حلم الغاز اللبناني... مسار تحكمه شروط سياسية وإصلاحية وتقنية

لبنانيون قرب الحدود الإسرائيلية في سبتمبر للمطالبة بحق بلدهم في استخراج الغاز من مياهه (أ ب)
لبنانيون قرب الحدود الإسرائيلية في سبتمبر للمطالبة بحق بلدهم في استخراج الغاز من مياهه (أ ب)
TT

حلم الغاز اللبناني... مسار تحكمه شروط سياسية وإصلاحية وتقنية

لبنانيون قرب الحدود الإسرائيلية في سبتمبر للمطالبة بحق بلدهم في استخراج الغاز من مياهه (أ ب)
لبنانيون قرب الحدود الإسرائيلية في سبتمبر للمطالبة بحق بلدهم في استخراج الغاز من مياهه (أ ب)

لا يعني الحديث عن تفاؤل بقرب التوصل إلى اتفاق بين لبنان وإسرائيل حول الحدود البحرية أن لبنان دخل إلى «نادي الدول النفطية»، أو أن استفادته من الغاز المتوقع في البحر حتمية أو سريعة، ذلك لأسباب عدة سياسية وتقنية إصلاحية مرتبطة بالواقع اللبناني وقدرة الجهات المعنية على الاستفادة من هذه الثروة إذا ما وجدت بعد بدء عمليات الحفر.
هذا ما يجمع عليه خبيران في هذا الشأن تحدثت إليهما «الشرق الأوسط»، هما مدير معهد «الشرق الأوسط للشؤون الاستراتيجية» ا‪‪لدكتور سامي نادر ومديرة «معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» لوري هايتيان،‬‬
ويشير نادر إلى أن «الاتفاق - التسوية الذي من المتوقع أن ينجز بناء على العرض الأميركي الذي تسلمه لبنان، ينص على أن يتم توزيع عائدات حقل قانا المتنازع عليه بين لبنان وإسرائيل». ويتفق نادر من جهة أخرى، مع هايتيان، على أنه لا يمكن الحديث عن استفادة للبنان من عائدات الغاز، في غياب الإصلاحات والاستقرار السياسي.
وتقول هايتيان: «بعد توقيع الاتفاق من المتوقع أن تعلن شركة توتال عن خطة عملها التي ستعتمدها في بلوك رقم 9 لاكتشاف مكمن حقل قانا، بحسب ما أفيد من معلومات»، مشيرة إلى أنه بعد عملية الحفر التي قد تستغرق نحو شهرين، بحسب هيئة إدارة البترول، فإن فترة العمل التي تتضمن أيضاً التقييم واكتشاف امتداد حقل قانا المتنازع عليه بين لبنان وإسرائيل، قد تمتد بين سنة أو سنة ونصف السنة، علماً بأن الحفر في بلوك رقم 4 استمر شهرين وأعلنوا بعدها عدم وجود الغاز».
وعما هو متوقع من بلوك رقم 9 لجهة وجود الغاز وكميته، يؤكد نادر لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يمكن حسم وجود الغاز قبل عملية التنقيب وتحديد الكميات، لكن من المرجح أن تحتوي على الغاز، حيث سبق أن تبين وجوده في حقول لجهة إسرائيل وقبرص». وهو ما تشير إليه هايتيان، لافتة إلى أن «نتائج بلوك رقم 4 غير مرتبطة بما قد يكتشف في بلوك رقم 9 حيث هناك حقول مكتشفة تحتوي على نسبة عالية من الغاز، وإن كانت تعتبر مساحتها صغيرة»، من هنا تؤكد على «أهمية الانتظار لمعرفة ما سيكتشف بعد بدء عملية الحفر وتقييم الكمية الموجودة وإذا كان يمكن للبنان الاستفادة من إنتاجه».
