كاي شو وتوفيق صايغ... المرأة المعشوقة ملهمةً و«ملتهِمةً»!

هل كانت علاقتهما المأزومة تجسيداً رمزياً لعلاقة الشرق بالغرب؟

توفيق صايغ
توفيق صايغ
TT

كاي شو وتوفيق صايغ... المرأة المعشوقة ملهمةً و«ملتهِمةً»!

توفيق صايغ
توفيق صايغ

حين شرعتُ قبل ستة عشر شهراً على وجه التقريب، في الكتابة عن الحياة الزوجية للكُتّاب والفنانين، لم أكن بعيداً كل البعد عن الفكرة القائلة: «إن المبدعين بغالبيتهم أزواج فاشلون وعشاق ناجحون». والسبب في ذلك لا يعود إلى المصادفات البحتة بالطبع؛ بل إلى تبرم المشتغلين بالإبداع من كل ما يتصل بالمؤسسات والواجبات والقيود الاجتماعية الصارمة، ومن بينها «مؤسسة الزواج»، وتعلقهم في المقابل بكل ما يتصل بالشغف، والتمرد على الأعراف، والعلاقة العاطفية الحرة مع الآخر المعشوق.
واللافت في الأمر أن السِّير الشخصية للأزواج المتناوَلين بالدراسة والاهتمام لم تنفِ هذه الفرضية؛ بل أعادت تظهيرها وتأكيد قربها من الحقيقة مرة أخرى.
وعلى الرغم من أن بعض الثنائيات المختارة قد اتسمت علاقاتها بالتناغم العاطفي والروحي، والتضحية المتبادلة والوفاء التام، فإن بعضها الآخر لم يكن له أن يصل إلى بر الأمان، إلا عبر أثمان باهظة الكلفة، قائمة على نوع من المقايضة الصعبة بين «خيانة الجسد» و«وفاء الروح»، كما في علاقة سارتر بسيمون دو بوفوار، وأراغون بإلسا تريوليه، وفريدا كاهلو بدييغو ريفيرا، وآخرين غيرهم.
وإذا كان الحب -وفق رؤية كثيرين- أقرب إلى روح الإبداع وعصبه ومعناه، فلأن كليهما من طبيعة واحدة هي الكثافة، ولأن كليهما نار وقودها الغياب، ولأن كليهما تحييه المعصية ويميته الامتثال، ولأن كليهما يتغذى من مصدر واحد هو الهيام والافتتان والشغف من جهة، والمسافة والفقدان وعدم التحقق، من جهة أخرى.
ولما كانت السلسلة المتعلقة بزواج المبدعين قد استنزفت معظم الثنائيات المهمة التي تندرج في هذه الخانة، فقد رأيت أن من المناسب الانتقال إلى الخانة الأخرى، متتبعاً هذه المرة مكابدات الثنائيات العاشقة التي آثرت الإقامة في كنف التوتر واللهفة، والحضور الموارب وغير المتحقق للآخر المعشوق. وإذا كنت أستهل السلسلة الجديدة من الثنائيات المختلفة التي لم تتكلل علاقاتها العاطفية بالزواج، فإن هذا الأمر هو من باب الصدف المجردة، وليست له دلالات تفضيلية تميزه عن سواه. وستتبعه لاحقاً ثنائيات مماثلة ومتفاوتة التجارب والمصائر.
والواقع أن أي مقاربة معمقة للعلاقة الغريبة والصعبة التي جمعت بين توفيق صايغ ومعشوقته البريطانية كاي شو، التي ظل يرمز إليها بالحرف «ك»، لا بد من أن يسبقها إلقاء ضوء سريع على الظروف المعقدة التي جعلت من صايغ كائناً مثلوم الهوية، وهو المولود في إحدى قرى حوران لأب مسيحي بروتستانتي هو عبد الله صايغ، وأم لبنانية هي عفيفة البتروني، اللذين اضطرا بفعل العواصف السياسية العاتية التي شهدتها المنطقة في منتصف عشرينات القرن الماضي للنزوح باتجاه قرية البصة الفلسطينية، والإقامة فيها لزمن طويل، قبل الانتقال إلى طبريا، حيث تلقّى توفيق دروسه الابتدائية، ليلتحق بعدها بالكلية العربية في القدس، التي لم تترك في نفسه -على الرغم من تفوقه الدراسي- سوى شعور بالتبرم والضيق، ناجم عن القيود الصارمة لأنظمة تلك المؤسسة التربوية العريقة؛ لكن ما افتقده صايغ في ظل المناخ المتزمت للكلية العربية المقدسية، ما لبث أن استعاده في جامعة بيروت الأميركية، حيث الرحابة والحرية والانفتاح التام على ثقافة العصر وتحولاته السريعة.
