الفاتيكان والأزهر... لقاءات متكررة تُعزز التعايش وتقاوم «الكراهية»

فرنسيس والطيب يشاركان في «حوار الشرق والغرب» بالمنامة

بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر خلال لقاء سابق على هامش توقيع وثيقة «الأخوة الإنسانية» في أبوظبي (مشيخة الأزهر)
بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر خلال لقاء سابق على هامش توقيع وثيقة «الأخوة الإنسانية» في أبوظبي (مشيخة الأزهر)
TT

الفاتيكان والأزهر... لقاءات متكررة تُعزز التعايش وتقاوم «الكراهية»

بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر خلال لقاء سابق على هامش توقيع وثيقة «الأخوة الإنسانية» في أبوظبي (مشيخة الأزهر)
بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر خلال لقاء سابق على هامش توقيع وثيقة «الأخوة الإنسانية» في أبوظبي (مشيخة الأزهر)

ما بين القاهرة، وروما، والفاتيكان، وأبوظبي، ونور سلطان، وأخيراً المنامة، تتكرر اللقاءات بين بابا الفاتيكان فرنسيس، وشيخ الأزهر أحمد الطيب، لتعزز ثقافة الحوار والتعايش وتقاوم «الكراهية». ودائماً ما تناقش لقاءات البابا والشيخ قضايا «مجابهة الأفكار (المتطرفة)، والتعاون من أجل الأخوة الإنسانية والسلام العالمي». ويؤكد الطيب وفرنسيس على أن «العودة لتعاليم الأديان هي السبيل لنجاة العالم من التشدد والانقسام».
وقال مصدر في مشيخة الأزهر بالقاهرة إن «علاقة الأزهر والفاتيكان تظل نموذجاً (فعالاً وحقيقياً) لنشر التسامح والسلام ومكافحة (التطرف والكراهية) والحروب والصراعات». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «اللقاءات بين الدكتور الطيب والبابا فرنسيس تحمل كثيراً من الدلالات والمعاني بشأن إعلاء قيمة الإنسان واحترام حرية المعتقد»، موضحاً أن «المتابع لدور الأزهر والفاتيكان خلال السنوات الماضية، يلاحظ كثيراً من النقاط المشتركة والرؤى الموحدة، بخصوص نشر قيم السلام والمساواة والحوار».
ورسم الطيب علاقته بفرنسيس حينما قال خلال آخر ملتقى جمعه مع بابا الفاتيكان في العاصمة الكازاخية «نور سلطان» الشهر الجاري، إنه «رغم اختلافه مع البابا فرنسيس (ديناً وعرقاً وتاريخاً ووطناً) ورغم أن آراء (متشددة) هنا وهناك حاولت أن تعرقل وما زالت - بل حرمت أحياناً - مجرد التقاء شيخ الأزهر وبابا الكنيسة الكاثوليكية؛ فإنهما حين اجتمعا، شعر كل منهما بأنه يعرف صاحبه منذ سنين عدة، ثم التقت القلوب على المودة المتبادلة، وعلى الصداقة والإخلاص، وكان توفيق الله تعالى كبيراً في إتمام وثيقة (الأخوة الإنسانية)، تلكم التي جاءت كأول ميثاق إنساني بين المسيحيين والمسلمين في عصرنا الحديث؛ لتتأكد النظرية التي يؤمن بها الأزهر دائماً، ويدعو إليها في كل مكان».
بدأت لقاءات الطيب وفرنسيس في الفاتيكان مايو (أيار) 2016 ثم بالقاهرة أبريل (نيسان) 2017... ومن أبرز هذه اللقاءات في الفاتيكان أعوام 2017 و2018 و2021، وفي أبوظبي عام 2019، وفي كازاخستان 2022 بخلافات الاتصالات الهاتفية التي تجمعهما بشكل دائم.
