الحبيب السالمي: أكتب بالعربية لأن «الفرنسية» لم تسكن خلايا جسدي

الروائي التونسي لـ «الشرق الأوسط»: معرض الرياض يهتم بقضايا المثقف العربي

الروائي التونسي الحبيب السالمي
الروائي التونسي الحبيب السالمي
TT

الحبيب السالمي: أكتب بالعربية لأن «الفرنسية» لم تسكن خلايا جسدي

الروائي التونسي الحبيب السالمي
الروائي التونسي الحبيب السالمي

الروائي التونسي الحبيب السالمي، أحد أبرز الروائيين التونسيين المنحدرين من القيروان، وهو أيضاً من أدباء المهجر، يقيم في باريس منذ 37 عاماً، لكنه ظلّ يكتب أعماله الروائية باللغة العربية موظفاً التراث التونسي وتفاصيل الحياة الشعبية في رواياته، مشتغلاً على هموم الطبقة الوسطى ومعاناتها، وهو الذي قاسى المعاناة في قريته العلا، حين فقد والديه في صباه، وظل يكافح حتى حصّل نصيبه من التعليم، وأصبح أحد أهم الروائيين في المغرب العربي. وعلى صعيد الموضوع اشتغل بالعلاقة مع الآخر وبقضايا الهوية، خصوصاً في ظل التحولات والهجرات.
الحبيب السالمي كتب نحو 11 رواية تأهّل بعضها للقائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية «البوكر»، وحصل على «جائزة كتارا للرواية العربية» في 2021 عن رواية «الاشتياق إلى الجارة». وقد ترجمت رواياته إلى لغات أجنبية عدّة؛ كالإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية.
رواياته هي: «بكارة»، و«جبل العنز» (1988)، و«صورة بدوي ميت» (1990)، و«متاهة الرمل» (1994)، و«حفر دافئة» (1999)، و«عشاق بية» (2001)، و«أسرار عبد الله» (2004)، و«روائح ماري كلير» (2008)، و«نساء البساتين» (2010)، و«عواطف وزوارها» (2013)، و«الاشتياق إلى الجارة» (2021)، بالاضافة لأعماله القصصية.
على هامش مشاركته في معرض «الرياض الدولي للكتاب»، التقت «الشرق الأوسط» الروائي التونسي الحبيب السالمي، وأجرت معه الحوار التالي:
(*) كيف رأيت معرض الرياض الدولي للكتاب؟
- كنت قد سمعت كلاماً جيداً عنه، وهذه المرة الأولى التي أُدعى إليه. وتأكدت مما سمعت عنه؛ فهو معرض ممتاز فعلاً من حيث التنظيم والفعاليات المتنوعة التي تتناول العديد من القضايا التي تشغل بال المثقف العربي.
(*) ما رأيك بالمشاركة التونسية في الرياض؟ وكيف استقبل المثقفون والجمهور السعودي الحضور الأدبي والثقافي والفني؟
- المشاركة التونسية في المعرض ممتازة، وكثير من دُور النشر التونسية حاضرة فيه، كما لاحظت، والجناح التونسي منظم ويجذب الزائرين. وبالإضافة إلى ذلك معظم الكُتاب والشعراء التونسيين الذين يشاركون في المعرض، هم من أهم المبدعين في تونس. أما عن استقبال الجمهور السعودي للحضور الأدبي والثقافي والفني فهو رائع حقاً.
(*) ما الفرص التي يوفرها المعرض للمثقفين للتعارف وإثراء المحتوى الثقافي؟
- يوفر فرصاً عديدة للمثقفين للتعارف والتلاقي وتبادل إنتاجاتهم الأدبية. وكثيراً ما يثار بينهم نقاش وجدل في قضايا الأدب والثقافة عموماً في البلدان العربية. شخصياً أشارك بحماس في هذا النقاش، وأستفيد منه كثيراً.
بدايات شاقة
(*) حدِّثنا عن بداياتك في معتمدية العلا بالقيروان.. كانت بداية صعبة فقدتَ والديك وأنت في سن الصبا، ولكنك شققت طريقك نحو النجاح.
- كانت صعبة فعلاً. وُلدت وقضيت الأعوام الأولى من طفولتي في قرية توجد في عمق الريف، لكن هذا لم يحدّ من رغبتي في التعلم والذهاب إلى الجامعة؛ حيث اكتشفت الأدب العربي وآداب العالم. وأنا لست الوحيد الذي كانت له طفولة صعبة. الكثير من الكُتاب العرب عانوا كثيراً في بداية حياتهم.
(*) ماذا تركت فيك تلك التجربة؟ إلى أي مدى أثّرت في أعمالك؟
- إنها حاضرة بقوة في كل قصصي ورواياتي، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. من النادر ألا تجد في أعمالي ما يحيل إلى هذه التجربة. إنها جزء أساسي من عالمي في الرواية.
(*) لديك اشتغال بتوظيف التراث التونسي، والقيروان حاضرة في أعمالك بنحو خاص، ماذا تمنحك القيروان من إلهام رغم غربتك المكانية عنها؟
- القيروان مدينة تحتل مكانة استثنائية في تونس، فهي ضاربة بعمق في تاريخ العرب والمسلمين في هذا البلد العربي، بل في كل بلدان المغرب العربي. كل ما فيها من عمارة يحيل إلى هذا التاريخ المجيد. طبعاً للقيروان حضور في أعمالي؛ فقد كانت بالنسبة لنا، نحن السكان الذين نقيم في القرى والبلدات القريبة منها، هي المدينة. لكن لا بد من الإشارة إلى أن هذا الحضور على الرغم من أهميته، لا يعادل حضور قريتي العلا التي أمضيت فيها كل طفولتي؛ لسبب بسيط هو أنني لم أقم فيها لفترة طويلة.
