«خليل حاوي... الديوان الأخير»... قصائد غير منشورة تبصر النور قريباً

بمناسبة الذكرى الأربعين لانتحاره الاحتجاجي

خليل حاوي
خليل حاوي
TT

«خليل حاوي... الديوان الأخير»... قصائد غير منشورة تبصر النور قريباً

خليل حاوي
خليل حاوي

مع حلول الذكرى الأربعين لرحيل الشاعر خليل حاوي، هدية لمحبي الشعر والنقاد، هي صدور القصائد التي كان قد تركها صاحب «نهر الرماد» غير منشورة، لكنها معدّة للنشر، ومرتبة وفقاً لنظام ارتآه الشاعر كي تظهر فيه أشعاره بحلتها النهائية. وعند انتحاره قبل أربعة عقود، خلّف خليل حاوي وراءه تسع عشرة قصيدة، لم يسبق له أن نشرها في ديوان؛ واحدة منها بالعامية، وقد أدرجت في آخر اللائحة، ويرجح أنها آخر قصيدة كتبها حاوي بالمحكية اللبنانية.
والجميل في هذا الديوان أنه يأتي مفاجأة أدبية غير منتظرة، بعد أن قل الاهتمام بما خلفه الأدباء من مخطوطات، وبردت همة الورثة، عن متابعة مهامهم في نشر ما بين أيديهم، أو حتى الاهتمام بإيكال المهمة لغيرهم، مع تراكم الأزمات، وارتفاع تكاليف النشر.
اهتمام «دار نلسن» بخليل حاوي ليس جديداً، فهي تحاول منذ عشر سنوات نشر هذه القصائد التي تركها الشاعر في عهدة عائلته، وقد نشر عبر السنين بعضها متفرقاً هنا وهناك، لكنها لم تصدر مطلقاً مجتمعة في ديوان واحد. وبالتعاون بين «نلسن» و«مؤسسة أنور سلمان الثقافية» سيبصر الكتاب النور، في الأيام القليلة المقبلة، ويصبح ما كتبه حاوي، وقرر نشره ذات يوم، ولم تسعفه الظروف، قد أصبح مكتمل الصورة لمتعة القراء، وفائدة النقاد، مقروناً بصور فوتوغرافية نادرة من أرشيف الشاعر.
فبعد انتظار طويل قررت عائلة الشاعر الراحل خليل حاوي وبجهود جمانة حاوي ابنة شقيقه إيليا نشر ما في حوزتها. لكن قصة الكتاب لم تكتمل كما كان يخطط لها، بحيث يكتب الدكتور وجيه فانوس المقدّمة لها ويحقّق القصائد ويدقّقها.
كان الدكتور فانوس حين أوكلت إليه المهمة، قد أقبل عليها بحماسة وفرح غامر. فقد كان حاوي أستاذه ومعلّمه وشاعره الأثير، وفي جعبته الكثير مما يمكن أن يقوله عنه. لكن، لسوء الحظ، رحل الدكتور فانوس قبل أن ينجز المهمة، مما أخر صدور الكتاب. وكان فانوس قبل وفاته بأسبوع قد اتصل بجمانة إيليا حاوي، وقال لها، كأنما حدسه كان أقوى منه: «حاسس إنو الجمعة الجاي رح شوف خليل وإيليا...». هكذا تدخّلت الأقدار وغيرت مسار الكتاب. وتمت الاستعاضة عن مقدمة فانوس الذي سرقه الموت قبل أن يكتبها، بمقالة له كتبها في 13 يونيو (حزيران) 2022 في الذكرى الأربعين لوفاة حاوي، بينما قام بتدقيق القصائد وتحقيقها الدكتور محمود شريح.


