تحديات الزراعة في الفضاء العميق

شركتان ناشئتان من «كاوست» تقتربان من إنتاج أغذية لرحلات المريخ

باحثو «ناسا» يجرون التجارب على إنتاج الغذاء في الفضاء
باحثو «ناسا» يجرون التجارب على إنتاج الغذاء في الفضاء
TT

تحديات الزراعة في الفضاء العميق

باحثو «ناسا» يجرون التجارب على إنتاج الغذاء في الفضاء
باحثو «ناسا» يجرون التجارب على إنتاج الغذاء في الفضاء

«المريخ ينادي!»... تلك الجملة برزت في إعلان لـ«وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)»، في يوم الأحد 6 أغسطس (آب) 2021، تطلب فيه مرشحين ليكونوا أحد أفراد طاقم رحلة فضائية في برنامج «محاكاة للحياة في عالم بعيد»، مدته عام واحد يبدأ في خريف 2022، في «مركز جونسون للفضاء»، التابع للوكالة.
وكان قد سبق ذلك، وتحديداً في يناير (كانون الثاني) 2021، إعلان لـ«ناسا»، بالتنسيق مع وكالة الفضاء الكندية، عن بدء فتح باب الترشيحات لمسابقة حملت اسم «تحدي الغذاء في الفضاء العميق». ونظراً إلى أن روّاد الفضاء يحتاجون إلى نظام غذائي صحي، فقد دعت المسابقة إلى البحث عن تقنيات جديدة لإنتاج أغذية آمنة ومغذية وصحية وشهية، تتطلب الحد الأدنى من الموارد وتنتج نفايات محدودة وتناسب الرحلات الفضائية طويلة الأمد.
وخلال شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) 2021، أُعلن عن الفائزين في المرحلة الأولى من المسابقة، حيث اختير 18 فريقاً أميركياً، و10 فرق دولية من خارج الولايات المتحدة الأميركية شملت شركات ومبتكرين من: كولومبيا، وألمانيا، وفرنسا، وأستراليا، وإيطاليا، وتايلاند، والبرازيل، وفنلندا، والهند، والمملكة العربية السعودية، عبر شركتين ناشئتين من «جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)».
يأتي ذلك التحدي نتيجة التطور والاهتمام الكبيرين اللذين يحظى بهما مجال تقنية الفضاء، حيث يبحث المبتكرون عن طرق جديدة لتوسيع الوجود البشري خارج كوكبنا ولإدارة موارد الفضاء.

غذاء فضائي

لماذا إنتاج الغذاء في الفضاء؟ في البداية كانت الوجبات الأولى في الفضاء غير مستساغة. وفي حين تحسّن طعام رواد الفضاء بعض الشيء، فإنهم لا يزالون حتى اليوم يعودون إلى منازلهم متلهفين لتناول طبقهم المفضل.
في عام 1961، أصبح رائد الفضاء السوفياتي يوري غاغارين أول إنسان يدور حول الأرض، كما كان أول شخص يأكل في الفضاء. وتضمنت وجبة غاغارين، الخالية من الفتات، حصتين من اللحم المهروس، مخزنتين بعناية في حاويات تشبه أنبوب معجون الأسنان.
في العام التالي، أصبح رائد الفضاء جون غلين أول أميركي يدور حول الأرض، ولم يكن اختيار وجبته أفضل من وجبات غاغارين.
في ذلك الوقت، كان لدى العلماء مخاوف أكبر من إرضاء ذوق رواد الفضاء، ولم يعرف أحد كيف سيتفاعل الجسم مع تناول الطعام في بيئة تنعدم فيها الجاذبية، وهل سيكون بمقدور رواد الفضاء ابتلاع الطعام وهضمه؟ لحسن الحظ، تعامل جسم غلين مع وجبة الفضاء بشكل طبيعي.
بعد ذلك حصل رواد فضاء على طعام صلب، واختفت أنابيب معجون الطعام. واليوم يتناول رواد الفضاء في «محطة الفضاء الدولية ISS))»، التي تبعد 250 ميلاً عن الأرض، بشكل أساسي الأطعمة المعلَّبة أو المجففة والمجمَّدة المرسلة من الأرض. وفي محاولة للتقليل من ذلك، طوّرت «ناسا» نظاماً على متن المحطة يطلق عليه «فيجي» لإنتاج مجموعة من الخضراوات، مثل الخس والكرنب والخردل والكيل الأحمر الروسي وأزهار الزينيا.
أما في الرحلات المستقبلية لغزو الفضاء، والتي ستكون طويلة، فسيحتاج رواد الفضاء لمصدر يمدّهم بالغذاء والأطعمة الطازجة على مدى أشهر أو سنوات طويلة. وفي هذه الحالة لن تمدَّهم الأغذية المجمّدة بالعناصر الغذائية والفيتامينات اللازمة لمنع إصابتهم بأمراض؛ مثل اضطرابات القلب والشرايين وجريان الدم.