وإذا كان قد عاد إلى القدس للعمل مترجماً ومدرساً بعد تخرجه في الجامعة، فقد شاءت الظروف أن يغادر فلسطين باتجاه لبنان قبل فترة وجيزة من نكبة عام 1948، ليعمل في مكتبة المركز الثقافي الأميركي في بيروت، قبل أن يحصل من مؤسسة «روكفلر» على منحة لاستكمال الدراسة في جامعة «هارفارد»، ويغادر إلى الولايات المتحدة عام 1951؛ لكن الحدث الأكثر تأثيراً على صاحب «أضواء جديدة على جبران» في تلك الفترة، تمثل في غياب أمه المفاجئ، الأمر الذي ترك في داخله صدوعاً نفسية وعاطفية لم تجد سبيلها إلى الالتئام، على الرغم من كثرة الفتيات اللواتي أحطن به في محطات حياته البيروتية والأميركية والبريطانية. فقد كشفت الرسائل الكثيرة التي عُثر عليها بين أوراق صايغ، موهبته الفائقة في اجتذاب عديد النساء اللواتي أسرَهن حضوره اللامع ودماثة خلقه وثقافته الواسعة.
وفي كتابه اللافت «توفيق صايغ... سيرة شاعر ومنفى»، يفرد الباحث محمود شريح فصلاً كاملاً من الكتاب تحت عنوان «توفيق وعشيقاته»، مكتفياً -لأسباب اجتماعية معروفة- بذكر الأسماء الأولى لهاتيك العشيقات.
كما ينشر شريح في مؤلفه الجامع عن سيرة الشاعر، كثيراً من الرسائل الموجهة إليه من قبل معجباته الكُثر، حيث تكتب له سامية، زميلته في الجامعة الأميركية: «حبنا سيبقى حباً لم ولن يعرفه البشر، حباً سماوياً بعيداً عن شرور المادة وآثامها».
كما تكشف بعض الرسائل عما كان توفيق يعانيه من قلق وجودي وأزمات نفسية مبكرة، فتحثه فتاة أخرى، اسمها ثريا، على الخروج من «محيط المكتبة الموبوء، إلى الحقول والحرية والنور»، لتضيف قائلة: «أتدري يا توفيق ما الذي يجعلني أتمسك بالحياة أكثر؟ إنه وجودك فيها»، بينما تكشف أوراق توفيق رسائل من نوع آخر، بعثت بها من برمنغهام امرأة متزوجة اسمها جورجيت، كانت تربطها بالشاعر علاقة ما في فترة الدراسة الجامعية، حيث تكتب له جورجيت عام 1951: «أشتاق إليك، وأمد يدي لملامسة وجهك وشعرك وجبينك وحاجبيك (السوداوين)، ونار الشهوة تحرقني».
وثمة في أواخر الخمسينات ما يشير إلى علاقة أخرى بالفتاة الألمانية هيلغارد التي تخاطبه بالقول: «كركدني العزيز»، في إشارة منها إلى قصيدته الشهيرة «بضعة أسئلة لأطرحها على الكركدن» التي يتماهى خلالها مع الحيوان التراجيدي، الذي لا يتمكن صيادوه من الفتك به إلا لحظة التقائه بفتاة عذراء، حيث يفقد آنذاك قدرته على المقاومة ويستسلم لفتاته كما إلى منيّته في آن واحد.
وفي إحدى رسائلها له، تشير معجبته الألمانية إلى غرقه في التشاؤم ويأسه من الحياة، فتخاطبه بالقول: «رسالتك الأخيرة وكأنها وصلتني من شوبنهاور أو بوذا. عزيزي توفيق، ما بك؟ أنت لست متشائماً فحسب، بل تبدو وكأنك راغب في الموت».