الغربة والإبداع
(*) أنت من الأدباء المغتربين في فرنسا، ولكنك تكتب بالعربية. ألم تجذبك اللغة الفرنسية وعوالمها للكتابة بها؟
- أحب اللغة الفرنسية وأطالع بها كثيراً. معظم الأدب الأميركي والأوروبي أقرؤه في ترجمات فرنسية؛ لأنها أكثر دقة وأكثر حداثة. لكن حبي للغة العربية أكبر وأعمق. اللغة الفرنسية لم تنجح في أن تسكن كل خلية من جسدي. وهذا- في رأيي- شرط أساسي للكتابة بها. أتحدث هنا طبعاً عن الكتابة الإبداعية، وليس عن المقالات والبحوث. الكاتب لا يغير لغته بمجرد إقامته في بلد آخر. معظم الكُتاب الأوروبيين الذين عاشوا في فرنسا لم يفعلوا هذا. لقد تمسّكوا بلغتهم. جويس مثلاً، يمكن أيضاً أن نذكر غارسيا ماركيز، وفارغاس بوسا.
(*) كذلك تُرجمت أعمالك لعدة لغات، ماذا توفر الترجمة للعمل الأدبي؟
- نعم، تُرجم العديد من رواياتي إلى لغات كثيرة. الترجمة تنقل العمل الأدبي إلى فضاء ثقافي آخر، فضلاً عن أنها توسِّع من دائرة القراء. الترجمة تمنح النص حياة جديدة. عندما أقرأ بعض رواياتي المترجَمة إلى الفرنسية، أنتبه إلى أمور لم تكن تخطر ببالي عندما كتبتها، هذا يعني أن الترجمة تضيء النص من زاوية مختلفة.
(*) لديك العديد من الروايات التي ترشحت ضمن القائمة النهائية للروايات الست لجائزة (البوكر)، وحصلت «الاشتياق إلى الجارة» على «جائزة كتارا للرواية العربية» في 2021، ماذا تعني الجوائز للأديب والروائي؟
- الكاتب الحقيقي لا يكتب للجوائز. إنه يفعل هذا لأنه مسكون بشيء ما ويرغب في التعبير عنه. هذا هو الأساس في الكتابة. الجوائز تأتي فيما بعد، وهي تعني اعترافاً ما بقيمة ما يكتب الكاتب، ومن ثَم فإنها توفر له قليلاً من المال. الكاتب العربي عموماً يعيش في وضع مادي صعب؛ لأن عدد القراء ضعيف في العالم العربي، وهو يحتاج إلى هذا المال لكي يتمكن من الاستمرار في الكتابة.
(*) متى يصبح الكاتب عالمياً؟ إذا ترجمت أعماله وأصبحت مقروءة بلغات أخرى؟ أم يصبح عالمياً إذا حصل على جوائز عالمية؟
- هناك تفسيرات عدة لكلمة «عالمي»؛ هناك من يرى أن الكاتب يصير عالمياً عندما تترجَم أعماله إلى اللغات الأساسية في الغرب، وتحديداً الإنجليزية والفرنسية، وهناك من يعتقد أن هذا لا يكفي، لا بد من أن تلقى أعمال الكاتب المترجمة إقبالاً من القراء في البلدان التي تُرجمت فيها. وهناك من يشترط حصول الكاتب على جوائز عالمية، بالإضافة إلى الترجمة وإقبال القراء. شخصياً أميل إلى الرأي الثالث.
(*) من يقرأ رواياتك يجد أن موضوع الهوية يلحُّ على الكاتب ليطرحه في مختلف التفاصيل، كما يحضر التباين بين الحضارات. إلى أي مدى تمثل الهوية قلقاً في ظل هيمنة العولمة؟
- ثيمة الهوية تمتلك حضوراً قوياً في رواياتي؛ لأنها تقارب بطرق متباينة ومن زوايا مختلفة موضوع تلاقي الحضارات، الذي اكتسب بعداً آخر بعد انتشار العولمة. وهذه الهوية لا تتجلى في القضايا الكبرى المعروفة، وإنما أيضاً في تفاصيل الحياة اليومية وفي أمور قد تبدو لنا غير مهمة، لكن لا بد من أن أشير إلى أن الهوية ليست بالنسبة إليّ شيئاً ثابتاً متعالياً على الزمن، وإنما هي تتطور باستمرار.
(*) لديك توظيف رائع لثيمة (الحبّ) القادر على اختراق الطبقات، كما يتضح بقوة لي في روايتك «الاشتياق إلى الجارة»، كيف يمكنك توظيف هذه الثيمة لكسر حاجز الطبقات؟
- نعم، الحب قادر على أن يخترق كل الطبقات، بلّ كل التقاليد والعادات، لا شيء يستطيع أن يقف حاجزاً أمام الحب إن كان حقيقياً، إنه كالنهر الهادر يحطم كل ما يعوق سيره.
(*) على الرغم من أن أغلب رواياتك الـ11 تعالج مشكلات المجتمع والطبقات المتوسطة والفقيرة وعلاقاتها مع الذات والآخر. وليس بارزاً أي توظيف سياسي أو حزبي أو ديني في أعمالك، فإن مراقبين يقولون إنهم يتلمسون تأثيراً لروايتك «نساء البساتين» في اندلاع أحداث الثورة التونسية، ما رأيك؟
- لقد قيل كلام كثير من هذا النوع عن روايتي هذه، بل هناك من رأى فيها تنبؤاً بما حدث في تونس وما صار يسمى «الربيع العربي». عندما نقرأ هذه الرواية ندرك حجم الدمار الذي تعيشه تونس، ونشعر بأن الوضع لا يمكنه أن يستمر، وأن انفجاراً ما سيحدث، لكن الرواية لا تذكر أي شكل سيتخذه هذا الانفجار.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

