من يصنع «الكرة الذهبية» في باريس؟

أثناء تركيب الكرة على القاعدة (الشرق الأوسط)
أثناء تركيب الكرة على القاعدة (الشرق الأوسط)
TT

من يصنع «الكرة الذهبية» في باريس؟

أثناء تركيب الكرة على القاعدة (الشرق الأوسط)
أثناء تركيب الكرة على القاعدة (الشرق الأوسط)

ليس مهماً من هو اللاعب الذي سينال «الكرة الذهبية» في الأسبوع المقبل. ذلك أمر يترقبه عشاق كرة القدم وجماهيرها العريضة. ما يعنينا هو الكرة نفسها، تلك التي تُسمى بالفرنسية «لو بالون دور». ما وزنها ومن يصنعها؟ وهل هي من معدن الذهب فعلاً؟
ولدت هذه الكرة في باريس عام 1956 بمبادرة من مجلة «فرانس فوتبول». وكان الهدف منها في البداية مكافأة أفضل لاعب يلعب في المنافسات الأوروبية ويحمل جنسية بلد أوروبي. ثم تغير الهدف بين عامي 1995 و2006 وصارت تمنح لأفضل لاعب في المنافسات الأوروبية حتى لو لم يكن أوروبياً. واعتباراً من 2007 صارت تكافئ أفضل لاعب كرة قدم في العالم، دون تمييز بين المنافسات والجنسيات. وبعد أن كانت في فترة من الفترات تمنح بالشراكة بين فرنسا والاتحاد الدولي لكرة القدم، تم فض الشراكة عام 2016 وصارت تمنح وفق لجنة تحكيم عالمية مؤلفة من صحافيين رياضيين. ومنذ الموسم الحالي صار الإعلان عنها يجري في آخر الموسم الرياضي وليس في آخر السنة.
إلى جانب تمثال «الأوسكار» وسعفة مهرجان كان السينمائي وكأس «المونديال»، تعتبر هذه التحفة من أجمل الجوائز في العالم. وهي تصنع، أو بالأحرى تصاغ، لدى الصائغ الفرنسي ميليريو الذي يتخذ من الرقم 9 في جادة السلام مقراً له. وطبعاً فإن صناعتها تحاط بالسرية الكاملة، بحيث لا يتسرب اسم الفائز بها قبل حفل التوزيع. ولعل لور إيزابيل ميليريو، مديرة الدار، هي من القلائل الذين يعرفون السر قبل إعلانه لأنها مكلفة بنقش اسم الفائز على قاعدة الكرة ذات اللون البراق والتي تزن 15 كيلوغراماً. إن لور إيزابيل هي سليلة 15 جيلاً من الصاغة الذين تعاقبوا على العمل في الدار العريقة منذ تأسيسها في القرن السادس عشر. وهي دار تستحوذ على صناعة الجوائز الرياضية في مسابقات عدة، مثل صحن «رولان غاروس» لكرة المضرب وكؤوس مسابقات الخيل في باريس وهونغ كونغ ولوس أنجليس.
يجري التحضير لصناعة الكرة قبل ستة أشهر من منحها. وتمر العملية بسبع مراحل، من التشكيل حتى اللحام والتجميع والصنفرة والنقش والتذهيب والتثبيت على القاعدة المصنوعة من حجر البيريت النادر المستورد من الولايات المتحدة. وهو حجر لامع يوصف بأنه يقي من الشرور. إن شكل الكرة لا يتغير، لكن القاعدة تتغير حسب تقطيع أحجارها. لهذا فإن كل جائزة تختلف عن الأخرى في تفاصيل صغيرة. ثم توضع في مقدمة القاعدة رقعة باسم الفائز وسنة الفوز وشعار «فرانس فوتبول». إنها تحتاج مهارة كبيرة، لا سيما في تركيب 32 مخمساً في هيكلها، وهي عملية تستغرق 100 ساعة من الشغل اليدوي والآلي. وخلال كل تلك المراحل ينكب الصناع المهرة على عملهم بشغف يشبه كبار الطهاة الذين يطبخون طبقاً عالي المذاق. ولعل أجمل المراحل هي النهائية التي تتمثل في غطس الكرة في حوض من الذهب. وبهذا فإنها مطلية بالمعدن الثمين وليست منه بالكامل. لذلك فإن ثمنها الحقيقي لا يتجاوز 13 ألف يورو، مبلغ تافه بالقياس لما يكسبه نجوم الكرة الذين يحلمون بامتلاكها. وجرت العادة أن تحفظ الكرة في خزانة مصفحة بعد الانتهاء من صناعتها وتغلف بغطاء، بحيث لا يلمسها أحد قبل الفائز بها. إن تصميمها لم يتغير سوى مرة واحدة منذ أن منحها للمرة الأولى عام 1956 لستانلي ماثيو، اللاعب الإنجليزي اللامع. ففي البداية تم نقش الكأس بخطين صغيرين على كل رقعة سداسية من الكرة. لكن شركة «أديداس» سعت في عام 2003 لمقاضاة مجلة «فرانس فوتبول» بتهمة التقليد والانتحال. واضطرت المجلة إلى إعادة تصميم الكأس من دون تلك الخطوط الصغيرة.
منذ أربع سنوات صارت هناك كرة ذهبية إضافية للنساء من لاعبات كرة القدم. أما بين الرجال فإن الأرجنتيني ليونيل ميسي هو ملك الكرة الذهبية بعد أن جمع منها سبعاً منذ تأسيسها. وفي 1995 منحت إلى مواطنه دييغو مارادونا وبعده في 2014 إلى البرازيلي بيليه على سبيل التكريم الذي فاتهما خلال مسيرتيهما الرياضية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

