الدروز.. معركة البقاء

حلم الدولة لا يراودهم.. لكن الحرب السورية تضعهم أمام تحديات مصيرية

الدروز.. معركة البقاء
TT

الدروز.. معركة البقاء

الدروز.. معركة البقاء

يقع الدروز في «عين العاصفة» هذه المرة. فالطائفة الصغيرة، المتماسكة، التي أثبتت قدرة لافتة على البقاء، تواجه اختبارا مهما يتعلق بمصيرها، في منطقة تمزقها الحروب التي لم تعد بعيدة عن عقر دارها، فيما تتنازعها قوى أكبر منها، تريد كل منها جرها إلى الموقع الذي تراها فيه، مما يجعلها في مواجهة تحدي البقاء متماهية مع نسيج المنطقة - كما استطاعت لقرون - أو الذهاب في مغامرات غير محسوبة قد تؤدي بها إلى مواجهة هذا النسيج الطائفي المحيط بها.

وهذا الواقع يقلق رئيس «اللقاء الديمقراطي» اللبناني النائب وليد جنبلاط، الذي يخوض معركة «بقاء» الطائفة ضد قسم كبير من أبنائها في سوريا الذين يميلون إلى صف النظام السوري، فيما دخلت إسرائيل على الخط لتزيد الأزمة تعقيدا، مكررة محاولة سابقة قامت بها في عام 1982 لاستمالة دروز لبنان إلى صفها، فتصدى لها جنبلاط آنذاك واستطاع أن ينأى بطائفته عنها. وها هي إسرائيل تحاول تكرار التجربة، وها هو جنبلاط يتصدى مجددا، لكن موقفه يبدو ضعيفا هذه المرة.
يتميز دروز بلاد الشام عن سواهم من الأقليات بابتعادهم عن «النزعة الاستقلالية»، وميلهم نحو الأطراف الأقوى في مناطق وجودهم، أي الدول. وهكذا نجدهم ينخرطون في مشاريع الدول، مع الاحتفاظ بخصوصياتهم. ولعل أبرز دليل على ذلك هو غياب المرجعية الدينية التي تجمع أبناء الطائفة، واستبدال مرجعيات بها تتعدد حتى في البلد الواحد. وهكذا التصق دروز سوريا بنظامها، إلى حد بات من الصعب عليهم معه الخروج من فلكه. وأدى خوفها من التنظيمات المتشددة، وغياب الخطاب المطمئن من المعارضة السورية، إلى وضع نفسها في خندق واحد مع النظام السوري في معركته للبقاء، وهو ما بدأ بعض أطياف هذه الطائفة التحذير منه، لأن ذهاب النظام قد يؤدي إلى ذهاب الطائفة بأكملها معه، وما حصل في جبل السماق في ريف إدلب دليل على هذا التخوف، مع وقوع الصدام الأول بين «جبهة النصرة» التي تسيطر على المنطقة وأهالي المنطقة الدرزية الذين لا يزيد عددهم على 20 ألف شخص، مهددين بالترحيل عن قراهم.
أما في السويداء التي تعتبر أكبر تجمع للدروز، فقد باتت المنطقة على حافة الصدام مع المعارضة المسلحة التي تقضم مواقع النظام، مما يجعل أهل المنطقة أمام خيار من اثنين: القتال إلى جانب النظام السوري أو فك الارتباط معه. وكتب جنبلاط عبر «تويتر» أمس يشكو «مشروع الفتنة المشترك السوري الإسرائيلي، للإيقاع بين العرب الدروز وأهل حوران والسنة بشكل عام مستمر». وقال: «زار السويداء المدعو (رئيس مجلس الأمن القومي) علي مملوك، واجتمع مع مشايخ العقل محرضا، وهذه وظيفته التحريض على القتل والإجرام». وأضاف: «من جهة ثانية، أحد أبرز رموز الإدارة الإسرائيلية، أيوب القرا القريب جدا من نتنياهو، ينشط يمينا وشمالا عارضا خدماته أي خدمات إسرائيل لمساعدة دروز سوريا. يا له من تلاق غريب ومدروس بين علي مملوك وأيوب القرا!». وختم جنبلاط قائلا: «على عقلاء جبل العرب أن يستدركوا حجم المؤامرة التي ترمي إلى الإيقاع بينهم وبين أهل حوران والعرب البدو في السويداء».