دراسة: العمل من المنزل يرفع معدلات الخصوبة

سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)
سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)
TT

دراسة: العمل من المنزل يرفع معدلات الخصوبة

سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)
سيدة تعمل من المنزل خلال جائحة كورونا في إسبانيا (أرشيفية - رويترز)

أظهرت دراسة حديثة شملت 38 دولة حول العالم، أن معدل الخصوبة الفعلي والمخطط له يرتفع بمقدار 0.32 طفل لكل امرأة عندما يعمل كلا الزوجين من المنزل يوماً واحداً على الأقل أسبوعياً، مقارنةً بمن يعملون في مواقع عملهم أو لدى العملاء.

ووجدت الدراسة أن العمل من المنزل يرتبط بارتفاع معدل الخصوبة. بعبارة أخرى، بين العاملين، يعني قضاء وقت أطول في المنزل زيادة في عدد المواليد.

في العينة، يبلغ متوسط ​​عدد الأطفال لكل امرأة 2.26 طفل عندما لا يعمل أي من الزوجين من المنزل. ويشمل ذلك الأشخاص الذين عملوا بأجر خلال الأسبوع الماضي، أي إنهم ليسوا عاطلين عن العمل، بل يعملون في مواقع عملهم أو لدى عملائهم، حسبما أورد موقع «يورونيوز».

