فيكو: تدشين «الوعي التاريخي» والانتباه المبكر لأزمة العلوم الإنسانية

فيكو: تدشين «الوعي التاريخي» والانتباه المبكر لأزمة العلوم الإنسانية

أول ترجمة عربية لـ«العلم الجديد» بعد «إحجام» عربي طويل
الخميس - 11 شهر ربيع الأول 1444 هـ - 06 أكتوبر 2022 مـ رقم العدد [ 16018]

وأخيراً، وبعد جهد دام سنتين ونصف السنة، تمكنت دار «أدب» بإشراف الدكتور عبد الله السفياني من إصدار أول ترجمة عربية لأحد أبرز الكتب في الزمن الحديث، وهو «العلم الجديد، في الطبيعة المشتركة لكل الأمم» لجيامباتيستا فيكو. وهو الآن يعرض بالمعرض الدولي للكتاب بالرياض 2022. ولا نحتاج لكثير من التذكير بأهمية هذا الكتاب، فيكفي أنه هو من استخدم المصطلح الذي نسميه الآن «الوعي التاريخي»، إضافة إلى توقعه أزمة العلوم الإنسانية.

أما وعن أسباب إحجام العرب عن ترجمة هذا الكتاب المهم، فإن الدكتور أحمد الصمعي الذي نقله إلى العربية، يذكر أهم سبب والمتمثل في لغته الإيطالية الدقيقة وصعبة المنال، لغة رجال السياسة والقانون في القرنين السابع عشر والثامن عشر المشحونة بالاستطرادات والخطاب المسترسل دون تنقيط واضح وبجمل اعتراضية طويلة تجعل القارئ يتيه بين الألفاظ والأفكار. فحتى الإيطاليين ومن يتحدثون لغات لها جذور لاتينية وإغريقية يجدون صعوبة في قراءته، فما بالك بالقارئ العربي صاحب اللغة والحضارة المختلفتين. كما أن هناك أيضاً سبباً آخر يشير إليه المترجم والمتمثل في كثرة العلوم التي يستحضرها فيكو، خاصة القديمة منها؛ وهو ما يجعل المترجم مطالباً بالخوض في صنوف متعددة من المعارف تأخذ وقت المترجم وجهده في التدقيق والتمحيص.




جاء الكتاب في حجم كبير وبعدد من الصفحات تجاوز 700 وبطبعة أنيقة تليق به، وقد قدم له الدكتور السفياني ليحكي لنا قصة هذا الكتاب و«الجهد الكبير الذي بذلته دار أدب لإخراج منتوج محترم يفيد الثقافة العربية». ومما زاد الكتاب جاذبية التقديم الذي وضعه المترجم والذي يعطي فيه فكرة عن مجمل حياة فيكو التي كانت بئيسة ومليئة بالمرض والفقر وقلة ذات اليد والصعوبات في الاندماج داخل المجمع العلمي، ففيكو لم يكن يجد اعترافاً كافياً، كما قام المترجم بإعطاء نظرة عامة حول الكتاب وأهميته.

إجمالاً، يمكن في هذه المراجعة السريعة التي لا تغني عن قراءة متن الكتاب الغني والمتعدد الطروحات أن نقول، إن فيكو يفرّق بين ما خلقه الله وما أنتجه الإنسان، فالله خلق الطبيعة أما الإنسان فقد أنتج بروحه المجتمع والثقافة والتاريخ، ويستتبع هذا المعطى الأولي الذي ينطلق منه فيكو كون الإنسان لن يتمكن من فهم الطبيعة فهماً كلياً، أي دفعة واحدة، فهذا اختصاص رباني ومقدرة خاصة بالله وحده. أما أقصى ما يمكن أن يفعله الإنسان فهو وصف عمليات الطبيعة وشرح سلوكات الظواهر الفيزيائية في أوضاع تجريبية محددة، لكنه يجهل لماذا الطبيعة اختارت السلوك على منوال وليس على آخر. بطريقة أخرى، نقول مع فيكو، إن الإنسان هو يعرف الطبيعة، لكن من الخارج، كمراقب فقط، أما أن يعرفها من الداخل فهو أمر يتجاوز إمكاناته.

إن القاعدة الأساسية التي ينطلق منها فيكو هي أن الأشياء تُعرف وتُفهم جيداً إذا وصلنا إلى عمقها وتغلغلنا إلى باطنها، أما إلقاء نظرة على خارجها فلن يقدم إلا معرفة سطحية؛ لهذا فالإنسان يعرف فقط ما يخلقه بنفسه: كالمجتمع والدولة والقوانين والتاريخ... أما الطبيعة فهو يحوم حولها ولا يصل أبداً إلى لبّها لأنها خلق رباني.

لقد ألّف فيكو كتابه «العلم الجديد» ليمجد العلوم الإنسانية ويعدّها مجال الإنسان بامتياز، حيث يمكن أن يحقق فيها معارف يقينية ويصيب فيها درجة عالية من الفهم؛ لأنه باختصار هو خالق موضوع البحث فيها على خلاف العلوم الطبيعية التي يعد أمرها موكولاً إلى الله.

لقد تنبّه فيكو في وقت مبكر إلى أن الاختلاف بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية ليس اختلافاً في المنهج، بل اختلاف في علاقة الذات بالموضوع، وهو هنا سيدخل في نقاش قوي مع ديكارت، معلناً أن الذات ليست معزولة في العلوم الإنسانية عن الموضوع الذي ما هو إلا الذات نفسها؛ مما يجعل الباحث شاء أم أبى منخرطاً ومشاركاً، وما عليه إلا أن يفهم الدوافع والمحركات والمقاصد والرغبات الإنسانية، فالتمييز الديكارتي بين الذات والموضوع والعمل على عزلهما عن بعضهما بعضاً يصدق في العلوم الطبيعية ويفشل في العلوم الإنسانية، بكلمة واحدة إذا كان الباحث في المجال الطبيعي مراقباً ففي المجال الإنساني مشاركاً.

لقد ظهر كتاب «العلم الجديد» في لحظة كانت فيه السيادة للفلسفة الديكارتية التي تولي الاهتمام بالعلوم الطبيعية على حساب العلوم الإنسانية، هذه الأخيرة سيعيد لها فيكو الاعتبار، بل يمكن ببساطة اعتبار فيكو أحد من توقع ذلك الجدل اللاحق والهائل حول أزمة العلوم الإنسانية وهي تقلد العلوم الطبيعية.

«كتاب العلم الجديد» توليفة تجمع فقه اللغة وعلم الاجتماع والتاريخ، جعلت فيكو يقف عند فكرة جوهرية في العصر الحداثي والمتمثلة في «الوعي التاريخي» منبهاً إلى ضرورة قراءة الماضي بعيونه ووفق سياقاته التي تختلف عن الحاضر تماما، ففهم الماضي يكون بالتعامل بلغة القدامى والتماهي مع أفقهم النفسي والاجتماعي. وقد يبدو هذا «الوعي التاريخي» أمراً معتاداً وعادياً في عصرنا، لكنه كان في القرنين السابع عشر والثامن عشر مجرد جنين.


كتب

اختيارات المحرر

فيديو