أساطير عربية وقصص خيالية تنبض بالحياة في الطائف

«هيا» تستلهم شخصية أليس في بلاد العجائب في حُلة عربية (الشرق الأوسط)
«هيا» تستلهم شخصية أليس في بلاد العجائب في حُلة عربية (الشرق الأوسط)
TT

أساطير عربية وقصص خيالية تنبض بالحياة في الطائف

«هيا» تستلهم شخصية أليس في بلاد العجائب في حُلة عربية (الشرق الأوسط)
«هيا» تستلهم شخصية أليس في بلاد العجائب في حُلة عربية (الشرق الأوسط)

لا يبدو أن مغامرات «أليس في بلاد العجائب» ستتوقف يوماً عند حدود نسخة مُبدعها لويس كارول، فعالمها السحري لا يزال يلهم صناع الأدب والفن. وقد ظهرت مؤخراً في حُلة «محلية» خلال «مهرجان الكُتاب والقرَّاء» في مدينة الطائف، بنسخة سعودية باسم «هيا»، بشعرها الأسود، وردائها الشرقي، وطوق الزهور الذي يزيّن رأسها.

تستقبل «هيا» الزوار في جناحها، وبعد الترحيب بهم تخاطبهم بلهجتها المحلية: «تعرفون أليس تطيح في جحر الأرنب، أما أنا فراح آخدكم لعالم الأساطير العربية».

تصطحب «هيا» الزوار عبر ثلاث قاعات، تأخذهم بين عوالم الغول والسعلاة والعنقاء، التي تأسر اهتمامهم بينما تظهر بطيوفها الخيالية على شاشات العرض.

يتخلل الأفلام القصيرة مقاطع لشعراء عرب، من بينهم الشاعر الجاهلي «تأبط شراً» وهو يخاطب الغول في صحرائه، فيتردد صدى كلماته بتقنيات صوتية مجسمة تضاعف هيبة المشهد، لتصبح محاكاة التراث العربي بالتكنولوجيا المتقدمة محوراً رئيسياً في هذه النسخة من المهرجان.

جناح هيئة الأدب والنشر والترجمة بالمهرجان (الشرق الأوسط)

تؤدي دور «هيا» أكثر من فتاة ترتدي الزي نفسه، لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الزوار، كما يوضح طول الطوابير المنتظرة لتجربة «بين الواقع والخيال».

وتقول إحدى مؤديات الدور، أمنية مجدي، لـ«الشرق الأوسط» وهي تعبر عن دهشتها: «نلاحظ يومياً شغف جمهور المهرجان بالحكايات الخيالية عن هذه الكائنات».

في حين تقول شدى عماد، التي تؤدي أيضاً دور «هيا»: «تجمعنا مع أليس فكرة العجائب نفسها، ولم نتوقع حجم الإقبال على حكايات مثل الغول والسعلاة والعنقاء».

