حنة أرندت ومارتن هايدغر: الحب ليس صناعة القلب وحده بل العقل أيضاً

علاقتهما العاطفية استمرت خمسة عقود كاملة رغم تباينهما الآيديولوجي

مارتن هايدغر - حنة أرندت
مارتن هايدغر - حنة أرندت
TT

حنة أرندت ومارتن هايدغر: الحب ليس صناعة القلب وحده بل العقل أيضاً

مارتن هايدغر - حنة أرندت
مارتن هايدغر - حنة أرندت

قد تكون العلاقة العاطفية الوثيقة التي جمعت بين الفيلسوف الوجودي الألماني مارتن هايدغر وبين حنة أرندت الكاتبة في مجال الفلسفة والنقد والفكر السياسي، واحدة من أكثر العلاقات المماثلة مدعاة للفضول وإثارة للجدل في الآن ذاته. والأرجح أن ذينك الفضول والجدل متصلان بعاملين اثنين، الأول هو رغبة القراء في الوقوف على الوجه الآخر للكتاب والمفكرين، خاصة أن الكثيرين يرون إلى المشتغلين بشؤون الفلسفة والفكر بوصفهم كائنات «ذهنية» خالصة، يجردها البرود العقلاني من حرارة المشاعر، ومن جذوة الحب التي تتوقد وفق تصوراتهم النمطية، في صدور الشعراء والفنانين. أما الآخر فبعضه أخلاقي مرتبط بمشروعية العلاقة بين طرفين يرتبط كل منهما برابط الزواج، وما يترتب عن ذلك من إيذاء لمشاعر الآخرين، وبعضه سياسي وآيديولوجي، حيث كان هايدغر مواكباً لصعود النازية السريع في بلاده ومؤيداً لها، في حين كانت أرندت المنتمية إلى الديانة اليهودية، معادية تماماً للعنصرية النازية، وهي التي نجت بصعوبة من حرب الإبادة الهتلرية، وتمكنت بعد فرارها إلى الولايات المتحدة من ترحيل المئات من اليهود الهاربين من الجحيم النازي.
ورغم أن قصة الحب الشائكة التي ربطت بين الطرفين لم تكن، بحكم شهرتهما الواسعة وموقعهما الفكري المميز، خافية على متابعيهما الكثر من القراء والدارسين، فإن الكثير من تفاصيل العلاقة وأحداثها ومجرياتها كان يمكن أن يظل في عهدة المجهول، لو لم تشر الكاتبة إليزابيث يونغ بروهل إلى أن علاقة هايدغر بأرندت موثقة بشكل سري، عبر عشرات الرسائل المخبأة في الأرشيف الأدبي لمدينة مارباخ الألمانية. لكن العامل الأساسي الذي دفع هيرمان، ابن هايدغر ووريثه الشرعي، إلى نشر هذه الرسائل، هو حرصه التام على إظهار حقيقة العلاقة بين والده وعشيقته أرندت، بعد أن رأى هيرمان في كتاب ألزبييتا إتينغر «حنة أرندت – مارتن هايدغر: قصة»، افتئاتاً على أبيه وتشويهاً متعمداً لصورته وسلوكياته، وفق ما يذكره المترجم حميد لشهيب في مقدمته المسهبة للرسائل التي تبادلها العاشقان.
