ليبيا: الدبيبة يطالب مؤسسات الدولة بتجاهل قرارات باشاغا

تعزيزات عسكرية في بني وليد لصد ضربات محتملة للقواعد التركية

صورة وزعتها البعثة الأممية لوصول رئيسها الجديد إلى طرابلس
صورة وزعتها البعثة الأممية لوصول رئيسها الجديد إلى طرابلس
TT

ليبيا: الدبيبة يطالب مؤسسات الدولة بتجاهل قرارات باشاغا

صورة وزعتها البعثة الأممية لوصول رئيسها الجديد إلى طرابلس
صورة وزعتها البعثة الأممية لوصول رئيسها الجديد إلى طرابلس

أخلى عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة الليبية المؤقتة، مسؤولية حكومته عن أي التزامات مالية ترتبها حكومة الاستقرار المكلفة من مجلس النواب، والتي يرأسها غريمه فتحي باشاغا. وطالب كل المؤسسات العامة التابعة لحكومته، في بيان أصدره مساء أول من أمس، بعدم الاعتداد بأي قرارات غير صادرة عن «الحكومة الشرعية»، مرجعاً هذا الإجراء «انطلاقاً من دور حكومة الوحدة في توحيد مؤسسات الدولة وإنهاء الانقسام السياسي، الذي أثر بشكل كبير على جل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية».
وجاءت هذه الدعوات بعد أن أصدرت حكومة باشاغا عدة بيانات، تطالب فيها الجهات العامة بعدم اتباع تعليمات الدبيبة، مخلية مسؤوليتها عن أي التزامات مالية، أو قانونية تترتب على التعامل مع حكومته محلياً ودولياً.
في غضون ذلك، تعهد عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثتها في ليبيا، فور وصوله مساء أول من أمس إلى العاصمة طرابلس بعد شهر من تعيينه، بقيادة المساعي الحميدة للأمم المتحدة، والقيام بجهود الوساطة من أجل التوصل إلى حل سلمي ومستدام, يقوده ويملك زمامه الليبيون، بالإضافة إلى الإشراف على عمل البعثة. كما تعهد بأن تظل «الأمم المتحدة ملتزمة بدعمها لليبيا لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية شاملة، إذ لا بد من احترام إرادة الملايين من الشعب الليبي ممن تسجلوا للتصويت».
وتراجعت حكومة الدبيبة عن رفضها لتعيين باتيلي، حيث رحبت به فور وصوله إلى العاصمة طرابلس، وقالت نجلاء المنقوش وزيرة الخارجية بالحكومة، إنها أجرت اتصالاً هاتفياً مع باتيلي، ورحبت بدوره وأهمية مواصلة عمله من العاصمة طرابلس، مؤكدة التزام حكومتها تقديم الدعم لتذليل الصعاب لإنجاز مهامه، بهدف تعزيز مسار الاستقرار في البلاد وتحقيق تطلعات الشعب الليبي.
وقال بيان لحكومة الدبيبة إن وكيل وزارة خارجيتها لشؤون التعاون الدولي والمنظمات، عمر كتي، الذي استقبل باتيلي بمطار طرابلس، نقل إليه تحيات الدبيبة وترحيب الحكومة ودعمها له في مهمته، ومساندته وتذليل العقبات أمام مساعيه.
وكان باتيلي قد تعهد لدى اجتماعه مع عثمان الجرندي، وزير الشؤون الخارجيّة التونسي، ببذل قصارى الجهد وتكثيف المساعي من أجل عودة الاستقرار إلى ليبيا، بما يعيد للمنطقة توازنها، ويدعم السلم والأمن الإقليميين والدوليين، وفقاً لبيان أصدرته الخارجية التونسية.
من جهة أخرى، اعتبرت السفارة الأميركية في ليبيا أن الشعب الليبي «يستحق أن يكون له جيش موحد، قادر على الدفاع عن سيادة بلاده، كما يستحق حكومة منتخبة ديمقراطياً تمثل ليبيا موحدة»، ونقلت عن ليزلي أوردمان، القائم بالأعمال، تطلع بلاده إلى الشراكة مع جيش ليبي موحد قادر على حماية الوطن، ويكون مصدر استقرار وفخر للوطن بأكمله.
ومع أنه لاحظ أن هذه المسار محفوف بالتحديات، لكن ليزلي قال إنه سيساعد ليبيا بشكل كبير بمجرد تحقيقه، معرباً عن سعادته بمشاركة وفد عسكري ليبي مشترك، ضم الفريق عبد الرزاق الناظوري رئيس أركان الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر، ومحمد الحداد رئيس أركان القوات الموالية لحكومة الدبيبة، بالمعرض الدولي للطيران والدفاع والفضاء في تونس.
إلى ذلك، أعادت القوات الموالية لحكومة الدبيبة تمركزها في مدينة بني وليد، الواقعة على بعد 180 كيلومتراً جنوب شرقي طرابلس، حيث رصدت وسائل إعلام محلية وناشطون إرسال «اللواء 444 قتال»، التابع للحكومة، أكثر من 260 آلية مسلحة لدعم تمركزاته بالمدينة، مشيرة إلى أن انتشار هذه القوات جنوب المدينة، جاء تزامناً مع تركيب منظومات الطيران المسير التركي في المدينة؛ بهدف إقامة خط دفاعي من قاعدة الوطية غرباً إلى مدينة بني وليد والأودية المحيطة، بناء على تعليمات قائد القوات التركية في ليبيا.
وأدرجت مصادر عسكرية غير رسمية هذا التحرك في إطار ما وصفته بالرد على تحركات الجيش الوطني جنوب البلاد، ولصد أي ضربة عسكرية محتملة للقواعد التركية في المنطقة الغربية.
لكن حامية بني وليد العسكرية نفت في المقابل إرسال تعزيزات عسكرية إلى المنطقة، وطمأنت الأهالي في بيان لها بأن الآليات العسكرية، التي شوهدت مساء أول من أمس، كانت متجهة للمشاركة في مشروع رماية بالمنطقة الوسطى، لافتة إلى أن مرورها بالمدينة جاء بالتنسيق مع حامية بني وليد العسكرية.
كما أوضحت أن كل الوحدات المشاركة في مشروع الرماية تتبع بشكل مباشر وكامل رئاسة أركان القوات الموالية لحكومة الدبيبة.
وجاءت هذه التطورات بعد ساعات فقط من إعلان اللواء أن إحدى مفارزه الخاصة اعتقلت المتهمين بخطف أحد المقيمين السوريّين في المدينة، حيث بث اللواء اعترافات الخاطفين عبر فيديو مصور، وقال إنهم سيحالون إلى جهات الاختصاص بعد استكمال التحقيق.
من جهة ثانية، قدم أمس باشاغا العزاء للشعب والرئاسة التركية في ضحايا حادثة منجم بارتين، مؤكداً تضامن حكومته مع الشعب التركي.


