الحبيب السالمي: أكتب بالعربية لأن «الفرنسية» لم تسكن خلايا جسدي

الروائي التونسي لـ «الشرق الأوسط»: معرض الرياض يهتم بقضايا المثقف العربي

الروائي التونسي الحبيب السالمي
الروائي التونسي الحبيب السالمي
TT

الحبيب السالمي: أكتب بالعربية لأن «الفرنسية» لم تسكن خلايا جسدي

الروائي التونسي الحبيب السالمي
الروائي التونسي الحبيب السالمي

الروائي التونسي الحبيب السالمي، أحد أبرز الروائيين التونسيين المنحدرين من القيروان، وهو أيضاً من أدباء المهجر، يقيم في باريس منذ 37 عاماً، لكنه ظلّ يكتب أعماله الروائية باللغة العربية موظفاً التراث التونسي وتفاصيل الحياة الشعبية في رواياته، مشتغلاً على هموم الطبقة الوسطى ومعاناتها، وهو الذي قاسى المعاناة في قريته العلا، حين فقد والديه في صباه، وظل يكافح حتى حصّل نصيبه من التعليم، وأصبح أحد أهم الروائيين في المغرب العربي. وعلى صعيد الموضوع اشتغل بالعلاقة مع الآخر وبقضايا الهوية، خصوصاً في ظل التحولات والهجرات.
الحبيب السالمي كتب نحو 11 رواية تأهّل بعضها للقائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية «البوكر»، وحصل على «جائزة كتارا للرواية العربية» في 2021 عن رواية «الاشتياق إلى الجارة». وقد ترجمت رواياته إلى لغات أجنبية عدّة؛ كالإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية.
رواياته هي: «بكارة»، و«جبل العنز» (1988)، و«صورة بدوي ميت» (1990)، و«متاهة الرمل» (1994)، و«حفر دافئة» (1999)، و«عشاق بية» (2001)، و«أسرار عبد الله» (2004)، و«روائح ماري كلير» (2008)، و«نساء البساتين» (2010)، و«عواطف وزوارها» (2013)، و«الاشتياق إلى الجارة» (2021)، بالاضافة لأعماله القصصية.
على هامش مشاركته في معرض «الرياض الدولي للكتاب»، التقت «الشرق الأوسط» الروائي التونسي الحبيب السالمي، وأجرت معه الحوار التالي:
(*) كيف رأيت معرض الرياض الدولي للكتاب؟
- كنت قد سمعت كلاماً جيداً عنه، وهذه المرة الأولى التي أُدعى إليه. وتأكدت مما سمعت عنه؛ فهو معرض ممتاز فعلاً من حيث التنظيم والفعاليات المتنوعة التي تتناول العديد من القضايا التي تشغل بال المثقف العربي.
(*) ما رأيك بالمشاركة التونسية في الرياض؟ وكيف استقبل المثقفون والجمهور السعودي الحضور الأدبي والثقافي والفني؟
- المشاركة التونسية في المعرض ممتازة، وكثير من دُور النشر التونسية حاضرة فيه، كما لاحظت، والجناح التونسي منظم ويجذب الزائرين. وبالإضافة إلى ذلك معظم الكُتاب والشعراء التونسيين الذين يشاركون في المعرض، هم من أهم المبدعين في تونس. أما عن استقبال الجمهور السعودي للحضور الأدبي والثقافي والفني فهو رائع حقاً.
(*) ما الفرص التي يوفرها المعرض للمثقفين للتعارف وإثراء المحتوى الثقافي؟
- يوفر فرصاً عديدة للمثقفين للتعارف والتلاقي وتبادل إنتاجاتهم الأدبية. وكثيراً ما يثار بينهم نقاش وجدل في قضايا الأدب والثقافة عموماً في البلدان العربية. شخصياً أشارك بحماس في هذا النقاش، وأستفيد منه كثيراً.