فكرة التحدي

تعدّ مسابقة «تحدي الغذاء في الفضاء العميق» جزءاً من التحديات الكبرى، وهي سلسلة واسعة من المسابقات التي تنظمها «ناسا»، وتفتح المسابقة أبوابها أمام الشركات الرائدة التي تُعنى بتقديم حلول وتقنيات جديدة للمشكلات المتعلقة بالفضاء.
وفي حين تغامر «ناسا» بعيداً في الكون، ستتغير تجربة رائد الفضاء، استعداداً لتحديات الحياة الواقعية للبعثات المستقبلية إلى المريخ. وستدرس الوكالة كيفية استجابة الأفراد المتحمسين للغاية، في ظل صرامة محاكاة أرضية طويلة الأمد.
تتضمن سلسلة المهام - المعروفة باسم «صحة الطاقم وتناظرية استكشاف الأداء» - 3 عمليات محاكاة لسطح المريخ لمدة عام واحد في «مركز جونسون للفضاء»، التابع للوكالة؛ من أجل تطوير أساليب وتقنيات لمنع وحل المشكلات المحتملة وإنتاج الغذاء في مهام رحلات الفضاء البشرية المستقبلية إلى القمر الذي يبعد عن الأرض 238 ألفاً و855 ميلاً في المتوسط، والمريخ الذي يبعد 33 مليون ميل بوصفها أقصر مسافة.

تقنيات «كاوست» الفائزة

وقع الاختيار على شركتي «ناتوفيا» و«إدامة»؛ وهما من شركات التقنية الزراعية الناشئة في «كاوست»، ضمن قائمة الفائزين العشر في المرحلة الأولى من المسابقة، التي اختتمت أعمالها في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2021.
وكان تكريم وكالة «ناسا» و«وكالة الفضاء الكندية»، للفريق المشترك من «ناتوفيا» و«إدامة»، اعترافاً بتميز الشركتين في طرح حلول مبتكرة، وتطوير تقنيات جديدة لإنتاج الغذاء في الفضاء.
ومن مقرهما في «مجمع الأبحاث والتقنية» في «كاوست»، تضافرت جهود وخبرات الشركتين بوصفهما فريقاً واحداً، لمواجهة هذا التحدي وخوض غمار المسابقة معاً؛ إذ جاء الحل المقترح لهذا الثنائي المميز جامعاً بين أنظمة الزراعة المائية (دون تربة) الأوتوماتيكية المتقدمة، وأنظمة زراعة الطحالب الكبيرة، وأنظمة التسميد، التي تُدمج بسلاسة في نظام بيئي؛ لإنتاج غذاء يتميز بتكلفة صيانة منخفضة، وسهولة الاستخدام، واحتوائه حلقة تكرارية مغلقة.
ويرتكز هذا النظام على فكرة أساسية؛ وهي استعادة الموارد من النفايات، ومن ثم إعادة استخدامها بكفاءة بهدف زيادة الإنتاجية وتقليل الاعتماد على المُدخلات الخارجية.
كما يمكن أن يوفر هذا النظام قائمة متنوعة ومغذية من الطعام، تضم الفواكه والخضراوات والمكملات الغذائية المصنعة من الطحالب.
وفي سياق الحديث عن أهمية المسابقة وما يترتب عليها من إنجازات في مجال استكشاف الفضاء، قال جيم رويتر، المدير المساعد لـ«مديرية مهام تقنية الفضاء»، التابعة لوكالة «ناسا»: «الوكالة متحمسة لإشراك الجميع في تطوير التقنيات التي من الممكن أن تقدم تغذية صحية لمكتشفي الفضاء العميق، حيث إن التطورات التقنية وما تحققه الشركات مثل (ناتوفيا) و(إدامة) من إنجازات، تعمل على تعزيز مسيرتنا في اكتشاف الفضاء العميق».
وبصفتها الشركة الأولى من نوعها في المملكة العربية السعودية، تقدم «إدامة» حلولاً لإعادة تدوير النفايات العضوية للبلديات والمجتمعات الصغيرة؛ بهدف تغيير طريقة إدارة النفايات في المملكة.
يذكر أنه في عام 2018 كانت الشركة واحدة من 6 فائزين في «برنامج مسرّعة الأعمال»، المعروف باسم «تقدُّم»، التابع لـ«كاوست»، وهو إنجاز بارز ساهم في إنشاء مرفق تسميد تجريبي.
وقد عبّر ميتشل مورتون، المدير التنفيذي للتقنية والشريك المؤسس لشركة «إدامة»، عن سعادته قائلاً: «اختيار وكالة (ناسا) لشركتنا لهو شرف عظيم لنا، ودليل على توفيق خُطانا، وتشجيع كبير للمضي قدماً في عملية التطوير التي نقوم بها».
أما «ناتوفيا» فهي شركة أنشأتها «كاوست»، أو بالأحرى مختبر أبحاث حاصل على العديد من الجوائز، مختص في أنظمة الزراعة المائية التي توفر تقنية زراعة منزلية فريدة من نوعها، بحيث تنمو النباتات والأعشاب الطازجة على مدار العام.
وقد تلقت الشركة مبلغ مليوني دولار أمريكي من «صندوق كاوست للابتكار»، في عام 2021؛ بهدف مساعدتها على إطلاق منتجها في السوق، حيث تعتمد على ابتكار يسمى «نسبريسو للنباتات والأعشاب»؛ وهو حديقة داخلية مؤتْمتة بالكامل (قائمة بذاتها).
من جانبه، أضاف غريغوري لو، مؤسس شركة «ناتوفيا»: «هذه الجائزة من (ناسا) اعتراف كبير بمدى أهمية ابتكار (ناتوفيا). ومع وجود التقنيات المتطورة في (كاوست)، وبشراكتنا مع (إدامة)، فسنتمكن من مجابهة التحديات التي تطرأ على العديد من الصناعات. وفي حال تمكن (ناتوفيا) من زراعة النباتات في الفضاء، فسنتمكن من زراعتها في أي مكان؛ في المنزل أو المكتب أو المطعم».
من ناحية أخرى، تعمل الشركتان، في الوقت الحالي، على استكشاف مصادر للتمويل كي تتمكنا من المشاركة في المرحلتين الثانية والثالثة من المسابقة، خصوصاً أن لديهما من الخبرة والمهارة، ما يؤهلهما للمضي قدماً في المنافسة.
وتستمر المرحلة الثانية حتى مارس (آذار) 2023، وسيتعين على المشاركين إنشاء وعرض نموذج أولي لتقنيتهم المقترحة أمام لجنة مشتركة من وكالة «ناسا» و«وكالة الفضاء الكندية».
وتنتهي هذه المرحلة لتبدأ مرحلة الاختيار؛ حيث سيُختار 3 مشتركين دوليين، جنباً إلى جنب، مع الشركات الأميركية للمنافسة في المرحلة الثالثة الأخيرة.
أما الفائز في المرحلة الأخيرة فسيشترك مع «ناسا» لتطوير تقنيات إنتاج الغذاء التي سيزوَّد بها طاقم مكون من 4 رواد فضاء، خلال مهمة استكشاف تصل مدتها إلى 3 أعوام ذهاباً وإياباً.
يقول روبين غاتينيز، مدير برنامج المحطة الفضائية الدولية بالوكالة: «يمكن لهذه الأنواع من الأنظمة الغذائية أن تقدم منافع كثيرة لكوكبنا، فالحلول المصممة لمواجهة هذا التحدي يمكن أن توفر سبلاً جديدة لإنتاج الغذاء في جميع أنحاء العالم، خصوصاً في المناطق التي تعاني من ندرة الموارد، والمواقع التي تحدث فيها كوارث تدمر البنى التحتية الحساسة».
وتجسّد شركتا «ناتوفيا» و«إدامة» مثالين على أفضل المواهب التي احتضنتها «كاوست» وارتقت درجات عالية من التطور؛ بهدف تنشيط النظام البيئي الذي يتسم بالثراء في الشركات الناشئة السعودية، وحل المشكلات العالمية؛ بما في ذلك مشكلة استدامة الغذاء.
ولا ريب في هذا؛ فبصفتها قلب التقنية العميقة بالمملكة، تسعى «كاوست» بشكل مستمر إلى اقتناص فرص التعاون والاستثمار بهدف الابتكار وإيجاد الحلول في المشكلات العالمية الملحّة المتعلقة بالمناخ والصحة وغيرها من القضايا، ويبرز النظام القوي لريادة الأعمال في مجال النظام البيئي الذي تبنيه المملكة العربية السعودية لحل ما يتعلق به من مشكلات تؤرق العالم بأسره.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مطلوب: خبراء بشريون للمساعدة في تدريب الذكاء الاصطناعي