وفي وقت يعول المسؤولون اللبنانيون في تصريحاتهم على انعكاس هذا الموضوع اقتصادياً على لبنان، تؤكد هايتيان أنه من المبكر الحديث عن استفادة اقتصادية للبنان من الغاز إذا وجد، وتربط هذا الأمر بعوامل عدة، موضحة أن «الجهات السياسية التي تتحدث عن استفادة للبنان تنطلق في ذلك من همّ وحيد بالنسبة إليهم، وهو تخفيف الضغوط الخارجية واستعمال هذا الاتفاق كورقة تفاوض مع صندوق النقد الدولي والجهات الدولية، لكن نحن كشعب لبناني لا ينفعنا كل ذلك. ما يفيدنا هو الإصلاحات البنيوية الأساسية التحويلية، بحيث إنه حتى ولو تم استخراج الغاز، فهذا لن يفيدنا بشيء ولا يمكن الاستفادة من إنتاجه ما لم تنفذ الإصلاحات وفي ظل مؤسسات فاشلة وفساد مستشر». وتضيف: «التجارب أثبتت أنه في البلدان المماثلة للبنان حيث الحوكمة ضعيفة والمؤسسات فاشلة ومنهارة والفساد مستشري النفط والغاز لا ينقذ البلد، بل يزيد الفساد والديكتاتورية والفقر».
كذلك، لا يبدو نادر متفائلاً كثيراً بإمكانية الاستفادة من عائدات الغاز إذا ما بقي الوضع اللبناني على ما هو عليه، ويقول: «استخراج النفط أمر جيد لكن الأهم ألا تستخدم أموال الغاز لتغذية الهدر والفساد، بحيث إن الإصلاح والحوكمة الجيدة هي شروط أساسية لتحويل هذه العائدات لاستقرار وازدهار لبنان، وهو ما قد يكون صعباً في ظل وجود هذه المنظومة».
ويتحدث من جهة أخرى عن «الاستقرار السياسي والجيوسياسي»، موضحاً أن «هذه المنطقة لا تزال مشتعلة، أي أنه وإن حصلت التسوية في موضوع تقاسم الغاز لا يعني أبداً أن هناك تهدئة على جبهة الصراع القائم مع إيران وبين إسرائيل وإيران و(حزب الله)، وبالتالي أي اشتعال للجبهة لسبب أو لآخر قد يعيق عملية استخراج النفط».
وإضافة إلى كل هذه الشروط، تتوقف هايتيان عند أمر أساسي تقني يلعب دوراً في مسار الاستفادة من إنتاج الغاز، وهو البنى التحتية المرتبطة بدورها بالإصلاحات المطلوبة، وتقول: «المشكلة أيضاً تكمن في عدم وجود بنى تحتية ومحطات لإنتاج الغاز، حيث لا يوجد في لبنان إلا محطتان صغيرتان، بحيث من المتوقع أن تزيد تكلفة الإنتاج وتكلفة ربط الغاز مع مصر أو قبرص وهو ما يتطلب أيضاً قراراً سياسياً».
ومن المفترض أن يكون هذا الأسبوع حاسماً لجهة الاتفاق بين لبنان وإسرائيل إثر تقديم الوسيط الأميركي عرض تسوية للطرفين، وذلك بعدما كانت قد بدأت المفاوضات بينهما عام 2020 ثم توقفت في مايو (أيار) 2021 جراء خلافات حول مساحة المنطقة المتنازع عليها.
وكان من المفترض أن تقتصر المحادثات لدى انطلاقها على مساحة بحرية تقدّر بنحو 860 كيلومتراً مربعاً تُعرف حدودها بالخط 23. بناء على خريطة أرسلها لبنان عام 2011 إلى الأمم المتحدة. لكن لبنان اعتبر لاحقاً أن الخريطة استندت إلى تقديرات خاطئة، وطالب بالبحث في مساحة 1430 كيلومتراً مربعاً إضافية تشمل أجزاء من حقل «كاريش»، وتُعرف بالخط 29. ويقع حقل قانا في منطقة يتقاطع فيها الخط 23 مع الخط واحد، وهو الخط الذي أودعته إسرائيل الأمم المتحدة، ويمتد أبعد من الخط 23.