مقالات ذات صلة

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

شمال افريقيا المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

المنقوش تناقش في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة المعابر

بحثت نجلاء المنقوش مع نظيرها وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها أمس إلى الجزائر، فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الأشخاص، بعد سنين طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا. وذكرت الخارجية الجزائرية في بيان أن الوزيرين بحثا قضايا جارية في الساحتين المغاربية والعربية، منها تطورات ملف الصحراء، والمساعي العربية والدولية لوقف الاقتتال وحقن الدماء في السودان. وأكد البيان أن عطاف تلقى من المنقوش «عرضا حول آخر مستجدات العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، لإنهاء الأزمة في ليبيا».

شمال افريقيا وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

وفدان أميركي وفرنسي يبحثان في ليبيا تطوير الجيش

بحث وفدان عسكريان، أميركي وفرنسي، في ليبيا سبل إعادة بناء وتطوير المؤسسة العسكرية المُنقسمة، بين شرق البلاد وغربها، منذ إسقاط النظام السابق، في وقت زار فيه المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» روما، والتقى برئيسة الوزراء بالحكومة الإيطالية جورجا ميلوني، وعدد من وزراء حكومتها. وفي لقاءين منفصلين في طرابلس (غرباً) وبنغازي (شرقاً)، التقى الوفدان الأميركي والفرنسي قيادات عسكرية للتأكيد على ضرورة توحيد الجيش الليبي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

المنقوش تبحث في الجزائر الانتخابات الليبية وعودة الحركة على المعابر

بحثت وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش مع نظيرها الجزائري أحمد عطاف، خلال زيارة لها اليوم الخميس إلى الجزائر، في فتح المعابر البرية والنقل البحري والجوي أمام حركة التجارة وتنقل الاشخاص، بعد سنوات طويلة من الإغلاق، بسبب الأزمة السياسية والامنية في ليبيا.