قصيدة «زحفت يداك» بخط يد حاوي

«الديوان الأخير» يتضمن إضافة إلى القصائد، كلمة للناشر سليمان بختي عن «دار نلسن» تشرح ظروف نشر الكتاب والمصاعب التي واجهها، والقيمة الفنية والجمالية للأشعار التي سيكتشفها القارئ. كما يضم الكتاب دراسة الدكتور وجيه فانوس، ونصاً للدكتور محمود شريح بعنوان «خليل حاوي كما عرفته في سنواته الأخيرة»، ثم تأتي القصائد مقرونة في كثير من الأحيان بصورة لها بخط يد حاوي، وتظهر أحياناً التعديلات التي أجراها على القصيدة، واستبداله ببعض الكلمات أخرى، خصوصاً قصيدته المحكية «شو قولكم»، فيما غالبية مخطوطات القصائد، هي أقرب إلى مبيضات، والأشعار مسطورة بترتيب وخط مقروء ومنتظم. واقترنت كل قصيدة في الكتاب، برسم خاص أنجزه الفنان التشكيلي شوقي شمعون.
وخصّ الشاعر شوقي أبي شقرا هذا الكتاب بكلمة زينت الغلاف الأخير حملت عنوان «الشاعر القدوس»؛ حيث قال عن حاوي إنه «تلك العلامة في ثقافتنا»، وكتب عنه ايضاً أنه «لا هو يرضى إلا أن يهجم على المستحيل، وإلا أن يصفعه على مسرح القوم ومسرح الشعراء ومسرح الذين يبحثون عن بطولة معاصرة. وعن الشجاعة وعن ألوانها وعن سيفها المعلق عند خليل حاوي».


قصيدة «يا صبية» كما كتبها حاوي عام 1981

ومما جاء في دارسة د. وجيه فانوس: «وَحده خليل حاوي، بَيْنَ الشُّعَراءِ العَرَبِ المُعاصِرِينَ جَمِيعاً، اسْتَطاعَ أَنْ يَصِلَ إِلى رِحابِ تَوَحُّدِ الذَّاتِيِّ بِالجَمْعِيِّ؛ وَلِذَلِكَ فَإنَّهُ كانَ الشَّاعرَ الوحيدَ الَّذي لَمْ يَجِد بُداً مِنَ المَوتِ، فِي لَحظَةٍ كانَت أُمَّتُهُ فِيها تُشْرِفُ عَلى المَوْتِ. نعَمْ كانَت قَصِيدَتُهُ الأَخيرَةُ، تِلكَ التي كَتَبَها ببارُودِ بُنْدُقِيَّتِهِ، عَلى جَبْهَتِهِ وَفِي مِحجَرِ عَيْنِهِ اليُمْنَى، هِيَ أَعظَمَ دَلِيلٍ عَلى تَوَحُّدِ الذَّاتِ بِالأُمَّةِ؛ لَكِّنَّها، فِي الوَقْتِ عَيْنِهِ، أَكْثَرَ الأَدِّلَّةِ إِيلاماً وَفَجِيعَةً؛ إِذْ وَجَعُ الأُمَّةِ وَسَوادُها حَجَبا، فِي ذَلِكَ الحِينِ، كُلَّ إِمْكانِيَّةٍ لِرُؤْيَةِ الرَّاحَةِ وإِشْراقَةَ الفَجْرِ خارِجَ فِعلِ المَوْتِ»!
أما سليمان بختي، ناشر الكتاب، ففي رأيه أن هذه القصائد «جزء من آثار حاوي وتجربته، وربما، تتساوى قيمتها التوثيقية بقيمتها الفنية، وتكتسب أهمية على صعيد آخر؛ وهو معرفة ماذا كان يكتب خليل حاوي في سنواته الأخيرة، وماذا كانت أفكاره وانهماكاته، وما هو الشكل الذي يترصّده في تجربته الشعرية. أراد خليل حاوي لهذه الأمة ما أراده لها رجال النهضة وروّادها من تقدّم وإصلاح، ولكن دون ذلك أهوال».
لعل الكشف عن هذه القصائد سيعطي براهين أكبر لأولئك الذين مالوا للقول إن حاوي أخذ في أشعاره الأخيرة يميل للاختزال، ولكتابة القصائد السريعة والقصيرة، التي تكتفي بتمرير الرسائل أو إيصال صرخة، أو تسجيل فكرة. فما يحتويه «الديوان الأخير» هو من هذا الصنف الشعري الذي أخذ الشاعر يلجأ إليه، كأنما كان ينطفئ بالتدريج، دون أن ينتبه لذلك أحد. وهنا بعض قصائد الديوا:.