واللقاء القادم لفرنسيس والطيب سيكون عبر محطة ملتقى البحرين للحوار الذي يحمل عنوان «حوار الشرق والغرب من أجل التعايش الإنساني» مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، الذي تنظمه البحرين بالشراكة مع مجلس حكماء المسلمين الذي يرأسه شيخ الأزهر، بحضور أكثر من 200 شخصية دينية حول العالم يمثلون كافة الأديان والمذاهب... وتلقى (مساء الثلاثاء) الطيب وفرنسيس دعوة من العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة لحضور الملتقى.
البابا فرنسيس أكد في وقت سابق أن «الأخوة الإنسانية تقودنا إلى الانفتاح على الجميع، وأن نتبين أننا كلنا إخوة، لنتشارك الحياة ونمد يد العون لبعضنا، ولنحب الآخرين ونتعرف عليهم». وأشار إلى أن «الأخوة هي الحل للقضاء على الحروب، وتدمير الشعوب، وحرمان الأطفال من الغذاء، وتراجع مستوى التعليم»، موضحاً أن «طريق الأخوة، طريق طويل وصعب؛ لكنه (قارب النجاة) للإنسانية جمعاء».
ويتفق معه الدكتور الطيب بقوله إن «طريق السلام والحوار طريق شاق وصعب؛ لكن السير فيه وبذل الجهود واجب على الجميع، والعالم لن يستقر باقتصاد السلاح، الذي يقوم على إشعال الفتن والحروب وإزهاق الأرواح، لكنه بحاجة ملحة إلى قيم الإخاء والتعايش السلمي واحترام الآخر».
ووقع الطيب وفرنسيس وثيقة «الأخوة الإنسانية» برعاية الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات، في أبوظبي 4 فبراير (شباط) 2019، واعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً بالإجماع في ديسمبر (كانون الأول) 2020 قدمته «المملكة العربية السعودية ومصر والإمارات والبحرين»، ليكون 4 فبراير «يوماً دولياً للأخوة الإنسانية».
ووفق وزارة الخارجية المصرية حينها، فإن «القرار جاء تقديراً لذكرى يوم توقيع وثيقة (الأخوة الإنسانية والسلام العالمي والعيش المشترك) في أبوظبي، وهي الوثيقة التي تمثل حدثاً تاريخياً يحمل رسالة سلام ومحبة وإخاء إلى العالم، وتحث الشعوب على التسامي بالقيم البشرية ونبذ التعصب...»، وتركز الوثيقة على عدد من النقاط المهمة، من أبرزها «‏التأكيد على أن الأديان لم تكن قط مثيرة للعنف وإراقة الدماء».
وبحسب الممثل السامي للأمم المتحدة لتحالف الحضارات، ميغيل أنخيل موراتينوس، فإن «وثيقة (الأخوة الإنسانية) بما تمثله من رمزية دينية، ممثلة في الدكتور الطيب والبابا فرنسيس، جاءت في وقت مهم وحرج، خاصة في ظل ما يعانيه العالم من حروب واقتتال وصراعات، وانتشار لأمراض التعصب و(الكراهية) وتغليب للمصلحة الفردية والنزعة المادية».
أما الأمين العام لمجلس الحكماء المسلمين، محمد عبد السلام، فقد قال إن «وثيقة (الأخوة الإنسانية) شكلت نداء الأمل الذي حمل شعار السلام العالمي والعيش المشترك، منذ أن أطلقها الدكتور الطيب والبابا فرنسيس، لتكون خطوة نوعية وبناءة في طريق مد الجسور بين أبناء الديانات كلها عبر العالم»، مضيفاً أن «الحوار بين الشرق والغرب يعزز السلام المجتمعي، ويحمي المجتمعات من أفكار التنظيمات (المتطرفة)».