على أن كل تلك العلاقات التي كشفت عنها رسائل المعجبات بتوفيق، لم تكن سوى مغامرات عابرة بالقياس إلى علاقته بكاي شو، الفتاة العشرينية التي قدمها لصايغ صديقه الإيراني حسن كمشد، إبان استئنافه دراساته العليا في جامعة «كمبردج»؛ ذلك أن شيئاً ما غامضاً و«شيطانياً»، بدأ يعصف بالشاعر الشاب منذ وقعت عيناه على الفنانة الإنجليزية اليتيمة الأبوين، ذات الأطوار الغريبة والمزاج الناري. ومع أن صايغ كان يصفها بـ«الجميلة» أثناء حديثه عنها، فإنها وفق رواية الكاتبة اللبنانية ليلى بعلبكي التي التقتها عن طريق الصدفة: «عادية الجمال وممتلئة ومتوسطة الطول»، إلا أن الجمال -كما نعلم- مسألة نسبية، وحمالة أوجه، ومتصلة بالرائي لا بالمرئي وحده. والأدل على ذلك هو أن الذين تعقبوا السِّير العاطفية للمبدعين، اكتشفوا أن معظم حبيباتهم الملهِمات، لم يكنّ على درجة عالية من الجمال. وسواء كانت كاي شو فتاة ساحرة أو متواضعة الجمال، فإن ذلك الأمر لا يغير شيئاً من واقع حال الشاعر الذي وقع تحت سطوتها بالكامل، وصولاً إلى تفكيره الجدي بالانتحار، بوصفه واحداً من الحلول المحتملة لانسحاقه المأساوي أمام حضورها الطاغي.
والحقيقة أن علاقة صايغ بكاي قد حملت في داخلها كل أسباب فشلها واحتدامها وانهيارها السريع، إذ لم يقدَّر للشاب المثالي الباحث في المرأة المعشوقة عن ملاذ جسدي وروحي آمن، أن ينعم منذ اللحظة الأولى بأسباب الطمأنينة والدفء والتوازن العاطفي. والفتاة اليانعة التي ظنها في بداية الأمر ضالته المثلى وفردوسه الخلاصي، سرعان ما أظهرت له صورتها الأخرى التي تمثّل وجهها الأول بالغيرة الشديدة ونزعة الامتلاك، بينما تمثل الثاني بمللها السريع من العلاقة، وتنكيلها بعاشقها المشرقي إلى حد إنهاكه النفسي والجسدي، وصولاً إلى تدميره. وهو ما دفع بعض الدارسين إلى القول إن كاي شو بدت في حضورها المدمر مزيجاً من شخصية «ك» في رواية «المحاكمة» لكافكا، ومن المآل المأساوي للحضارة في قصيدة إليوت «الأرض الخراب».
وإذ ينقل توفيق في مفكرته الشخصية، قول كاي له: «أنت ضعيف جداً إلى حد أني أجد لذة في رؤيتك تتعذب»، يقول في المفكرة نفسها: «كاي تخيفني، ويوماً ما قد تغتالني. إنها مصاصة دماء، مثلها مثل اللبؤة التي شاهدتها في حلمي في (هارفارد)، فحولتُ الحلم إلى قصيدة. إنَّ حبنا غير طبيعي».
وإذا صح ما ذهبت إليه الباحثة ندى الشريف من أن لتوفيق طفلة من كاي، سمَّتها باسمها ووضعتها في دار للأيتام، رغم محاولته اليائسة للاحتفاظ بها، فإن للمرء أن يتصور مدى المرارة والأذى اللذين ألحقهما بالشاعر شغفه المرضي بفتاته المعشوقة التي ملكت عليه قلبه وعقله، والتي كانت ترقص بشكل جلي على حبال الجناس الناقص بين المرأة «الملهِمة»، والمرأة «الملتهِمة».