يا صبيّة

يا صبيّة!
يا صبيّة!
كيف ألهبتِ رمادي وصقيعي
كيف اطلعتِ صبيّا
في عروقي وضلوعي
طلعة حرّى طريّة
وغسلتِ الزهو في عينيه
من هول العشيّة

يا صبيّة!
يا صبيّة!
ومدى الزهو تجلّى
جسد في زهوه دون غلاله
وصبيّ طافر يمرح فيه
يرتعيه
يتملاّه حلاله

جسد دون غلالة
حوله ذابت متاهات المدى
ومتاه الظن ما خلف المدى
وصدى الأمس وغصّات الصدى

جسد دون غلالة
حوله الأرض تجلّت
هالة هلّت وهالة
أشرقتْ فيها الظلال
خلعتْ ثقل الجبال
خلعتْ ثقل العشيّة
خلعتْ هول العشيّة

يا صبيّة!
يا صبيّة!

14/4/1981

عادت إليّ العاصية
عادتْ إليّ العاصية
وتكوّمتْ في زاوية
ثم ارتمتْ
تعوي على نعلي وتعول
والدموع
تنهلّ من رعب
له وقع الحوافر
في الضلوع
وتودّ لو كانت
تئنُّ على يدي

كانت تطلّ عليّ
من أمسي
وتطلع من غدي
تحنو تطيع
تكيد تلسع تعتدي:
ريّا الغمامة يغتلي
في غورها غلّ،
فحيح المجمرة
كنتُ الشفيع
وكنتُ قلباً يكتوي
بضراوة حرّى
ويعصى المغفرة.

في منزلي

أيقين أنها في منزلي
كيف يخفى ما أرى ما أجتلي
يمّحي ظنّي، وظنّي يغتلي

لم تغادر منزلي عند الصباح
لم تكن تزهو وتلهو
وتعرّي جسمها غضّاً مباح
تخلع الجسم
وتمضي عبر طيّات الرياح
لم تغادر منزلي عند الصباح

كنتُ ألقاهُ

كنتُ ألقاهُ
شهاباً مارجاً
في وهج غوري، ومروجي
يرتمي نشوان
في ظلّ بروجي
غير أني كنت أشتمّ الخيانة

كنت ألقاه
غريباً غائباً
يحتله ما لا أراه وأراه
جسد ينصب

من صحو رؤاه
جسد يخفى ويظهر
جسد غضّ وصلب يتبخّر
يتمشى في خلاياه
سحاب لاهث
يلغي كيانه
وعيانه
كنت أشتمّ الخيانة.

طبع القدر

ما صحوة الطبع المُعافى
في ظلمة حرّى،
ونوم يتجافى،
يا من تعاني
في سرير من إبر
ما لا يعاني المجرم المتخوم
من لحم البشر،
يزهو بطبع يدّعي:
«ما شئتَه يغدو حلال»
«للحصد حصّاد الغلال»
«قطف الرؤوس اليانعة»
«قطع الرقاب الخاشعة»

يا من تعاني ما تعاني
في سرير من إبر
طبع خفيّ ظاهر:
طبع الصراع
طبع الطباع
طبع القدر
يمتدّ عبر الكون
من وحش لجنّ لبشر،
يمتدّ من بحر لصخر لشجر،
طبع خفيّ ظاهر طبع القدر

بلد القلوب الموصدة

بلد القلوب الموصدة
بلد تحوّل عزمه
غلاّ يغور ويبتني
في كل قلب موقده

غلّ القلوب الموصدة
يشتدّ من جيل إلى جيل
ويخترق العظام
يشتدّ، يلتهم
الحلال مع الحرام

غلّ القلوب الموصدة
غلّ يغصّ ويبتني
في كل قلب مرصده
والغلّ يعمي الغلّ
في بلد القلوب الموصدة.