والواضح من سياق الأحداث، أن شغف أرندت، ابنة الثامنة عشر عاماً، بقضايا الفلسفة والفكر، هو الذي دفعها للذهاب إلى مدينة كونيكسبيرغ للالتحاق بجامعتها، والتتلمذ على مارتن هايدغر الذي كان لحظة التقائها به في الخامسة والثلاثين من عمره، كما كان حينها قد أصاب قدراً غير قليل من الشهرة في الأوساط الفلسفية الألمانية والغربية. ومع ذلك، فإن أرندت لم تكن تتوقع من الفيلسوف الشاب أن يتجاوز في علاقته بها حدود التفاعل الفكري والمعرفي بين طالبة مجتهدة ومتعطشة للمعرفة، وبين أستاذها الفيلسوف. وإذ تكشف رسالة مارتن الأولى لطالبته المجتهدة والمتوقدة ذكاءً، عن أن مشاعر عاطفية من نوع ما كانت قد بدأت تشق طريقها إلى التبلور بين الطرفين، فإن الطبيعة الحذرة لهايدغر قد أملت عليه الحذر والتحفظ في التعبير عن مشاعره، إلى حد أنه لجأ إلى التلطي بصيغة الجمع في رسالته الأولى لتلميذته، حيث يقول «لا بد لي من مخاطبتكم اليوم والتحدث إلى قلبكم. لقد حصل لنا الشرف بالتعرف على بعضنا بعضاً، وأن تصبحي طالبة لي، وأن أصبح أستاذاً لكم». لكن ذلك التحفظ لم يمنع الأستاذ العاشق من أن يضيف لاحقاً قوله لها «لن أستطيع امتلاككم أبداً، لكنك ستنتمين من الآن فصاعداً إلى حياتي، وسينمو هذا الأمر فيكم». إلا أن هايدغر لم ينتظر بعد ذلك سوى أيام قليلة لكي يسمح لمشاعره بالانفلات من عقالها، حتى إذا ضجر من التنظير العقلي وغلبه الشعر على أمره، كتب لأرندت «إن في روحك الشابة البهجة الصانعة لحياتنا. قريباً ستستيقظ الأزهار التي ستقطفها يداك الجميلتان، وسيمر الطحلب في نهاية الغابة عبر أحلامك الروحية».
واللافت في هذا السياق، أن أرندت قد تريثت بداية في الرد على رسائل أستاذها المتلاحقة عام 1925، حتى إذا قررت الإجابة فيما بعد، حوّلت رسالتها الأولى إلى مطالعة عميقة ومؤثرة حول مكابداتها الفكرية وعالمها الداخلي، فأعطت للرسالة عنوان «الظل»، وكتبت عبر ضمير الغائب «من الممكن أن ينزلق شبابها تحت سماء أخرى إمكانيات التعبير والخلاص، وتتجاوز المرض والتيه وتتعلم الصبر، لكن من الممكن أيضاً أن تتآكل حياتها في تجارب لا أساس لها، وفي حب للاستطلاعٍ بلا ركائز». إلا أن هايدغر لم يكن من النوع القابل للتقهقر والاستسلام؛ لذلك فهو يواصل العزف على وتري العاطفة والعقل، مكرراً من جهة، التعبير عن حبه الجارف لأرندت، وملحاً من جهة أخرى على التنظير للحب بوصفه أداة فعالة في وجه الوهن والتشظي، وتجسيداً للكينونة في بعدها الجوهري، كما هو حال الشعر تماماً.
بعد سنتين من بدء العلاقة تقرر «حورية الغابة» الهرب من «قرصان البحر»، كما كان يحلو لكل منهما أن يسمي الآخر. ولم يكن انتقالها إلى مدينة هايدلبرغ ناجماً عن الوقوع في دوامة الضجر، ولا رغبة منها في إنهاء العلاقة، بل لأنها على الأرجح أرادت أن تختبر مشاعر صاحب «إنشاد المنادى» إزاءها، وإثارة غيرته في الوقت ذاته. ومع أن رسائلها إليه كانت تتسم بدايةً بالتحفظ النسبي، فإن المسافة الفاصلة بينهما دفعتها إلى الخروج من ذلك التحفظ، فكتبت له قائلة «إنني أحبك كاليوم الأول، والطريق الذي أرشدتني إليه هو