بدايات شاقة
(*) حدِّثنا عن بداياتك في معتمدية العلا بالقيروان.. كانت بداية صعبة فقدتَ والديك وأنت في سن الصبا، ولكنك شققت طريقك نحو النجاح.
- كانت صعبة فعلاً. وُلدت وقضيت الأعوام الأولى من طفولتي في قرية توجد في عمق الريف، لكن هذا لم يحدّ من رغبتي في التعلم والذهاب إلى الجامعة؛ حيث اكتشفت الأدب العربي وآداب العالم. وأنا لست الوحيد الذي كانت له طفولة صعبة. الكثير من الكُتاب العرب عانوا كثيراً في بداية حياتهم.
(*) ماذا تركت فيك تلك التجربة؟ إلى أي مدى أثّرت في أعمالك؟
- إنها حاضرة بقوة في كل قصصي ورواياتي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. من النادر ألا تجد في أعمالي ما يحيل إلى هذه التجربة. إنها جزء أساسي من عالمي في الرواية.
(*) لديك اشتغال بتوظيف التراث التونسي، والقيروان حاضرة في أعمالك بنحو خاص، ماذا تمنحك القيروان من إلهام رغم غربتك المكانية عنها؟
- القيروان مدينة تحتل مكانة استثنائية في تونس، فهي ضاربة بعمق في تاريخ العرب والمسلمين في هذا البلد العربي، بل في كل بلدان المغرب العربي. كل ما فيها من عمارة يحيل إلى هذا التاريخ المجيد. طبعاً للقيروان حضور في أعمالي؛ فقد كانت بالنسبة لنا، نحن السكان الذين نقيم في القرى والبلدات القريبة منها، هي المدينة. لكن لا بد من الإشارة إلى أن هذا الحضور على الرغم من أهميته، لا يعادل حضور قريتي العلا التي أمضيت فيها كل طفولتي؛ لسبب بسيط هو أنني لم أقم فيها لفترة طويلة.
الغربة والإبداع
(*) أنت من الأدباء المغتربين في فرنسا، ولكنك تكتب بالعربية. ألم تجذبك اللغة الفرنسية وعوالمها للكتابة بها؟
- أحب اللغة الفرنسية وأطالع بها كثيراً. معظم الأدب الأميركي والأوروبي أقرؤه في ترجمات فرنسية؛ لأنها أكثر دقة وأكثر حداثة. لكن حبي للغة العربية أكبر وأعمق. اللغة الفرنسية لم تنجح في أن تسكن كل خلية من جسدي. وهذا- في رأيي- شرط أساسي للكتابة بها. أتحدث هنا طبعاً عن الكتابة الإبداعية، وليس عن المقالات والبحوث. الكاتب لا يغير لغته بمجرد إقامته في بلد آخر. معظم الكُتاب الأوروبيين الذين عاشوا في فرنسا لم يفعلوا هذا. لقد تمسّكوا بلغتهم. جويس مثلاً، يمكن أيضاً أن نذكر غارسيا ماركيز، وفارغاس بوسا.
(*) كذلك تُرجمت أعمالك لعدة لغات، ماذا توفر الترجمة للعمل الأدبي؟
- نعم، تُرجم العديد من رواياتي إلى لغات كثيرة. الترجمة تنقل العمل الأدبي إلى فضاء ثقافي آخر، فضلاً عن أنها توسِّع من دائرة القراء. الترجمة تمنح النص حياة جديدة. عندما أقرأ بعض رواياتي المترجَمة إلى الفرنسية، أنتبه إلى أمور لم تكن تخطر ببالي عندما كتبتها، هذا يعني أن الترجمة تضيء النص من زاوية مختلفة.
(*) لديك العديد من الروايات التي ترشحت ضمن القائمة النهائية للروايات الست لجائزة (البوكر)، وحصلت «الاشتياق إلى الجارة» على «جائزة كتارا للرواية العربية» في 2021، ماذا تعني الجوائز للأديب والروائي؟