وأفادت الدراسة بأنه إذا عملت المرأة من المنزل يوماً واحداً على الأقل أسبوعياً، يرتفع متوسط ​​عدد الأطفال طوال حياتها إلى 2.48 طفل. وإذا عمل كلا الزوجين من المنزل، يرتفع هذا المتوسط ​​إلى 2.58 طفل.

أما إذا عمل الرجل من المنزل يوماً واحداً على الأقل أسبوعياً، فإن الزيادة تكون أقل، حيث يبلغ متوسط ​​عدد الأطفال 2.36 طفل.

ما الذي يفسر هذا الارتفاع؟

يُلاحظ ارتفاع ملحوظ في معدلات الخصوبة عندما يعمل الوالدان يوماً واحداً على الأقل من المنزل. فكيف يحدث ذلك؟ ما الآليات التي تُفسر العلاقة بين العمل من المنزل وارتفاع معدلات الخصوبة في الأسر؟

تشير الأبحاث إلى ثلاثة احتمالات أساسية:

1) من خلال تسهيل الجمع بين رعاية الأطفال والعمل بأجر، تُشجع وظائف العمل من المنزل النساء وشركائهن على اختيار إنجاب مزيد من الأطفال.

2) تختار الأسر التي لديها أطفال، وظائف تُتيح خيارات العمل من المنزل، لكنّ معدلات الخصوبة لا تتأثر بشكل مباشر بوضع العمل من المنزل.

3) يُسهم توفر وظائف العمل من المنزل في رفع معدلات الخصوبة من خلال توسيع الفرص الحالية والمستقبلية لاختيار وظائف تُراعي ظروف الوالدين.

ويُشير التقرير إلى أن «الاحتمالات الثلاثة تتفق جميعها مع فكرة أن وظائف العمل من المنزل تُسهل على الوالدين الجمع بين تربية الأطفال والعمل».

وجد الباحثون «أدلة واضحة» على ارتفاع معدلات الخصوبة مع توفر فرص العمل من المنزل. وقد استمر هذا النمط بعد الجائحة (2023-2025) وقبلها (2017-2019).

وتعتمد النتائج على مستوى الدول على معدل العمل من المنزل. وتختلف آثار ذلك على معدلات الخصوبة الوطنية بين الدول، ويعود ذلك أساساً إلى التفاوت الكبير في معدلات العمل من المنزل.

بين العاملين الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و45 عاماً، تتراوح نسبة من يعملون من المنزل يوماً واحداً على الأقل أسبوعياً بين 21 في المائة في اليابان و60 في المائة في فيتنام. وهذا يعني أن كل دولة تضم عدداً كبيراً من الأشخاص الذين يعملون من المنزل أحياناً، وعدداً كبيراً لا يعملون منه أبداً.

يُعد العمل من المنزل أمراً غير شائع نسبياً في عديد من الدول الأوروبية، بينما تحتل المملكة المتحدة المرتبة الثالثة عالمياً، وتتصدر أوروبا بنسبة 54 في المائة.

ويشير التقرير إلى أن «رفع معدلات العمل من المنزل إلى المستويات السائدة حالياً في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا من شأنه أن يعزز الخصوبة بشكل ملحوظ في عديد من الدول الأخرى».

يُقدِّر التقرير أنه إذا تم تفسيره على أساس السببية، فإن العمل من المنزل يُسهم بنسبة 8.1 في المائة من معدل الخصوبة في الولايات المتحدة. وهذا يُعادل حوالي 291 ألف ولادة سنوياً بحلول عام 2024. ويُشير البحث إلى أنه على الرغم من أن هذه المساهمة قد تبدو متواضعة، إلا أنها أكبر من تأثير الإنفاق الحكومي على رعاية الطفولة المبكرة والتعليم في الولايات المتحدة.