وقع الاختيار على «منتزه الرُدف» في مدينة الطائف لاستضافة فعاليات المهرجان، الذي تشرف عليه «هيئة الأدب والنشر والترجمة»، ويستمر حتى منتصف يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «حضورك مكسب».

«فلونا» و«حي بن يقظان» في عرض مسرحي فانتازي بالمهرجان (الشرق الأوسط)

وقد عزز المكان بمساحاته الخضراء من طابع المهرجان وفلسفته في تقريب التواصل بين الثقافة والجمهور، فصارت التجربة أشبه بـ«نزهة ثقافية» بعيداً عن الندوات والمنصات الحوارية التقليدية.

ويَبرز هذا الطابع في تجوال العائلات بين أكشاك الكتب والحرف التقليدية، وتفاعلهم مع عروض موسيقية شرقية وغربية، وانجذابهم لعروض مسرحية مفتوحة.

ومن بينها عرض يجمع شخصية «فلونا» المستوحاة من عالم روبنسون كروزو مع «حيّ بن يقظان»، فيتبادلان الحوار على الخشبة بطريقة تلامس الصغار والكبار معاً، في تجربة تكشف عن براءة وإنسانية الشخصيات.

منتزه الرُدف أحد المعالم الترفيهية في الطائف (الشرق الأوسط)

ولأن المهرجان يستهدف جميع الأعمار، كان اختيار «الأمير الصغير» مثالياً، بوصفه عملاً بسيطاً ظاهراً لكنه يحوي فلسفة عميقة. جاء حضوره عبر تجربة تفاعلية، إذ يُطلب من كل زائر الإجابة عبر جهاز لوحي عن أسئلة مستوحاة من عالم الرواية، درّة أعمال الأديب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، لينتهي التحليل بتصنيف شخصية الزائر: هل هو واقعي أو حالم، على طريقة «الأمير الصغير».

ولعل فكرة «المعايشة»، أو نقل الزائر إلى قلب العمل الأدبي، كانت من أبرز محاور المهرجان. ففي إحدى الفعاليات، تُستوحى قرية «عصيدة» الخيالية من رواية «ساق الغراب» للكاتب السعودي يحيى أمقاسم، حيث تُعرض على الجدران والأرضيات عبر تقنيات شاشات حديثة، مصحوبة بأهازيج كان يغنيها بطل الرواية «حمود».

وتتضاعف تجربة المعايشة مع المؤثرات الصوتية للمطر ورائحة الحقول المزهرة المنبعثة من الأجهزة المصممة، لتشمل الحواس السمعية والبصرية والشمّية.

ويعلق سلطان محمد المشهوري، الذي يصطحب الزوار في هذه التجربة قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «يتساءل الزوار كيف تتحول الرواية إلى عالم يُعاش، وهل هذه القرية حقيقية أو خيالية، فالتجربة تثير الدهشة سواء لمن قرأ الرواية أو لم يقرأها».

الاعتماد على تقنيات الشاشات أحد سمات العروض (الشرق الأوسط)

كما يؤكد الشاعر والروائي عمرو البطا أهمية تقديم الأعمال الأدبية بشكل جذاب وغير نخبوِي، ويرى أن «التحرر من نمطية تقديم الأدب أمر مهم وفي صالحه».

وفي تجربة أخرى بالمهرجان تحمل اسم «شارك خبرتك»، صُمِّمت مساحة تفاعلية تجمع بين الكاتب والزائر، ما يتيح للزوّار فرصة طرح أسئلتهم مباشرة، والحصول على استشارات أدبية وتوصيات مبنية على خبرات الكاتب ومسيرته الإبداعية.

وتعلق الشاعرة السعودية حوراء الهميلي بعد لقاءاتها بالقراء: «لم أكن أتخيل حجم التفاعل الفردي مع كل قارئ على حدة»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الزاوية تمنح القارئ مساحة خصوصية وحميمية في حواره مع الكاتب، وهي تجربة مثرية للطرفين؛ القارئ والكاتب على حد سواء».


مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
TT

مهرجان الطائف للكتّاب والقرّاء يعيد صياغة العلاقة بين الأدب والطبيعة والفن

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)
من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

مثّلت النسخة الثالثة لمهرجان الكُتّاب والقُرَّاء، الذي أقامته هيئة الأدب والنشر والترجمة، التابعة لوزارة الثقافة السعودية في متنزه «الردف» بمدينة الطائف، مساراً جديداً في صناعة الأدب والثقافة.