وتشهد السويداء مخاضا لافتا في الآونة الأخيرة مع اقتراب المعارك منها. وفي حين يمتنع نحو 27 ألف شخص منها عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، يبقى الموقف العام لدروزها أقرب إلى النظام، منه إلى المعارضة التي تقترب من حدود المنطقة. وبعد مغامرات سريعة لضباط منشقين دروز، ظهر مؤخرا شيخ درزي يدعى وحيد تمرد على النظام وأنشأ وحدة عسكرية خاصة به، غير أن معارضين سوريين دروزا يرسمون علامات استفهام على تحركه، ومنها أنه ما يزال يحتجز عددا من أبناء درعا مطالبا بمبادلتهم بجثث لدروز سقطوا في مواجهات جرت قبل نحو عام، ومطالبا أيضا بفدية مالية.
أما النائب جنبلاط فما يزال مصرا على ضرورة انضمام دروز سوريا إلى الحراك المعارض رغم إدراكه صعوبة مهمته. وقال جنبلاط لـ«الشرق الأوسط» لا خيار أمام الدروز السوريين إلا ملاقاة الثورة السورية، والمصالحة ووحدة الموقف مع أهل حوران، وإدانة عملاء النظام الذين من خلال ما يسمى «درع الوطن» وهو تشكيل يوازي «الدفاع الوطني» حيث قام هؤلاء العملاء بخطف ثلاثة من البدو وقتلهم في إطار مشروع النظام المتراجع، والهادف إلى خلق الفتنة مع البدو ومع أهل حوران.
وعما إذا كان خائفا على دروز سوريا، قال: «خائف طبعا. دروز سوريا وأهل حوران قاموا معا بالثورة السورية الكبرى لتوحيد سوريا، وأنا اليوم خائف على تراثهم، وعلى الوقوع في مؤامرة تفتيت سوريا، وهم أضعف حلقة في المجتمع السوري». وأضاف: «النظام يتهاوى، وأخذ معه الطائفة العلوية العربية إلى الهلاك، إنه نظام لا يبالي بأحد».
ويتركز الدروز أساسا في منطقة بلاد الشام، وهم طائفة صغيرة، يفضل أبناؤها تسمية أنفسهم بـ«الموحدين». ويعود وجودهم في هذه البلاد لأكثر من ألف عام.
في العام 408 للهجرة، أي في العام 1000 ميلادي، انطلقت «دعوة التوحيد» من مصر باتجاه بلاد الشام، حيث كانت الدولة الفاطمية تنشر سيادتها على مناطق كثيرة فيها.
انطلقت عملية «الدعوة» من مصر إلى فلسطين، ثم وادي التيم وجبال الأشواف (الشوف اللبناني) وفي اتجاه حوران وحلب وصولا إلى ما يعرف اليوم بجبل السماق. ولاقت الدعوة المدعومة من الدولة إقبالا في تلك المناطق، ويقول الباحث اللبناني الدكتور رياض غنام بأن الدعوة «كانت عقلانية» مشيرا إلى أن الفكر الذي حملته الدعوة كان مشبعا بالفكر الشيعي وملقحا بالحضارة الهندية واليونانية. لكن بعد تقويض الدولة الفاطمية، بدأ التضييق على هؤلاء، فارتد عنها بعض من انضموا إليها من السنة والشيعة، خصوصا عندما قامت الدولة المملوكية باستئصال «الباطنيين» من جبال كسروان في لبنان، فتقوقعت الطوائف، ليذهب الشيعة باتجاه البقاع شرقا وجبل عامل جنوبا، فيما انحصر الوجود الدرزي في بلاد الأشواف وجبل السماق وصفد وجوارها.