وليس بالأمر الغريب تبعاً لذلك أن يتحول هذا الافتتان المعذَّب بكاي، وهذه الرغبة المستحيلة في امتلاكها، إلى نوع من الصاعق اللغوي والنفسي الذي دفع بالشاعر إلى تحرير كتابته من لواحق التقليد والمحاكاة، وإلى العثور في قصيدة النثر على ما يعكس تصدعات روحه وتشظيات قلبه، ونزوعه البالغ للذهاب إلى التخوم الأخيرة للعراك الإنساني مع الألم.
وقد عوض صايغ غياب الأوزان والقوافي، عبر شدِّه المتواصل لعصب اللغة، وشحنها بأسباب التوتر، وإكثاره من صيغ الابتهال والتضرع والمناداة، مستفيداً -وهو المطّلع بعمق على التراث المشرقي- من أسفار العهد القديم ولغة «نشيد الأنشاد»:
أطاردك من غير كلال، لا يصدّني الإخفاق
والتعثر يصبّ في قدميّ دماً جديداً
أكاد أجهل ذاتي، وأكاد أجهلك أنتِ
تتزيّين كل يوم بزيٍّ
وأسدد سهمي إليك، لكنْ قبل أن أطلقهُ
تنسابين مزمجرة بين الأدغال
وإذا كان صايغ قد أفرد لكاي جزءاً غير قليل من مذكراته، فلأن الشعر رغم توهجه لم يكن قادراً وحده على استيعاب تفاصيل احتداماته الداخلية، ومكابداته النفسية المروعة. ومع ذلك فقد حمل النثر عنده معظم خصائص الشعر وتشظياته وتساؤلاته الحارقة، فاكتظت مذكراته بعبارات التوتر والسخط على النفس، من نوع: «ليتني لم أعرفكِ لأفتش من جديد – هي معي في الفراش طيلة الليل؛ لكنني أقرأ في وجهها أنها ليست معي – أردتها نهراً سلسبيلاً فكانت شلالاً مخيفاً – ربّ ارحم ذاك الذي عاش برهة مع حبيبة أفعى - إنها تجعل من اصطياد الرجال أكثر من هواية لها، إنها تجعله شغلها الشاغل ومبرر حياتها».
والواقع أن توفيق صايغ قد جسَّد في شخصه وحياته وتجربته العاطفية والشعرية، كل ما يرمز إلى تراجيديا الإنسان، في صراعه الضاري مع تنين الألم والغربة والفقدان والمنفى. فهو قد خسر مسقط رأسه السوري، بفعل الإشكاليات التي حكمت انتماءه الديني البروتستانتي، ثم خسر وطنه الفلسطيني في فترة لاحقة، ثم سقط بضربة حبه القاصمة لكاي، التي لم يكن اصطدامه بها وليد اختلاف في الطباع والأمزجة فحسب، بل وليد ذلك الشرخ الحضاري العميق الذي تحدث عنه سهيل إدريس في «الحي اللاتيني»، وتوفيق الحكيم في «عصفور من الشرق»، والطيب صالح في «موسم الهجرة إلى الشمال»، حيث ادعاءات الفحولة والرغبة في تأنيث الآخر، هي سلاح ذو حدين لا يمكن الركون إلى نتائجه.
ولم يكن ينقص توفيق صايغ سوى اتهامه بالعمالة للغرب، بعد أن تبين أن مجلة «حوار» التي أصدرها في مطالع الستينات، ممولة بغطاء ثقافي من إحدى الهيئات المخابراتية الأميركية. وإذا كانت المصادفات الغريبة هي التي شاءت لصاحب «المعلَّقة» الشعرية الحديثة أن يقفل مجلته الرائدة قبل أيام معدودة من الهزيمة الثانية التي هي أشد وطأة، والتي عرفها العرب بعد نكبة فلسطين، فإن الهزات المأساوية الارتدادية لزلازل حياته العاطفية والفكرية والقومية، قد بلغت ذروتها الأخيرة مع توقف قلبه المفاجئ عن الخفقان، في مصعد المبنى الذي كان يقطنه في كاليفورنيا. أما مواراته الثرى في «مقبرة الغروب» المطلة على المحيط الهادئ، فقد بدت تتويجاً آهلاً بالمفارقات لحياته القصيرة التي غربت شمسها باكراً، والتي لم تعرف الهدوء للحظة واحدة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