مقالات ذات صلة

توتّر على الحدود الإسرائيلية-اللبنانية بعد تظاهرة لأنصار «حزب الله»

المشرق العربي توتّر على الحدود الإسرائيلية-اللبنانية بعد تظاهرة لأنصار «حزب الله»

توتّر على الحدود الإسرائيلية-اللبنانية بعد تظاهرة لأنصار «حزب الله»

دعت قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في لبنان (يونيفيل)، مساء الجمعة، إلى الهدوء بعد توتر بين حرس الحدود الإسرائيليين وأنصار لـ«حزب الله» كانوا يتظاهرون إحياءً لـ«يوم القدس». ونظّم «حزب الله» تظاهرات في أماكن عدّة في لبنان الجمعة بمناسبة «يوم القدس»، وقد اقترب بعض من أنصاره في جنوب لبنان من الحدود مع إسرائيل. وقالت نائبة المتحدّث باسم يونيفيل كانديس أرديل لوكالة الصحافة الفرنسية إنّ عناصر القبعات الزرق «شاهدوا جمعاً من 50 أو 60 شخصاً يرمون الحجارة ويضعون علم حزب الله على السياج الحدودي».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تباين بين «أمل» و«حزب الله» بشأن صواريخ الجنوب

تباين بين «أمل» و«حزب الله» بشأن صواريخ الجنوب

ذكرت أوساط سياسية لبنانية أنَّ «الصمت الشيعي» حيال إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان باتجاه منطقة الجليل في شمال إسرائيل لا يعني أنَّ «حزب الله» على توافق مع حركة «أمل» بهذا الشأن، بمقدار ما ينم عن تباين بينهما، إذ ارتأيا عدم إظهاره للعلن لقطع الطريق على الدخول في سجال يمكن أن ينعكس سلباً على الساحة الجنوبية. وقالت المصادر إنَّ حركة «أمل»، وإن كانت تتناغم بصمتها مع صمت حليفها «حزب الله»، فإنها لا تُبدي ارتياحاً للعب بأمن واستقرار الجنوب، ولا توفّر الغطاء السياسي للتوقيت الخاطئ الذي أملى على الجهة الفلسطينية إطلاق الصواريخ الذي يشكّل خرقاً للقرار 1701. وعلى صعيد الأزمة الرئاسية، ذكرت مصادر فرنسية مط

العالم العربي المطارنة الموارنة يستنكرون تحويل جنوب لبنان إلى «صندوق» في الصراعات الإقليمية

المطارنة الموارنة يستنكرون تحويل جنوب لبنان إلى «صندوق» في الصراعات الإقليمية

استنكر المطارنة الموارنة في لبنان، اليوم (الأربعاء)، بشدة المحاولات الهادفة إلى تحويل جنوب لبنان إلى صندوق لتبادل الرسائل في الصراعات الإقليمية. ووفق وكالة الأنباء الألمانية، طالب المطارنة الموارنة، في بيان أصدروه في ختام اجتماعهم الشهري في الصرح البطريركي في بكركي شمال شرقي لبنان اليوم، الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية بالحزم في تطبيق القرار 1701، بما في ذلك تعزيز أجهزة الرصد والتتبُّع والملاحقة. وناشد المطارنة الموارنة، في اجتماعهم برئاسة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، «القوى الإقليمية والمجتمع الدولي مساعدة لبنان على تحمل أعباء لم تجلب عليه ماضياً سوى الخراب والدمار وتشتيت ا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي ميقاتي: عناصر غير لبنانية وراء إطلاق الصواريخ من الجنوب على إسرائيل

ميقاتي: عناصر غير لبنانية وراء إطلاق الصواريخ من الجنوب

أكد رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي، اليوم الأحد، أن العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان والانتهاك المتمادي للسيادة اللبنانية أمر مرفوض، مؤكدا أن «عناصر غير لبنانية» وراء إطلاق الصواريخ من الجنوب. وقال ميقاتي إن «الهجوم الإسرائيلي على المصلّين في الأقصى وانتهاك حرمته أمر غير مقبول على الإطلاق، ويشكل تجاوزاً لكل القوانين والأعراف، ويتطلب وقفة عربية ودولية جامعة لوقف هذا العدوان السافر». وعن إطلاق الصواريخ من الجنوب والقصف الإسرائيلي على لبنان، وما يقال عن غياب وعجز الحكومة، قال ميقاتي إن «كل ما يقال في هذا السياق يندرج في إطار الحملات الإعلامية والاستهداف المجاني، إذ منذ اللحظة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لبنان لتقديم شكوى إلى مجلس الأمن رفضاً لاعتداءات إسرائيل

لبنان لتقديم شكوى إلى مجلس الأمن رفضاً لاعتداءات إسرائيل

قررت الحكومة اللبنانية تقديم شكوى إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن ضد إسرائيل، على خلفية الغارات التي نفذتها على مناطق لبنانية بعد إطلاق صواريخ من الجنوب اللبناني باتجاه المستوطنات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

