استرداد طه حسين

الرجل الذي ملأ الدنيا وشغل الناس

استرداد طه حسين
TT

استرداد طه حسين

استرداد طه حسين

قلة من المفكرين والمبدعين تكون حياتهم الشخصية ملهمة بقدر أفكارهم وإبداعهم، على رأس هذه القلة - عربياً - طه حسين، فلم يكن المقسوم لصبي فقد بصره وقت مولده من نصيب أفضل من قراءة القرآن في المقابر لقاء بعض الصدقات. وربما ينتظر هذا المصير الكفيف إلى اليوم في الريف المصري. لذلك كان تدريس سيرة طه حسين «الأيام» لطلاب الثانوي على مدار عقود عملاً موفقاً يبث في النشء إرادة التحدي، مهما كانت ظروفهم، ورسالة لكل من يعاني من إعاقات الصحة أو الفقر: نعم تستطيع!
لم يكن العمى محبس طه حسين الوحيد، بل البيئة المتواضعة علمياً في القرية ثم الدراسة الأزهرية الجامدة، لكنه شق طريقه على هدي من حدسه العقلي واقتداءً ببعض شيوخه المستنيرين، وسرعان ما صار شاباً لامعاً، ثم مفكراً لم تتقادم أفكاره وتتعرض للنسيان، لكنها لم تستقر كذلك، وهذا مبعث الأسف.
لم ينسه تلاميذه، ولم ينسه الخصوم كذلك. تصدر عنه الكتب التي تعيد استقراء أفكاره، كما ينشط الخصوم في تدوير الاتهامات القديمة المبنية على شائعات، وتلك التي تضع رؤاه في مواجهة مع الدين.
من صفوف التلاميذ الأحدث، يخرج الناقد ممدوح فراج النابي بكتاب «استرداد طه حسين» الصادر عن دار «خطوط وظلال» الأردنية، منذ نحو عام، أخلص فيه لفكرة الاسترداد، إذ قسمه إلى ثلاثة أقسام: دفاعاً عن العميد، العميد والريادة، ووجوه العميد المتعددة.
ربما يسأل القارئ نفسه في مواجهة القسم الأول: هل يجب أن نعود إلى الدفاع عن طه حسين اليوم؟ وهل يجب أن نستعيد معارك العقود الأولى من القرن العشرين واتهامات بحق الرجل تدعي انتحاله منهجاً أو فكرةً أو نصاً بعد أن ثبت كيديتها، وأن ما يقف وراءها كان كيد المتزمتين تارة وكيد زميل حاسد تارة أخرى؟
لكن البحث على شبكة الإنترنت يؤكد أن النابي لديه بعض الحق في استعادة هذا التاريخ، لأن أحفاد الخصوم لا يزالون خصوماً يكررون المقولات ذاتها، ويجدون في الكثير من الصحف والمواقع الإلكترونية المساحات التي يعيدون فيها بث أكاذيبهم.
دعوته للعقلانية، هزت ثوابت العقول المطمئنة إلى جمودها المكتفية بإعادة تقديم الشروح تلو الشروح لنصوص قديمة دون رغبة في التجاوز. وهذا هو أصل العداء المستعر إلى اليوم.
ورغم شهرة معركة الشعر الجاهلي، إلا أنها كانت المحنة الثانية، حيث يعود النابي إلى ما أحدثته رسالة طه حسين للدكتوراه «ذكرى أبي العلاء» التي نشرها فيما بعد بعنوان «تجديد ذكرى أبي العلاء»، وكانت رسالة الدكتوراه الأولى التي تُقدم عام 1914 للجامعة المصرية الناشئة.
ناقش طه حسين في الرسالة ثلاثة من الشيوخ، رأى اثنان منهما، محمود فهمي ومحمد الخضري منح الطالب تقدير فائق، ورفض الشيخ الثالث محمد المهدي، لأن طه حسين له سابق رأي فيه، فكانت النتيجة منح طه حسين تقدير «جيد جداً». وهذا ليس كل شيء، فقد طالب عبد الفتاح الجمل، وهو عضو في الجمعية التشريعية عن بورسعيد بحرمان طه حسين من حقوق الجامعيين «لأنه ألف كتاباً فيه كفر وإلحاد»، ولكن سعد زغلول رئيس الجمعية أمات الفتنة في مهدها بأن استدعى النائب وأقنعه بالعدول عن مذكرته.
