«السارد العليم» يعود من بوابة ما بعد الحداثة

عودته نكاية بسارتر والحداثيين وبَعْثٌ للمؤلف

«السارد العليم» يعود من بوابة ما بعد الحداثة
TT

«السارد العليم» يعود من بوابة ما بعد الحداثة

«السارد العليم» يعود من بوابة ما بعد الحداثة

في كتابة «فيْسْبوكية»، يبدي الروائي الكويتي طالب الرفاعي، استغرابه من السارد الذي يحيط علماً بكل شيء، ولا تغيب عنه أي شاردة وواردة ذات علاقة بالعوالم التخييلية التي يرويها، بما فيها من شخصيات وأحداث ووقائع وأفعال؛ وفي الوقت نفسه، لا أحد يعرف شيئاً عنه: «يستوقفني في الكثير من الروايات، العربية والأجنبية، أن الراوي يعلم كل شيء عن كل شيء! بينما لا أحد يعرف عنه أي شيء: لا عمره، ولا اسمه، ولا مكان وجوده، ولا علاقته بما يروي! وأتساءل: كيف يقص شخصٌ رواية لا علاقة له فيها؟!».
واضح أن الرفاعي يتحدث عن السارد العليم؛ والشيء الذي أعتقد أنه لا يحتاج إلى تأكيد هو معرفة الرفاعي أن ذلك عرف أجناسي ومن مواضعات الحكي في الرواية وحتى في «حزايات» الجدات، وبالتالي فإن سؤاله الذي اختتم به كتابته مجرد سؤال بلاغي، لا يتطلب إجابة، لأن الإجابة في «بطن» السائل! وربما كان الغرض من كتابته أن يقول بمواربة إنه لا يميل إلى السارد العليم أو حتى لا يحبه؛ أو بطريقة غير مباشرة، يُلَمّحُ إلى تفضيله للسارد بضمير المتكلم المشارك في العوالم التخييلية. لعل هذا التفضيل يَتَخَفى وراء توظيف الرفاعي ليس لساردٍ داخلي واحد فحسب، بل لمجموعة سُراد في روايته الأخيرة «خطفُ الحبيب» على سبيل المثال. لكن ما لفت انتباهي هو تعليق الروائي العراقي عواد علي، الذي أبدى فيه ندمه على توظيف سارد خارجي، كما يفهم منه كلامه، في روايته «نخلة الواشنطونيا» بدلاً من سارد داخلي. يقول في تعليق على ما ذكره الرفاعي: «أتفق معك تماماً أستاذ طالب. شخصياً فعلت ذلك في روايتي (نخلة الواشنطونيا)، وندمت بعد نشرها. الراوي يجب أن يكون شخصية داخل الرواية».
لمَ الندم؟! ولمَ تضييق الواسع بـ«يجب»؟! ففي بيت القص/السرد «the house of fiction» نوافذ كثيرة تطل على الحياة، فما على الكاتب سوى اختيار النافذة المناسبة. لا أتذكر عدد النوافذ في بيت السرد المجازي الذي بناه هنري جيمس. ليس مهماً أنني لا أتذكر. كما لن أشعر بالندم لأنني نسيت عددها، ولن أقول إنني يجب أن أتذكر العدد بدقة. المهم أنني تذكرت الفكرة.
من الممكن القول إن جيمس كان مثل الرفاعي لا يميل إلى السارد العليم الذي يعرف كل شيء، فَتَطَوُرُ أسلوب جيمس في الكتابة الروائية يعكس تَدَرُجه من توظيف هذا السارد ثم إلى العليم المحدود، أو السارد بضمير الغائب المحدود. لقد جرد جيمس السارد العليم من معرفته المطلقة، ومن حضوره المطلق، ومن خاصية التنقل والظهور في أماكن عدة، وذلك بربطه بما سماه الشخصية الوعي المركزي، أو الذكاء المركزي، أو العاكس؛ تقنية اجترحها جيمس نفسه وكان أول من استخدمها، كما في روايته «السفراء»، حيث لامبرت سترثر هو الوعي المركزي، أو الذكاء المركزي، أو العاكس الذي يُدركُ القارئ من خلاله المواقف والأحداث.