العلاقة بين دروز لبنان وسوريا، هي علاقة فيها الكثير من الإشكاليات. ففيما يعتبر دروز جبل السماق هم الأصل في سوريا، يتحدر نحو 90 في المائة من دروز السويداء من لبنان. ويتحدث غنام عن ثلاث هجرات درزية، كانت أولها في العام 1711. بعد معركة عين دارة التي كانت بمثابة الحرب الأهلية الدرزية في جبل لبنان، والتي قامت على أساس الانقسام القيسي – اليمني. خسر اليمنيون المعركة، وكانوا أمام خيار الهجرة أو الموت، فانتقلوا إلى الداخل السوري وسكنوا في جبال حوران، مثبتين حضورهم بين سكانه بالقوة. أما الهجرة الثانية فأتت بعد حرب العام 1960 بين الدروز والمسيحيين، حيث هرب عدد من دروز لبنان نحو أقاربهم في المنطقة التي باتت تعرف بـ«جبل الدروز» أما الهجرة الثالثة فأتت في العام 1915 إثر المجاعة التي ضربت لبنان في الحرب العالمية الأولى.
وهكذا انتقل العدد الأكبر من الدروز مع مرور الزمن من لبنان إلى جبل الدروز الذي سموه لاحقا جبل العرب، حيث تسكن الآن الكتلة الدرزية الأكبر في العالم بتعداد يقارب 700 ألف نسمة، فيما يسكن لبنان نحو 260 ألف درزي، فيما أن الكتلة الثالثة الأكبر تقيم في فلسطين ويبلغ تعدادها نحو 150 ألفا. ويقدر عدد الدروز في العالم بنحو مليون ونصف المليون. ويتشارك دروز السويداء مع دروز لبنان نفس أسماء العائلات التي ما تزال تجمعها قرابة واضحة، فيما بدل آخرون أسماء عائلاتهم لتأخذ أسماء قراهم الأصلية في لبنان.
وبخلاف الطوائف أو الديانات الأخرى، لا يوجد لدى الدروز مرجعية دينية موحدة. ففي كل منطقة من مناطق وجودهم يوجد «شيخ العقل» وهو منصب له طابع سياسي أكثر منه ديني، حيث استحدث خلال العهد العثماني كنتيجة لنظام الملل العثماني الذي اعترف بالطوائف الموجودة على أرض السلطنة العثمانية. ويقوم رجال الدين الدروز بإدارة شؤونهم الدينية عبر مجموعة من كبار رجال الدين، لا يوجد الكثير من المعلومات حول كيفية تنظيمهم. أما فيما خص منصب شيخ العقل فهو منصب يعتبر بمثابة صلة الوصل بين السلطات الرسمية في الدول التي يتواجد فيها الدروز وعامة أفراد الطائفة. ونظرا للانقسام السياسي بين الدروز في لبنان بين الزعامتين الجنبلاطية والأرسلانية، يوجد حاليا شيخ عقل رسمي هو الشيخ نعيم حسن، وشيخ عقل أمر واقع هو الشيخ ناصر الدين الغريب. أما في سوريا فيوجد ثلاثة شيوخ عقل، تعترف الدولة السورية بهم جميعهم بشكل رسمي على قدر المساواة، فيما يوجد شيخ عقل واحد لدى دروز فلسطين.
وكما في الدين كذلك في السياسة، لا يوجد قيادة دينية موحدة، تمتلك التأثير المباشر على كل الدروز. فقد أنشأ الدروز زعاماتهم المحلية التقليدية. لكن يسجل للنائب اللبناني وليد جنبلاط قدرة لافتة على التواصل، فيما يبني النائب طلال أرسلان علاقة مميزة مع دروز السويداء الذين يقتربون منه في المفهوم السياسي لجهة التحالف مع النظام السوري، فيما يقوم الوزير السابق وئام وهاب بدور في دعم تشكيلات عسكرية صغيرة تقاتل إلى جانب النظام السوري، كما تحدثت مصادر كثيرة عن دور ميداني لافت للسجين اللبناني المحرر من السجون الإسرائيلية سمير القنطار في تنظيم جماعات مسلحة درزية تعمل بالتعاون مع «حزب الله» في منطقة القنيطرة.