وأقيم المهرجان خلال الفترة من 9 إلى 15 يناير (كانون الثاني) الحالي، وفيه قدمت الهيئة للزائر مشهداً ثقافياً متحركاً في الهواء الطلق ما بين الأدب، والفن والمورث، بالإضافة إلى الحكايات والقصص التي شارك فيها الزوار، واحتضن متنزه «الردف» 270 فعالية المهرجان، بحضور نخبة من رواد الأدب في العالم العربي.

الفنون الشعبية التي تشتهر بها مدينة الطائف وعموم منطقة مكة كانت حاضرة بقوة (الشرق الأوسط)

سيرة مدينة وذاكرة المرأة

في أحد ممرات المهرجان جلست سيدات الطائف إلى جوار عملهن من المشغولات اليدوية والملابس التقليدية التي تبرز تنوع ثقافة اللبس لدى المرأة في الطائف واختلافه من موقع إلى آخر، حيث عرضن منتجاتهن التي تحكي سيرة مدينة وذاكرة المرأة، من خلال 20 منصة أعادت الاعتبار للحرفة بوصفها ثقافة ملموسة، لا تقل أثراً عن النص المكتوب.

من اللوحات الجمالية مسار الكتب المعلقة في مهرجان الطائف (الشرق الأوسط)

الكتب المعلقة

بينما يرسل ممر «الكتب المعلقة» رسائل تؤكد على أن القراءة والكتاب ينطلقان في فضاء مفتوح دون قيد أو شرط عبر مجسمات تُرى من بعيد، لكنها تُقرأ من الداخل، فتذكّر الزائر بلغة شاعرية أن المعرفة ليست رفوفاً مغلقة، بل حضور يومي في المكان العام.

ومن خلال الجداريات نقرأ جانباً من سيرة الطائف الأولى، تستعرض من خلالها المدينة الجبلية أجمل مصائفها؛ جبل الهدا، وبساتين الورد، وسوق عكاظ، لا بوصفها معالم جامدة، بل مشاهد حية يشارك الزائر في تشكيلها، في تجربة تمحو المسافة بين الفن والمتلقي، وتمنح المدينة فرصة في أن تُروى بأيدي أهلها.

الفن والموسيقى

من مزايا مهرجان الكتّاب والقرّاء بالطائف التنوع في مسارات الأدب والفنون؛ إذ أقيمت كثير من الحفلات الغنائية على المسرح الرئيسي، ومنها حفل فرقة «هارموني عربي» المصرية التي قدمت أمسية غنائية استقطبت جمهوراً واسعاً، وقدمت خلالها مزيجاً متناغماً من الألحان العربية بصيغة معاصرة، عززت حضور الموسيقى بوصفها لغة مشتركة، ومكوناً أصيلاً في الفعل الثقافي الذي يقدّمه المهرجان.

كما شكلت تفعيلة «منصة الفن» في منطقة «الدرب» مساحة لالتقاء الأدب بالموسيقى، عبر 3 منصات قدمت عروضاً غنائية لفنانين سعوديين صاعدين، في تجربة تفاعلية تعكس تنوع المواهب، وتفتح المجال أمام الأصوات المحلية للظهور ضمن مشهد ثقافي جامع.

الشعر والمحاورة

وفي خطوة فريدة لم يأتِ الشعر على هيئة منصة تقليدية، بل تسلل «بين الطرق»، حيث استمع الزائر لصوت موسيقي، ونصٍ يُقرأ، وشاهد ذاكرة تُحفظ قصائد فصيحة ونبطية، لأسماء معروفة، قُدّمت في أداء حي، مدعومة بالتقنية، لتستعيد القصيدة مكانها الطبيعي بين الناس بشكل جميل يلفت الزائر ويدفعه للإنصات.

وحضر شعر المحاورات بقوة؛ إذ شهدت أمسياته تفاعلاً جماهيرياً لافتاً، شارك فيها شعراء سعوديون قدموا نصوصاً ارتجالية تنوعت موضوعاتها بين الاجتماعي والوطني والتراثي، في تجربة أعادت للشعر حضوره الحي بوصفه مساحة للحوار والمنافسة الذهنية، وقربته من المتلقي بعيداً عن الإلقاء التقليدي.