والزعيم سعد نفسه هو الذي سينحني لعاصفة «الشعر الجاهلي» فيخرج لطلاب الأزهر الغاضبين بكلام ناعم ألا يقلقوا لأن الإسلام راسخ، ويستجوب رئيس الحكومة عدلي يكن بشأن نشر الكتاب. ويجد النابي تفسير ذلك بأنه في المحنة الأولى تمكن من أصل اللهب، لكن النيران خرجت عن سيطرته في المحنة الثانية فاضطر إلى المسايرة.
محنة «الشعر الجاهلي» هي الكبرى؛ فهي التي قادت طه حسين إلى المحاكمة، وأشعلت المظاهرات ضده، وعرضته لمقالات شديدة القسوة تطعن في دينه، وخلطت الأوراق السياسية بضراوة طالت القصر والوزارة والجامعة مع شخص طه حسين.
ويرى النابي أن كل كتابة عن طه حسين يجب أن تبدأ بـ«الأيام» الكتاب الأشهر في المكتبة العربية بعد ألف ليلة وليلة. ونظراً لتوقيت نشر جزئه الأول يرى أنه ليس مجرد كتاب في السيرة. فقد شرع العميد في نشر حلقاته في مجلة «الهلال» بعد أشهر قليلة من محنة الشعر الجاهلي، عام 1926، لمدة عام، ثم صدرت بعد ذلك في كتاب عام 1929، في هذا التوقيت كان طه حسين لم يزل في الثامنة والثلاثين، وهذا ليس وقت كتابة السيرة، ولكنه اندفع إليها بعد المحنة. دفاعاً عن نفسه وإعلاناً من ذاته المفردة عن نفسها، وعن ثورتها ضد كل ما يقيدها.
و«الأيام» ذاتها هي التي ستكون الفخ الثاني، فبعد الضجة الدينية حول الشعر الجاهلي والتقولات عن استناده فيه على مقال للمستشرق مرجليوث، جاء الدور على الطعن في كتاب إبداعي، حيث ادعى أحمد ضيف زميل بعثة طه حسين إلى فرنسا أن العميد سرق روايته «منصور» وضمنها «الأيام». ويجد ضيف إلى اليوم من يستعيد تقولاته عن طه حسين، استناداً إلى أن البطل صبي ريفي لا أكثر!
ترصد ضيف لطه حسين هو الأقل تماسكاً والأكثر انكشافاً، لكن قضية مرجليوث أخذت زمناً أطول، رغم أن المبالغات من شأنها أن تقلب الأمر إلى مزحة؛ حيث زج الخصوم أنفسهم باسم مرجليوث مرة أخرى طعناً في كتاب الشيخ علي عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم».
لم يستند طه حسين في عمله إلى منهج الشك الديكارتي بكامله، ولا يمكن وضعه داخل هذا المنهج وحده، لأنه كان دائم البحث عن منهج. وبدا استخدامه للمنهج الاجتماعي في دراسة أبي العلاء، فقد كتب: «أبو العلاء ثمرة من ثمرات عصره، قد عمل في إنضاجها الزمان والمكان، والحال السياسية والاجتماعية، بل والحال الاقتصادية». وفي كتاب قادة الفكر (1925) يقول: «الشاعر والكاتب لا يستمد شخصيته من شخصه وحده. وإنما يستمد أكثر فنه وأكثر شخصيته من أشياء أخرى ليس له فيها حيلة (…) وأكاد أقول إن الفرد نفسه ظاهرة اجتماعية». كما يبدو واضحاً لدى طه حسين اعتماده على المنهج التاريخي في استقصاء المصادر وتفنيدها.
ويستشهد النابي بدراسة سيد البحراوي للتأكيد على أن طه حسين عرف المنهج المادي كما كان يفهمه فرنسيو القرن الثامن عشر وامتدادها عند أصحاب المدرسة الطبيعية في النقد. وفي كل ذلك كان طه حسين يؤكد دائماً على ضرورة تجرد الباحث من الهوى والعاطفة.
يخصص الباحث فصلاً من كتابه للمقارنة بين رؤيتي طه حسين وتزفيتان تودوروف لتدريس الأدب، ليجد التشابه بين ما بدأ به طه حسين حياته في البحث وما انتهى إليه تودوروف في نهاية رحلته عبر كتابه «الأدب في خطر - 2007».