مطلوب: خبراء بشريون للمساعدة في تدريب الذكاء الاصطناعي
TT

مطلوب: خبراء بشريون للمساعدة في تدريب الذكاء الاصطناعي

مطلوب: خبراء بشريون للمساعدة في تدريب الذكاء الاصطناعي

قبل نحو عام، لفت إعلان انتباه آشلي روان، طالبة الدكتوراه في الفيزياء بجامعة كمبردج. كان الإعلان بسيطاً ولكنه غير مألوف: «علّم الذكاء الاصطناعي الفيزياء»، كما كتب بريت فارميلو *.

وبدافع الفضول، نقرت روان على الإعلان، وعلمت أن خبراء من مختلف المجالات - من الفيزياء والدراسات المالية... إلى الرعاية الصحية والقانون - يتقاضون الآن أجوراً للمساعدة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي على التفكير والاستدلال وحل المشكلات مثلما يفعل المتخصصون في مجالاتهم. ولذا؛ تقدمت بطلب، وقُبلت، وتعمل الآن نحو 50 ساعة أسبوعياً لتوفير البيانات لشركة «ميركور»، وهي منصة تربط مختبرات الذكاء الاصطناعي بخبراء في مجالاتهم.

مجموعة متنامية من المحترفين... لخدمة الذكاء الاصطناعي

تُعدّ روان جزءاً من مجموعة متنامية من المحترفين الذين يُسهِمون في تشكيل كيفية تعلم نماذج الذكاء الاصطناعي. ووفقاً لموقع «فريلانسر»، ظهرت آلاف الوظائف الجديدة في مجال تدريب بيانات الذكاء الاصطناعي وتصنيفها على منصته، وقد تحقق معظم هذا النمو خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية فقط. تتراوح هذه الأدوار بين مهام الخبراء التقنيين للغاية، مثل تقييم الاستدلالات المعقدة أو تشخيص أخطاء النماذج، وقرارات دقيقة لا تزال النماذج الكبيرة تواجه صعوبة في اتخاذها.