حلم ترى دنياي
يا نبضة حرَّتْ خمول الترابْ
فالثلج ينحلّ بزهو الهضابْ
وخضرة المرج بها طفرةً
تسلّقتْ أعتابنا والقباب،
يا مرج يفديك سرير الهوى
بطيبه، والوشوشات العذابْ،
ويا غمام الزهر أيّ يدٍ
شدّتْ إلى الأرض غمام السحاب
وثقلة العتمة كيف هوت
جدرانها وانشقّ ذاك الحجاب

عن قريتي الخضراء، عن حفنةٍ
من أنجمٍ ضاعت بخضر الشعاب
عن مرح الشمس بأحواضنا،
وبيتنا، عن لونها والخضاب،
وعن دروب الغاب، يا حنوةَ
الغابِ عليها بالظلال الرطاب
عن غيمة ترقد في المنحنى
وعن جبال أبحرت في الضباب
***
يا شبع العين، ويا ريّها
أنّى ارتمت أو نهضت في الرحاب
یا قلب، یا صفوَ غدیرٍ جری
صحو السما فيه وزهو الهضاب
حلم تُرى دنياي أم واقعٌ
أطيب من حلم برته الرّغاب.

قصيدة بلا عنوان

بلدي
بلدُ الأمسِ الذي يطلعْ
من رؤيا غدي:
جامداً جهْماً مرصّع
باطلاً يطلعُ يطلعْ
في مرايا الشمسِ والأمطار
يزهو ينجلي يلمعُ يلمعْ
جامداً جهْماً مرصّعْ
ما ارتوى من لهب
يصهره يجلو كيانه
لهب ينبض غضّا
ويدوّي في عروق السنديانة
يجتني زهواً نضيرْ
من بروق الرعد
في ليل مريرٍ زمهريرْ
يمّحي فيها صمود
الجامد الجهم المرصّعْ
هل يعاني
وجع الأعضاء
في جسم مخلّع
بلد ينحلّ ذرّاتٍ وذرّات
ويلتف طوائف
وطوائف
في مطاوي أقبية
تنطوي في أقبية،
كان في عصر الطوائفْ
خائفٌ من قبوه
يهفو لخائفْ
خائف من قبوه
يصرع خائفْ


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

هرم ثلاثي الأضلاع على المريخ... ما سرّه؟

صورة «سيلفي» التقطتها مركبة «ناسا» الجوالة «برسيفيرانس» على سطح المريخ (رويترز)
صورة «سيلفي» التقطتها مركبة «ناسا» الجوالة «برسيفيرانس» على سطح المريخ (رويترز)
TT

هرم ثلاثي الأضلاع على المريخ... ما سرّه؟

صورة «سيلفي» التقطتها مركبة «ناسا» الجوالة «برسيفيرانس» على سطح المريخ (رويترز)
صورة «سيلفي» التقطتها مركبة «ناسا» الجوالة «برسيفيرانس» على سطح المريخ (رويترز)

هل يمكن أن تكون هناك دلائل على وجود حياة خارج كوكب الأرض، أم أن ما نراه مجرد تشكلات طبيعية تخدع أعيننا؟ هذا التساؤل القديم عاد إلى الواجهة مجدداً، بعد تداول صور لما يُعتقد أنه «هرم ثلاثي الأضلاع» على سطح المريخ، في مشهد أثار فضول العلماء وأشعل خيال المتابعين على حد سواء، بين مَن يرى فيه احتمالاً لوجود حضارات متقدمة، ومن يرجّحه كظاهرة جيولوجية فريدة أو عمل صناعي.