وعلى النقيض من جيمس في تعبيره كتابياً وتطبيقياً عن نأيه عن السارد العليم، عبر جان بول سارتر عن نفوره من السارد العليم، أو بالأحرى عن رفضه، بإنكار أن «نهاية الليل» رواية، وأن فرنسوا مورياك روائي. لم يعد مورياك روائياً، ولا روايته رواية كما يقول سارتر في مراجعته لـ«نهاية الليل». إن سبب العنف المجازي والمعنوي الذي مارسه سارتر ضد مورياك وروايته هو باختصار توظيف الأخير للسارد العليم: «(نهاية الليل) ليست رواية.... السيد مورياك ليس روائياً.... ومثل غالبية كُتابِنا، حاول تجاهل حقيقة أن نظرية النسبية تنطبق بالكامل على عالم التخييل، وأنه لم يعد هناك مكان لمراقبٍ ذي حظوة في رواية واقعية ناهيك عن عالم آينشتاين.... لقد وضع السيد مورياك نفسه في البداية. اختار المعرفة الكلية والقدرة الإلهيين...» (فرنسوا مورياك والحرية، 24 - 25).
كان جيمس وسارتر والحداثيون الآخرون ينتمون إلى تيار يرفض السارد العليم امتداداً لرفضهم أو عدم إيمانهم بـ«المطلقيات»، فالمعرفة نسبية، وهذا السارد نفي لها. لهذا غاب السارد العليم من الرواية الحداثية في ذروة الحداثة، حل محله السارد المحدود في معرفته وحركته، وتقنيات تيار الوعي والمونولوج الداخلي. وما زال رفضه مستمراً حتى الآن عند البعض، فها هو يوجين قودهارت يصرح في 2004 بأن «السارد العليم عفا عليه الزمن، وينبغي تَقبُله عندما يُعثَر عليه في أعمال من الماضي، أو ازدراؤه عندما يظهر في عمل معاصر. لم يعد العلم المطلق حقاً للروائي». ويقول تيموثي أوبري عام 2008: «ابتكار حداثي في الأصل، أصبح رفض المعرفة الكلية مبدأً ثابتاً، لا سيما ضمن ما يشار إليه كثيراً باسم الأدب التخييلي متوسط الثقافة».
لكن على الرغم من النفي والتغييب اللذين مورسا ضده، عاد السارد العليم وبقوة من خلال الرواية الأميركية والبريطانية المعاصرة على سبيل المثال، خصوصاً خلال تسعينات القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة. وكانت عودته وأسبابها ودلالاتها موضوع كتاب بول دوسون الموسوم «عودة السارد العليم: التأليف والسلطة في الأدب التخييلي في القرن الواحد والعشرين». عاد السارد العليم، يقول دوسون، في روايات روائيين بارزين، وآخرين حاصلين على جوائز، وروائيين وروائيات جدد: زادي سميث، آدم ثيروِلْ، نيكولا باركر، جوناثان فرانزن، ديفيد فوستر والاس، وريك مودي، توم ولف، سلمان رشدي، مارتن إيمِس، دون ديليلو، غيل جونز وغيرهم.
وعلى نحو لافت، عاد السارد العليم عبر الروايتين الواقعية الهيستيرية و«الأقصوية». يقول ستيفانو إركولينو موضحاً أحد أسباب حضور السارد العليم في الرواية الأقصوية، أو المعرفة الكلية الفائقة، حسب تعريف دون ديليلو: «إن السارد العليم الأقصوي لا تمليه أو تفرضه الحاجة إلى السيطرة على الوفرة الفائضة من المعلومات السردية فحسب، بل يمكن اعتباره جزءاً من مجرة من الاستراتيجيات الخطابية التي ازدهرت في السنوات الأخيرة في محاولة لاسترداد دور المؤلف في نطاق التوصيل الأدبي بعد إعلان رولان بارت موته» (الرواية الأقصوية، 103).
إن عودة السارد العليم هي أحد مساعي الروائي المعاصر لاسترداد صوته، لاسترداد سلطة الروائي الثقافية التي تواجه راهناً تحديات عدة منذ بداية القرن العشرين، من التلفزيون والسينما والتكنولوجيات الجديدة ووسائط الميديا... إلخ. لقد أحدثت هذه التحديات المتزايدة والمتلاحقة الشعور بقلق الإهمال والإحساس بأزمة تهميش وجودية وفقدان السلطة الثقافية والمكانة اللتين كان يتمتع بهما الروائي في القرنين الثامن والتاسع عشر، حسب كاثلين فيتزباتريك في كتابها الموسوم «قلق الإهمال: الرواية في زمن التلفاز».
لقد مات جيمس وسارتر وبارت، ولم يمت السارد العليم الذي «يعلم كل شيء عن كل شيء! بينما لا أحد يعرف عنه أي شيء»، كما يقول الرفاعي!