ويقول مات باري، الرئيس التنفيذي لشركة «فريلانسر»: «ندخل مرحلةً مثيرةً للاهتمام حقاً. تحتاج نماذج الذكاء الاصطناعي إلى المزيد والمزيد من البيانات. نشهد مشاركة متخصصين من جميع المجالات في جميع أنحاء العالم في أعمال تدريب الذكاء الاصطناعي على البيانات».

رغم قراءة الذكاء الاصطناعي الإنترنت بأكملها... لا يزال ناقصاً

يثير هذا التوجه تساؤلاتٍ أوسع: إذا كانت نماذج الذكاء الاصطناعي قد دُرِّبت بالفعل على الإنترنت المفتوح ومجموعات بيانات الشركات الضخمة، فلماذا لا تزال في حاجة إلى خبراء بشريين؟ ما الذي يفعله هؤلاء الخبراء تحديداً؟ وإلى متى سيستمر هذا النوع الجديد من العمل؟ لقد «قرأ الذكاء الاصطناعي الإنترنت بأكمله» - ولا يزال في حاجة إلى خبراء حقيقيين.

هناك افتراض شائع بأن أكبر نماذج الذكاء الاصطناعي اليوم تعرف كل ما تحتاج إلى معرفته. إذ إنها في النهاية، دُرِّبت على ملايين الكتب والمقالات والأبحاث والمنشورات. لكن رواد الصناعة يقولون إن خبراء المجال أصبحوا الآن أكثر أهمية من أي وقت مضى.

يوضح جويل هرون، كبير مسؤولي التكنولوجيا في «تومسون رويترز»: «يمكن للنماذج المدربة على الإنترنت بأكمله أن توفر إجابة بنسبة 80 في المائة، ولكن في المجالين القانوني والضريبي، لا تُعدّ هذه النسبة كافية. يطالب عملاؤنا بمستوى عالٍ من الدقة والثقة. ويضمن الاستعانة بالخبراء تحقيق أعلى مستوى ممكن من الدقة».

أهمية الخبراء في مجالات عالية التنظيم والخطورة

وتتفق آنا برايس، نائبة رئيس قسم التوريد في شركة «بروليفيك»، التي توفر بيانات بشرية لمختبرات الذكاء الاصطناعي، على أن أهمية الخبراء تزداد مع دخول نماذج الذكاء الاصطناعي إلى مجالات منظمة وعالية المخاطر.

وتقول برايس: «يتزايد الطلب على الخبرة البشرية والتغذية الراجعة المتخصصة من نماذج الذكاء الاصطناعي باستمرار. ومع ازدياد حجم هذه النماذج، بات من الصعب اكتشاف الأخطاء. فالخبرة الحقيقية ضرورية لتقييم جوهر ما تنتجه النماذج، وليس مجرد صحتها الظاهرية».

بعبارة أخرى، لا يُغني الإنترنت وحده عن المعرفة المهنية المنظمة. فكلما زاد اعتماد المؤسسات على الذكاء الاصطناعي في الأعمال الجادة وعالية المخاطر، ازدادت حاجتها إلى خبراء يُرشدون النماذج إلى طريقة تفكير المحترفين الحقيقيين.

مُحاورون آليون يُجرون مقابلات مع مُدرّبي الذكاء الاصطناعي

وتعتمد بعض المنصات على مُحاورين آليين لتقييم الخبرة الفعلية للمُدرّبين المُحتملين.

يقول أرشام غهراماني، مؤسس شركة «ريبون» Ribbon، التي تُقدّم مُحاورين آليين ولديها أكثر من 500 عميل، من بينهم مُزوّد ​​بيانات تدريب الذكاء الاصطناعي الذي يُجري مقابلات مع أكثر من 15000 خبير شهرياً: «يُجري الخبراء مُقابلة عبر الهاتف، ويُجرون مقابلة مع الذكاء الاصطناعي. من المُرجّح أن تُطرح عليك أفضل أسئلة مُقابلة طُرحت عليك على الإطلاق».

يُقيّم المُحاورون الآليون الخبراء بحثاً عن مؤشرات تُشير إلى وجود شكوك حول خبرتهم، مثل وتيرة الاستجابة غير المُنتظمة، وما إذا كانت استجاباتهم طبيعية، وبالطبع، ما إذا كانوا يمتلكون الخبرة المطلوبة في مجال مُحدّد.

ويقوم النظام بمسح السيرة الذاتية ويقترح أسئلةً بالغة الأهمية. بوعد كل إجابة، كان مُحاور الذكاء الاصطناعي يتصرف كشخص حقيقي، فيلخص ما قاله الخبير ويطرح سؤالاً امتداداً طبيعياً لموضوع الحديث. إن تقييم الذكاء الاصطناعي الآن للبشر الذين يُدرّبونه، يعكس مدى التطور الذي حققه البشر في قدرات النماذج.