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا «حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

«حبوب الهلوسة»... «سلاح قاتل» يستهدف عقول الليبيين

لم يكن من قبيل الصدفة أن تقذف أمواج البحر المتوسط كميات متنوعة من المخدرات إلى السواحل الليبية، أو أن تتلقف شِباك الصيادين قرب الشاطئ «حزماً» من «الحشيش والكوكايين وحبوب الهلوسة»، فالبلاد تحوّلت -وفق تقرير أممي- إلى «معبر مهم» لهذه التجارة المجرّمة. وتعلن السلطات الأمنية في عموم ليبيا من وقت لآخر عن ضبط «كميات كبيرة» من المخدرات قبل دخولها البلاد عبر الموانئ البحري والبرية، أو القبض على مواطنين ووافدين وهو يروّجون هذه الأصناف التي يُنظر إليها على أنها تستهدف «عقول الشباب الليبي». غير أنه بات لافتاً من واقع عمليات الضبط التي تعلن عنها السلطات المحلية تزايُد تهريب المخدرات وتعاطيها، خصوصاً «حبوب

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا «النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

«النواب» و«الدولة» يقران آلية عمل لجنة قوانين الانتخابات الليبية

استهلّت اللجنة المُشتركة لممثلي مجلسي «النواب» و«الدولة» (6+6) المكلفة بإعداد قوانين الانتخابات الليبية، اجتماعاتها في العاصمة طرابلس بـ«الاتفاق على آلية عملها». وطبقاً لما أعلنه عبد الله بليحق، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب، فقد شهد الاجتماع ما وصفه بتقارب في وجهات النظر بين أعضاء اللجنة حول القوانين الانتخابية، مشيراً، في بيان مقتضب مساء أول من أمس، إلى أنه «تم أيضاً الاتفاق على التواصل مع الجهات والمؤسسات ذات العلاقة بالعملية الانتخابية».

خالد محمود (القاهرة)

الجزائر وفرنسا لتفكيك «مسلسل تبادل طرد الدبلوماسيين»

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)
TT

الجزائر وفرنسا لتفكيك «مسلسل تبادل طرد الدبلوماسيين»

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)

أنهت باريس شهوراً طويلة من «الجمود الإداري» في تعاملها مع الجزائر، بعد موافقتها على اعتماد 9 دبلوماسيين جزائريين، وقنصلين عامين لكل من العاصمة باريس ومرسيليا بجنوب البلاد، حيث تقيم جالية جزائرية كبيرة.

وتحمل هذه الخطوة في نظر مراقبين دلالات سياسية لافتة، حيث تتيح حسبهم، تفكيك «عقدة تبادل طرد الدبلوماسيين»، التي نشأت بعد أن بلغ التوتر ذروته بين البلدين، وتحديداً بين أبريل (نيسان) ومايو (أيار) 2025.

علماً بأن الأزمة اندلعت في أواخر يوليو (تموز) 2024 على خلفية إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء، حيث سحبت الجزائر سفيرها سعيد موسي، احتجاجاً على تبدل الموقف الفرنسي حيال النزاع، ولم يعد إلى منصبه إلى اليوم.

وزير الداخلية الفرنسي خلال زيارته الجزائر في فبراير الماضي (وزارة الداخلية الجزائرية)

وتضمن آخر عدد من «الجريدة الرسمية» في الجزائر مراسيم وقعها الرئيس عبد المجيد تبون تخص تعيين قناصل عامين جدد في كل من باريس ومرسيليا وستراسبورغ التي تقع في أقصى شمال شرقي فرنسا.