- كاتب وأكاديمي سعودي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«البحر الأحمر الدولية» تُنجز أكبر مشروع لإحياء «أشجار المانغروف الحمراء»

إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)
إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)
TT

«البحر الأحمر الدولية» تُنجز أكبر مشروع لإحياء «أشجار المانغروف الحمراء»

إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)
إتمام زراعة أكثر من 5 آلاف شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه» (البحر الأحمر)

نجحت «البحر الأحمر الدولية»، الشركة المطورة لأكثر الوجهات السياحية المتجددة طموحاً في العالم، في إتمام زراعة أكثر من 5000 شتلة من أشجار المانغروف الحمراء النادرة في «بحيرة الوجه»، محققةً بذلك أكبر مشروع لإعادة إحياء هذا النوع النباتي في تاريخ السعودية.

ويكتسب هذا المشروع أهمية استراتيجية كونه نُفّذ في الموقع الذي يُعدّ الموطن الطبيعي لأكبر تجمع لهذه الأشجار في أقصى الحدود الشمالية لانتشارها حول العالم. وتعرف أشجار المانغروف الحمراء محلياً باسم «القندل»، وتُمثل رئة حيوية للبيئة البحرية؛ إذ تلعب دوراً جوهرياً في حماية السواحل، وتوفير بيئة خصبة لتكاثر الأسماك والقشريات، فضلاً عن قدرتها الفائقة على احتجاز الكربون بمعدلات تتجاوز الغابات البرية.

وقال رائد البسيط، رئيس البيئة والاستدامة في «البحر الأحمر الدولية»: «إن نجاحنا في إعادة تأهيل أشجار المانغروف الحمراء بهذا النطاق الواسع ليس مجرد رقم يضاف لسجلاتنا؛ بل هو انتصار علمي يسجل باسم السعودية وشركتنا. نظراً للتحديات البيئية الدقيقة التي يتطلبها هذا النوع للنمو، فإن استعادته تعني استعادة التوازن للنظم البيئية الحساسة. نحن اليوم نضع حجر أساس لمستقبل بيئي أكثر استدامة، سيعود بالنفع المباشر على أهالي مناطق البحر الأحمر، ويعزز إرثنا الطبيعي للأجيال القادمة».

يكتسب هذا المشروع أهمية استراتيجية كونه نُفّذ في الموقع الذي يُعد الموطن الطبيعي لأكبر تجمع لهذه الأشجار (البحر الأحمر)

وتختلف أشجار المانغروف الحمراء عن نظيرتها الرمادية، بكونها أكثر تطلباً وحساسية؛ فهي لا تزدهر إلا في ظروف محددة للغاية من حيث ملوحة المياه، وحركة المد والجزر، واستقرار درجات الحرارة. ورغم هذه التعقيدات، سجل فريق البحر الأحمر الدولية معدل بقاء استثنائي للشتلات بلغ 97 في المائة، وهو رقم قياسي تحقق بفضل تطوير تقنيات مبتكرة محلياً داخل الشركة، شملت أساليب متقدمة لتثبيت الرواسب والتحكم الدقيق في حركة المياه.