نظام نباتي لعلاج «المباني المريضة»

الحدائق العمودية تعتمد على زراعة النباتات بشكل رأسي (جامعة ساري)
الحدائق العمودية تعتمد على زراعة النباتات بشكل رأسي (جامعة ساري)
TT

نظام نباتي لعلاج «المباني المريضة»

الحدائق العمودية تعتمد على زراعة النباتات بشكل رأسي (جامعة ساري)
الحدائق العمودية تعتمد على زراعة النباتات بشكل رأسي (جامعة ساري)

أظهرت دراسة إسبانية فعالية الحدائق العمودية النشطة، أو ما يُعرف بالجدران الخضراء، في تحسين جودة الهواء داخل المباني والأماكن المغلقة.

وأوضح باحثون في جامعة إشبيلية أن الحدائق العمودية تمثل بديلاً طبيعياً لأنظمة تنقية الهواء الصناعية، مع استهلاك أقل للطاقة وتأثير بيئي إيجابي. ونُشرت النتائج، الاثنين، في دورية «Atmospheric Environment».

والحدائق العمودية هي تقنية زراعية مبتكرة تعتمد على زراعة النباتات بشكل رأسي على واجهات المباني أو الجدران الداخلية والخارجية، بدلاً من الزراعة التقليدية في التربة. وتُثبَّت هذه النباتات ضمن أنظمة دعم خاصة تشمل طبقات لعزل الرطوبة، وأوساط نمو بديلة للتربة، إضافة إلى أنظمة ري وتغذية آلية مدمجة.

وتهدف هذه الحدائق إلى استغلال المساحات المحدودة في المدن لتعزيز الغطاء النباتي، ما يُسهم في تنقية الهواء من الملوثات، وخفض درجات حرارة المباني، وتقليل الضوضاء، فضلاً عن إضافة لمسة جمالية ونفسية مريحة للبيئة العمرانية.

وأجرى الباحثون تجاربهم داخل غرفة زجاجية مغلقة، بهدف قياس قدرة أنواع مختلفة من النباتات على تقليل تركيز الملوثات في الهواء، في ظل تزايد القلق العالمي بشأن تلوث الهواء الداخلي وتأثيره في الصحة العامة.

وأشار الفريق إلى أن تلوث الهواء داخل المباني يُمثل مشكلة صحية خطيرة في عدد من الدول، إذ يرتبط بمتلازمة «المباني المريضة»، التي تؤثر سلباً في راحة الأفراد وإنتاجيتهم، وكذلك في قدرة الطلاب على التعلم.

وبيّنت الدراسة أن مصادر التلوث الداخلي تشمل مذيبات الطلاء، والعطور ومستحضرات التجميل، ومواد البناء، والأثاث، ودخان التبغ، إلى جانب الأنشطة اليومية مثل الطهي والتدفئة والتنظيف، فضلاً عن تسرب الملوثات من الخارج، مثل الغبار الحضري.

واعتمد الباحثون على اختبار 5 أنواع نباتية داخل نظام «الجدار الأخضر النشط»، وهي «سباثيفيلوم»، و«ترادسكانتيا زبرينا»، و«فيلودندرون سكاندينس»، و«فيكس بوميلا»، و«كلوروفيتوم كوموسوم».

وخلال التجارب، جرى إدخال ملوثات غازية مثل ثاني أكسيد النيتروجين وثاني أكسيد الكبريت، بالإضافة إلى مركبات عضوية متطايرة مثل الفورمالديهايد والأسيتون والهكسان والهيبتان، ثم جرت متابعة التغير في تركيزها داخل الغرفة.

وسجلت النتائج انخفاضاً كبيراً في مستويات الملوثات، خصوصاً الفورمالديهايد وثاني أكسيد الكبريت؛ حيث تراوحت نسبة الإزالة الإجمالية بين 96 و98 في المائة بعد 24 ساعة لجميع الأنواع النباتية. كما أظهرت النتائج أن كفاءة التنقية كانت الأعلى بالنسبة للفورمالديهايد وثاني أكسيد النيتروجين.