بين صرخة في بدايات القرن العشرين وأخرى في بدايات القرن الحادي والعشرين، يعتقد النابي أن الدرس الأدبي تاه وواصل طلابه حالة من الاغتراب، خلال سطوة المناهج الشكلانية. وما ثار عليه تودوروف في النهاية يشبه ثورة طه حسين على الشروح اللغوية كما وجدها في دروس شيوخه من أمثال سيد بن علي المرصفي.
ويقرأ المؤلف التقاطعات بين طه حسين وتودوروف، برغم الفارق الزمني بينهما؛ فكلاهما درس في فرنسا، وتأثر بأساتذته من الفرنسيين. ذكر طه حسين تأثره بعالم الاجتماع إميل دوركايم، الذي أشرف على رسالته عن ابن خلدون، وكذلك تأثر تودوروف برولان بارت وجيرار جينيت. وكلا الوافدين (طه حسين وتودوروف) تأثر بالظروف السياسية والاقتصادية في علاقته بفرنسا، فكان أن انتهيا إلى التأكيد على الغاية الاجتماعية من الأدب.
لشخص طه حسين وجوه متعددة، فهو العاشق والمقاتل الصلب في السياسة والناقد المُعنف الذي لا يخلو نقده من قسوة. هذا الثراء في شخص طه حسين ثراء آخر في وجوه كتابته وتنوعها، ما بين القصة والنقد والسيرة والتاريخ والمقالة السياسية.
هذا الثراء جعل للعميد دراويشه وصنع أعداءه كذلك، وقد وصفوا سلطته بـ«الإقطاع الفكري» على نحو ما ذهب عبد الحي دياب في كتاب بهذا العنوان، لكن النابي لا يبدو من أولئك أو هؤلاء، يدرس مواقف الطرفين عائداً إلى الكثير من المقالات والكتب، غير غاضٍ طرفه عن هفوات العميد الفكرية وتحولاته، ومنها مثلاً موقفه من اعتصام درية شفيق وتسع سيدات في نقابة الصحافيين احتجاجاً على لجنة دستور علي ماهر عام ١٩٥٤، فقد كتب عنهن مقالاً بعنوان «العابثات» أتبعه بـ«العابثات ٢» تأكيداً على موقفه الدفاعي عن حركة يوليو (تموز)، متذرعاً بأن الظرف لا يحتمل القلاقل، بينما كان قد كتب في شبابه مناصراً قضايا المرأة معارضاً أستاذه الشيخ عبد العزيز جاويش عام 1911.
يلتمس النابي تفسيراً لقسوة طه حسين الفكرية في ظروف نشأته وما تحمله من شيوخه وخصومه منذ بداية طريقه الدراسي وعبر حياته مع الكتابة والنشر. لكنه مع قسوته اختط لنفسه منهجاً أوضحه في تقديمه لكتاب صديقه أحمد أمين «ضحى الإسلام»، وهو ألا يظلم كتاباً لأن صاحبه صديق له أو خصم، لكنه اعتبر الظلم الأشنع «أن تُثني على ما لا يستحق الثناء».
ويختتم النابي كتابه «استرداد طه حسين» بفصل عن رحلته إلى الأراضي الحجازية بمناسبة وصوله إلى جدة في مهمة ثقافية للجامعة العربية، وهي الرحلة التي عدّها معسكر التكفير عودة إلى الإسلام وتوبة.
لم يكتب طه حسين شيئاً عن تلك الرحلة، بعكس رحلاته في أوروبا، وترك أمر تدوينها إلى الآخرين، وقد سجلها محمد عبد الرازق القشعمي في كتابه «طه حسين في المملكة العربية السعودية: صدى زيارة عميد الأدب العربي للمملكة»، وقد أضاء بشمول رحلة التسعة عشر يوماً التي بدأها طه حسين في الخامس عشر من يناير (كانون الثاني) 1955 واستقبله فيها المغفور له الملك فهد وكان آنذاك أميراً ووزيراً للثقافة. وإثر انتهاء زيارته الرسمية سافر إلى مكة والمدينة المنورة. وكان للزيارة وما ألقى فيها من كلمات، وما رشح عن ذكر مشاعره عندما احتضن الحجر الأسود أثرها في استنهاض التلاميذ والخصوم، وتجدد جدل الشك والإيمان، وهو جدل سيستمر طويلاً فيما يبدو.
ولكل هذا الغنى في الشخصية والإنتاج يعتقد النابي أن طه حسين يحق في وصفه، عبارته هو التي قالها بحق المتنبي: ملأ الدنيا، وشغل الناس.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
TT