وبحسب منصة «توالى» الإخبارية، فقد منحت فرنسا الاعتماد لشاغلي منصب باريس شعبان برجة، ومرسيليا عثمان ثابتي، بينما لا يعرف إن كانت المعينة في قنصلية ستراسبورغ عواطف بوزيد، حصلت على الموافقة لمباشرة مهامها. كما شملت التعيينات، اختيار الدبلوماسي محمد الحبيب زهانة قنصلاً عاماً في مدينة جدة بالسعودية.

أزمة قديمة ومعقدة

يأتي هذا التطور اللافت في الخلافات بين الجزائر وباريس، إثر الزيارة التي قادت وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر منتصف فبراير (شباط) الماضي، حيث بحث مع نظيره الجزائري سعيد سعيود قضايا الأمن في منطقتي الساحل وحوض المتوسط، والخلاف حول رفض الجزائر استرجاع العشرات من مهاجريها غير النظاميين، محل أوامر إدارية بالطرد من التراب الفرنسي. كما كان لنونيز محادثات مع الرئيس تبون حول العلاقات الثنائية.

ومن الواضح، حسب متتبعي الأزمة الدبلوماسية، أن هذه الزيارة مهدت لاعتماد الدبلوماسيين الجزائريين الجدد في فرنسا.

وزيرا خارجية الجزائر وفرنسا في 6 أبريل الماضي (الخارجية الجزائرية)

وكانت السلطات الفرنسية قد وضعت استئناف التعاون الميداني في هذه القضايا بمرتبة الأولوية القصوى، متأثرة بتنامي الضغوط السياسية الداخلية المتعلقة بملف تدفقات المهاجرين.

لكن لم تكن «أزمة الاعتمادات القنصلية» سوى حلقة في سلسلة ممتدة من التجاذبات بين البلدين؛ فمنذ عام 2023، دخلت العلاقات الجزائرية -الفرنسية نفقاً من الأزمات الدبلوماسية المتلاحقة، تراوحت بين تعقيدات «ملف الذاكرة»، وتقليص حصص التأشيرات، وصولاً إلى التباينات الأمنية والاحتقان السياسي، الذي خيّم على دوائر صنع القرار في العاصمتين.

وشهدت هذه الأزمة ارتداداً عنيفاً في مايو 2025، حينما عبّرت الجزائر عن استيائها «الشديد» من تأخر فرنسا في اعتماد تعيينات في جهازها الدبلوماسي، منهم رؤساء البعثات والقناصل لفترة تجاوزت 5 أشهر «دون أي تفسير رسمي»، وفق بيان صادر عن وزارتها للخارجية. وهذا التأخير اعتُبر في الجزائر «تجاهلاً» للمعايير الدبلوماسية الاعتيادية، و«انتهاكاً للأعراف الدولية»، ورأت الجزائر أن هذا الأمر يعوق قدرتها على ممارسة مهامها القنصلية والدبلوماسية في فرنسا.

وشددت وزارة الخارجية الجزائرية أيضاً على أن باريس «لم تقدّم تبريراً مناسباً رغم المطالب المتكررة بالحصول على الاعتمادات». وقد زاد هذا الوضع من الاحتقان بين البلدين، إذ جاء ضمن سلسلة خلافات تشمل قيوداً على تأشيرات الدبلوماسيين الجزائريين، وهو ما اعتُبر خطوة تمييزية وغير مبررة من وجهة نظر الجزائر، إضافة إلى نزاعات سابقة حول دخول العاملين الدبلوماسيين إلى مناطق خاصة في المطارات الفرنسية، ونقل البريد الدبلوماسي، مما عزز شعور الجزائريين بوجود تراجع في مستوى التعاون، والاحترام المتبادل في العلاقات الثنائية.

حادث فاقم التوترات

غير أن الواقعة التي كانت المحرك الرئيسي لحالة «الجمود الإداري»، من جانب فرنسا وامتناعها لأشهر طويلة عن منح الاعتمادات للقناصل الجزائريين الجدد، كنوع من الضغط السياسي، تتمثل في توقيف موظف قنصلي جزائري في باريس مطلع أبريل (نيسان) 2025، وتوجيه تهمة «الإرهاب» له من طرف الادعاء الفرنسي.