«ماراثون بيروت» بين النازحين: الرياضة تُهوِّن مرارة الحرب

على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)
على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)
TT

«ماراثون بيروت» بين النازحين: الرياضة تُهوِّن مرارة الحرب

على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)
على أطراف الملعب... تقف لحظات لا تُقاس بطولها (الشرق الأوسط)

تتبدَّل وظيفة الأشياء الصغيرة في أزمنة الحرب. يصير النهار الذي يتسلَّل إليه بعض الضوء مختلفاً عن نهار آخر يمرّ ثقيلاً، مُكتفياً بكونه يوماً إضافياً في سجلّ التعب. في مراكز الإيواء حيث تتقلَّص الحياة إلى ضروراتها القصوى، ويمضي اليوم على إيقاع القلق وأخبار القصف والتدبير الشحيح للطعام والنوم والانتظار، تكتسب أيّ لفتة إنسانية معنى يتخطّى حجمها المباشر. هناك، يمكن لنشاط رياضي أو «تي شيرت» أو ميدالية تُعلَّق على عنق طفل، أن يترك أثراً يتجاوز لحظته.

أحذية قطعت طرقاً مختلفة لتلتقي هنا (ماراثون بيروت)

يمكن قراءة ما تقوم به جمعية «ماراثون بيروت» خلال الحرب، عبر تنقُّل رئيستها مي الخليل وفريق العمل بين مراكز الإيواء في المناطق، وتنظيم نشاطات رياضية للأطفال النازحين، من هذا الباب. في المدينة الرياضية، بدا المشهد تحت الشمس وفي اتّساع الملعب، أقرب إلى استعادة مؤقتة لفكرة الحياة الطبيعية. أولاد يركضون في فضاء مفتوح، يضحكون، ويتنافسون، ويرتدون القمصان الصفراء التي يرتديها العدّاؤون في سباقات الماراثون، وينالون ميداليات قد تكون الأولى في حياتهم. في التفاصيل ما يكفي لفَهْم الفكرة كلّها. فالطفل يشعر ولو لساعات بأنه خرج من ضيق النزوح إلى فسحة أوسع. يومه لا يمرّ مثل الأيام العادية.

ما يلفت في هذه المبادرات أنها ليست استجابة ظرفية وطارئة فقط. مي الخليل تقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ مبادرة التبرُّع بالأحذية مثلاً تنتمي إلى نهج إنساني اعتمدته الجمعية منذ سنوات، في موازاة مبادرات أخرى مثل «حقي أركض» وتنظيم نشاطات رياضية في مناطق ذات دخل محدود. هذا البُعد مهم، لأنه يضع ما يجري اليوم في سياق تطلُّع أوسع يرى في الرياضة حقاً عاماً ومساحة يمكن أن تفتح في الإنسان منافذ قوّة وتماسُك، خصوصاً في لحظات الانكسار الجماعي.

أقدامٌ صغيرة تختبر أرضاً لا تضيق بها (الشرق الأوسط)

في حديثها عن الأحذية المُتبرَّع بها، تتوقَّف مي الخليل عند ما تُسمّيه «الاستمرارية»؛ فالحذاء في نظرها لا يُختَزل في شيء يُعاد استخدامه. ترى فيه فرصة لأن «يُكمِل الرحلة مع شخص آخر»، ويُعبّر عن قدرة المبادرات المتواضعة على إحداث فرق معنوي لدى مَن يتلقّاها. تحت وطأة اللجوء، تتغيَّر نظرتنا إلى المواد المحيطة بنا. ما كان عادياً في أيام السلم، قد يصير اليوم عنصراً من عناصر العناية، وإشارة إلى أنّ أحداً في مكان ما فكَّر في إنسان لا يعرفه وترك له ما يُساعده على الوقوف والركض والمُشاركة.

في العيون شيءٌ يقول إنّ هذا اليوم ليس عادياً (الشرق الأوسط)

الأهم من الحذاء هو ما يحدث عندما يبدأ النشاط. مي الخليل تستعيد أكثر من مشهد من زياراتها لمراكز الإيواء، لكنَّ اللحظة التي تبقى معها بعد المغادرة هي «لحظة الانطلاق». عندها، كما تقول، يتبدَّل شيء في ملامح الطفل... من ثقل النزوح إلى فرح اللحظة. وتتذكَّر صبياً «كان يركض وكأنه يهرب من كلّ شيء خلفه، ثم توقَّف وابتسم». في هذه الصورة ما يشرح كثيراً من الكلام عن أثر الحركة في النَّفس. الركض لا يمحو الصدمة والخليل واضحة في ذلك، لكنه «يفتح نافذة للتنفُّس». يُعيد وصل الإنسان بجسده ويمنحه مسافة عن الضغط الداخلي. ومع التكرار، قد يصير هذا المُتنفَّس جزءاً من مسار أهدأ نحو التعافي.