«العرض الكبير» يجوب العالم موسيقى ورقصاً في «كازينو لبنان»

رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)
رقص رافق غالبية المعزوفات الموسيقية (خاص الشرق الأوسط)

في ليلة لا تشبه الوضع السوداوي الذي تمرّ به المنطقة، قدّم الموسيقي طوني مخول عمله «العرض الكبير» على مسرح «كازينو لبنان»، مساء السبت، مع ليلة إضافية، الأحد. الحضور الحاشد في هذه الأمسية كأنما يحاول القفز فوق المأساة، أو يفتعل تجاهلاً مؤقتاً لخطر محدق.

طوني مخول يقود الأوركسترا (خاص الشرق الأوسط)

أكثر من مائة فنان، بين عازف موسيقي وراقص، شاركوا معاً في إحياء العرض، الذي حرص مؤلفه ومنتجه الفني، الموسيقي طوني مخول، على الاهتمام بأدق تفاصيله، ليقدَّم بحلة تليق بالمناسبة.

هو احتفال موسيقي راقص، كان قد قُدّم بنسخة مختلفة في «مهرجانات بيبلوس» خلال الصيف الماضي، كما جال في عدد من المدن الأوروبية، بمباهجه وألوانه ومؤثراته، في دعوة إلى الفرح والمتعة. وهو يحمل روحاً وطنية ونزعة إنسانية من خلال مقطوعات تعزفها أوركسترا كبيرة؛ لكل مقطوعة موضوعها الذي ترافقه كلمات أو عنوان يظهر على الشاشة مع عبارات بليغة، قبل أن تصبح الشاشة موضع عرض مؤثرات تتكامل مع كوريغرافيا الراقصين.

نادر خوري افتتح الغناء بأغنية وطنية (خاص الشرق الأوسط)

بدأ الحفل بأغنيات ورقصات وطنية تحيةً للبنان المتألم والصامد رغم المحن، وللجيش اللبناني؛ إذ ليس من وقت أفضل من الذي نحن فيه للتذكير بأن السلام بات فسحة صغيرة لالتقاط الأنفاس بين الواقعة والأخرى.

جوهر الحفل هو الموسيقى التي وضعها مخول، وحولها تتحلق بقية الفنون؛ مرة يأتي الرقص واللوحات الاستعراضية، ومرة أخرى غناء أحد الفنانين، أو صحبة الكورال، بقيادة روزي الحاج.

«شو بحبك يا وطني يا حكاية كل الدني»، غنّى نادر خوري في بدء الحفل الذي رعاه رئيس الجمهورية جوزاف عون، ويعود ريعه إلى وزارة الإعلام.