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وتتمحور القضية حول محاولة اختطاف واحتجاز الناشط أمير بوخرص بفرنسا، وتعود الوقائع إلى عام 2024؛ واللافت فيها أنها لم تبلغ أهدافها النهائية المتمثلة في تصفيته، حسبما رشح عن التحقيقات. ومن المنتظر أن تكشف المحاكمة عن خفايا هذا الملف الذي لا يزال يكتنفه الغموض.

وفجر سجن الموظف القنصلي غضباً عارماً في الجزائر، التي عدت سلطاتها الخطوة «انتهاكاً صارخاً للحصانة القنصلية المنصوص عليها في الأعراف الدولية». ووصفت توقيفه، مع رعيتين جزائريين آخرين من خارج الشبكة الدبلوماسية، بأنه «عمل استعراضي ومهين».

وسرعان ما تحول هذا الانزلاق الأمني والقضائي إلى مواجهة دبلوماسية مفتوحة؛ حيث بادرت الجزائر بطرد 12 موظفاً من السفارة الفرنسية، لترد باريس فوراً بتطبيق «مبدأ المعاملة بالمثل»، وطرد عدد مماثل من الدبلوماسيين الجزائريين، مع استدعاء سفيرها للتشاور. وقد أدت هذه التطورات إلى شلل شبه كامل في القنوات الرسمية، وتجميد واسع لملفات التعاون الثنائي.

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الخارجية الفرنسي في 6 أبريل الماضي (الرئاسة الجزائرية)

وعلى الرغم من أهمية اعتماد الدبلوماسيين، فإن المراقبين لا يرون أنها تمهد بالضرورة لعودة كاملة إلى حالتها الطبيعية، بقدر ما يعكس، حسبهم، إدراك الدولتين لحقيقة أن علاقتهما باتت شديدة التشابك والارتباط، إلى الحد الذي لا يسمح ببقائها في حالة شلل مطول. فالمصالح المتشابكة فرضت على العاصمتين تجاوز منطق القطيعة الإدارية نحو رؤية أكثر واقعية، وفق المراقبين أنفسهم.


مصر: مخاوف من عودة «تخفيف الأحمال» ضمن خطة ترشيد استهلاك الطاقة

جانب من العاصمة المصرية القاهرة (هيئة تنشيط السياحة)
جانب من العاصمة المصرية القاهرة (هيئة تنشيط السياحة)
TT

مصر: مخاوف من عودة «تخفيف الأحمال» ضمن خطة ترشيد استهلاك الطاقة

جانب من العاصمة المصرية القاهرة (هيئة تنشيط السياحة)
جانب من العاصمة المصرية القاهرة (هيئة تنشيط السياحة)

في حين قررت الحكومة المصرية اتخاذ حزمة من الإجراءات لترشيد استهلاك الطاقة على ضوء التطورات العسكرية المتسارعة في المنطقة وما صاحبها من ارتفاعات حادة في أسعار الوقود، عادت الهواجس المرتبطة بانقطاعات التيار الكهربائي، حيث أبدى مواطنون تخوفهم من احتمالية العودة لتطبيق خطة «تخفيف الأحمال».

وأعلن مجلس الوزراء المصري، في بيان، الثلاثاء، أنه تقرر البدء في تنفيذ عدد من إجراءات الترشيد داخل الجهات الحكومية وبعض الأنشطة كثيفة الاستهلاك للطاقة، بما يسهم في خفض استهلاك الوقود والكهرباء خلال الفترة المقبلة، مع مراجعة أنماط التشغيل في عدد من المشروعات والخدمات التي تعتمد بصورة كبيرة على السولار والمازوت والبنزين، وضبط إيقاع العمل بها بما يحقق خفضاً ملموساً في الاستهلاك، دون الإخلال بانتظام الخدمات الأساسية المقدمة للمواطنين.

وأشار البيان إلى أنه تم توجيه المحافظين بالمتابعة الميدانية اليومية لملف ترشيد استهلاك الكهرباء، بما يشمل مراجعة أوضاع أعمدة الإنارة في الشوارع والميادين العامة وضبط توقيتات تشغيلها، ومتابعة إضاءة اللوحات الإعلانية واللافتات التجارية للتأكد من الالتزام بضوابط ترشيد الاستهلاك، مع اتخاذ الإجراءات الفورية اللازمة لضبط أي مخالفات في هذا الشأن.