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)
أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)
TT

أهرامات مروي تقاوم الخراب وتحرس ذاكرة السودان

أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)
أهرامات مروي الواقعة على الشاطئ الشرقي لنهر النيل (أ.ف.ب)

قبل أن يتولى مصطفى أحمد مصطفى السهر على أهرامات مروي في السودان، سبقته إلى هذه المهمة سلسلة طويلة من حراس هذا المعلم، لكنّه بات اليوم قائماً شبه وحيد على الموقع الأثري بعد مرور 3 سنوات على اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع». وقال الرجل البالغ 65 عاماً، وسط هياكل الحجر الرملي الداكن في مقبرة البجراوية بجزيرة مروي المدرجة على قائمة التراث العالمي لـ«اليونسكو»: «هذه الأهرامات لنا، إنها تاريخنا، إنها هويتنا».

مصطفى أحمد حارس الموقع الأثري أمام الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

يضم الموقع البالغ عمره 2400 عام 140 هرماً بُنيت خلال الفترة التي كانت فيها مدينة مروي عاصمة مملكة كوش القديمة. لكنّ هذه الأهرامات لم تعد سليمة بالكامل. فبعضها انهار رأسه، وبعضها الآخر تحوّل ركاماً، أولاً في القرن التاسع عشر جرّاء استخدام الأوروبيين الباحثين عن الكنوز متفجرات الديناميت، ثم بفعل الرياح والأمطار على مدى قرنين.

هذا الموقع الذي يبعد 3 ساعات بالسيارة عن العاصمة الخرطوم، كان سابقاً أكثر المعالم الأثرية في السودان استقطاباً للزوار. أمّا اليوم، بعد 3 سنوات من الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فلا يخرق صمت المكان سوى خوار جمل وحيد. عالم الآثار ومدير الموقع محمود سليمان، شرح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، نظام الخلافة الأمومي في مملكة كوش، وطرق التجارة، والعلاقة بمصر المجاورة. وقال: «ربما هي المرة الرابعة فحسب منذ اندلاع الحرب أصطحب زواراً في جولة».

مدير الموقع محمود سليمان داخل مقبرة أسفل هرم في أحد المواقع الأثرية بجزيرة مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

يتولى سليمان مع الحارس مصطفى وعالم الآثار الشاب محمد مبارك إدارة الموقع، ويجمعون ما أتيح من إمكانات للحفاظ على الأهرامات من التآكل بفعل الأمطار والرمال. وباستثناء إقبال للزوار لم يدم سوى فترة قصيرة في بداية الحرب، بقي الموقع إلى حد كبير مهجوراً.

جدّتي كنداكة

يختلف المشهد اليوم كليّاً عمّا كان عليه قبل الحرب، حين كانت «الرحلات تُنظَّم باستمرار في عطلات نهاية الأسبوع من الخرطوم، والحافلات تقل نحو 200 شخص يومياً»، على ما روى سليمان. وأوضح أن المواقع الأثرية في السودان شهدت انتعاشاً بعد انتفاضة 2018 - 2019، حين نظّم الشباب السودانيون احتجاجات ضد الرئيس السابق عمر البشير. وكان من هتافاتهم يومها «جدّي تهارقا (وهو فرعون كوشي)، وجدّتي كنداكة (وهو اسم للملكات القديمات استُخدم أيضاً لتكريم رموز الثورة من النساء». ولاحظ سليمان أن الشباب في تلك المرحلة «بدأوا يهتمون أكثر، وينظّمون رحلات إلى المواقع السياحية ويتعرّفون إلى بلدهم».

عالم الآثار محمد مبارك بجوار الأهرامات القائمة في صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وكان سكان قرية طرابيل المجاورة، واسمها هو التعبير المحلي المرادف لـ«الأهرامات»، يبيعون التذكارات ويؤجّرون الجِمال، و«كانوا يعتمدون كلياً على الموقع». من هؤلاء مثلاً خالد عبد الرازق (45 عاماً) الذي ما إن علم بوجود زوار في الموقع، حتى هرع إليه وعرض على صحافيي «وكالة الصحافة الفرنسية» مجسّمات أهرامات صغيرة من الحجر الرملي صنعها بنفسه، مسترجعاً ذكريات الأيام التي كان فيها «العشرات منا يبيعون».