من جانبه، أضاف راشد آل هتيلة، رئيس قسم الاستدامة البيئية في «البحر الأحمر الدولية»: «تمثل أشجار القندل كنزاً بيئياً نادراً على سواحلنا، وما حققناه في بحيرة الوجه هو برهان عملي على قدرتنا على تحويل التحديات البيئية إلى فرص للنمو والازدهار. هذه الخطوة ليست سوى بداية لمسيرة طموحة تهدف إلى حماية هذه النظم الطبيعية الفريدة وإعادة الزخم للحياة الفطرية في وجهاتنا».

تختلف أشجار المانغروف الحمراء عن نظيرتها الرمادية بكونها أكثر تطلباً وحساسية (البحر الأحمر)

يُذكر أن هذا الإنجاز يأتي جزءاً جوهرياً من التزام «البحر الأحمر الدولية» الراسخ تجاه حماية البيئة، وضمن برنامجها الأوسع الذي نجح حتى الآن، في زراعة أكثر من 3 ملايين شتلة من أشجار المانغروف الرمادية، من أصل هدف طموح لزراعة 6 ملايين شتلة، ليكون بذلك أحد أضخم برامج إعادة التأهيل البيئي في المنطقة.

وتستقبل وجهة البحر الأحمر زوارها حالياً في 9 منتجعات فاخرة، بالإضافة إلى منتجع «ثُوَل الخاص». كما تترقب الأوساط العالمية افتتاح وجهة «أمالا» قريباً، التي ستدشن مرحلتها الأولى في «تربل باي» بـ6 منتجعات راقية، إلى جانب مرافق نوعية تشمل «نادي اليخوت»، و«معهد الحياة البحرية»، و«قرية المارينا»، لتقدم تجربة سياحية متجددة وفريدة من نوعها.


آل الشيخ: مفاجآت ثقافية سعودية - مصرية مرتقبة

صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «إكس» للقائه مع الوزيرة جيهان زكي
صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «إكس» للقائه مع الوزيرة جيهان زكي
TT

آل الشيخ: مفاجآت ثقافية سعودية - مصرية مرتقبة

صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «إكس» للقائه مع الوزيرة جيهان زكي
صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «إكس» للقائه مع الوزيرة جيهان زكي

كشف المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة هيئة الترفيه السعودية، الاثنين، عن مفاجآت مرتقبة في إطار التعاون الثقافي بين المملكة ومصر، وذلك عقب اجتماعه مع وزيرة الثقافة المصرية جيهان زكي، على هامش زيارته الحالية للقاهرة، التي تمتد لأيام.
وجاء الاجتماع بالتزامن مع زيارة أخوية أجراها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى جدة، حيث استقبله الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، واستعرضا العلاقات الثنائية الوثيقة والتاريخية بين البلدَين، والسبل الكفيلة بتطويرها في مختلف المجالات.
وناقش الجانبان خلال الاجتماع سبل تعزيز التعاون الثقافي بين السعودية ومصر، وبحثا مشاريع في الموسيقى والأوبرا والسينما. كما أكدا عمق علاقات البلدين التاريخية، وأهمية توسيع آفاق الشراكة في المجالات الثقافية والفنية، بما يواكب التوجهات الاستراتيجية لقيادتيهما، ويعزز الحراك الإبداعي المشترك.

جانب من اللقاء بمقر وزارة الثقافة المصرية (حساب تركي آل الشيخ على «إكس»)

وقال المستشار تركي آل الشيخ في تصريحٍ له عقب الاجتماع، إنه اتفق مع الوزيرة جيهان زكي على «أن يكون شعارنا (نزرع الأمل والبهجة)»، مضيفاً: «لدينا مفاجآت كبيرة، ونتشارك ذات الرؤية والتوجه، وهناك مفاجآت تخص دار الأوبرا المصرية، حيث سيتم إعداد برنامج كبير لزيارة فناني الدار إلى المملكة بشكلٍ شهري».