وقد أثار مخرج أفلام وثائقية موجة من الجدل حول هذا الاكتشاف، بعدما نشر لقطات بدت وكأنها تُظهر بنية هرمية على الكوكب الأحمر، وفقاً لما أوردته صحيفة «نيويورك بوست».

وبحسب تقارير صحافية، فإن الباحث في وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، كيث لاني، كان قد رصد هذه الظاهرة الغريبة بالصدفة عام 2001، أثناء استخدامه المركبة الفضائية «مارس غلوبال سيرفيور» لمسح سطح المريخ بحثاً عن تكوينات غير مألوفة. وقد رجّح لاني أن يكون هذا الشكل مصطنعاً، قائلاً: «لو عُثر على هذا التكوين في أي مكان على الأرض، لكنا بالتأكيد بدأنا بدراسته بشكل جدي».

وفي وقت لاحق، أعاد المخرج الوثائقي برايان دوبس تسليط الضوء على هذا الاكتشاف، حيث شارك المقطع المصور عبر منصة «إكس»، مشيراً إلى أن «على سطح المريخ هرماً ثلاثي الأضلاع بحجم الهرم الأكبر في مصر».

وتُظهر اللقطات المصاحبة مشاهد مقرّبة لتلّ مثلث الشكل يقع في وادي مارينيريس، وهو ثاني أكبر نظام وديان في المجموعة الشمسية، إذ يمتد لنحو 2500 ميل ويصل عمقه إلى نحو 4 أميال. وتُعرف هذه المنطقة بجروفها الشاهقة وتكويناتها الصخرية الطبقية، التي قد تُنتج أشكالاً هندسية لافتة، من بينها ما يُعتقد أنه هذا «الهرم».

ومن اللافت أن هذا التكوين الجيولوجي جرى تصويره في 4 مناسبات منفصلة بين عامي 2001 و2016، وقد حافظ في كل مرة على شكله الهندسي المتناظر ثلاثي الأضلاع، وهو ما زاد من حدة الجدل حول طبيعته.

ورغم إقرار دوبس بأن هذه اللقطات لا تُعد دليلاً قاطعاً على وجود حياة على المريخ، فإنه طرح تساؤلات حول سبب عدم إجراء تحقيقات أعمق لاستبعاد احتمال أن يكون هذا التكوين نتيجة عوامل غير معروفة. وقال، في مقطع فيديو نشره عبر «يوتيوب»: «ما العملية الجيولوجية التي يمكن أن تُنشئ بنية هرمية ثلاثية الأضلاع بهذا الشكل؟ إنه أمر محيّر حقاً بالنسبة لي. كيف يمكننا أن ننظر إلى هذا التكوين ونفترض ببساطة أنه طبيعي، رغم أنه يبدو شاذاً بوضوح؟».

ولم يكن دوبس وحده من طرح هذه الفرضية؛ إذ أشار آخرون إلى أن هذا التكوين قد يحمل دلالات تتجاوز التفسير الجيولوجي. ففي ورقة بحثية نُشرت العام الماضي، افترض الباحث في شؤون المريخ جورج هاس أن هذا التركيب «يُظهر مستوى من الهندسة والتناظر يدعم احتمالاً كبيراً لكونه من صنع كائنات ذكية». وأضاف في تصريح صحافي: «لا تحتاج إلى أن تكون جيولوجياً لتُفرّق بين صخرة عادية وبنية ذات طابع هندسي واضح».

وفي سياق متصل، أعادت تقارير أخرى الجدل إلى الواجهة بعد أن نشرت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) وثائق في عام 2025 تتعلق بمهمة استطلاع غامضة هدفت إلى جمع معلومات عن الكوكب الأحمر. ووفقاً لما ورد، فقد تضمنت هذه الوثائق إشارات إلى وجود أهرامات موزعة على سطح المريخ، الأمر الذي عزّز التكهنات بشأن احتمال أن تكون هذه التكوينات ذات أصل غير طبيعي.


