شخصي (رويترز)
يسبح حيث تكثر المراوح كأنَّ الطمأنينة خيارٌ شخصي (رويترز)

أفاد باحثون بأنّ دولفين الأنف الزجاجي، الذي يعيش عادةً في عزلة، قد تأقلم جيداً مع الحياة في مياه المدينة. ومع ذلك، تبقى هناك حاجة إلى إقرار ضوابط أشدّ صرامة على حركة القوارب وسلوك البشر.

ووفق «الغارديان»، أكد علماء إيطاليون يتولّون مراقبة تحركات دولفين داخل بحيرة فنيسيا أنّ البشر هم مَن يحتاجون إلى الإدارة، وليس الحياة البرّية.

وشوهد دولفين الأنف الزجاجي، المعروف باسم «ميمو»، في مناسبات عدّة منذ ظهوره الأول في يونيو (حزيران) الماضي، ممّا دفع فريقاً بحثياً من جامعة بادوفا إلى التحرُّك.

وفي الوقت الذي نجح الحيوان في بثّ السعادة في نفوس السياح والسكان بقفزاته البهلوانية، أطلق نشطاء حقوق الحيوان والبيئة حملة «أنقذوا ميمو»، وسط مخاوف من تعرُّضه للدهس بمراوح القوارب التي تعبر البحيرة المزدحمة ذهاباً وإياباً.

اليوم، نشر العلماء دراسة في دورية «فرونتيرز إن إيثولوجي»، توضح تفاصيل أنشطة المراقبة التي اضطلعوا بها وتحرّكات الدولفين على مدى أشهر.

من جهته، قال كبير مؤلفي الدراسة، غيدو بيترولونغو، وهو طبيب بيطري متخصّص في علم الأمراض البيئية في قسم الطب الحيوي المقارن وعلوم الأغذية بجامعة بادوفا: «نقدّم هنا حالة أحد أكثر الحيوانات جاذبية في إحدى أكثر المدن شهرة: دولفين وحيد في فنيسيا».

في بحيرة مزدحمة بالحركة... يسبح «ميمو» كأنه خارج الإيقاع (أ.ب)

وأضاف أنّ الملاحظات التي دوّنها الفريق وثَّقت «تكيُّف الحيوان المذهل مع بيئة غير مألوفة»، مع الإضاءة على «ضرورة إدارة سلوك الإنسان لضمان سلامته».

يُذكر أنّ الدلافين القارورية الأنف تُعدّ أكثر أنواع الدلافين شيوعاً في المياه الإيطالية. ورغم أنها عادةً ما تتنقل في مجموعات، سُجِّلت حالات عدّة في السنوات الأخيرة لدلافين وحيدة في البحر الأدرياتيكي تغادر مجموعاتها وتتّجه نحو المناطق الساحلية أو الحضرية.

من جهته، رصد سائق تاكسي مائي يُدعى مانويل تيفي «ميمو» للمرة الأولى في 23 يونيو (حزيران) 2025. وصرَّح لصحيفة «كورييري ديلا سيرا» بأنّ الدلفين كان يسبح «مباشرةً أمام مقدّمة القارب»، مضيفاً أنّ سائقي التاكسي المائي يُبلغون عن مشاهدات الدلفين لتحذير الناس وتنبيههم إلى ضرورة الحذر، «لكن يبدو أنّ الحيوان لا يشعر بالخوف»، وفق قوله.

منذ رصد تيفي للدلفين، يعكف العلماء على مراقبته من القوارب أسبوعياً، بدعم من سلطات المدينة والمواطنين، ولاحظوا تنقّله من الطرف الجنوبي لبحيرة فنيسيا إلى الطرف الشمالي، حيث لا يزال موجوداً اليوم.

وقال بيترولونغو: «رصد الدلافين القارورية الأنف في المناطق الحضرية ليس بالأمر المفاجئ، فهي ثدييات بحريّة شديدة التكيُّف وانتهازية»، مضيفاً أن «(ميمو) يبدو بصحة جيدة ويُشاهد بانتظام وهو يتغذَّى على أسماك البوري».