طوني مخول وتحية للجمهور في ختام الحفل (خاص الشرق الأوسط)

رقص باليه منفرد، ورقصات أخرى ثنائية، وكذلك جماعية، إلى جانب أنماط أخرى حاول مخول أن تأتي منوّعة بحيث لا يملّ المتفرج، فكان الفالس والسالسا، وحتى الجمباز والرقص بالشرائط على الطريقة الصينية.

العرض مقسَّم إلى معزوفات تحمل رسائل، تصاحبها عروض من تصميم الراقصين المشاركين ساندرا عباس وأسادور هرجيان، وكأنما النغم وحده لا يكفي. ويُسجَّل لمخول اهتمامه الفائق بالتفاصيل الدقيقة، ولساندرا عباس إتقانها تصاميم الراقصين التي جاءت بهيجة ومتقنة، بألوان زاهية لا تملّها العين.

شارك غناءً الفنان الإسباني خوسيه دي نافيغا، في أغنية رومانسية باللغة الفرنسية، عنوانها «وحيد من دونك»، وهو يردّ التحية لصديقه مؤلف العمل مخول، الذي استقبلته إسبانيا، العام الماضي، وقدّمت له الأوركسترا مجاناً تضامناً معه، يوم كان لبنان تحت القصف الإسرائيلي.

الباليه جزء أساسي من العرض (خاص الشرق الأوسط)

وغنّت من أميركا اللاتينية الفنانة بولينا «الحب الفريد». أما حين بدأت مقطوعة «رقص للذكرى»، فإن كل شيء كان يتمايل، المسرح كما المشاهد الخلفية لطائرة في الجو تتراقص، كما يفعل مضيفوها وركابها.

وقدّمت تحية إلى كبار كان لهم دور في تغيير العالم؛ فشاهدنا صوراً تتوالى على الشاشة العملاقة الخلفية التي لعبت دوراً منذ بداية العرض. هذه المرة كانت تمر صور لشخصيات مثل أينشتاين، وبيتهوفن، وستيف جوبس، وماريا كالاس، وماري كوري، وسلفادور دالي، وهيتشكوك، ووالت ديزني، وأنطونيو غاودي، وفريدريك شوبان.

الشاشة الخلفية بقيت حاضرة بمؤثراتها (خاص الشرق الأوسط)

«إنها الأساطير التي لا تموت» هو عنوان هذه الفقرة، التي، كما كل العرض، بقدر ما نراها وطنية تمدّ ذراعيها لتحتضن قضايا إنسانية بلغة الموسيقى.

معزوفة «الأزهار المتيبسة» رسالة حب وتعاطف إلى معذّبي العالم، وضحايا الحروب، وجياع الأطفال الذين يبحثون عمّا يسدّ رمقهم. لقطات مؤلمة، قد تكون في أفريقيا أو أي مكان آخر. فأينما يمّمت وجهك وجدت الألم ينتظر شعوباً عجزت عن حماية نفسها من ظلمة جبابرة الكوكب.

كل أنواع الرقص كانت حاضرة (خاص الشرق الأوسط)

نحو 20 مقطوعة عزفتها الفرقة بقيادة مخول وبمشاركة عازف البيانو بسام شليطا، وبمرافقة الكورس الذي أضاف أجواءً من الفرح، مع الراقصين والشرائط المختارة بعناية المعروضة في خلفية المسرح.

«رجاء ابقَ» أغنية رافقتها زخات خفيفة من المطر على الشاشة العملاقة التي جلس أمامها الموسيقيون. فقد جاء الحفل جامعاً، يشبه رحلة سفر فنية، قادتنا إلى كوبا مع السالسا، و«العين البرازيلية» مع الألوان اللاتينية مثل قوس قزح.

أما المقطوعة الأخيرة «سوا سوا»، بموسيقاها ولوحاتها وكلماتها، فكانت دعوة لجميع المشاركين في العرض غناءً.


جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

جنيفيف دولود دي سيل: «نينا روزا» رحلة تأملية حول معضلة الهجرة والعودة للأوطان

الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
الفيلم عرض للمرة الأولى بالمسابقة الرسمية في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الكندية جنيفيف دولود دي سيل إن فيلمها «نينا روزا» لم يكن مشروعاً عادياً بالنسبة إليها، بل تجربة شخصية وفكرية امتدت لسنوات قبل أن تتحول إلى نص سينمائي مكتمل، مؤكدة أن الفكرة بدأت بسؤال بسيط لكنه مؤرق، وهو ماذا يفعل الإنسان بالماضي الذي قرر أن يدفنه؟ وهل يمكن حقاً أن نغادر مكاناً دون أن يبقى في داخلنا؟

وأضافت المخرجة الكندية لـ«الشرق الأوسط» أن «البذرة الأولى وُلدت حين عاشت، في مطلع العشرينات من عمرها، 6 أشهر في أوروبا الشرقية، متنقلة بين رومانيا وبلغاريا، حيث عملت مع مهاجرين كانوا يستعدون لترك أوطانهم إلى كندا، وخلال هذه الفترة اكتشفت أن الهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي، بل قطيعة مع طبقات من اللغة والذكريات والعلاقات، وأن ما يُترك خلف الحدود يظل يعيش في الداخل بصيغة أخرى».

وأشارت إلى أنها بعد عودتها إلى مونتريال ظلت قريبة من أصدقاء ينتمون إلى الجيل الثاني من المهاجرين، وأن قصة والد أحدهم أثّرت فيها بعمق، فهو رجل غادر بلده قبل أكثر من 40 عاماً، وقرر بإرادته ألا يعود إليه أبداً، ولم يكن هروبه من صدمة مباشرة، بل من ثقل المواجهة، مشيرة إلى أنها كانت تتساءل دائماً، ماذا لو أُجبر هذا الرجل على العودة؟ كيف سيتعامل مع الأماكن التي تركها؟ هل سيجد نفسه كما كان، أم سيكتشف أنه أصبح غريباً حتى عن ذاكرته؟ من هذا السؤال وُلدت شخصية «ميخائيل» في الفيلم، وهو الرجل الذي اختار القطيعة وسيلة للبقاء، قبل أن يُدفع إلى مواجهة ما ظن أنه تجاوزها.

المخرجة الكندية (الشركة المنتجة)

يروي فيلم «نينا روزا» الذي حصدت مخرجته جائزة أفضل سيناريو في المسابقة الرسمية لمهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية قصة «ميخائيل» الذي غادر بلغاريا في تسعينات القرن الماضي عقب وفاة زوجته، ليبدأ حياة جديدة في مونتريال حيث ربّى ابنته الصغيرة «روزا» بمفرده، ونجح في أن يُرَسّخ مكانته بصفته خبيراً في الفن الفرنسي والفن المعاصر.

وبعد سنوات طويلة من القطيعة مع وطنه، يتلقى تكليفاً من جامع أعمال فنية للتحقق من أصالة لوحات طفلة بلغارية في الثامنة من عمرها تدعى نينا، بعدما انتشرت أعمالها على نطاق واسع عبر الإنترنت، يتردد ميخائيل في العودة إلى البلد الذي أقسم ألا يعود إليه، لكنه وافق في النهاية. غير أن لقاءه بـ«نينا» هزّه من الداخل، فالطفلة، بنضجها غير المتوقع، توقظ داخله ذكريات حاول طويلاً دفنها.

وأكدت المخرجة الكندية أن «نينا روزا» ليس فيلماً عن لحظة الرحيل الأولى، بل عن «ما بعد» الرحيل، والسنوات التي تبدو مستقرة من الخارج لكنها تخفي جراحاً لم تُعالج، مشيرة إلى أن الفيلم يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق، وهو هل يمكن للإنسان أن يبني مستقبله على إنكار جزء من تاريخه؟

وأوضحت أنها منذ فيلمها الأول كانت منشغلة بفكرة الانتماء، لكنها في «نينا روزا» حاولت الاقتراب من الهوية من زاوية رجل في أواخر الخمسينات، يعيش بين ثقافتين، ويتحدث بلغتين، ويشعر بأنه لا ينتمي بالكامل إلى أي منهما، لافتة إلى أنها لا تؤمن بالهوية الثابتة، بل تراها طبقات متراكبة، وأحياناً متناقضة، والسينما تمنحها فرصة لاستكشاف هذه المنطقة الرمادية التي يتشكل فيها الإنسان.