«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
TT

«الحوامة»… موروث نجدي بدأ من الجيران وكبر بالذاكرة

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)
ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

تعدّ «الحوامة» مشهداً اجتماعياً يعيد للأذهان دفء الأحياء القديمة، وبدأت فعالياتها التي انتشرت مؤخراً في أحياء عديدة بالعاصمة السعودية الرياض خلال العشر الأواخر من شهر رمضان، مع تنوع تشهده بين حي وآخر في الميزات المختلفة، والمظاهر الجاذبة.

وعلى الرغم من وجود إحدى فعاليات «الحوامة» في حي حطين (شمال الرياض) أثناء تصدِّي وزارة الدفاع السعودية لـ4 صواريخ باليستية أُطلقت باتجاه العاصمة، أُقيمت «الحوامة» في الحي ذاته بمشاركة العوائل، والأطفال الذين جابوا البيوت طلباً للحلوى وسط أجواء يغمرها الفرح والبساطة، ويسودها الأمن والاستقرار.

ونظّمت مؤسسة الحوامة هذه الفعالية، التي انطلقت عام 2015 كمبادرة بسيطة بين جيران الحي، وتحولت مع مرور السنوات إلى تجربة مجتمعية ينتظرها كثيرون كل عام.

ترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد (تصوير: تركي العقيلي)

وترجع «الحوامة» في أصلها إلى تقليد شعبي قديم في منطقة نجد، وارتبطت هذه المناسبة بعادات الجيران وتقاربهم، قبل أن تتراجع ممارستها مع تغير أنماط الحياة، غير أن إحياءها في مدينة الرياض جاء بدافع من مجموعة من سكان المنطقة لإعادة هذه العادة إلى الواجهة، والحفاظ على هذا الموروث الشعبي من الاندثار، وتلقت توسعاً تدريجياً عاماً بعد آخر.

وقالت نجلاء المنقور، المديرة التنفيذية لـ«الحوامة»، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن «الهدف من الفعالية لا يقتصر على الترفيه فقط، بل يمتد إلى إحياء الموروث الشعبي وتعريف الأجيال الجديدة به، إضافة إلى تعزيز روح الجيرة والتواصل الاجتماعي، خصوصاً في ظل تراجع هذه المظاهر في الحياة اليومية».

وأضافت المنقور أن «رسوم المشاركة، البالغة نحو 185 ريالاً (49 دولاراً)، تمثل مساهمة مجتمعية لدعم إقامة الفعالية، في غياب الرعايات الرسمية»، مشيرةً إلى أنها «تُستخدم لتغطية تكاليف التنظيم، بما في ذلك تجهيز الشوارع، وتركيب الإنارة والزينة، وإعداد أكياس الحلوى والأنشطة المصاحبة، بما يضمن تجربة آمنة ومنظمة للأطفال».

تحولت «الحوامة» من مبادرة محلية صغيرة إلى فعالية سنوية تستقطب العائلات (تصوير: تركي العقيلي)

وشهدت «الحوامة» منذ انطلاقتها إقبالاً متزايداً، إذ تحولت من مبادرة محلية صغيرة إلى فعالية سنوية تستقطب العائلات، ويتم خلالها توزيع الحلوى على الأطفال والعروض الترفيهية والثقافية المرتبطة بالتراث الشعبي، بالإضافة إلى الشوارع المزينة بالأنوار.

وبحسب المنقور، يحرص كثيرون على تكرار التجربة لما تحمله من أجواء تراثية واجتماعية مميزة، لكن تنظيم الفعالية لا يخلو من التحديات، حيث يحمل كثيراً من الجهد المطلوب لإقامتها سنوياً، ومع ذلك، يواصل فريق عمل المؤسسة الحفاظ على هذا التقليد وإحياءه بروح معاصرة.

وأكدت نجلاء حرصها على إقامة «الحوامة» في كل عام، واستيفاء التراخيص اللازمة من «أمانة الرياض»، إيماناً منها بأهمية استمرار هذا الموروث، مُنوِّهة أنه رغم التحديات، فإن الحماس الذي تبديه الأطفال والعائلات يدفعها إلى مواصلة العمل سنوياً بإصرار وشغف، وتسعى لتطوير الفعالية تدريجياً في السنوات المقبلة، مع الحفاظ على طابعها التراثي.


بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
TT

بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)
تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الماليزية - الأميركية بوه سي تنغ إن الدافع وراء فيلمها «أميركان دكتور» (American Doctor) لم يكن مشروعاً سينمائياً تقليدياً بقدر ما كان استجابة شخصية لما كانت تراه يحدث في غزة. فبصفتها أميركية من أصول ماليزية تعيش في الولايات المتحدة، تابعت مرور عام كامل من الحرب من دون أن يتغير شيء تقريباً، وهو ما ترك لديها شعوراً بالعجز، ودفعها إلى البحث عن طريقة لفعل شيء ما، حتى قبل أن تتضح ملامح الفيلم أو شكله النهائي.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التفكير في القصة قادها في النهاية إلى عالم الأطباء، باعتبار أن هناك مبادئ إنسانية يمكن أن يلتقي حولها الجميع بغض النظر عن المواقف السياسية، مثل فكرة أن المستشفيات لا يجب أن تُقصف وأن العاملين في القطاع الصحي لا ينبغي أن يتحولوا أهدافاً، ومن هنا جاءت فكرة متابعة أطباء أميركيين يعملون في المجال الطبي الإنساني داخل غزة بوصفها مدخلاً مختلفاً لفهم ما يحدث.

اختارت المخرجة تسليط الضوء على التحديات التي تواجه الأطباء (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم الوثائقي «أميركان دكتور» الذي عُرض للمرة الأولى أوروبياً في مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» الحرب على غزة من داخل المستشفيات، متتبعاً رحلات ثلاثة أطباء أميركيين إلى القطاع يختلفون في الخلفية والانتماء، لكنهم يلتقون في مواجهة المأساة الإنسانية داخل غرف الطوارئ والعمليات، ومن خلال هذه الرحلات ينكشف حجم الدمار الذي أصاب النظام الصحي في غزة، والصعوبات التي يواجهها الأطباء في إيصال ما يرونه إلى العالم.

وأكدت أنها اختارت بناء الحكاية على 3 شخصيات رئيسية، الطبيب الفلسطيني - الأميركي ثائر أحمد، والطبيب اليهودي الأميركي مارك بيرلماتر، والطبيب الأميركي من أصول زرداشتية فيروز سيدوا، لرؤيتها أن اختلاف خلفياتهم الدينية والثقافية يمنح القصة بعداً أوسع؛ إذ يلتقون جميعاً حول فكرة الدفاع عن حقوق الإنسان والعمل الطبي الإنساني رغم تباين تجاربهم وهوياتهم.

وتشير المخرجة الأميركية إلى أن العمل على الفيلم لم يكن سهلاً في بداياته؛ إذ جاء في مناخ أميركي يتسم بالحذر الشديد فيما يتعلق بالتعبير العلني عن دعم حقوق الفلسطينيين؛ وهو ما أثار لديها تساؤلات حول معنى الإيمان العالمي بحقوق الإنسان، ولماذا يبدو أن هذا المبدأ لا يُطبَّق دائماً عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين، لافتة إلى أنها لامست هذه المفارقة حتى في حياتها اليومية في نيويورك، حيث تعيش وتعمل وسط مجتمع متنوع الثقافات.

عُرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات مهرجان «سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)

وأوضحت أن التحدي الأول كان نفسياً أيضاً؛ إذ لم تكن تجد اللغة المناسبة للحديث عن هذه القضية، لكن اللقاء بالأطباء الثلاثة فتح أمامها طرقاً مختلفة لفهمها والتعبير عنها؛ لأن لكل واحد منهم أسلوبه الخاص، بين الصراحة المباشرة، والمقاربة السياسية الهادئة، والاعتماد على البحث والحقائق لإقناع الجمهور.