تحذير البقاع الغربي: تحوُّل نوعي بمسار العمليات الإسرائيلية في لبنان

شاحنة محملة بالدبابات تتجه نحو الحدود الإسرائيلية اللبنانية (إ.ب.أ)
شاحنة محملة بالدبابات تتجه نحو الحدود الإسرائيلية اللبنانية (إ.ب.أ)
TT

تحذير البقاع الغربي: تحوُّل نوعي بمسار العمليات الإسرائيلية في لبنان

شاحنة محملة بالدبابات تتجه نحو الحدود الإسرائيلية اللبنانية (إ.ب.أ)
شاحنة محملة بالدبابات تتجه نحو الحدود الإسرائيلية اللبنانية (إ.ب.أ)

يشير التوسع الإسرائيلي نحو البقاع الغربي إلى تحوُّل نوعي في مسار العمليات، يتجاوز الإطار الحدودي التقليدي باتجاه عمق جغرافي أكثر حساسية، في موازاة ضغط ميداني متزامن على جبهات عدة، بما يعكس محاولة لإعادة تشكيل خريطة الاشتباك جنوباً وشرقاً.

فقد شهد البقاع ليل الاثنين– الثلاثاء، سلسلة غارات جوية مكثفة ترافقت مع قطع طرقات رئيسية بين سحمر ويحمر، ويحمر ولبايا، وقليا– الدلافة، وقليا– الأحمدية، إضافة إلى الطريق بين الأحمدية وإبل السقي (برغز)، ما أدى إلى شلل واسع في حركة التنقل ضمن محاور حيوية.

وجاء ذلك عقب إنذار عاجل وجَّهه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي إلى سكان بلدات: زلايا، ولبايا، ويحمر، وسحمر، وقليا، ودلافي، دعاهم فيه إلى الإخلاء الفوري والتوجُّه شمالاً نحو القرعون.

مدفعية إسرائيلية منتشرة على الحدود الإسرائيلية اللبنانية تقوم بقصف أهداف في لبنان

وكشف مصدر مطَّلع على الواقع الميداني لـ«الشرق الأوسط» أن التركيز الإسرائيلي منذ اندلاع المواجهة الأخيرة ينصبُّ على بلدات جنوب البقاع الغربي المتاخمة للأقضية الجنوبية، نظراً لأهميتها الاستراتيجية؛ إذ تشكِّل امتداداً جغرافياً لمجرى نهر الليطاني، وتشرف على محاور حيوية تمتد نحو جزين وحاصبيا، وهي مناطق كانت ضمن نطاق الاحتلال الإسرائيلي قبل عام 2000.

المرتفعات الحاكمة: مفتاح الفصل بين الجنوب والبقاع

في قراءة ميدانية واستراتيجية، يضع العميد المتقاعد بسام ياسين هذا التصعيد ضمن سياق السعي إلى السيطرة على المرتفعات الحاكمة التي تكتسب أهميتها من قدرتها على فصل البقاع الغربي عن الجنوب اللبناني، بوصفها امتداداً جغرافياً لمنطقة الخيام، وتشرف على خطوط التواصل الحيوية بين المنطقتين. ويؤكد ياسين لـ«الشرق الأوسط» أن السيطرة على هذه التلال: «تمنح إسرائيل تفوقاً ميدانياً يعيد رسم خريطة انتشارها إلى ما كانت عليه قبل عام 2000، أي قبل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان»، معتبراً أن «ما يجري اليوم يعكس محاولة لإحياء نموذج الاحتلال السابق القائم على التمركز في الشريط الحدودي والمرتفعات».

من «خط الجبال» إلى شريط بعمق 10 كيلومترات

ويستعيد ياسين تجربة عام 1982، حين وصلت القوات الإسرائيلية إلى بيروت قبل أن تنسحب تدريجياً عام 1985 وتتمركز فيما عُرف بـ«خط الجبال»، وهو تموضع «وفَّر لها الحماية والتواصل بين مواقعها». ويرى أن «هذا النموذج يُعاد طرحه اليوم عبر السعي إلى تثبيت شريط بعمق يتراوح بين 8 و10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، مستفيدة من البنية العسكرية السابقة التي لا تزال آثارها قائمة، ما يسهل إعادة تأهيلها وتحويلها إلى مواقع». ويشير إلى أن البقاع الغربي «يشكل امتداداً طبيعياً للقطاع الشرقي في الجنوب، وهو ممر استراتيجي يربط بين الجبهتين، ما يفسر التركيز الإسرائيلي المتزايد على هذه المنطقة».