وتأتي هذه الخطوات ضمن استراتيجية حكومية تحوي حزمة من الإجراءات الاجتماعية والاقتصادية للحفاظ على اقتصاد البلاد ومصالح مواطنيها، وإدارة تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً وضمان استقرار الأسواق المحلية.

وتعهد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي بعدم «العودة إلى تخفيف أحمال الكهرباء»، رغم التحدي الكبير والتأثر في نقل الطاقة، وفق قوله، بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

ولجأت الحكومة المصرية في السنوات الماضية إلى تطبيق خطة لـ«تخفيف أحمال الكهرباء»، حيث كان يتم قطع الكهرباء بالتناوب، وذلك على وقع أزمة في الوقود والغاز اللازمين لتشغيل محطات الكهرباء، نظراً لزيادة الاستهلاك نتيجة موجات الحر خلال أشهر الصيف.

وأكد وزير الكهرباء والطاقة المتجددة محمود عصمت، ووزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي، يوم الاثنين، وجود تنسيق وتعاون بين الجهات المعنية بهما لتأمين التغذية الكهربائية وضمان الاستدامة والاستقرار للتيار الكهربائي، مع تأمين وتلبية الاحتياجات من المنتجات البترولية اللازمة لمحطات توليد الكهرباء.

ورغم هذه التأكيدات، أبدت منصات التواصل الاجتماعي تخوفها من أن تتضمن إجراءات الترشيد عودة «تخفيف الأحمال» مجدداً إلى المنازل، وعدم اقتصارها على الجهات الحكومية.

وطرح متابعون تساؤلات حول احتمالية أن تطولهم ضوابط ترشيد الاستهلاك، لما في ذلك من تأثير عكسي على حياتهم اليومية، خصوصاً مع اقتراب أشهر الصيف، وقرب الامتحانات بالمدارس والجامعات.

كما عبَّر قطاع آخر، لا سيما من أصحاب المحال التجارية، عن مخاوف من تأثرهم سلباً بترشيد استهلاك الكهرباء، الذي يخفّض الإنارة في الشوارع والميادين العامة ويضبط توقيتات تشغيلها.

وانتقد متابعون في تهكم توالي الأزمات على المواطن بتنفيذ عدد من إجراءات الترشيد، بالتزامن مع رفع أسعار الوقود.

منطقة المقطم في القاهرة خلال انقطاع الكهرباء في وقت سابق (أرشيفية - أ.ف.ب)

ورفعت وزارة البترول المصرية، الثلاثاء، أسعار مجموعة واسعة من المنتجات البترولية، في ظل استمرار معاناة المنطقة من ارتفاع أسعار النفط ​والغاز العالمية وتوقف الإنتاج في الشرق الأوسط نتيجة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وقال عضو لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب المصري، عوض أبو النجا، إنه بصدد التقدم بسؤال برلماني بشأن إعلان الحكومة عن إجراءاتها الأخيرة وتداعيات ذلك على المواطن.

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «المعلومات المؤكدة التي وصلت للمسؤولين التنفيذيين في المحافظات تشير إلى تبني استراتيجية الترشيد»، وتابع: «المطلوب حالياً هو الترشيد المسؤول في كافة القطاعات، بدءاً من إضاءة الشوارع والميادين، وصولاً إلى ضبط مواعيد عمل المحال التجارية؛ فهو توجه في جوهره يهدف إلى تقليص استهلاك الوقود والكهرباء، وهو إجراء ضروري في ظل الظروف الاقتصادية الاستثنائية التي نعيشها».

إلا أنه انتقد غياب التنسيق بين الحكومة والبرلمان بشأن إعلان هذه الإجراءات، قائلاً: «نحن أمام مرحلة تقتضي تكاتف الجميع، والشفافية هي السبيل الوحيد لإقناع الشارع»، معتبراً أن تغييب البرلمان عن تفاصيل إدارة الأزمة يضع النواب في موقف حرج أمام دوائرهم الانتخابية.