صناع الفيلم خلال حضور العرض الأول في مهرجان برلين (إدارة المهرجان)

ولفتت إلى أنها تعمدت الابتعاد عن الواقعية الصارمة التي ميّزت أعمالها السابقة، واتجهت إلى لغة أكثر شاعرية، تسمح للصورة بأن تعكس ذاتية «ميخائيل» المضطربة، مشيرة إلى أن المكان في الفيلم جاء بوصفه جزءاً من ذاكرة وروائح وأصوات وأغان قديمة، فالعودة إلى بلغاريا وظفت باعتبارها احتكاكاً بين الحاضر والماضي. لذلك اختارت عدسات تمنح الصورة شكلاً مختلفاً يعكس المزج بين الواقع والذكرى.

وأوضحت أن «اختيار بطل الفيلم كان تحدياً معقداً، لأنها كانت تبحث عن ممثل بلغاري يتقن الفرنسية ويحمل في داخله تجربة اغتراب حقيقية، وبعد بحث طويل، وجدت ممثلاً عاش خارج وطنه سنوات طويلة، فشعرت بأن الشخصية وجدت جسدها الطبيعي»، لافتة إلى أن «خلفيتها الوثائقية تجعلها حريصة على الصدق، وعلى أن يتقاطع المسار الشخصي للممثل مع المسار الدرامي للشخصية، حتى لا يبدو الألم مفتعلاً».


أحمد العوضي: أخلع عباءة «البطل الشعبي» في «شمشون ودليلة»

أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
TT

أحمد العوضي: أخلع عباءة «البطل الشعبي» في «شمشون ودليلة»

أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)
أحمد العوضي في كواليس مسلسل «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)

أكَّد الفنان المصري أحمد العوضي أن شخصية «علي»، التي يجسّدها ضمن أحداث مسلسل «علي كلاي»، هي الأقرب إلى قلبه وحياته الخاصة. وقال العوضي، في حواره لـ«الشرق الأوسط»، إن العمل يُعد مزيجاً من الرومانسية والأكشن والإثارة، كاشفاً عن ابتعاده عن ثيمة البطل الشعبي التي اعتاد تقديمها خلال المواسم الماضية، وذلك عبر فيلمه السينمائي المقبل.

وعن شخصية «علي كلاي»، قال العوضي: «تتمتع الشخصية بثراء كبير، وتعمل في تجارة قطع غيار السيارات، وفي الوقت نفسه هو لاعب متمكّن في رياضة الـ(MMA) القتالية».

وأوضح أن دوره في العمل لم يُرهقه، خصوصاً أنه ملاكم حاصل على بطولات عدة، ويهوى ممارسة رياضة الـ(MMA)، أي الفنون القتالية المختلطة، منذ الصغر، حتى إن دخوله مجال التمثيل كان في الأساس من بوابة الملاكمة.

العوضي يعدُّ «علي كلاي» الأقرب إليه

وأضاف العوضي: «أنا ملاكم قبل التمثيل، وعندما عملت مع الفنان الراحل نور الشريف في بداياتي الفنية، كان يعلم خلفيتي الرياضية، خصوصاً تفاصيل ممارستي للملاكمة»، موضحاً أنه «تحمَّس لتجسيد شخصية (علي كلاي) لأنها قريبة إلى قلبه وحياته الخاصة، وإلى الرياضة التي نشأ على تفاصيلها منذ الصغر».

وأشار إلى أن «أكثر ما أرهقه خلال تصوير العمل هو تعدّد أماكن التصوير، التي تجاوزت 150 موقعاً، وتطلّبت ديكورات ضخمة ومتشعّبة»، لافتاً إلى أن «هذا الأمر، رغم إرهاقه وصعوبة تنفيذه، خلق تفاصيل مختلفة في العمل، ونتج عنه تنوّع بصري كبير يراه الناس».