«الحكواتي» فكرة استقطبت الصغار لمعرفة الكثير من الحكايات التاريخية والأدبية (الشرق الأوسط)

المسرح

تنوّعت العروض المسرحية، بين التفاعلي والكوميدي، في حين خُصص للأطفال عالمهم الخاص، عبر مسرح «الحكواتي»، حيث تعلّم الصغار أن القصة ليست سماعاً فقط، بل مشاركة وخيال وبدايات وعي.

وفي المسار المسرحي، قدم المهرجان برنامجاً متنوعاً عبر 5 مسارح، شملت عروضاً تفاعلية وفكرية واجتماعية، من بينها مسرحية «سيف ودلة وطين» التي استحضرت رمزية الأدوات التراثية في تشكيل الهوية الوطنية، كذلك «الكتاب المسروق» التي قدمت رسالة عن قيمة المعرفة وحماية القراءة، إلى جانب أعمال فلسفية وكوميدية لامست تحولات الإنسان والعلاقات عبر الأزمنة، مؤكدة قدرة المسرح على الجمع بين المتعة والتأمل.

تنوع الفعاليات كان أحد العوامل في استقطاب الزوار للمهرجان (الشرق الأوسط)

رموز الأدب

وربطت هيئة الأدب الماضي بالحاضر في مسارات مختلفة، ومنها مسار الذاكرة؛ إذ شكلت فعالية «أدباء عبر التاريخ» في مسارات المتنزه حالة فريدة بوصفها جولة سردية تستحضر رموز الأدب السعودي الذين أسهموا في تشكيل الوعي الثقافي الوطني، من الشعر والصحافة إلى الفكر والمسرح.

وقدّمت الفعالية سيراً مختصرة لأسماء راسخة، أعادت للزائر صورة جيلٍ مهّد للحركة الأدبية الحديثة، وربط الحاضر بجذوره الثقافية.

ومن الأسماء الأمير الشاعر عبد الله الفيصل، والكاتب عبد الله نور، والأديب محمد حسين زيدان، وأحمد السباعي رائد الصحافة والمسرح الحديث، وحسين سراج أحد روّاد المسرح السعودي، وعصام خوقير الطبيب الأديب، وسعد البواردي صاحب زاوية «استراحة داخل صومعة الفكر»، وإبراهيم خفاجي الشاعر الذي ارتبط اسمه بالنشيد الوطني السعودي، وطاهر زمخشري رائد أدب الطفل، ومحمد حسن عواد أحد روّاد التجديد الأدبي، ومحمد سعيد خوجة الرائد في طباعة كتب التراث.

ومع ختام مهرجان «الكتاب والقراء»، أكدت مدينة الطائف مكانتها الثقافية، حيث تُعدّ أول مدينة سعودية تنال عضوية منظمة «يونيسكو» للمدن الإبداعية في مجال الأدب، فلم يكن المهرجان مجرد «روزنامة» فعاليات تضاف إلى التقويم الثقافي، بل كان امتداداً لصوت قديم ما زال يتردد في فضاء الطائف، منذ كانت الأسواق تُقام للشعر والأدب، وقد أعادت هيئة الأدب والنشر لمتنزه «الردف» بريق الحكايات للتاريخ والمستقبل.

سيدات من الطائف يشاركن من خلال مشغولاتهم اليدوية للتعريف بالكثير من الملبوسات (الشرق الأوسط)


قضم الأظافر من منظور نفسي: عادة أم آلية لحماية الذات؟

هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)
هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)
TT

قضم الأظافر من منظور نفسي: عادة أم آلية لحماية الذات؟

هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)
هناك عدة نظريات تفسّر عادة قضم الأظافر (بيكسلز)

لا يُعدّ قضم الأظافر، ونتف الجلد مجرد ردود فعل لا إرادية، بل يُنظر إليهما بوصفهما آليتين للبقاء، وذلك وفقاً للتحليل النفسي لعاداتنا اليومية.