ويتجلى هذا الانقسام السياسي في عدم وجود فكرة «الدولة الدرزية» التي قيل بأن غنام «يعمل عليها من قبل غير الدروز ويعارضها الدروز أنفسهم». ويقول غنام: «الدروز لديهم انتماء جغرافي وبيئي، ولا انتماء خارجيا لهم» مشيرا إلى أنهم «يعملون على المحافظة على الخصوصية في كل مكان يتواجدون فيه» جازما بأن فكرة الدولة غير موجودة لديهم ولا شيء يجمعهم سياسيا. ويوضح غنام أن الفرنسيين كان أول من عمل على فكرة الدولة الدرزية، عندما حاولوا تقسيم سوريا إبان انتدابهم عليها. وقال: «قسم الجنرال غورو سوريا إلى أربع دول، هي دولة العلويين ودولة حلب ودولة دمشق ودولة جبل الدروز، لكن الدروز كان أول من ساهم في إحباط هذا المشروع مع إطلاقهم بقيادة سلطان باشا الطرش شرارة الثورة السورية الكبرى في العام 1925 التي انتهت إلى إعادة الوحدة إلى سوريا».
أما الكاتب اللبناني، ورئيس تحرير صحيفة «المدن» الإلكترونية ساطع نور الدين فيرى بدوره أن الدولة الدرزية ليست حلما للدروز، فلا العدد يسمح، ولا الجغرافيا تسمح. وأشار إلى ميزة خاصة لدى الدروز في لبنان وسوريا، وإلى حد ما في فلسطين، حيث يكون الدروز متقدمين في الدفاع عن الوطنية التي ينتمون إليها، ويزايدون برفض الطائفية، معتبرا أن الطموح الأكثر عقلانية لديهم هو الانخراط في مشاريع الدول التي ينتمون إليها.
ويقول نور الدين: «شعرت بالقلق في تلك اللحظة التي تم التعامل فيها مع الدروز على أنهم أقلية». وقال: «أنا أتحفظ على هذا التعريف لأن الأقلية عادة تكون كتلة واحدة بالوقف السياسي والاجتماعي، فيما أن هناك أقليات أخرى في سوريا أكثر التفافا حول قياداتها أكثر من دروز سوريا».
وأشار نور الدين إلى أن سلوك النائب جنبلاط ينبع من إحساسه بالخطر في لحظة شعر فيها بأنه يجري تمزيق الدروز وتحويلهم كبش محرقة من قبل مجموعات تتنازع عليهم. ولهذا أتى ليقول لهؤلاء اتركوا النظام السوري واتركوا إسرائيل واذهبوا إلى محيطكم موضحا أن جنبلاط بذل مجهودا كبيرا لرد الدروز عن النظام وإسرائيل والخيار الانتحاري. لكن نور الدين شكك في إمكانية تجاوب دروز سوريا مع جنبلاط، معتبرا أن غالبية الطائفة هناك ليست معه.
وأوضح نور الدين أن ثمة محاولة إسرائيلية جرت في العام 1982 مع دروز لبنان عندما اجتاحت إسرائيل لبنان وأتى دروز من إسرائيل يمهدون لفكرة الدويلة الدرزية، وحينها قام جنبلاط بأخذ الطائفة بأكملها نحو الخيار الوطني المقاوم لإسرائيل. وعن تفسيره لوجود غالبية دروز سوريا مع النظام يقول نور الدين بأن ثمة اعتبارات عدة، منها حضور الدروز في الجيش السوري، وحضورهم في الإدارة الرسمية السورية وأجهزة الأمن، مشيرا إلى أن لدى الدروز إحساسا بأن المشروع الذي تقدمه المعارضة غير جذاب، مشيرا إلى أن ما قام به زعيم جبهة النصرة أبو محمد الجولاني من دعوة الدروز إلى تصحيح أخطاء عقيدتهم وطريقة التعامل معه في إدلب غير مشجعة واستفزازية.