«الميل الأخير من المعلومات» لا يزال حكراً على البشر

يأتي أحد أوضح التفسيرات لأهمية بيانات الخبراء من مارك كوين، المدير الأول لعمليات الذكاء الاصطناعي في شركة «بيرل» والرئيس السابق للعمليات الهندسية في «وايمو». يربط كوين بين تحديات الذكاء الاصطناعي الحالية والقيادة الذاتية.

يقول كوين: «في (وايمو)، عملنا على الوصول إلى الميل الأخير من التنقل الذاتي. والآن، نعمل على الوصول إلى الميل الأخير من المعلومات. على الرغم من تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي لسدّ هذا الميل الأخير من المعلومات، فإن الواقع يُشير إلى أن الناس قد يُفضلون التحقق البشري من صحة المعلومات».

ومع ازدياد ذكاء النماذج وتوسع نطاقها، لا يزال هناك عالمٌ مليء بالحالات الاستثنائية - مواقف تتطلب حُكماً سليماً، أو تفكيراً أخلاقياً، أو منطقاً خاصاً بالمجال يصعب استيعابه في مجموعات البيانات العامة.

يعتقد بعض الرواد أن المرحلة الأخيرة ستتقلص، لكنها لن تختفي تماماً.

يشير هرون من «تومسون رويترز» إلى أن «النماذج الأساسية لا تزال في حاجة إلى الكثير من التطوير لتصبح عميقة حقاً. ستساعد الأنظمة الخبيرة والمعرفة المتخصصة النماذج على الارتقاء إلى المستوى التالي».

ويضيف برايس من «بروليفيك»: «لم نكتشف سوى القليل مما يمكن أن يفعله الذكاء الاصطناعي. يُعدّ البشر عنصراً أساسياً في هذه المعادلة، لا سيما في المجالات المتخصصة».

بعبارة أخرى، لا يكمن المستقبل في استبدال الخبراء، بل في توسيع نطاق الخبرة الضرورية لتحسين نماذج الذكاء الاصطناعي وجعلها أكثر أماناً.

نوع جديد من العمل المعرفي

بالنسبة لروان، طالبة الدكتوراه في الفيزياء، أصبح العمل في مجال البيانات المتخصصة مصدر دخلٍ مهم. وقد قبلت أخيراً وظيفة بدوام كامل، لكنها أشارت إلى أن عملها الجديد سيقتصر على 38 ساعة أسبوعياً؛ ما يتيح لها الوقت لمواصلة المساهمة في مشاريع تدريب الذكاء الاصطناعي. وما تشهده بات شائعاً: محترفون ذوو خبرة يتعاملون مع تدريب الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً وظيفياً إضافياً، أو عملاً جانبياً مرناً، أو حتى وظيفة بدوام كامل.

يلعب هذا العمل دوراً محورياً متزايداً في كيفية عمل أنظمة الذكاء الاصطناعي. ومع ازدياد قدرات النماذج، تتجدد قيمة الخبرة العملية، لا تتضاءل.

ولا يقتصر دور الخبراء على استخدام الذكاء الاصطناعي فحسب، بل يُعلّمونه أيضاً كيفية التفكير والتصرف كخبير.

* مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»

حقائق

80 %

نسبة الإجابة الدقيقة للنماذج المدربة على الإنترنت بأكمله


هل توجد حياة بعد الموت… على المستوى الخلوي؟

شكل تصويري للخلايا البشرية الحية
شكل تصويري للخلايا البشرية الحية
TT

هل توجد حياة بعد الموت… على المستوى الخلوي؟

شكل تصويري للخلايا البشرية الحية
شكل تصويري للخلايا البشرية الحية

ارتبط مفهوم الحياة في أذهاننا ببداية واضحة ونهاية حاسمة: نولد ونعيش ثم نموت. غير أن الاكتشافات العلمية الحديثة بدأت تُحدث شرخاً في هذا التصور التقليدي، خصوصاً عندما ننتقل من مستوى الكائن الحي إلى مستوى الخلية.

«الحالة الثالثة»

وتشير دراسات متزايدة إلى أن بعض الخلايا لا تتوقف عن العمل فور موت الكائن الذي جاءت منه، بل قد تستمر في النشاط والتكيّف؛ ما يفتح الباب أمام مفهوم جديد يُعرف بـ«الحالة الثالثة» بين الحياة والموت.

يتكوّن جسم الإنسان من نحو 30 تريليون خلية تعمل بتناغم مذهل للحفاظ على الحياة. وكان الاعتقاد السائد أن هذه الخلايا تفقد وظيفتها سريعاً بعد الوفاة، إلا أن أبحاثاً حديثة أظهرت أن بعض الخلايا تمتلك قدرة لافتة على إعادة التنظيم والتكيّف خارج السياق البيولوجي المعتاد.

خلايا تعيد تعريف الحياة

* «خلايا حية اصطناعية». ومن أبرز الأمثلة على هذا السلوك ما يُعرف بـ الزينوبوتات Xenobots، وهي تراكيب مجهرية متعددة الخلايا جرى تصميمها بمساعدة تقنيات الذكاء الاصطناعي انطلاقاً من خلايا ضفادع. وقد استُمد اسمها من الضفدع ذي المخالب Xenopus laevis؛ إذ تُعد كائنات حية اصطناعية صُمِّمت حاسوبياً لأداء وظائف محددة، ويتم بناؤها عبر دمج أنسجة بيولوجية مختلفة. والمثير في هذه الكائنات أن خلاياها لا تؤدي وظائفها الأصلية، بل تعيد تنظيم نفسها لتتحرك أو تُصلح أضراراً أو تتفاعل مع بيئتها بطرق غير متوقعة.