أطول وأصعب مما كنت أعتقد. لكن الطريق ليس شيئاً آخر غير المسؤولية التي يعطيني إياها حبنا، وسأفقد حقي في الحياة لو فقدتُ حبي لك». ولكن الأمور لم تسر بعد ذلك كما اشتهت لها أن تسير، فحين قامت بإبلاغه أنها تنوي الزواج من تلميذه غونتر شتيرن، لم يُظهر استياءً ولا ابتهاجاً، بل تمنى لها السعادة فيما هي مقبلة عليه، مما حدا بها إلى تنفيذ قرارها بالزواج على جناح السرعة. ومع أن الوضع الجديد جعلهما متعادلين في وضعهما العائلي، إلا أن علاقتهما استمرت لسنوات عديدة لاحقة، قبل أن تعصف بها رياح الخلافات الفكرية والسياسية، حيث فاجأ هايدغر الجميع بوقوفه إلى جانب المد الهتلري المتصاعد، في حين لم تجد أرندت المطاردة من النازيين، بسبب ديانتها اليهودية ومناوأتها الشرسة للعنصرية، سبيلاً للخروج من المأزق الصعب، سوى الهرب إلى الولايات المتحدة، قاطعة بذلك سبل التواصل بينها وبين صاحب «الكينونة والزمن»، لسبع عشرة سنة لاحقة.
كانت المسافة الزمنية الفاصلة بين الطرفين كافية تماماً لنسيان كل منهما الآخر لو كانا راغبين في ذلك، لكن ما حدث فيما بعد أكد بالقطع أن نيران الحب الذي جمعهما، كانت لا تزال تتوهج تحت الرماد. لكن قرار أرندت العودة إلى ألمانيا عام 1949، بدا بمثابة قرار متعمد بالرجوع إلى كنف «القرصان» الذي شرّع أمامها طريق المغامرة القلبية والعقلية. أما اعترافها الواضح لزوجها الثاني هانريك بلوخر عن خشيتها من أن يكون هايدغر غير راغب في لقائها من جديد، فلم يمنعها من القيام بغير محاولة للقائه، قبل أن تنجح في تحقيق هدفها عام 1950، عن طريق عامل الفندق الذي يقيم فيه. غير أن دخول زوجة هايدغر على خط العلاقة المستأنفة، لم يسهل الأمور على الفيلسوفين المتحابين، حيث أكدت حنة في رسالة بعثت بها إلى زوجها بأن أندريا التي كانت تعرف بالعلاقة منذ ربع قرن قد نجحت في تحويل حياته إلى جحيم، لتضيف قائلة «أعتقد بأنني ما دمت على قيد الحياة، فإن زوجته مصممة على إغراق كل اليهود، إنها سخيفة سوداء، لكنني سأحاول ترتيب الأمور في حدود الممكن».
لكن سوء التفاهم المزمن بين الزوجة والعشيقة، ما لبث أن أخذ طريقه إلى التبدد بفعل قبول الأولى بالأمر الواقع، وتفهم الثانية مشاعر أندريا المطعونة في الظهر، والتي تصر على التمسك بزوجها رغم كل ما يعتور علاقتها به من عثرات. وإذ يقارن حميد لشهب بين سلوك ألفريدا التسلطي إزاء هايدغر وسلوك إليزابيث المماثل إزاء أخيها نيتشه، يرى في الوقت نفسه بأن كلاً من الزوجين «اللدودين» لم يتورع منذ البداية عن خيانة الآخر. ففي حين حملت ألفريدا بابنها الثاني هيرمان من صديقها الطبيب فريدل سيزار، لم يتوانَ مارتن، بموازاة علاقتيه المعروفتين بزوجته وبأرندت، عن نسج علاقات أخرى مع الأميرة مارغوت فون – ساكسون