وأضاف: «طالبنا الحكومة مراراً، وتحديداً في الجلسات الأخيرة، بتقديم مذكرة تفصيلية توضح رؤيتها لإدارة الأزمة وسيناريوهات التعامل معها. كنا نحتاج إلى خطة واضحة لنشرحها للمواطنين، لنكون شركاء في اتخاذ القرار، وتجنب حالة القلق العام؛ لكن للأسف لم تستجب الحكومة لدعواتنا المتكررة للحضور والمناقشة».

Your Premium trial has ended


غضب وارتباك في مصر بعد زيادة «استثنائية» في أسعار الوقود

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)
TT

غضب وارتباك في مصر بعد زيادة «استثنائية» في أسعار الوقود

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي (مجلس الوزراء)

استقبل محمد ربيع (38 عاماً) خبر زيادة أسعار المحروقات في مصر بمزيج من الحزن والغضب والقلق، خاصة أنه يستعد لاستقبال مولودته الثانية خلال أيام، لتضاف أعباء مالية جديدة إلى أعباء ما زال يجد صعوبة في تدبيرها.

ويقول ربيع، الذي يعمل موظفاً في شركة خاصة: «الزيادة ليست في ميزانية السيارة فقط، بل يتبعها رفع لأسعار كل شيء»، مضيفاً أنه قرر الاعتماد على المواصلات العامة في الفترة المقبلة، لحين عثوره على عمل إضافي لتحسين دخله.

وكانت الحكومة المصرية قد رفعت، في الساعات الأولى من يوم الثلاثاء، أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، مشيرة إلى «الوضع الاستثنائي الناتج عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة، وتأثيراتها المباشرة على أسواق الطاقة العالمية، التي أدّت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد والإنتاج المحلي»، وفق بيان لوزارة البترول.

محافظ القاهرة يتفقد أحد مواقف النقل الجماعي لمتابعة التزام السائقين بالتعريفة الجديدة (محافظة القاهرة)

وتأتي الزيادة الأخيرة بعد 4 أشهر فقط من زيادة أقرّتها الحكومة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بنسبة 13 في المائة، ووعدت بعدها بتثبيت الأسعار لمدة عام، ما لم تشهد المنطقة أوضاعاً إقليمية جديدة.

وشملت الزيادة الأحدث جميع أنواع البنزين والسولار، ليرتفع بعدها سعر «بنزين 95» من 21 جنيهاً للتر إلى 24 جنيهاً، بنسبة 14 في المائة، و«بنزين 92» بنسبة 15.5 في المائة. كما ارتفع السولار، الذي تعتمد عليه سيارات نقل البضائع بنسبة 17 في المائة، بينما قفز سعر غاز تموين السيارات من 10 جنيهات إلى 13 جنيهاً، بزيادة نسبتها 30 في المائة.

واستيقظ الشارع المصري على حالة ارتباك واضحة إثر الزيادات «المُفاجئة»، وفق وصف كثيرين، مع الاختلاف على أجرة المواصلات بين الركاب والسائقين، والمصاريف الجديدة لم تكن تضعها الأسر في حسبانها.

وعادة ما تشهد مواقف سيارات النقل الجماعي (الميكروباص) مشاجرات عقب زيادات أسعار المحروقات، مع رفع السائقين الأجرة بصورة يراها البعض مبالغاً فيها.

وشهدت الطالبة الجامعية أمل محمد (21 عاماً) إحدى هذه المشاجرات داخل ميكروباص استقلته من منزل جدتها في الجيزة إلى مترو الأنفاق، وهي مسافة بسيطة، ورغم ذلك ارتفعت الأجرة جنيهين من 6 إلى 8 جنيهات، ما أثار استياء الركاب (الدولار يساوي نحو 52 جنيهاً).

وتفقد محافظ القاهرة إبراهيم صابر، صباحاً، عدداً من مواقف النقل الجماعي «للاطمئنان على حركة نقل الركاب والالتزام بالتعريفة الجديدة لركوب السيارات بعد زيادة أسعار المواد البترولية»، وفق بيان للمحافظة أشار إلى «تكثيف الحملات الرقابية بمختلف المواقف والميادين لمتابعة التزام جميع السائقين بالتعريفة الجديدة».