في الأشهر التي سبقت الحرب، شهد الموقع زيارات من فرق تصوير وثائقيات، ومهرجاناً موسيقياً، و«أفكاراً كبيرة لِما بعد عيد الفطر مباشرة»، كما قال سليمان، لكنّ كل ذلك تبدّد مع اندلاع الحرب في الأيام الأخيرة من رمضان. وقال مبارك الذي يعمل في الموقع منذ عام 2018: «كنت أشعر بأنني أُعرِّف الناس على ثقافتهم». وأضاف: «الآن، بالطبع باتت الأولوية القصوى للجميع هي الطعام والماء والمأوى. لكن هذا مهم أيضاً. علينا أن نحميه للأجيال المقبلة، لا يمكننا أن نسمح بتدميره أو أن يذوي ويختفي».

حلم بعيد

بالقرب من مدخل الموقع، تصطف الأهرامات الشامخة، يتقدّم كُلّاً منها معبد جنائزي صغير، وسط مشهد طبيعي عام من تلال الحجر الرملي الأسود المتدرّجة. ومع أن المنظر بديع، قال سليمان إن عينيه لا تريان إلا ما يشكّل خطراً على الموقع، ويسأل نفسه دائماً هل هذا الشرخ في ذلك الهرم جديد؟ هل تحرّك ذلك الكثيب الرملي؟ هل ينبغي إعادة تركيب أنابيب السقالات عند مدخل حجرة دفن ما قبل موسم الأمطار؟ وعلّق مبارك: «أعتقد أننا ما كنّا لنواجه كل هذه المشاكل لو تُركت الأهرامات على حالتها الأصلية». فالهياكل أصغر وأكثر انحداراً من نظيراتها في مصر، وقد بُنيت «لتقاوم الرمال وتصدّ مياه الأمطار، لكن كل صدع يسبِّب مشكلات».

أحد أهرامات صحراء مروي - 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتَعرّضَ أكبر الأهرامات في المجموعة، وهو هرم الملكة أماني شاخيتو التي حكمت في القرن الأول الميلادي تقريباً، لأكثر من مجرد تشققات، وهو الآن في الواقع أشبه بصندوق رمل، حلّت فيه الرمال الناعمة مكان مقبرتها. ففي عام 1834، دمّر المغامر الإيطالي جوزيبي فرليني الباحث عن الكنوز عشرات الأهرامات، ومن بينها هرم أماني شاخيتو، وسوّاه بالأرض، ثم نقل مجوهراتها إلى أوروبا، وتُعرض الآن في المتاحف المتخصصة بالحضارة المصرية في برلين وميونيخ.

ولا تزال الجهة الخارجية لجدار معبدها قائمة، حيث يظهر نقش مجسّم للملكة بحجم يفوق الطبيعي، واقفة بفخر، ممسكة بحربة في يد، وتضرب أسرى من الأعداء. وأطلَعَ سليمان «وكالة الصحافة الفرنسية»، على مزيد من النقوش النافرة، ومنها الأسد أبيدماك، وزخارف مشتركة مع مصر، من بينها آمون وأنوبيس، وزهور اللوتس والهيروغليفية. ويتوق مدير الموقع إلى اليوم الذي يعود فيه السياح وعلماء الآثار. وقال: «هذا مجرد حلم بعيد، لكنني أود حقاً أن نتمكّن يوماً ما من إجراء ترميم حقيقي لهذه الأهرامات». وأضاف: «هذا المكان يختزن الكثير من الإمكانات».