- الكاتب الحقيقي لا يكتب للجوائز. إنه يفعل هذا لأنه مسكون بشيء ما ويرغب في التعبير عنه. هذا هو الأساس في الكتابة. الجوائز تأتي فيما بعد، وهي تعني اعترافاً ما بقيمة ما يكتب الكاتب، ومن ثَم فإنها توفر له قليلاً من المال. الكاتب العربي عموماً يعيش في وضع مادي صعب؛ لأن عدد القراء ضعيف في العالم العربي، وهو يحتاج إلى هذا المال لكي يتمكن من الاستمرار في الكتابة.
(*) متى يصبح الكاتب عالمياً؟ إذا ترجمت أعماله وأصبحت مقروءة بلغات أخرى؟ أم يصبح عالمياً إذا حصل على جوائز عالمية؟
- هناك تفسيرات عدة لكلمة «عالمي»؛ هناك من يرى أن الكاتب يصير عالمياً عندما تترجَم أعماله إلى اللغات الأساسية في الغرب، وتحديداً الإنجليزية والفرنسية، وهناك من يعتقد أن هذا لا يكفي، لا بد من أن تلقى أعمال الكاتب المترجمة إقبالاً من القراء في البلدان التي تُرجمت فيها. وهناك من يشترط حصول الكاتب على جوائز عالمية، بالإضافة إلى الترجمة وإقبال القراء. شخصياً أميل إلى الرأي الثالث.
(*) من يقرأ رواياتك يجد أن موضوع الهوية يلحُّ على الكاتب ليطرحه في مختلف التفاصيل، كما يحضر التباين بين الحضارات. إلى أي مدى تمثل الهوية قلقاً في ظل هيمنة العولمة؟
- ثيمة الهوية تمتلك حضوراً قوياً في رواياتي؛ لأنها تقارب بطرق متباينة ومن زوايا مختلفة موضوع تلاقي الحضارات، الذي اكتسب بعداً آخر بعد انتشار العولمة. وهذه الهوية لا تتجلى في القضايا الكبرى المعروفة، وإنما أيضاً في تفاصيل الحياة اليومية وفي أمور قد تبدو لنا غير مهمة، لكن لا بد من أن أشير إلى أن الهوية ليست بالنسبة إليّ شيئاً ثابتاً متعالياً على الزمن، وإنما هي تتطور باستمرار.
(*) لديك توظيف رائع لثيمة (الحبّ) القادر على اختراق الطبقات، كما يتضح بقوة لي في روايتك «الاشتياق إلى الجارة»، كيف يمكنك توظيف هذه الثيمة لكسر حاجز الطبقات؟
- نعم، الحب قادر على أن يخترق كل الطبقات، بلّ كل التقاليد والعادات، لا شيء يستطيع أن يقف حاجزاً أمام الحب إن كان حقيقياً، إنه كالنهر الهادر يحطم كل ما يعوق سيره.
(*) على الرغم من أن أغلب رواياتك الـ11 تعالج مشكلات المجتمع والطبقات المتوسطة والفقيرة وعلاقاتها مع الذات والآخر. وليس بارزاً أي توظيف سياسي أو حزبي أو ديني في أعمالك، فإن مراقبين يقولون إنهم يتلمسون تأثيراً لروايتك «نساء البساتين» في اندلاع أحداث الثورة التونسية، ما رأيك؟
- لقد قيل كلام كثير من هذا النوع عن روايتي هذه، بل هناك من رأى فيها تنبؤاً بما حدث في تونس وما صار يسمى «الربيع العربي». عندما نقرأ هذه الرواية ندرك حجم الدمار الذي تعيشه تونس، ونشعر بأن الوضع لا يمكنه أن يستمر، وأن انفجاراً ما سيحدث، لكن الرواية لا تذكر أي شكل سيتخذه هذا الانفجار.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.