وصوفي بودفيلس وماريلينا بوتشر، ودوروتي فييتا وكثيرات غيرهن. إلا أن سوء التفاهم المزمن بين ألفريدا وأرندت، ما يلبث أن يأخذ طريقه إلى التبدد، لا بفعل تفهم الأخيرة لمشاعر الأولى وتقربها منها فحسب، بل بفعل تنظيم التعايش مع الفيلسوف المدمن رغم كهولته الزاحفة على العشق، والذي اضطرت زوجته إلى نقله إلى المستشفى والسهر على شفائه، إثر إصابته بنوبة قلبية داهمة وهو يضطجع إلى جوار إحدى صديقاته في ميونيخ.
وما يمكن ملاحظته في هذا الصدد، أن العلاقة بين أرندت وهايدغر لم تعد تتسم في «نسختها» الثانية بذلك الجموح العاصف الذي اتسمت به زمن إطلاقتها الأولى. ومع أن الخيارات السياسية المتعارضة التي باعدت بين الطرفين، قد تم تجاوزها بعد أن حطت الحرب أوزارها، فالأرجح أن زواج أرندت الثاني من هاينريش بلوشر، إضافة إلى تقدّم هايدغر في السن، قد طبعا العلاقة بين الطرفين بطابع الصداقة والألفة الحميمة والتفاعل الإنساني والفكري. فصاحب «دروب موصدة» لم يعد يذيل رسائله إلى حبيبته الدائمة بتوقيع «مارتينك»، كما كان يفعل في شبابه، بل بات يختمها بنوع من المجاملة المتكلفة، من مثل «سلمي على زوجك»، أو «لك تحيات زوجتي». لا، بل ذهبت الأمور أبعد من ذلك، بحيث شرعت كل من أرندت وألفريدا في تبادل الرسائل الودية المباشرة، منحيّتين جانباً كل ما كان يباعدهما من مشاعر الغيرة أو المنافسة أو الضغينة السابقة.
وقد كان من الواضح تماماً أن حالة من الحزن والإحساس المرير بفوات الأيام قد بدأت تلقي بظلالها على سلوك المفكرين الشهيرين. وإذ تفاقمت تلك الحالة لدى أرندت إثر رحيل زوجها هاينريك، فقد وجدت في مضاعفة رسائلها لهايدغر ما يخفف عنها الشعور بوطأة العزلة وألم الفراق. ومع بلوغه الثمانين، تحتفل أرندت على طريقتها بالرجل الذي أحبته بكل جوارحها، فتوجه إلى العالم بأسره مطالعة مسهبة مفادها أن صاحب «الكينونة والزمن» هو الذي تكفل بهدم عمارة الميتافيزيقيا الموروثة ليجعل من الفلسفة مساحة واسعة للتفكير العميق والحفر المعرفي، مجترحاً علم فراسة مغايراً للقرن الذي ينتمي إليه.
أما الأمر الذي لم يدر في خلد الفيلسوف العجوز، فهو أن تسبقه أرندت إلى الموت، عام 1975. وكما هو شأن الكثير من العشاق الذين يتشابهون بحكم العادة في النظرة إلى العالم والأشياء، بقدر ما يتشابهون في الأقدار والمآلات، فإن هايدغر لم يلبث أن استسلم هو الآخر لمصيره المحتوم، بعد أشهر قليلة من رحيل المرأة الوحيدة التي لامست شغاف قلبه، والتي كتب لها في إحدى قصائده القليلة:
في العبور اللاذع للألم الطويل
ينمو حسنكِ الذي يُعتبر ليونةً وشراسةً
في الآن ذاته
وينتحب ببهائه وجمره
من دموع لم تسل أبداً ومحافَظ عليها
ويحمل لي كصرخةٍ عميقةٍ واقية
نعمةً مشبعةً
للشمس التي لا تُطفأ