بنت جبيل والخيام: عقدة الحسم الأولى

وعلى مستوى السيناريوهات الميدانية، يرجِّح ياسين «أن تكون بنت جبيل محور المعركة الأساسية في المرحلة الأولى، نظراً لموقعها الحيوي ودورها كمركز ثقل في القطاع الأوسط»؛ مشيراً إلى أن القوات الإسرائيلية تحاول تطويق المدينة من عدة اتجاهات، تمهيداً للسيطرة عليها، من دون الدخول حتى الآن في مواجهة حاسمة داخلها.

ويضيف: «في حال حُسمت معركتا الخيام وبنت جبيل، فإن التوجه المرجح سيكون نحو التوسع باتجاه البقاع الغربي، ضمن خطة تقوم على العمل على محورين متوازيين، بهدف تثبيت واقع ميداني جديد يعيد وصل مناطق الانتشار ضمن رؤية استراتيجية أشمل»، مشيراً إلى أن «المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، في ظل تصعيد تدريجي قد يفضي إلى معارك أوسع».

تصاعد الدخان من موقع غارة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

تصعيد ناري واسع من الجنوب إلى الضاحية

ميدانياً، وسَّعت إسرائيل رقعة استهدافاتها، فشنَّ الطيران الحربي منذ الصباح غارات على المنصوري، والطيبة، وتولين، وقبريخا، ومجدل سلم، وزوطر، والحنية، ومجدل زون، والقليلة جنوب صور، إضافة إلى المنطقة الواقعة بين الشهابية وكفردونين.

وتزامن ذلك مع قصف مدفعي متقطع طال وادي صربين وأطراف بيت ليف والمنصوري، بينما سُجلت رشقات نارية في محيط القوزح. كما أُفيد بحالات اختناق في صفوف الدفاع المدني و«الصليب الأحمر» إثر تسرُّب الكلور بعد استهداف محطة مياه في مرجعيون. وأغار الطيران المسيَّر الإسرائيلي على سيارة «رابيد» في منطقة الواسطة القاسمية، ما أدى إلى سقوط قتيلين.

وفجراً، استهدفت الغارات بلدة كفرا، وعبا؛ حيث قُتل الشاب شادي حسن معلم بعد استهداف منزله، إضافة إلى بلدة الدوير (حي الروس)؛ حيث دُمِّر منزل، إلى جانب غارات على منطقة السموقة بين جبشيت وعبا، وحي المشاع في دير الزهراني.

عائلة لبنانية نازحة تقيم بخيمة في بيروت (رويترز)

وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، نُفِّذت غارة على بئر العبد بعد إنذار مسبق، كما وجَّه أفيخاي أدرعي إنذاراً عاجلاً إضافياً إلى سكان حي الغبيري، طالب فيه بإخلاء مبنى محدد والمباني المجاورة له لمسافة لا تقل عن 300 متر، بذريعة وجود منشأة تابعة لـ«حزب الله». ويُشار إلى أن المبنى المهدد لا يقع في عمق الضاحية الجنوبية ضمن المناطق التي استهدفت سابقاً؛ بل على أطرافها القريبة من منطقة بئر حسن، في نطاق جغرافي يقترب من الموقع الذي استُهدفت فيه شقة يوم الاثنين، ما يعكس توسيعاً تدريجياً لدائرة الاستهداف نحو تخوم الضاحية.

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف دبابة على طريق القنطرة– الطيبة، وحاجز عسكري في مستوطنة «مسكاف عام»، ومنظومة دفاع جوي في «معالوت ترشيحا».

خسائر إسرائيلية في المواجهات البرية

وفي تطور ميداني لافت، اعترفت إسرائيل بمقتل 4 عسكريين، بينهم ضابط من لواء «ناحال»، وإصابة 3 آخرين خلال معارك في جنوب لبنان. وأفادت الإذاعة الإسرائيلية بأن الجنود قُتلوا في اشتباكات مع مقاتلي «حزب الله»، بينما نقلت القناة «12» أن الاشتباكات جرت من مسافة قريبة.