ليبيون يترقبون بتوجس ارتدادات العنف في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
TT

ليبيون يترقبون بتوجس ارتدادات العنف في مالي

آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)
آليات عسكرية في دورية على الحدود الجنوبية الغربية الليبية (إعلام القيادة العامة)

يترقب ليبيون بتوجس واهتمام متزايد تطورات تصاعد أعمال العنف في مالي، لا سيما عقب سيطرة جماعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة» على مناطق استراتيجية، ورصد «الجيش الوطني الليبي» وجود قيادي مسلح يقود عمليات داخل الأراضي المالية، سبق أن وُجد في الجنوب الليبي قبل فراره من ليبيا منذ سنوات.

القيادي المسلح في أحد التنظيمات المتطرفة إيلا أق عبد الرحمن متحدثاً في تسجيل مصور منسوب له في مالي (الشرق الأوسط)

ويأتي هذا الترقب وسط تحذيرات من تنامي التهديدات الأمنية المقبلة من منطقة الساحل والصحراء، مع تصاعد نفوذ تحالفات تضم حركات طوارق انفصالية وتنظيمات متشددة، من بينها «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، التي تبنت أخيراً هجمات واسعة استهدفت مواقع عسكرية وحكومية.

وقال مصدر عسكري بارز، تابع لـ«الجيش الوطني الليبي» لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع في مالي يثير القلق باعتبارها جزءاً من نطاق الساحل والصحراء المرتبط أمنياً بالجنوب الليبي، ما يجعل أي تصعيد هناك مصدر تهديد محتمل، خصوصاً مع إمكانية تسلل عناصر متطرفة عبر الحدود الليبية الجنوبية».

وأضاف المصدر، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن «المؤشرات الميدانية تعزز هذه المخاوف، في ظل رصد وجود عنصر شارك في المعارك داخل مالي سبق أن وجد في الجنوب الليبي خلال السنوات الماضية». مشيراً إلى أن «أحد قادة الهجوم على مدينة كيدال في مالي، ويدعى إيلا أق عبد الرحمن، كان موجوداً سابقاً في مدينة أوباري بالجنوب الليبي».

وتلقت «الشرق الأوسط» تسجيلاً مصوراً منسوباً إلى القيادي المشار إليه، يظهر فيه معلناً تحقيق «انتصار» على من وصفهم بـ«الطواغيت» في منطقة كيدال شمال مالي.

خالد حفتر في لقاء مع قيادة عسكرية في الجنوب الليبي بمدينة سبها يوم الخميس الماضي (إعلام القيادة العام)

وكان «الجيش الوطني الليبي» قد نفذ قبل نحو خمسة أعوام عمليات أمنية، استهدفت عناصر تابعة لتنظيمي «القاعدة» و«داعش» في الجنوب الليبي، ضمن نطاق شمل سبها وغدوة وأوباري، وأم الأرانب ومرزق، وأسفرت عن توقيف عدد من العناصر والقيادات البارزة، عقب تصاعد نشاط تلك المجموعات في محيط حوض مرزق منذ عام 2014.

ولا تتباين كثيراً تقديرات عسكريين ومحللين حول مدى استفادة المجموعات المتشددة وشبكات التهريب من هشاشة الوضع الأمني واتساع الحدود في الجنوب الليبي، في ظل الانقسام العسكري والسياسي المستمر منذ عام 2011.

ورأى المصدر العسكري ذاته أن التطورات الأخيرة في مالي «تعزز المخاوف من التهديدات العابرة للحدود»، مشيراً إلى «وجود تمويل بطرق غير مشروعة يخرج من ليبيا إلى مجموعات انفصالية وإرهابية في المنطقة»، ولافتاً إلى أن تلك الجماعات تطلق على هذه الموارد تسمية «بيت المال ليبيا».

كما أكد المصدر وجود «تعليمات مشددة لحرس الحدود للتصدي لأي تهديد محتمل»، مشيراً إلى أن القيادة العامة للجيش تدرك طبيعة تحركات الجماعات الإرهابية، التي تدعي امتلاك امتدادات داخل الأراضي الليبية.