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
TT

متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)

احتفت متاحف مصرية بالمرأة خلال شهر مارس (آذار) الحالي الذي وافق اليوم العالمي للمرأة في الثامن من الشهر، كما يوافق عيد الأم 21 من الشهر نفسه، عبر اختيار قطع أثرية لمقتنيات نسائية وتماثيل النساء من العصور القديمة، ومنسوجات عليها رسوم تجسد المرأة، وصور ومتعلقات من مكاحل وأمشاط وغيرها.

وتحتفي المتاحف المصرية بدور المرأة عبر التاريخ، وتسلّط الضوء على نماذج مشرّفة لنساء أسهمن بعطائهن وإنجازاتهن في خدمة المجتمع، وتركْن بصمات خالدة في مجالات العمل الإنساني والثقافي والحضاري، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الجمعة.

ومن بين القطع الأثرية التي اختارتها بعض المتاحف لتكون قطعة شهر مارس، وفق تصويت إلكتروني لزوار المتاحف والجمهور، أبرز متحف مطار القاهرة الدولي تمثالاً صغيراً من البرونز للإلهة إيزيس وهي جالسة تُرضع طفلها حورس، ويعلو رأسها تاج يتكون من قرنين يتوسطهما قرص الشمس. وقد اتخذ المصريون القدماء من الإلهة إيزيس رمزاً للأمومة والحماية.

ويعرض متحف إيمحتب بسقارة تمثالاً للإلهة إيزيس في هيئة آدمية جالسة ترتدي تاج القرنين وقرص الشمس، وتحمل طفلاً صغيراً يمثل الإله حورس.

بينما يعرض متحف الإسماعيلية لوحة من الحجر الجيري تعود للدولة القديمة تمثل الثالوث المقدس في نقش بارز، حيث تظهر إيزيس على اليمين وحورس على اليسار، بينما يتوسطهما الملك ممثلاً للإله أوزيريس، في مشهد يعكس دور إيزيس كحامية للملك ولابنها حورس.

الثالوث إيزيس وأوزيريس وحورس (وزارة السياحة والآثار)

كما يعرض متحف كفر الشيخ (دلتا مصر) رأس تمثال من الجرانيت للملكة برنيكي الثانية، ابنة ماجاس حاكم قورينية والملكة أباما السورية، التي وُلدت عام 267 ق.م، وحكمت مصر في أثناء حرب الملك بطليموس الثالث ضد الملك سلوقس الثاني.

ويعرض متحف طنطا (دلتا مصر) تمثالاً من الحجر الجيري للإلهة تاورت، إلهة الحمل والإنجاب عند المصري القديم، التي صُوّرت في هيئة أنثى فرس النهر.

كما يعرض متحف الإسكندرية القومي تمثالاً من البرونز للإلهة إيزيس من العصر البطلمي، ويصورها في وضع الجلوس وهي تُرضع الطفل حربوقراط (حورس).

ويعرض متحف الأقصر للفن المصري القديم مرآة من البرونز كانت من أهم أدوات الزينة والتجميل منذ أقدم العصور، ويعرض متحف النوبة بأسوان تمثالاً من الغرانيت للأميرة آمونرديس، ابنة الملك كاشتا وأخت الملك بعنخي، التي شغلت منصب الزوجة الإلهية للإله آمون.

من المعروضات المتحفية المختارة في شهر مارس (وزارة السياحة والآثار)

ومن العصور الوسطى والعصر الحديث يعرض متحف الفن الإسلامي مكحلة من العاج المطعّم بالصدف ترجع إلى العصر المملوكي، ويعرض المتحف القبطي قطعة من النسيج القبطي تصور المرأة بأشكال مختلفة، ومن بينها قطعة تحمل صورة نصفية لسيدة بكامل زينتها، تحيط بها جامات زخرفية تضم طيوراً متنوعة.

بينما يعرض متحف المركبات الملكية ببولاق صورة فوتوغرافية من فترة حكم الأسرة العلوية، وهي صورة للسلطانة ملك، الزوجة الثانية للسلطان حسين كامل، التي لُقبت بـ«أميرة الفقراء وراعية الأيتام» تقديراً لأعمالها الخيرية الواسعة. وقد اشتهرت بعطائها الإنساني، خاصة خلال شهر رمضان.