وأعلن رئيس هيئة الترفيه السعودية عن مفاجأة كبيرة جداً يجري الإعداد لها في الساحل الشمالي، وأخرى تتعلق بالسينما والثقافة في جميع محافظات مصر، مؤكداً أن «الصيف سيكون مختلفاً في مصر هذا العام»، والمرحلة المقبلة ستشهد إعلان عدد من المبادرات التي تعكس مستوى التنسيق القائم بين الجانبين.

بدورها، أبدت الوزيرة جيهان زكي، سعادتها بالنقاشات والحوارات بين الجانبين، معربة عن تقديرها لروح التعاون المثمرة. وأكدت أهمية الشراكات السعودية - المصرية، مشيرةً إلى أن الثقافة تمثل ركيزة أساسية في ترسيخ علاقات البلدين الاستراتيجية.

الوزيرة جيهان زكي تستقبل المستشار تركي آل الشيخ (هيئة الترفيه السعودية)

ويأتي هذا اللقاء ضمن سلسلة اجتماعات يعقدها المستشار تركي آل الشيخ خلال زيارته الحالية إلى القاهرة، بهدف تعزيز الشراكات الثقافية والفنية، وفتح آفاق جديدة للتكامل بين المؤسسات المعنية في السعودية ومصر، بما يخدم تطلعات الشعبين.

كان المستشار تركي آل الشيخ التقى في وقت سابق، وزير الدولة المصري للإعلام ضياء رشوان، وبحثا تعزيز التعاون بين البلدين في مجالات الإعلام والثقافة والفنون.

وقال رشوان إن زيارة آل الشيخ، بمضمونها وتوقيتها، تحمل رسالة ذات دلالات واضحة على أن العلاقات بين البلدين، على مختلف المستويات، بما فيها الجوانب الثقافية والإعلامية، أقوى وأكثر استقراراً ورسوخاً من أي محاولات يائسة للنيل منها أو تشويه حقيقتها.

صورة نشرها المستشار تركي آل الشيخ على «فيسبوك» من لقائه مع الوزير ضياء رشوان

ونوَّه رئيس هيئة الترفيه السعودية بأنه سيجتمع مع عدد من المسؤولين عن شؤون الثقافة والإعلام والفنون، وكثير من الرموز المصرية في هذه المجالات، لبحث آفاق أوسع من التعاون، والارتقاء بالعمل المشترك إلى مستوى يتناسب مع ما يجمع البلدين وقيادتيهما من روابط تاريخية عميقة.

وأضاف آل الشيخ أن «هناك ثقافة عربية واحدة، بلغة عربية واحدة، أسهم فيها كل شعب عربي بطرق متنوعة، ولا شك أن التعاون المصري - السعودي اليوم يُمثّل أساساً في قيادة مشروع النهوض الثقافي العربي الشامل الذي نتطلع إليه».


واقعتا سقارة وقلعة سيناء تجددان مطالب بالتصدي لتشويه الآثار المصرية

منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
TT

واقعتا سقارة وقلعة سيناء تجددان مطالب بالتصدي لتشويه الآثار المصرية

منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)
منطقة سقارة الأثرية (وزارة السياحة والآثار)

جددت واقعتا الكتابة على حائط بمنطقة آثار سقارة (غرب القاهرة) من قبل أحد المرشدين السياحيين، والتعدي على قلعة الجندي والحفر خلسة وتدمير حمام بخار بالكامل اكتُشف داخلها منذ ما يزيد على 5 سنوات... المطالب بضرورة التصدي لأي عمليات من شأنها تشويه الآثار المصرية، وتعريضها للخطر. وضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بمطالب لمتخصصين ومتابعين متنوعين بالحد من هذه السلوكيات.

وقال الدكتور حسين عبد البصير، مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، إن «المدهش في واقعة الكتابة بالطباشير أنها تأتي من مرشد سياحي، المفترض أنه على درجة كبيرة من الوعي بقيمة الأثر»، وطالب عبد البصير بـ«التصدي بحزم لمثل هذه التصرفات حتى يتم وأد حالات اللامبالاة والإهمال التي يمكن أن تنشأ لدى البعض، قبل أن تستفحل وتتفاقم ونجد صعوبة في السيطرة عليها».