ونفى العوضي وجود علاقة بين فيلمه «البلدوزر»، الذي أعلن عن تقديمه منذ سنوات، ومسلسل «علي كلاي»، لافتاً إلى أن «ما يجمعهما هو تناول رياضة الـMMA فقط، إذ كانت رغبته تجسيد شخصية بطل في هذه الرياضة ضمن الفيلم، لكن انشغاله وانشغال المخرج حينها حالا دون استكمال المشروع».

ويشارك في بطولة مسلسل «علي كلاي»، إلى جانب أحمد العوضي، نخبة من النجوم، من بينهم دُرّة، ويارا السكري وغيرهما، وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج محمد عبد السلام.

وعن سبب تكرار التعاون مع المؤلف والمخرج في أكثر من عمل فني، يقول: «نحن ثلاثي متفاهم، وتربطنا علاقة وطيدة، ونشعر بأريحية خلال تعاوننا معاً».

الملصق الترويجي للمسلسل (حساب العوضي على فيسبوك)

وينتظر أحمد العوضي طرح فيلم «شمشون ودليلة» خلال موسم عيد الأضحى المقبل، مؤكداً أن الفيلم سيشهد تخلّيه عن ثيمة «البطل الشعبي» التي اعتاد تقديمها خلال الفترة الماضية. وقال إن أحداث الفيلم تدور في إطار «أكشن كوميدي»، ولم يتبقَّ على استكمال تصويره سوى 10 أيام فقط، وسيُنجز خارج مصر.

وعن تأخّره في خوض تجربة المسرح، أكد أحمد العوضي أنه عاشق للمسرح، لكنه يحتاج إلى تفرّغ كبير، مشيراً إلى أنه سيعمل على تقديم كثير من العروض المسرحية قريباً، معترفاً بتقصيره في هذا الجانب المهم، بسبب تركيزه الكامل خلال الفترة الماضية على تقديم أعمال فنية في السينما والدراما.

العوضي في كواليس «علي كلاي» (حسابه على موقع فيسبوك)

وعن الجدل الذي أثارته تصريحاته في كونه «الأعلى أجراً» و«الأكثر مشاهدة»، قال العوضي إن «كل شخص له مطلق الحرية فيما يقول، ما دام لم يتجاوز حدود الزمالة»، موضحاً أنه عندما يتحدث إلى جمهوره أو يطلق تصريحات، فإنه لا يتعمّد مضايقة أحد أو إلحاق الضرر بأيٍّ من زملائه.

ويستبعد العوضي فكرة الابتعاد عن التمثيل أو اعتزال الوسط الفني بسبب مثل هذه الصراعات، قائلاً: «هذا الأمر مرفوض تماماً، فأنا أعشق الفن بكل جوارحي، ولا يمكنني اعتزاله مهما حدث. وليس لي علاقة بما يجري، ولا أشغل بالي بأحد، بل أضع كامل تركيزي في عملي».

العوضي أعلن عن تخليه عن ثيمة البطل الشعبي في السينما (حسابه على فيسبوك)

ويرفض الفنان المصري تقديم سيرة الفنان الراحل نور الشريف فنياً لأسباب عدَّة، من بينها أنه «كان حالة خاصة ونجماً فريداً، وتقديم سيرته أمر كبير عليّ وعلى زملائي في الوسط». وأضاف: «هو يمثل لي حالة فنية وإنسانية خاصة، وله مكانة في قلبي لا يمكن لأحد أن ينافسه عليها، فهو (أبي الروحي)، وسيظل أكثر فنان أشعر بالامتنان تجاهه منذ دخولي الوسط الفني».

وأضاف العوضي: «أنا لا أحب أعمال السير الذاتية عادة، خصوصاً الشخصيات التي عاصرها الناس ولها أعمال متداولة، لأن هذا النوع من الفن قد يتحوَّل إلى تقليد لا إلى تجسيد حقيقي، على عكس تقديم سير شخصيات تاريخية يعرفها الناس لكنهم لم يشاهدوها».