* دروز السويداء...الدفاع عن النفس
* اتخذ دروز السويداء قرار القتال دفاعًا عن النفس فقط، دون المشاركة في قتال بالوكالة عن النظام السوري، أو في صفوفه. تقول مصادر المعارضة في الجبهة الجنوبية لـ«الشرق الأوسط»، إن قرار السويداء «حظي بشبه إجماع في المحافظة، رغم وجود استثناءات قليلة مثل محازبي الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي قتل اثنين من عناصره الأسبوع الماضي، وآخرين من ميليشيات الدفاع الوطني»، مشيرة إلى أن القرار «ظهر عمليًا في 25 مارس (آذار) الماضي، حين شنت قوات المعارضة هجومًا على بلدة بصرى الشام التي تسكنها أغلبية شيعية، وأفضى إلى سيطرة قوات المعارضة عليها». وتوضح: «يومها، رفض دروز السويداء الدفع بتعزيزات لمؤازرة قوات النظام، وهو ما دفع النظام لسحب قواته باتجاه السويداء، وترك البلدة بهدف التقليل من الخسائر البشرية».
غير أن القرار، كانت له تبعات أخرى بعد نحو شهرين. وتضيف المصادر: «حين شنت قوات المعارضة هجومًا على مقر اللواء 52 في ريف درعا الشرقي المتصل بالسويداء، الذي يعتبر خط الدفاع الأخير عن مطار الثعلة العسكري، انسحبت قوات النظام منه بشكل دراماتيكي، ما يوحي أنه ترك الخطر يقترب من السويداء، كون النظام يتعاطى مع المعارك العسكرية بخلفية أمنية أيضًا». وتشير إلى أن قوات الجيش السوري الحر المهاجمة «وجدت نفسها تلقائيًا قرب مطار الثعلة، الذي لم يكن ضمن مخطط الهجوم، ودخلت إلى أسواره، وانخرطت في معارك أدت إلى تعطيله، ووجدت أن النظام مارس سياسة تسهيل نقل المعركة إلى مطار الثعلة، بغرض الضغط على الدروز للقتال في المطار، على قاعدة أنه خط الدفاع الأول عن السويداء، وباتوا بخطر، وهو ما دفعهم إلى حشد الطاقات لمواجهة الجيش السوري الحر فيه».
وكان عضو المجلس العسكري في الجيش السوري الحر أبو أحمد العاصمي الذي يتحدر من درعا، أبلغ «الشرق الأوسط» في تصريحات سابقة أن مقاتلي الحر المهاجمين وجدوا أنفسهم بمواجهة 1500 مقاتل من السويداء احتشدوا في مطار الثعلة، وهو ما دفع مقاتلي «الحر» لإيقاف المعركة، بهدف منع النظام من التضحية بالدروز، ووضعهم في مواجهة مع جيرانهم من أهل حوران.
لكن مصادر مطلعة على المعركة من السويداء، كشفت لـ«الشرق الأوسط» عن وساطات دخلت على خط المعركة بهدف إيقافها، مشيرة إلى أن أطرافًا درزية لبنانية ساهمت في منع استمرار المعركة، لمنع النظام من زيادة التوتر بين أهالي السويداء وجيرانهم من حوران، فاتخذ «قرارا حكيمًا من قيادات الحر التي تتحدر من ريف درعا الشرقي بشكل أساسي، لإيقاف المعركة، ونقل الجهد العسكري إلى جبهة مدينة درعا البلد».



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».