وقال عبد البصير لـ«الشرق الأوسط» إن «تصرف المرشد السياحي وتبريره ما قام به، وعدم شعوره بالضرر الذي وقع على هرم سقارة، مسيء ومشين للآثار المصرية، ويعاقب عليه القانون، فضلاً عن أثره الحضاري السلبي الذي يمكن أن يصل للعالم من جراء تصرف عنصر يُفترض أن يتصدى لأي سلوك يشوّه الآثار لا أن يقوم هو به، كما أنه يجادل، وينفي علاقة الحجر الذي شوّهه بالأثر، والادعاء بأنه من الأحجار المضافة لهرم أوناس بسقارة».

مرشد سياحي يُشوّه هرم سقارة (يوتيوب)

وعدّ أن «التهاون مع مثل هذه التصرفات يعطي مردوداً سلبياً على الآثار المصرية، والتعامل معها، فضلاً عن نظرة العالم لنا حين نطالب باستعادة آثارنا المنهوبة»، وفق عبد البصير الذي دعا لوقفة قوية من نقابة المرشدين السياحيين بعد توقيف صاحب الواقعة.

في المقابل، كان هناك رصد لأعمال تعدٍّ على قلعة الجندي في سيناء، التي تقع على طريق الحج، وقد كشف عن هذه التعديات الخبير الأثري الدكتور عبد الرحيم ريحان في صفحته على «فيسبوك»، وقال إن «أعمال حفر نُفّذت خلسة أدت إلى تدمير حمام بخار بالكامل، كان قد اكتُشف في موسم حفائر 2020 - 2021 بواسطة بعثة آثار منطقة جنوب سيناء للآثار الإسلامية والقبطية، على الطريق الحربي لصلاح الدين في سيناء المعروف بطريق صدر».

جانب من أعمال التدمير التي رُصدت في الحمام الأثري (صفحة د.عبد الرحيم ريحان على «فيسبوك»)

ونشر ريحان صورة تظهر أرضية الحمام وقت اكتشافه، وتُوضح أن الأرضية كانت سليمة، وبعدد 6 بلاطات أثرية بحالة كاملة كما هو مثبت فى تقرير الحفائر، الذي يُشير إلى أنه ثالث حمام أيوبي متبقٍّ فى سيناء، وصورة أخرى تظهر أرضية الحمام بعد حدوث تعدٍّ عليه من قبل المحيطين بالمنطقة، و«القيام بأعمال حفائر خلسة داخل القلعة بحثاً عن الآثار، وهو ما أدى إلى تدمير أرضية الحمام، مما يمثل كارثة كبرى. والحمام مكون من 3 حجرات وموقد حجري ضخم أسفل الحمام تحت البلاطات التي دُمِّرت، وبه أحواض علوية وحوض توزيع ومغطس».

ووفق الدكتور فاروق شرف، خبير ترميم الآثار المصرية، فإن «ما جرى من تشويه داخل هرم أوناس بسقارة، وتدمير حمام كامل بقلعة الجندي بسيناء، يرجعان لوجود حالة تراخٍ من الأثريين أنفسهم في حماية الآثار»، وطالب في حديث لـ«الشرق الأوسط» بـ«ضرورة تكثيف المراقبة من جانب وزارة السياحة والآثار، فلا يجوز أن تُترك كنوزنا وهي موجودة في مساحات شاسعة عرضة للانتهاك دون حماية»، وأضاف شرف: «أقترح أن ينظم المجلس الأعلى للآثار محاضرات دورية للعاملين في مجال الآثار، إضافة إلى طلبة المدارس، توضح لهم أهمية الآثار وقضية حمايتها والحفاظ عليها وطرق ترميمها»، مؤكداً أن الاهتمام بالوعي الأثري هو حائط الصد الأول للحماية، وأن «وجود الأثر في منطقة بعيدة مثل قلعة الجندي لا يُبرر انتهاكه، ولا التعدي عليه».