أقدامٌ صغيرة تختبر أرضاً لا تضيق بها (الشرق الأوسط)

يبدو الأطفال صغاراً أمام اتّساع مدرَّجات المدينة الرياضية والسماء. ومع ذلك، فإنّ هذا الاتساع قد يكون جزءاً من العلاج الصامت. النازح الذي اعتاد سقف الخيمة أو ضيق الصفّ أو قسوة المكان المؤقت، يجد أمامه مساحة تسمح له بأن يركض من دون أن يصطدم بشيء. ومَن يدري، ربما عاد هؤلاء الأولاد إلى الخيم التي صاروا فيها جيراناً، وتبادلوا الكلام عن ذلك النهار. عن السباق والميدالية والـ«تي شيرت» الأصفر، وعن مي الخليل التي غنَّت معهم النشيد الوطني وأعطتهم الميكروفون ليرفعوا أصواتهم قليلاً. هذه اللحظات لا تُنهي الحرب. يكفي أن تترك في الوجدان مادةً لتحمُّل القسوة اليومية.

بين يدٍ أعطت وقدمٍ ارتدت ثمة مسافة تختصر الكثير (الشرق الأوسط)

وربما اكتشف بعض هؤلاء الأطفال في ذلك النهار قدرةً لم ينتبهوا إليها من قبل. ربما شَعَر واحد منهم أنه سريع على نحو لافت، أو أنه يُحبّ المنافسة، أو أنّ جسده يستجيب للركض بفرح غامض كان ينتظر فرصة مناسبة ليظهر. المواهب كثيراً ما تُولد في ظروف عادية، لكنَّ بعضها يحتاج فقط إلى نافذة تُتيح له أن يخرج إلى العلن. وفي حياة يُهدّدها الانقطاع الدائم، يصبح العثور على مَيْل شخصي أو قدرة ما حدثاً له قيمة نفسية مُضاعفة، لأنه يعيد إلى الطفل إحساسه بنفسه ويوقظ في داخله إمكانات ورغبات ومستقبلاً ممكناً.

بين الضحك والركض يمرّ وقتٌ لا يُشبه سواه (الشرق الأوسط)

ما يجعل هذه المبادرات مؤثّرة هو أنها تلامس جوهر ما يساعد البشر على احتمال المرارة. الإنسان لا يعيش على الطعام والمأوى وحدهما، خصوصاً الطفل. هناك حاجة إلى اللعب والشعور بالإنجاز. إلى مَن يمرّ في يومه ويترك علامة. قد تبدأ هذه العلامة بابتسامة، ثم تتحوَّل إلى معنى في الداخل. وإلى قدر من الطمأنينة أو ذكرى تُستعاد عندما يشتدّ الخوف. في الحرب، لا تكون الأفعال الصغيرة صغيرة فعلاً. تُمثّل الحياة التي رغم كلّ شيء لا تزال قادرة على إرسال إشاراتها. وهذا أحياناً يكفي كي يُحتَمل يوم آخر.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


سيلين ديون تعلن عودتها إلى الجمهور بعد غياب سنوات

المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)
المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)
TT

سيلين ديون تعلن عودتها إلى الجمهور بعد غياب سنوات

المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)
المغنية الكندية سيلين ديون في نيويورك عام 2024 (أ.ب)

أعلنت المغنية الكندية سيلين ديون، مساء أمس (الاثنين)، عبر فيديو ورسائل عُرضت على برج إيفل في يوم عيد ميلادها الثامن والخمسين، إحياءها عشر حفلات موسيقية خلال الخريف المقبل في باريس، لتمهّد بذلك لعودتها الرسمية بعد غياب عن الحفلات دام ست سنوات.

وقالت النجمة المتحدرة من مقاطعة كيبيك الكندية، في رسالة مصورة بُثت على مواقع التواصل الاجتماعي وقناة «فرانس 2» الفرنسية العامة: «هذا العام، سأحصل على أفضل هدية عيد ميلاد في حياتي. ستُتاح لي الفرصة لرؤيتكم، لأؤدي لكم مرة أخرى».