وفي مقال نُشر في 12 سبتمبر (أيلول) 2024 على موقع The Conversation، وصف العالمان بيتر نوبل الباحث في المعلوماتية الحيوية بجامعة ألاباما وأليكس بوزهيتكوف من جامعة واشنطن هذا السلوك بأنه دليل على وجود حالة وسطى لا تكون فيها الخلايا حية بالمعنى التقليدي ولا ميتة بالكامل؛ ما يفتح تساؤلات علمية وفلسفية جديدة حول حدود الحياة ذاتها.

روبوتات من خلايا بشرية حية

* روبوتات من خلايا بشرية. ولم يقتصر هذا الاكتشاف على خلايا غير بشرية فحسب؛ إذ لوحظ سلوك مشابه في خلايا بشرية أُطلق عليها اسم الأنثروبوتات Anthrobots؛ ما عزّز الفكرة القائلة بأن الخلايا قد تمتلك قدرات كامنة لا تظهر إلا عند خروجها من بيئتها الطبيعية. ففي دراسة سابقة نُشرت في مجلة Advanced Science بتاريخ 3 ديسمبر (كانون الأول) 2023، تمكّن العلماء من تطوير روبوتات بشرية مجهرية انطلاقاً من خلايا رئة بشرية بالغة وجرى توصيف خصائصها الوظيفية. وأظهرت هذه الروبوتات قدرة على الحركة داخل أطباق زراعة الخلايا، إضافة إلى تحفيز عملية التئام الجروح في الخلايا العصبية البشرية المزروعة في خطوة تفتح آفاقاً جديدة لفهم سلوك الخلايا وإمكاناتها العلاجية المستقبلية.

هل الخلايا واعية؟

وأعادت هذه النتائج سؤالاً فلسفياً وعلمياً قديماً إلى الواجهة: هل تمتلك الخلايا شكلاً بدائياً من الوعي؟ يرى بعض العلماء أن السلوك الموجّه واتخاذ قرارات بسيطة يوحيان بدرجة من الإدراك الخلوي. في المقابل، يحذّر باحثون آخرون من المبالغة، مؤكدين أن هذه الظواهر يمكن تفسيرها بآليات كيميائية وفيزيائية معروفة دون الحاجة إلى افتراض الوعي.

ورغم الخلاف، يتفق الجميع على أن هذه الاكتشافات قد تُحدث ثورة في الطب التجديدي من خلال تطوير علاجات تعتمد على إعادة برمجة خلايا المريض نفسه.

خلايا ليست من جيناتنا

وبالتوازي مع هذه الأبحاث، تكشف دراستان حديثتان نُشرتا أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025، الأولى في مجلة Popular Mechanics بتاريخ 17 ديسمبر والأخرى في مجلة Nature بتاريخ 31 ديسمبر، عن حقيقة علمية مدهشة، مفادها أن أجسامنا لا تتكوّن فقط من خلايانا الخاصة. إذ أظهرت الدراستان أن داخل كل إنسان توجد أعداد ضئيلة جداً من خلايا تعود لشخص آخر، غالباً الأم أو الطفل، وهي ظاهرة بيولوجية تُعرف باسم «التخليق الجزيئي» Microchimerism؛ ما يفتح آفاقاً جديدة لفهم الهوية الجسدية والعلاقة المعقّدة بين الأم والجنين.

ويُعدّ التخلق الجزئي الجنيني الأمومي الشكل الأكثر شيوعاً لهذا التبادل، ويحدث أثناء الحمل عندما تمر خلايا الجنين عبر المشيمة وتدخل مجرى دم الأم. ويبدأ هذا التبادل عادة بين الأسبوعين الرابع والسادس من الحمل، وقد تستمر بعض هذه الخلايا في جسم الأم لعقود بعد الولادة. بالمقابل، يمكن أيضاً أن تهاجر خلايا الأم إلى الجنين.

ولا يقتصر التخلق الجزئي على فترة الحمل فقط، بل يمكن أن يحدث أيضاً من مصادر أخرى، مثل عمليات زرع الأعضاء أو نقل الدم أو الولادات المتعددة، كما في حالة التوائم الذين يتشاركون الرحم. ففي هذه الحالات يمكن لخلايا أحد الأفراد أن تندمج وتستقر في أنسجة فرد آخر؛ ما يجعل أجسامنا تحتوي على خلايا أجنبية بصورة طبيعية أحياناً.

أدوار غير متوقعة

وتشير الأبحاث إلى أن هذه الخلايا «الضيفة» ليست خاملة، بل قد تسهِم في التئام الجروح أو دعم الجهاز المناعي. ففي الأطفال، يُعتقد أن خلايا الأم تساعد جهازهم المناعي على التعلّم المبكر وكأنها تنقل خبرة بيولوجية عبر الأجيال.