أما متحف ركن فاروق بحلوان (جنوب القاهرة) فيعرض صورة فوتوغرافية للأميرة فوزية فؤاد التي اشتهرت بدعمها للأعمال الخيرية وحقوق المرأة، حيث تولت رئاسة مبرة محمد علي لفترة طويلة، وأسهمت في تنفيذ العديد من البرامج الخيرية لخدمة الفقراء وإنشاء المستشفيات ومكافحة الأوبئة.

بينما يعرض متحف المجوهرات الملكية بالإسكندرية لوحة زيتية للأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل، التي تعد من أبرز الداعمين للتعليم في مصر، حيث تبرعت بمجوهراتها والأرض التي أُقيمت عليها الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حالياً).

من القطع الأثرية التي تحتفي بالمرأة (وزارة السياحة والآثار)

ويعرض متحف جاير أندرسون بالسيدة زينب (وسط القاهرة) شكمجية من الخشب المطعّم بالصدف تتكون من درجين تعلوهما مرآة صغيرة بين قائمين، وترتكز على أربع أرجل تنتهي كل منها بشكل كروي ومذهّب.

ويعرض متحف الشرطة القومي بقلعة صلاح الدين مشطاً خشبياً مزيناً بزخارف هندسية ونباتية دقيقة ومطعّماً بالصدف، وقد زُيّن أحد جانبيه بثلاث جامات دائرية تتوسطها جامة كُتب بداخلها: «إن الشيطان لكم عدو مبين».

ويأتي تقليد اختيار قطعة الشهر في متاحف الآثار المصرية ليؤكد على التفاعل بين الجمهور الذي يختار القطع الأثرية عبر تصويت على «فيسبوك»، والعرض المتحفي، وتفاعل المتاحف مع المناسبات المختلفة المحلية والعالمية.


طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
TT

طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)

قلّة من جيل اليوم تتذكّر اسم متعهّد الحفلات اللبناني من أصل أرمني طوروس سيرانوسيان، فهو شخصية فنّية عملت منذ الستينات حتى الألفية الثانية على تعزيز موقع لبنان الفنّي في العالم. وبرحيله تُطوى صفحة من مجد الزمن الجميل في لبنان، فصاحب اللقب الأحبّ إلى قلبه «وزير السياحة المتنقّل» أسَّس «مهرجانات جبيل» في أوائل السبعينات، وكذلك «مهرجانات دير القلعة»، ناشراً بذلك مفهوم الفنّ المناطقي من خلال إحياء حفلات ضمن المهرجانات. وكان يتذكّر تلك المرحلة راوياً: «عام 1970 قدّمت إلى وزارة السياحة طلباً لإقامة مهرجانات في جبيل. وافقت وأعطتني حقاً حصرياً لـ10 أعوام. صرفتُ أكثر من نصف مليون دولار، واشتريت من إنجلترا أجهزة صوت وإنارة. أضأتُ القلعة والطرقات المؤدّية إليها، فكتب رئيس بلدية جبيل الدكتور أنطوان شامي: (كان الشوك يفترش أرض قلعة جبيل فأنارها طوروس سيرانوسيان وجعل منها منارة)».

ومن خلال «بيت الفنان اللبناني» الذي أسَّسه عام 1987، خلق صلة وصل بين متعهّدي الحفلات في الخارج ونجوم لبنان.

كتب مذكراته في كتاب «مذكرات في ذكريات» (فيسبوك)

لم يكن يفصل بين علاقات العمل والصداقة، بل كان يفتخر بذلك ويقول: «ربحت صداقة جميع الفنانين اللبنانيين وأكثرية الفنانين العالميين». أما الأحبّ إلى قلبه من زمن الفن الجميل، فكانت الراحلة صباح التي تولّى إدارة أعمالها لـ30 سنة متتالية، فاحتلّت مكانة خاصة لديه؛ إذ كان يعدّها من أهم المطربات في العالم العربي.