في الوقت نفسه، شاهد مئات المعجبين أمام برج إيفل عرضاً ضوئياً على أنغام بعض من أشهر الأغاني التي أدتها المغنية، بما يشمل أداءها أغنية إديت بياف الشهيرة «Hymne a l'amour» (نشيد الحب). وعُرضت رسائل بلغات عدة على البرج بينها «باريس، أنا جاهزة».

إضاءة برج إيفيل بعد إعلان المغنية الكندية سيلين ديون عودة حفلاتها (رويترز)

من المقرر إقامة عشر حفلات موسيقية في الفترة من 12 سبتمبر (أيلول) إلى 14 أكتوبر (تشرين الأول)، بواقع حفلتين أسبوعياً، يومي السبت والأربعاء. واختارت المغنية أن تعود إلى جمهورها بنمط حفلات شبيه بذلك الذي اعتمدته على مدى 16 عاماً في لاس فيغاس، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتُقام الحفلات العشر في قاعة «لا ديفانس أرينا» عند مداخل باريس التي تتسع لنحو 40 ألف متفرج. وستُقدم سيلين ديون خلال هذه الحفلات «أشهر أغانيها باللغتَين الفرنسية والإنجليزية»، وفق بيان.

كما ستُتاح لسيلين ديون فرصة أداء أغنية جديدة من تأليف أحد أبرز ملحني أعمالها، جان جاك غولدمان الذي تعاونت معه، خصوصاً في ألبوم «دو» (D'eux) الذي حقق لها شهرة واسعة.

ومن المقرر إطلاق الأغنية هذا الربيع، وفق ما صرح به مقربون من الفنانة لوكالة «الصحافة الفرنسية»، مؤكدين بذلك تقريراً نشرته صحيفة «لوباريزيان». وسيتولى المدير الفني ويلو بيرون الذي عمل أيضاً على جولة بيونسيه العالمية الأخيرة، تصميم ديكورات حفلاتها.

بعد بدء البيع المسبق للتذاكر لعدد مختار من الأشخاص في 7 أبريل (نيسان)، تُطرح تذاكر الحفلات للبيع العام في 10 أبريل.

«حماس شديد»

يأتي هذا الإعلان الذي أثار حماسة كبيرة لدى محبي النجمة العالمية، عقب حملة دعائية مُخطط لها بدقة للترويج لعودة سيلين ديون إلى الساحة.

وقالت المغنية: «أردتُ أن أخبركم أنني بخير حقاً، صحتي... أشعر بأنني بخير، أشعر بالقوة، أغني كثيراً، حتى إنني أرقص قليلاً»، مضيفةً أنها تشعر «بحماس شديد» و«بقليل من التوتر». وتابعت: «في السنوات الأخيرة، لم يمر يوم إلا وشعرتُ فيه بدعائكم ودعمكم، وبالطبع حبكم، حتى في أصعب الأوقات».

وأُلغيت جولتها «Courage World Tour» (كوردج) التي انطلقت في أواخر عام 2019، بعد أشهر قليلة من بدايتها بسبب جائحة «كوفيد»، ثم بسبب المشكلات الصحية للمغنية.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2022، كشفت المغنية عن تشخيص إصابتها بـ«متلازمة الشخص المتيبّس»، وهو أحد أمراض المناعة الذاتية الذي لا يوجد علاج شافٍ منه، واضطرت إلى إلغاء سلسلة من الحفلات إلى أجل غير مسمى.

وقد تسبب هذا المرض بإرجاء عودتها إلى الساحة الفنية مرات عدة، آخرها في 2025 حين كان مقرراً أن تستأنف حفلاتها قبل تأجيل هذه الخطوة مرة أخرى. لكن الأمل بالعودة ظل قائماً بعد أن ظهرت سيلين ديون مجدداً في حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية في باريس صيف عام 2024، حين قدمت الأغنية الشهيرة «إيمن آلامور» (نشيد الحب)، أيضاً من برج إيفل، خلال حفل ختامي مبهر.

تحظى سيلين ديون بشعبية كبيرة حول العالم، وقد باعت ما يناهز 260 مليون ألبوم باللغتين الإنجليزية والفرنسية خلال مسيرتها الغنائية الممتدة منذ نحو أربعة عقود.

Your Premium trial has ended