غارة إسرائيلية على مبنى مجاور لطريق مطار بيروت

دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى مجاوراً للطريق السريع المؤدي إلى مطار بيروت الدولي 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى مجاوراً للطريق السريع المؤدي إلى مطار بيروت الدولي 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

غارة إسرائيلية على مبنى مجاور لطريق مطار بيروت

دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى مجاوراً للطريق السريع المؤدي إلى مطار بيروت الدولي 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى مجاوراً للطريق السريع المؤدي إلى مطار بيروت الدولي 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

استهدفت غارة، الثلاثاء، مبنى محاذياً للطريق الرئيسية المؤدية إلى مطار بيروت الدولي، كما أظهر بثّ مباشر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد إنذار الجيش الإسرائيلي سكان المنطقة المحيطة به بالإخلاء لوجودهم قرب «منشأة تابعة لـ(حزب الله)».

وتصاعدت سحابة دخان ضخمة من المبنى الواقع على تخوم ضاحية بيروت الجنوبية على أثر الغارة، بينما أظهر مقطع فيديو جرى تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي، صاروخاً يصيب الطوابق العلوية من المبنى وتناثر حجارة على طريق المطار التي قطعتها الأجهزة الأمنية بعد الإنذار الإسرائيلي.

وهذه الغارة الثانية، الثلاثاء، على ضاحية بيروت الجنوبية، التي نزح العدد الأكبر من سكانها منذ بدء الحرب، على وقْع الغارات والإنذارات الإسرائيلية.


الجيش اللبناني ينسحب من قرى مسيحية حدودية والأهالي يرفضون المغادرة

لبنانيون يتجمعون أمام دورية للجيش قرب دير في بلدة رميش بعدما غادروا قرية عين إبل يوم 1 أكتوبر 2024 خلال الحرب السابقة (رويترز)
لبنانيون يتجمعون أمام دورية للجيش قرب دير في بلدة رميش بعدما غادروا قرية عين إبل يوم 1 أكتوبر 2024 خلال الحرب السابقة (رويترز)
TT

الجيش اللبناني ينسحب من قرى مسيحية حدودية والأهالي يرفضون المغادرة

لبنانيون يتجمعون أمام دورية للجيش قرب دير في بلدة رميش بعدما غادروا قرية عين إبل يوم 1 أكتوبر 2024 خلال الحرب السابقة (رويترز)
لبنانيون يتجمعون أمام دورية للجيش قرب دير في بلدة رميش بعدما غادروا قرية عين إبل يوم 1 أكتوبر 2024 خلال الحرب السابقة (رويترز)

على وقع التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان، ومع تسجيل تقدّم ميداني متسارع في بعض المحاور الحدودية، اتخذ الجيش اللبناني قراراً بـ«إعادة التموضع» وانسحابه من عدد من القرى ذات الغالبية المسيحية في أقصى الجنوب، وتحديداً رميش ودبل وعين إبل، في خطوة يراد منها تجنب الاحتكاك المباشر مع الجيش الإسرائيلي، أو بقاء قواته في الخطوط الخلفية للإسرائيليين.

وفيما تندرج هذه الخطوة في إطار حسابات «أمنية سياسية» مرتبطة بالجيش اللبناني في غياب أي قرار بالتصادم مع الجيش الإسرائيلي، قوبلت برفض من الأهالي الذين تمسكوا بالبقاء في أرضهم، وعدوا أن غياب القوى الأمنية يهدّد وجودهم في هذه المنطقة الحدودية الحساسة. وتقع القرى الثلاث في أقصى جنوب لبنان ضمن بنت جبيل ومرجعيون، بمحاذاة الخط الأزرق الحدودي جنوب نهر الليطاني، أي ضمن نطاق العمليات العسكرية.

رميش: «نريد الدولة... ولن نغادر»

ورفع الأهالي صوتهم رافضين المغادرة، وتجمعوا في ساحات القرى، مطالبين الجيش اللبناني والقوى الأمنية بالبقاء في مراكزهم، وهو ما عبّر عنه كاهن رميش الأب نجيب العميل قائلاً: «نريد البقاء تحت جناح الدولة... هناك مراكز للقوى الأمنية من الجيش وقوى الأمن الداخلي في البلدة واليوم طُلب منهم الإخلاء والتوجه نحو بيروت... هذا نرفضه لأننا سنبقى في كنف الدولة».