من جهته، لم يستبعد وزير الدفاع الليبي السابق، محمد البرغثي، تمركز عناصر إرهابية وشبكات تهريب، بينها مجموعات مرتبطة بتنظيم «القاعدة»، فيما يعرف بـ«مثلث السلفادور» على الحدود الجنوبية الغربية مع الجزائر والنيجر وتشاد، موضحاً أن مالي ليست بعيدة عن هذا النطاق الجغرافي.

وزير الخارجية في حكومة شرق ليبيا عبد الهادي الحويج (صفحة الوزارة)

وفي بلد يعاني انقساماً سياسياً بين حكومتين في الشرق والغرب، لم يقتصر الاهتمام بالتطورات في مالي على الجانب العسكري، بل امتد إلى التحركات الدبلوماسية، وهو ما عكسه الاتصال الهاتفي الذي أجراه وزير الخارجية في شرق ليبيا، عبد الهادي الحويج، مع نظيره المالي عقب الهجوم، الذي استهدف مدينة كاتي، أحد أبرز معاقل المجلس العسكري. وأكد الحويج وقوف بلاده إلى جانب الشعب المالي، ودعم الجهود الإقليمية والدولية، الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الساحل.

في المقابل، ربطت قراءات سياسية بين التطورات الجارية في مالي وتداعيات انهيار الدولة الليبية عقب أحداث 2011. وفي هذا السياق قال السياسي الليبي موسى إبراهيم إن ما تشهده مالي يعد من «تداعيات سقوط الدولة الليبية»، معتبراً أن تفكك ليبيا أدى إلى تدفق السلاح والمقاتلين نحو منطقة الساحل.

أما الإعلامي خليل الحاسي فقد استعاد مشاهد من الفترة بين عامي 2012 و2015، قائلاً إن «مساجد بنغازي ودرنة كانت تدعو إلى نصرة المقاتلين في مالي، وقت سيطرة المجموعات الإرهابية على الشرق الليبي»، مضيفاً أن الجنوب الليبي يشهد حالياً «سيناريو مشابهاً عبر تحالفات غير معلنة بين مجموعات محلية وتنظيمات متطرفة».

دخان يتصاعد من إحدى البنايات وسط باماكو بعد أحداث العنف التي شهدتها المدينة (أ.ف.ب)

وفي المجمل، تتفق التقديرات الليبية على خطورة انعكاسات الوضع في مالي على منظومة الأمن القومي الليبي. وقال المحلل السياسي فيصل أبوالرايقة إن ما يجري في مالي والنيجر «لم يعد بعيداً عن ليبيا»، معتبراً أن منطقة الساحل تتحول تدريجياً إلى مصدر تهديد مباشر للأمن القومي الليبي، خصوصاً في الجنوب، عبر شبكات التهريب، وتدفقات السلاح والهجرة غير النظامية، وتحركات المقاتلين.

وأوضح أبوالرايقة أن التأثير يتجلى في ثلاثة مسارات رئيسية، هي تصاعد نشاط الجماعات المسلحة وشبكات التهريب، وتمدد النفوذ الروسي في مالي والنيجر، إلى جانب عودة الاهتمام الأميركي والغربي بمنطقة الساحل عبر البوابة الليبية، مؤكداً أن «قراءة الجنوب الليبي بمعزل عن تطورات الساحل تعني تجاهل نصف المشهد».