لكن هذه الظاهرة تطرح أيضاً أسئلة معقّدة حول أمراض المناعة الذاتية؛ إذ وُجدت أعداد أكبر من هذه الخلايا لدى بعض المرضى دون حسم ما إذا كانت سبباً أم نتيجة للمرض.

هوية أكثر تعقيداً

تتحدى هذه الاكتشافات الفكرة التقليدية عن الفرد المستقل بيولوجياً. فإذا كنا نحمل خلايا أشخاص آخرين طوال حياتنا، فهل نحن حقاً كيان واحد؟ وهل بقاء خلايانا في أجساد أحبائنا بعد موتنا يمثّل شكلاً من أشكال الاستمرار؟

رغم أن العلم ما زال في بداياته، فإن الرسالة باتت واضحة، هي أن الحياة ليست حالة ثنائية بسيطة بين الوجود والعدم والحدود بين الحياة والموت وبين «الذات» و«الآخر» أكثر مرونة وتعقيداً مما كنا نتصور. إذ إن أصغر وحدات الحياة قد تحمل مفاتيح فهم أعمق للصحة والهوية، وربما لمعنى الوجود ذاته.

حقائق

30

تريليون خلية تقريباً توجد في جسم الإنسان


مركز «هيكساجون»: حين تصبح الحوسبة الفائقة أساس الطب الذكي في السعودية

المستشفى الذكي عقل رقمي في قلب الرياض
المستشفى الذكي عقل رقمي في قلب الرياض
TT

مركز «هيكساجون»: حين تصبح الحوسبة الفائقة أساس الطب الذكي في السعودية

المستشفى الذكي عقل رقمي في قلب الرياض
المستشفى الذكي عقل رقمي في قلب الرياض

لم يعد الذكاء الاصطناعي الطبي في عالم اليوم يُقاس بعدد الخوارزميات، أو بريق التطبيقات وحدها، بل بقدرة الدول على بناء بنية تحتية حاسوبية صلبة تجعل هذا الذكاء ممكناً، وآمناً، ومستداماً على المدى الطويل. فالنماذج الذكية، مهما بلغت دقتها، تبقى مجرّد أفكار نظرية ما لم تستند إلى طاقة حوسبية كمبيوتريه قادرة على تشغيلها، وتغذيتها بالبيانات، وحمايتها ضمن أطر سيادية واضحة.

حين تلتقي الحوسبة الفائقة بالطب

الذكاء الاصطناعي يبدأ من البنية التحتية

في هذا السياق، يشكّل إطلاق مركز «هيكساجون» (HEXAGON) للحوسبة الفائقة، التابع للهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، وبقرار مباشر من مجلس الوزراء، لحظة مفصلية في مسار الذكاء الاصطناعي في المملكة. فالمسألة هنا لا تتعلّق بمشروع تقني جديد، بل بإعادة تعريف الأساس الذي سيُبنى عليه مستقبل الطب الرقمي، والبحث الطبي المتقدم في السعودية.

ويعني اسم «هيكساجون» الشكلَ السداسي، رمز الكفاءة، والتكامل في الطبيعة، في إشارة إلى بنية حاسوبية مترابطة صُمّمت لتحقيق أعلى أداء بأقصى قدر من الاستدامة.

هيكساجون: القلب الخفي للطب الذكي

«هيكساجون» لا يُختزل في كونه مركز بيانات ضخماً، أو إنجازاً هندسياً يُقاس بالمساحة، أو القدرة الكهربائية فحسب، بل يمثّل الطبقة غير المرئية التي يقوم عليها الذكاء الاصطناعي الطبي الحديث.

وداخل هذه البنية الحاسوبية، تُعالَج الصور الشعاعية عالية الدقة، وتُحلَّل البيانات الجينومية المعقّدة، وتُدرَّب نماذج التنبؤ المبكر بالأمراض، وتُدار صحة السكان على نطاق وطني شامل.

وبذلك تتحوّل البيانات الصحية من أرشيفٍ ساكن إلى منظومة ذكية فاعلة، تدعم القرار الطبي قبل وقوع المرض... لا بعده.

من البيانات الضخمة إلى المعرفة الطبية

وينتج الطب المعاصر كميات غير مسبوقة من البيانات، تمتد من التصوير الطبي عالي الدقة، إلى السجلات الصحية الرقمية، وصولاً إلى الخرائط الجينومية المعقّدة. وهذه الكثافة المعلوماتية لا يمكن معالجتها بكفاءة أو أمان عبر الحوسبة التقليدية، لا من حيث السرعة، ولا من حيث الدقة أو الاعتمادية. من هنا، تصبح الحوسبة الفائقة شرطاً علمياً أساسياً لقيام الطب الذكي، لا مجرد خيار تقني، وتغدو مراكز مثل «هيكساجون» العمود الفقري الذي يتيح تحويل البيانات الطبية الضخمة إلى معرفة قابلة للتطبيق السريري، وصناعة القرار الصحي.