ولا يوجد سبب واحد واضح لقضم الأظافر، إلا أن هناك عدة نظريات تفسّر هذه العادة. وتشمل النظريات بدء هذه السلوكيات على أنها وسيلة للتأقلم مع المشاعر الصعبة، أو الشعور بالملل، أو الحاجة إلى إشغال اليدين، فضلاً عن إمكانية وراثة هذه العادة من الوالدين، بحسب ما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وقد تبدو هذه السلوكيات غير منطقية، أو غير صحية، بل، ومؤلمة أحياناً. إلا أن الدكتور تشارلي هيريوت-ميتلاند، اختصاصي علم النفس السريري، يشير إلى أننا طوّرنا ما يصفه بـ«الأضرار البسيطة» بوصفها وسيلة لحماية أنفسنا.

وقال هيريوت-ميتلاند لصحيفة «إندبندنت»: «من خلال إحداث إحساس جسدي بسيط، يستطيع الجسم تحويل تركيزه فوراً إلى الجانب الجسدي، مما يساعد على تخفيف التوتر، واستعادة الشعور بالسيطرة». وأضاف: «وهذا يبقى أفضل من البديل، المتمثل في فقدان السيطرة أمام المشاعر الجارفة».

وينقسم كتابه الجديد: «الانفجارات المُتحكَّم بها في الصحة النفسية»، إلى ثلاثة أقسام رئيسة هي: التخريب الذاتي، والنقد الذاتي، وإيذاء الذات. وقد تشمل هذه السمات سلوكيات يومية، مثل تجاهل صديق جديد، أو السعي إلى الكمال، أو قضم الأظافر.

وأوضح أن نتف الجلد، وقضم الأظافر يُعدّان من الأشكال الأخف لإيذاء النفس، والتي قد يسهل على الناس استيعابها، في حين تُعتبر المشكلات الأكثر خطورة، مثل الجروح، أو اضطرابات الأكل، أشكالاً أشد حدة. وأعرب الدكتور عن أمله في أن تساعد مناقشة عادات شائعة -ومنها قضم الأظافر ونتف الجلد- الناس على فهم أشكال أخرى من إيذاء النفس التي غالباً ما تُوصم بالعار.

وأضاف: «عندما تُسبّب لنفسك ألماً عبر شدّ الشعر، تشعر براحة فورية بعد ذلك، وكأنك تُحفّز إفراز الإندورفين الطبيعي في جسمك».

ومع ذلك، شدد على أنه لا ينبغي اللجوء إلى هذه السلوكيات فقط من أجل الشعور بالراحة السريعة، بل ينبغي فهمها أيضاً بوصفها وسيلة دفاعية لحماية النفس.

وقال: «الدماغ آلة مصممة للبقاء؛ فهو ليس مبرمجاً لتحقيق أقصى درجات السعادة أو الرفاهية، بل للحفاظ على حياتنا»، مضيفاً: «إنه يحتاج إلى العيش في عالم يمكن التنبؤ به، ولا يحب المفاجآت، ولا يرغب في أن نُفاجأ».

وتعمل هذه الآلية الوقائية وفق مبدأ أساسي مفاده بأن الدماغ يُفضّل التعامل مع تهديد معروف، ويمكن السيطرة عليه، بدلاً من مواجهة احتمال تهديد مجهول، وخارج عن السيطرة.

وتستند الأسس العلمية لهذه النظرية إلى طريقة تطور الدماغ البشري، الذي كان يركّز في المقام الأول على البقاء لا على تحقيق السعادة. فالدماغ مُبرمج فطرياً على رصد الخطر في كل مكان، وهو ما ساعد الجنس البشري على الاستمرار. إلا أن ذلك يعني اليوم أننا أصبحنا أكثر حساسية لأي أذى محتمل، سواء كان جسدياً أو نفسياً.

وفي كثير من الحالات، قد يكون الأشخاص الذين يمارسون عادات مثل قضم الأظافر قد بدأوا بها في مرحلة مبكرة نتيجة الشعور بالقلق، قبل أن تتحول مع الوقت إلى سلوك مكتسب ومتكرر، بحسب ما أشار إليه الدكتور هيريوت-ميتلاند.

ورغم توافر نصائح عملية للتقليل من قضم الأظافر، مثل استخدام مستحضرات مخصّصة، أكد هيريوت-ميتلاند أنه لا توجد حلول سريعة، أو فورية.

وبدلاً من ذلك، شدد على ضرورة فهم الوظيفة النفسية لهذه السلوكيات، والمخاوف الكامنة خلفها، عوضاً عن الاكتفاء بمحاولة التخلص منها دون معالجة جذورها.