وتخشى أمل ألا تتمكن من العودة لمنزلها في منطقة المعادي من جامعتها في حلوان بآخر 20 جنيهاً بحوزتها، خصوصاً أنها لم تكن تعلم أن الأسعار ستزيد لتطلب مقدار الزيادة من والدها، الذي يعتمد على معاش حكومي في تدبير نفقات الأسرة.

ومما زاد الغضب من القرار الحكومي أنه جاء بعد 10 أيام فقط من اندلاع الحرب الإيرانية، التي أكدت الحكومة في بدايتها وجود احتياطات من السلع والطاقة تكفي لشهور.

وتساءل مدونون على وسائل التواصل الاجتماعي عن أسباب الزيادة في مصر، وهي ليست طرفاً في الحرب، في حين أن دولاً أخرى متأثرة بها بشكل مباشر لم ترفع الأسعار.

مواطن يشكو لمحافظ الإسكندرية من الزيادات الجديدة في الأسعار (محافظة الإسكندرية)

واستنكر آخرون التوجه الحكومي السريع في زيادة أسعار البنزين، ما ستترتب عليه زيادة في أسعار كل شيء، دون وضع دخول المواطنين الثابتة في الاعتبار، ولا الزيادات التي تشهدها الأسعار بالفعل.

وكتب عضو مجلس نقابة الصحافيين، محمد الجارحي، على صفحته على «فيسبوك»، إن الزيادة ليست مجرد 3 جنيهات في اللتر، بل 3 آلاف جنيه في الميزانية.

وانتقد الحزب «المصري الديمقراطي» الزيادة قائلاً، في بيان، إنه «لا يمكن تفسيرها في إطار تأثير التطورات الجيوسياسية فقط على أسواق الطاقة العالمية، بقدر ما تعكس محاولة لتحميل المواطنين تكلفة اختلالات مالية وهيكلية في الموازنة العامة».

وحاولت الحكومة امتصاص حالة الاستياء بمؤتمر صحافي لشرح الأسباب التي دفعتها لاتخاذ القرار «الاستباقي»، حسب وصف رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، الذي قال إن الحكومة قررت رفع أسعار المحروقات لحماية إمدادات الغاز والطاقة في المنازل والمصانع، وتحسباً لزيادة أسعار التوريدات المقبلة، مؤكداً أنها قرارات «مؤقتة» لحين انتهاء الحرب وتداعياتها.

ولم تخفف توضيحات مدبولي حالة الاستياء التي ظهرت في التعليقات على البثّ الحي للمؤتمر على «فيسبوك»، إذ طالب أحدهم رئيس الوزراء بالاستقالة، وقال آخر إن «الأسعار حين ترتفع لا تنخفض مرة أخرى»، وطالب ثالث بإيصال كل التعليقات «غير الراضية عن الوضع والزيادات» إلى رئيس الحكومة، مضيفاً أن المواطنين «لم يعودوا حِمل زيادات جديدة».

وتوقع الخبير الاقتصادي والباحث في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، ارتفاع معدلات التضخم بنسب كبيرة نتيجة الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات، التي تزامنت مع موسم استهلاكي في شهر رمضان يشهد ارتفاعات في الأسعار بالفعل، واصفاً قرارات الحكومة بأنها «استغلال سلبي للأزمات الخارجية».

وقفز معدل التضخم الشهري في فبراير (شباط) الماضي إلى 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني)، و0.2 في المائة في ديسمبر (كانون الأول).

وأضاف عبد النبي لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعد أيام من الحرب، ومع زيادة أسعار إمدادات الطاقة عالمياً، اضطرت الحكومة إلى خفض قيمة الجنيه أمام الدولار بنسبة 11 في المائة، وإلى زيادة أسعار المحروقات، وهي خطوات سريعة كان يمكن إبطاؤها»، متوقعاً أن تكون الحكومة تحاول بذلك أن تعوض خروج الأموال الساخنة من السوق، «وإن كان الأمر لا يستدعي السرعة في القرارات بهذا الشكل».