الطبيب السعودي بحاجة إلى حوسبة فائقة

الذكاء الاصطناعي «السيادي»

يتمثّل التحوّل الجوهري الذي يقدّمه مركز «هيكساجون» في نقل المملكة من مرحلة استهلاك تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة امتلاك بنيته التحتية السيادية، فحين تُدار الحوسبة والبيانات داخل إطار وطني، تُصان خصوصية المعلومات الصحية، ويُحمى القرار الطبي من الارتهان الخارجي، وتُبنى نماذج الذكاء الاصطناعي وفق أولويات صحية محلية. وبهذا المعنى لا يرسّخ «هيكساجون» استقلالاً تقنياً فحسب، بل يؤسّس لسيادة صحية رقمية تجعل الذكاء الاصطناعي أداة في خدمة المريض، والمجتمع، لا مجرد تقنية مستوردة.

البيانات الصحية بين الحوكمة والأخلاقيات

حين تُدار البيانات الصحية داخل مراكز وطنية خاضعة لأطر حوكمة واضحة، ومعايير أخلاقية صارمة، يصبح بالإمكان تطوير نماذج ذكاء اصطناعي تحترم خصوصية الفرد، وتراعي الخصائص الثقافية والديموغرافية للمجتمع، بدل فرض نماذج عامة لا تعكس الواقع المحلي. وفي هذا الإطار تتحوّل البيانات من عبءٍ تنظيمي إلى أصلٍ استراتيجي يُسهم في توجيه السياسات الصحية الوطنية، ودعم الوقاية المبكرة، وتحقيق عدالة صحية قائمة على المعرفة لا على التقدير.

من طب علاجي إلى طب تنبئي وقائي

يُمكّن «هيكساجون» المنظومة الصحية من الانتقال من نموذجٍ تقليدي يركّز على علاج المرض بعد ظهوره، إلى نموذجٍ أكثر تقدماً يتنبأ بالمخاطر الصحية قبل وقوعها. فمن خلال تحليل البيانات السكانية، والسجلات الطبية، والمؤشرات الحيوية على نطاق واسع، تصبح التدخلات الوقائية أكثر دقة، وتوقيتاً، وأكثر كفاءة من حيث التكلفة، وأقرب إلى جوهر الطب الإنساني الذي يسعى لحماية الصحة قبل أن يُضطر إلى علاج فقدانها.

الذكاء الاصطناعي الطبي نظام وطني متكامل

لم يعد الطب الذكي الحديث مجموعة تطبيقات منفصلة، أو حلولاً تقنية متجزئة، بل منظومة وطنية متكاملة تبدأ من جمع البيانات وتنظيمها، وتمرّ بالحوسبة الفائقة ومعالجة الخوارزميات، لتصل في النهاية إلى دعم القرار الطبي والصحي. وفي هذا السياق يمثّل «هيكساجون» القلب النابض لهذه المنظومة، حيث تتكامل البنية التحتية مع الرؤية الاستراتيجية، ويتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة تقنية إلى ركيزة أساسية في بناء نظام صحي حديث، ومستدام.

السعودية ونموذج البناء قبل التطبيق

في عالمٍ يتسابق فيه كثيرون على تبنّي تطبيقات الذكاء الاصطناعي قبل استكمال مقوماته، يبرز النموذج السعودي بوصفه مقاربة مختلفة تقوم على بناء الأساس أولاً. فالاستثمار في البنية التحتية الحاسوبية، وتأسيس أطر الحوكمة، وتحديد المسؤوليات الأخلاقية والقانونية، كل ذلك يسبق تعميم الحلول التقنية على أرض الواقع. وبهذا النهج لا يُقدَّم الذكاء الاصطناعي على أنه قفزة متسرّعة، بل إنه مشروع وطني محسوب يوازن بين الطموح التقني وحماية الإنسان والنظام الصحي معاً.

أثر يتجاوز القطاع الصحي

لا يقتصر أثر «هيكساجون» على تحسين الممارسة الصحية فحسب، بل يمتد ليشمل منظومة أوسع تضم البحث العلمي، والتعليم الطبي، وصناعة الدواء، والأمن الحيوي، والاستعداد الوطني للأوبئة والطوارئ الصحية. فامتلاك قدرة حوسبية فائقة يتيح تسريع الاكتشافات البحثية، وتطوير مناهج تدريب طبي قائمة على المحاكاة والبيانات، ودعم سلاسل الابتكار الدوائي محلياً، إلى جانب تعزيز الجاهزية الاستباقية لمواجهة الأزمات الصحية قبل تحوّلها إلى تحديات وطنية كبرى.

وما يحدث في السعودية اليوم ليس سباقاً على أحدث تطبيق، بل إنه استثمار هادئ في الأساس الذي يجعل الذكاء الاصطناعي الطبي آمناً، وقابلاً للمساءلة، ومفيداً على المدى البعيد.

خلاصة: بنية لا يراها المريض... لكنها تحميه

قد لا يرى المريض مركز «هيكساجون»، ولن يلمس جدرانه أو أجهزته، لكنه سيشعر بأثره المباشر في تشخيص أدق، وعلاج أسرع، ووقاية أذكى، ونظام صحي أكثر عدالة وكفاءة. فالبنى التحتية الذكية لا تُقاس بمدى ظهورها للعيان، بل بقدرتها على حماية الإنسان في اللحظة التي يكون فيها أكثر حاجة للعلم، وأقل قدرة على الانتظار.