وكان سيرانوسيان أول مَن استقدم نجوماً أجانب إلى لبنان، فقد أحضر شارل أزنافور 6 مرات، في حين زار جيلبير بيكو بيروت لإحياء 5 حفلات، وتفوّقت عليهما داليدا بإحيائها في مرحلة السبعينات 7 حفلات غنائية من تنظيم سيرانوسيان. وكذلك الأمر بالنسبة إلى ديميس روسوس، وراي تشارلز، وغلوريا غاينر. وكان في كلّ مرة يزور فيها باريس أو اليونان يتواصل مع هؤلاء النجوم محافظاً على صداقته معهم لعقود متتالية.

بالنسبة إليه، فإنّ «مهرجانات بيت الدين» هي الوحيدة التي استطاعت الحفاظ على مكانتها الرائدة بين المهرجانات الأخرى. في المقابل كانت لديه ملاحظات على مهرجانات لم تعرف، وفق رأيه، التعمُّق أكثر فيما يطلبه الجمهور اللبناني وما يراعي مشاعره الوطنية.

تولّى إدارة أعمال الراحلة صباح لـ30 سنة (فيسبوك)

ولم يكتفِ سيرانوسيان بإحياء حفلات لفنانين لبنانيين وغربيين بين لبنان والعالم، بل أسهم أيضاً في صناعة نجوم غناء. من بين هؤلاء الثنائي نينا وريدا بطرس في أوائل التسعينات. اكتشف موهبتهما بعدما حضر لهما حفلات فنّية، لا سيما أنّ الأختين كانتا قد فازتا بالميدالية الذهبية في برنامج «استوديو الفن» لهواة الغناء. وبذلك كان سيرانوسيان أول مَن أطلق ثنائياً غنائياً في لبنان والعالم العربي. ومن أشهر أغانيهما «لولي»، و«بأمارة إيه»، و«البلدي وبس».

وحرص الراحل على توثيق هذه المسيرة الطويلة في كتابه «مذكرات في ذكريات»، فاستعرض كواليس العمل مع العمالقة وأسرار صناعة المهرجانات الكبرى، ليكون مرجعاً للأجيال القادمة في إدارة الفنّ والترفيه. وضمَّ الكتاب سيرته الذاتية والمواقف الصعبة التي واجهها خلال مشواره.

وبرحيل طوروس سيرانوسيان يفقد لبنان أحد مؤسِّسي العمل النقابي والفنّي وداعمي المواهب الشابة. وكان الراحل وديع الصافي من أكثر المعجبين به، وقد وصفه بأنه «الرجل التاريخي في رفع اسم لبنان فنّياً وثقافياً».

وإثر إعلان وفاته، نعاه عدد كبير من معاصريه، بينهم الإعلامي والناقد الفنّي جمال فياض الذي كتب كلمات مؤثرة: «رحل طوروس سيرانوسيان... حبيبنا وصديقنا ورفيق الأيام الحلوة والزمن الجميل. رحل الطيب الآدمي، الفنان الذي احترم كلمته ووعده في كلّ عمل قام بإنتاجه. دعم وقدَّم كثيراً للفنانين في بداياتهم حتى نجوميتهم. طوروس الحبيب... نفسك في السماء».


حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
TT

حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة المصرية إطلاق حملة ترويجية للمقاصد السياحية في مصر، تتضمن تصوير مقاطع فيديو للسائحين يوثقون فيها تجاربهم، ويتحدثون عن انطباعهم حول المقصد السياحي المصري الذي زاروه.

وتتضمن الحملة مقاطع فيديو في أماكن متنوعة، من بينها مقاصد تاريخية مثل المعابد والأهرامات ومناطق السياحة الثقافية عموماً، وكذلك مقاطع فيديو في السواحل المصرية؛ حيث السياحة البيئية والشاطئية والعلاجية وسياحة المؤتمرات.