تاريخياً، لطالما استوطنت الدلافين بحيرة فنيسيا وتكيَّفت مع الحياة فيها.

ورغم أنّ سلوك «ميمو» منذ وصوله كان «نموذجياً بالنسبة إلى هذا النوع»، فإنّ البشر يمثّلون مشكلة، وفق العلماء، إذ يكمن الخطر الأكبر في تصرّفاتهم غير اللائقة تجاه الحيوان، خصوصاً من خلال القيادة المتهوِّرة للقوارب.

وأكد العلماء ضرورة اتخاذ تدابير للتحكُّم في السرعة والحفاظ على مسافة آمنة بين القوارب.

وفي هذا السياق، قال جيوفاني بيرزي الذي يدرس دلافين البحر الأدرياتيكي منذ 4 عقود: «الأمر غير المألوف حقاً ليس وجود الدلفين، وإنما الصعوبة المستمرّة التي يبدو أنّ البشر يواجهونها فيما يتعلّق باحترام هذه الحيوانات اليوم».

وأضاف: «علينا أن نُقدّر فرص التعايش مع الحياة البرّية والاستمتاع بها. تُظهر الوثائق التاريخية والمعاصرة بوضوح أنّ الدلافين رافقت الأنشطة البحريّة البشرية لآلاف السنوات، ومع ذلك لا نزال نُكافح من أجل التعايش معها بشكل لائق».


أم وابنتها تكتشفان أكبر مستعمرة مرجانية في العالم

صوفي كالكوفسكي بوب ووالدتها جان بوب تغوصان لاستكشاف المستعمرة (منظمة «مواطنو الشعاب المرجانية»)
صوفي كالكوفسكي بوب ووالدتها جان بوب تغوصان لاستكشاف المستعمرة (منظمة «مواطنو الشعاب المرجانية»)
TT

أم وابنتها تكتشفان أكبر مستعمرة مرجانية في العالم

صوفي كالكوفسكي بوب ووالدتها جان بوب تغوصان لاستكشاف المستعمرة (منظمة «مواطنو الشعاب المرجانية»)
صوفي كالكوفسكي بوب ووالدتها جان بوب تغوصان لاستكشاف المستعمرة (منظمة «مواطنو الشعاب المرجانية»)

اكتشف فريق بحث علمي، مؤلف من أم وابنتها، أكبر مستعمرة مرجانية معروفة في العالم، التي تقع في الحاجز المرجاني العظيم قبالة سواحل أستراليا.

وتمتد هذه المستعمرة على مسافة 111 متراً تقريباً، أي ما يعادل طول ملعب كرة قدم تقريباً، وتغطي مساحة تقارب 4 آلاف متر مربع، وفقاً لبيان صادر عن منظمة «مواطنو الشعاب المرجانية» المعنية بالحفاظ على البيئة.

وتعني هذه الأرقام أن هذه المستعمرة «من بين أهم التكوينات المرجانية التي سُجّلت على الإطلاق في الحاجز المرجاني العظيم»، و«أكبر مستعمرة مرجانية موثقة في العالم»، حسب المنظمة.

وقد عُثر على المستعمرة المرجانية في أواخر العام الماضي، بواسطة كل من صوفي كالكوفسكي بوب، منسقة العمليات البحرية في المنظمة، ووالدتها جان بوب، وهي غواصة متمرسة ومصورة تحت الماء، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

صوفي كالكوفسكي بوب ووالدتها جان بوب (منظمة «مواطنو الشعاب المرجانية»)

وكانت الأم قد غاصت في الموقع قبل أسبوع، وأدركت أنها رأت شيئاً مميزاً. لذا، عاد الثنائي بمعدات القياس. وقالت الابنة: «عندما قفزنا في الماء، أدركت على الفور أهمية ما كنا نراه». وصورتا معاً فيديو وهما تسبحان عبر امتداد الشعاب المرجانية. وأضافت الابنة: «استغرقني تصوير الفيديو ثلاث دقائق للسباحة من جانب إلى آخر».

وتم التحقق من حجم المستعمرة المرجانية باستخدام قياسات يدوية تحت الماء وصور عالية الدقة مُلتقطة من منصات على سطح الماء.