وأشارت إلى تشكّيل دعم فريق العمل عاملاً أساسياً في استمرار المشروع، خصوصاً من المنتجة الفلسطينية ريم حداد والمنتجة كريستينا بارفورد، اللتين حافظتا على زخم العمل حتى في اللحظات التي بدا فيها المشروع صعباً أو غير واضح المسار.

وأوضحت المخرجة الأميركية ذات الأصول الماليزية أن اختيار أطباء من خلفيات دينية مختلفة لم يكن مجرد رسالة رمزية حول رفض قتل الأبرياء، بل محاولة لفهم كيفية تفاعل أفراد من هويات متنوعة مع القضية الفلسطينية داخل المجتمع الأميركي، من تجربة الفلسطينيين الأميركيين الذين يدافعون عن شعبهم في غزة، إلى الأميركيين من أصول يهودية الذين يعارضون الحرب ويجدون أنفسهم أحياناً في موقع حساس، وصولاً إلى أشخاص لا ينتمون إلى أي من هاتين الخلفيتين، لكنهم يتبنون موقفاً إنسانياً واضحاً.

وأشارت إلى أن حضور الفريق الفلسطيني في الفيلم حظي بأهمية خاصة بالنسبة إليها؛ إذ لم يكن ممكناً إنجاز المشروع من دون مشاركة فلسطينية حقيقية. فعلى الرغم من متابعتها للقضية الفلسطينية منذ طفولتها في ماليزيا، حيث يحضر الوعي بها بقوة، فإنها كانت تدرك أن صناعة فيلم عن فلسطين من دون مشاركة فلسطينية قد تقود إلى أخطاء كبيرة.

ولفتت إلى أن العمل اعتمد بدرجة كبيرة على طاقم داخل غزة، من بينهم مدير التصوير إبراهيم العطلة والمنتج المشارك محمد صواف، اللذان عملا في ظروف شديدة الخطورة لتوثيق ما يجري على الأرض. وقد جاء إنجاز الفيلم نتيجة مباشرة لجهود هؤلاء الذين خاطروا بحياتهم من أجل نقل القصة إلى العالم.

المخرجة الماليزية (الشركة المنتجة)

وتطرقت إلى الصعوبات التي واجهتها في العمل، مشيرة إلى أنها توقعت في البداية صعوبة كبيرة في الحصول على دعم لمشروع يتناول فلسطين بهذه الزاوية داخل الولايات المتحدة؛ الأمر الذي دفعها إلى الاستقالة من عملها مديرةً إبداعية في أحد الاستوديوهات السينمائية والاعتماد على مدخراتها الشخصية لبدء العمل. لكن بعد أشهر عدة بدأت المنح والتبرعات تصل من جهات مختلفة في الولايات المتحدة وماليزيا وغيرها، في مؤشر بالنسبة إليها على رغبة كثيرين حول العالم في رؤية نهاية لما يحدث.

وأضافت أنها استغرقت في مرحلة المونتاج نحو 11 شهراً، وكان الهدف الأساسي إدخال المشاهدين إلى عالم الأطباء الثلاثة، خصوصاً الجمهور الأميركي الذي ربما لم يفكر كثيراً في القضية الفلسطينية من قبل، بعدما بدت شهادات الأطباء مدخلاً مهماً؛ لأن الناس عادة لا يشككون في صدقية الأطباء أو في حق المستشفيات في أن تكون أماكن آمنة.

وعدَّت أن التحدي الأكبر خلال العمل كان إنسانياً أكثر منه فنياً؛ لأن جزءاً من فريق الفيلم كان يعيش داخل غزة خلال الحرب. وحتى لحظة عرض الفيلم في مهرجانات سينمائية التي شكّلت محطة مهمة في مسيرته، ظل التفكير حاضراً في الزملاء الذين بقوا في غزة ولم يتمكنوا من حضور العرض؛ إذ كان التواصل معهم يجري أحياناً عبر الهاتف فقط.