الهجرة ومكافحة الجريمة والإرهاب محور مباحثات مغربية - ألمانية

الوزير ناصر بوريطة سيبحث مع الوفد الألماني قضايا تتعلق بالهجرة والتعاون الاقتصادي والثنائي ومحاربة الجريمة (أ.ف.ب)
الوزير ناصر بوريطة سيبحث مع الوفد الألماني قضايا تتعلق بالهجرة والتعاون الاقتصادي والثنائي ومحاربة الجريمة (أ.ف.ب)
TT

الهجرة ومكافحة الجريمة والإرهاب محور مباحثات مغربية - ألمانية

الوزير ناصر بوريطة سيبحث مع الوفد الألماني قضايا تتعلق بالهجرة والتعاون الاقتصادي والثنائي ومحاربة الجريمة (أ.ف.ب)
الوزير ناصر بوريطة سيبحث مع الوفد الألماني قضايا تتعلق بالهجرة والتعاون الاقتصادي والثنائي ومحاربة الجريمة (أ.ف.ب)

أعرب وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول عن رغبته في تكثيف التعاون مع المغرب في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة. وقبيل زيارة تستغرق يومين إلى العاصمة المغربية الرباط، قال فاديفول، اليوم (الأربعاء)، في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الألمانية، إن المغرب يعد بالفعل ثاني أكبر شريك تجاري لألمانيا في القارة الأفريقية، مضيفاً: «لا تزال هناك إمكانات نمو كبيرة، لا سيما في علاقاتنا الاقتصادية، وتحديداً في مجالات الطاقة المتجددة، والمواد الخام المهمة، أو في ملف الهيدروجين».

كما أشار فاديفول، الذي يرافقه وفد اقتصادي وأعضاء من البرلمان الألماني، إلى أن الكوادر الفنية المغربية «تمثل ركيزة قيمة» في قطاعي الصحة والرعاية الطبية في ألمانيا.

وبمناسبة حلول الذكرى السنوية السبعين لإقامة علاقات ثنائية بين البلدين هذا العام، قال الوزير المنتمي إلى حزب المستشار فريدريش ميرتس، المسيحي الديمقراطي، إن المغرب «يعد شريكاً محورياً بالنسبة لألمانيا، باعتباره جسراً مهماً بين القارتين الأوروبية والأفريقية»، مشيراً إلى أن البلدين يجمعهما العمل من أجل إيجاد نظام دولي، قائم على القواعد، تكون الأمم المتحدة في القلب منه.

وكان فاديفول قد عاد لتوه صباحاً من زيارة لمقر الأمم المتحدة في نيويورك. وبحسب فاديفول، يتضمن الحوار الاستراتيجي مع نظيره ناصر بوريطة مجموعة واسعة من القضايا الدولية. وصرح فاديفول بأن المغرب أبدى استعداده للمشاركة في تنفيذ خطة النقاط العشرين الخاصة بقطاع غزة، والإسهام في قوة أمنية دولية.

كما قال فاديفول إن بلاده تتقاسم مع المغرب هدف تحقيق الاستقرار في منطقة الساحل للحد من أسباب الأزمات واللجوء هناك. وكانت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي قد وافقت في نهاية فبراير (شباط) الماضي على تعديل قانوني، يسهل على ألمانيا ودول أخرى في التكتل ترحيل طالبي اللجوء إلى دول ثالثة تصنف بأنها دول آمنة، وذلك اعتباراً من شهر يونيو (حزيران) المقبل، حتى وإن لم تكن للمهاجرين صلة سابقة بها.

وصنف الاتحاد الأوروبي دول المغرب وتونس ومصر من شمال أفريقيا، بالإضافة إلى كوسوفو وكولومبيا والهند وبنغلاديش، بأنها أوطان آمنة.

يذكر أن الحوار الاستراتيجي بين ألمانيا والمغرب يعقد كل سنتين على مستوى وزيري الخارجية؛ حيث يتم تناول القضايا الثنائية والدولية. وكانت آخر نسخة من هذا الحوار أقيمت في برلين في يونيو 2024، حين حل وزير الخارجية المغربي ضيفاً على العاصمة الألمانية.

وتشمل المواضيع المهمة الأخرى على جدول أعمال الحوار الاستراتيجي بين البلدين، وفق «الخارجية» الألمانية، التعاون في مجالات هجرة اليد العاملة المؤهلة، ومكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، والإرهاب.