وأكد: «حتى لو نُفّذ الانسحاب نحن لن نغادر، سنبقى في مناطقنا، ويجب أن تبقى مراكز الجيش... وجود القوى الأمنية يعطينا حماية... نحن مستعدون أن نتحمّل وأن نبقى في أرضنا».

واستعاد محطات تاريخية قائلاً: «في عام 1976 تركنا هنا وبقينا 25 عاماً رافضين تطويعنا (في إشارة إلى الاحتلال الإسرائيلي)، واتهمونا بأننا عملاء ونحن لسنا كذلك... نحن لبنانيون ونريد المحافظة على لبنان... وفي عام 2000 بعد التحرير رجعنا لكنف الدولة التي نطالب بها دائماً».

مدخل بلدة رميش في جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

عين إبل: الجيش صمام الأمان الأخير

وفي عين إبل أيضاً، حصل تحرّك مماثل، حيث رفض الأهالي مغادرة الجيش مركزه في البلدة، مؤكدين التمسّك بالأرض ورفض أي فراغ أمني.

وفيما قال رئيس بلدية عين إبل أيوب خريش: «نتفهم أسباب الجيش بالإخلاء لكن قرارنا هو البقاء في البلدة»، وصدر عن أهالي البلدة بيان قالوا فيه: «في ظلّ التطورات الأمنية الخطيرة التي تشهدها منطقتنا، نُفاجأ بطلب انسحاب القوى الأمنية اللبنانية من أرضنا، في وقتٍ نحن بأمسّ الحاجة إلى حضور الدولة ومؤسساتها لحماية المدنيين الأبرياء. إنّنا، أهالي عين إبل، نعلن بوضوح لا لبس فيه: نرفض رفضاً قاطعاً أي انسحاب للقوى الأمنية من بلدتنا، ونعد أن ترك المواطنين دون حماية هو أمر غير مقبول، ويشكّل خطراً مباشراً على حياتهم وأرزاقهم ووجودهم في أرضهم».

سكان عين إبل بجنوب لبنان يرحبون بالبطريرك الراعي في زيارة سابقة له إلى المنطقة (البطريركية المارونية)

وأضاف البيان: «لقد كان للجيش اللبناني والقوى الأمنية دور أساسي وحيوي في هذه المرحلة، حيث واكبوا قوافل المؤن والمحروقات، وأسهموا في تأمين وصولها إلى البلدة، كما عملوا على مواكبة الأهالي في تنقّلهم، سواء عند خروجهم من البلدة أو عودتهم إلى منازلهم في الأطراف، ما شكّل عامل أمان في ظل الظروف الراهنة»، مؤكداً أنّ «هذا الدور لا يمكن الاستغناء عنه، بل يجب تعزيزه، لأنّ أي انسحاب اليوم يعني تعريض هذه الجهود للخطر وترك الأهالي في مواجهة واقع أمني بالغ الحساسية دون أي حماية».

وشدّد البيان على أنّ «الجيش اللبناني والقوى الأمنية صمّام الأمان الأخير لأهلنا، ووجودهم إلى جانبنا هو عنصر ثبات وصمود، وغيابهم يفتح الباب أمام المجهول ويزيد منسوب الخطر على المدنيين».

وطالب الأهالي بالتراجع الفوري عن القرار، وتعزيز حضور الدولة بدل تقليصه، مؤكدين أن «تمسّكنا بالدولة اللبنانية هو خيار نهائي لا رجعة عنه، وأنّ صمودنا في أرضنا مرتبط بوجودها إلى جانبنا، لا بانسحابها من بيننا».

ويأتي انسحاب الجيش من هذه القرى مع التقدم الإسرائيلي المتواصل في جنوب الليطاني واستهداف الجيش اللبناني الذي كان أكثر من مرة عُرضة لنيران إسرائيلية في رسالة واضحة له لإبعاد العسكريين، وآخرها كان «تعرّض حاجز للجيش في بلدة العامرية على طريق القليلة - صور لاعتداء إسرائيلي، ما أدى إلى استشهاد أحد العسكريين وإصابة آخرين بجروح»، حسبما أعلنت قيادة الجيش.