وتأتي هذه الحملة، التي تنفذها الهيئة العامة للتنشيط السياحي بالتعاون مع الاتحاد المصري للغرف السياحية، في إطار توجيهات وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، بضرورة توثيق ونقل تجارب السائحين من مختلف الجنسيات بشكل يومي خلال زيارتهم الحالية لمصر، بما يعكس ما تنعم به البلاد من أمن وأمان واستقرار، ويبرز استمتاع الزائرين بتجاربهم السياحية، في ظل التطورات الإقليمية الراهنة، وفق بيان للوزارة، الجمعة.

وتسعى الحملة الإعلامية المصوّرة، التي انطلقت الخميس، إلى إبراز الأجواء الإيجابية والحركة السياحية بالوجهات المصرية؛ حيث تعتمد على تصوير مقاطع فيديو قصيرة مع السائحين بشكل يومي في عدد من الوجهات السياحية المختلفة، يتم نشرها عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي التابعة للوزارة والهيئة والاتحاد والغرف السياحية.

كما تهدف المقاطع إلى التعرف على ردود فعل السائحين وانطباعاتهم، بما يُسهم في رصد مؤشرات الحركة السياحية في ظل الأحداث الإقليمية الراهنة، ودعم الجهود المبذولة للارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للزائرين، وتعزيز تجربة السائح بالمقصد السياحي المصري.

فيديو من الحملة الترويجية أمام الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

وأكد رئيس الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن المقاطع التي يتم تصويرها مع السائحين تؤكد أن الصورة الذهنية للمقصد السياحي المصري ما زالت تعكس شعورهم بالأمن والأمان خلال الزيارة، مشيراً إلى أن الهيئة تحرص على نقل تجارب أكبر عدد من السائحين في الوجهات السياحية المصرية المختلفة.

ولفتت سوزان مصطفى، رئيس الإدارة المركزية للتسويق السياحي بالهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، إلى أن هذه المقاطع تتيح نقل صورة حية ومباشرة للحركة السياحية في مصر، من خلال عرض التجارب الحقيقية للسائحين وانطباعاتهم خلال زيارتهم، وإبراز ما يتمتع به المقصد السياحي المصري من مقومات سياحية متنوعة وبيئة آمنة ومستقرة.

وعدّ الخبير السياحي المصري، محمد كارم، هذه الحملة «من أهم أدوات الترويج حالياً، وهي خطوة توثق تجربة السائحين في المقصد السياحي المصري».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «السائح لم يعد يعتمد على الإعلانات التقليدية، ولكنه ينجذب أكثر للتجارب الحقيقية، فحين نقدم تجارب حية وواقعية تنتقل بسهولة للسائحين الآخرين، وكأن السائح بمنزلة سفير لمصر في الخارج؛ يتحدّث عنها ويبرز تجربته فيها، بما يجذب سائحين آخرين إليها».

الغردقة من المقاصد السياحية المصرية الجاذبة للأجانب (وزارة السياحة والآثار)

وعدّ كارم أن «الهدف الأساسي من هذه الحملة توجيه رسالة بأن مصر دولة آمنة مستقرة تتمتع بالتنوع السياحي من حضارة وتاريخ وطبيعة، ما يُسهم في ترسيخ صورة ذهنية إيجابية للمقصد السياحي، وهو ما أتوقع أن ينعكس على زيادة معدلات الزائرين ومعدلات الإشغالات والإقبال على المقصد السياحي المصري».

ويُمثل قطاع السياحة أحد مصادر الدخل القومي المهمة لمصر، ووصل عدد السائحين الذين زاروا مصر العام الماضي إلى نحو 19 مليون زائر، وهو رقم قياسي لم تحققه من قبل، وتطمح مصر لجذب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031، من خلال برامج ترويجية متنوعة، من بينها برنامج أطلق قبل فترة بعنوان «تنوع لا يضاهى» لتأكيد تنوع الأنماط السياحية التي تتمتع بها مصر، ومن بينها السياحة الثقافية والشاطئية والعلاجية والبيئية والترفيهية وسياحة المؤتمرات والسفاري.