وفي وقت قصير نسبياً، وتحديداً بعد 15 دقيقة فقط من إدخال المركبات العضوية المتطايرة، انخفضت نسبتها بمعدل تراوح بين 24 و40 في المائة باستخدام جميع النباتات، ما يُشير إلى سرعة استجابة هذه الأنظمة، حسب الفريق.

وأشارت النتائج إلى أن استخدام الحدائق العمودية داخل المباني يمكن أن يكون حلّاً فعالاً ومستداماً لتحسين جودة الهواء الداخلي، بما يعزز صحة الأفراد، ويحد من المخاطر المرتبطة بالتلوث في البيئات المغلقة.


مسارح مصرية كاملة العدد في العيد... و«الملك لير» يخطف الأضواء

يحيى الفخراني خلال عرض «الملك لير» (وزارة الثقافة المصرية)
يحيى الفخراني خلال عرض «الملك لير» (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مسارح مصرية كاملة العدد في العيد... و«الملك لير» يخطف الأضواء

يحيى الفخراني خلال عرض «الملك لير» (وزارة الثقافة المصرية)
يحيى الفخراني خلال عرض «الملك لير» (وزارة الثقافة المصرية)

تحت لافتة «كامل العدد»، استعادت المسارح المصرية زهوها وحضورها الفني خلال موسم عيد الفطر، وشهدت مسارح القاهرة والإسكندرية زخماً جماهيرياً لعروض متنوعة تراوحت بين الكوميديا والتراجيديا، إلى جانب مسرحيات كلاسيكية وأخرى استعراضية، إضافة إلى عروض موجهة للأطفال، في حين خطف عرض «الملك لير» الأضواء على خشبة المسرح القومي (وسط القاهرة).

وشهدت مسارح البيت الفني للمسرح، التابع لوزارة الثقافة المصرية، إقبالاً جماهيرياً كبيراً، وسط أجواء احتفالية وتفاعل واسع من الجمهور، كما حضر العروض عدد من الفنانين والصحافيين والشخصيات العامة، من بينهم الفنانتان سهير المرشدي وحنان مطاوع.

وأكد المخرج هشام عطوة، رئيس قطاع المسرح بوزارة الثقافة، أن «طموح البيت الفني للمسرح لا يتوقف عند مواسم الأعياد، بل يمتد إلى جذب أكبر عدد من الجمهور طوال العام»، مشيراً، في بيان صدر يوم الاثنين، إلى أن «الرؤية ترتكز على تقديم محتوى مسرحي رفيع المستوى يتناول قضايا المجتمع، ويطرح حلولاً لها في إطار درامي واجتماعي، إيماناً بدور المسرح بوصفه ركيزة أساسية في تشكيل الوعي وبناء الإنسان، مع العمل على تقديم عروض تناسب مختلف شرائح الجمهور، بما يضمن استمرارية شعار (كامل العدد) على مدار الموسم بأكمله».

وقدَّمت فرقة المسرح القومي عرض «الملك لير» من تأليف وإخراج شادي سرور، وبطولة يحيى الفخراني، وطارق دسوقي، وحسن يوسف، وأحمد عثمان، وتامر الكاشف، وأمل عبد الله، وإيمان رجائي، ولقاء علي، وبسمة دويدار، وطارق شرف، ومحمد العزايزي، وعادل خلف.

المسرح القومي كامل العدد في عرض «الملك لير» (وزارة الثقافة المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد السماحي أن «الإقبال الجماهيري على المسرح يؤكد حيوية الفن المصري، وأن الجمهور عندما يجد عروضاً تستحق المشاهدة يُقبل عليها»، مشيراً إلى أن «النجاح منقطع النظير لمسرحية (الملك لير) منذ انطلاقها، سواء على مسارح الدولة أو في القطاع الخاص، عبر مواسم متعددة، يعكس المصداقية الكبيرة والمحبة التي يحظى بها يحيى الفخراني في قلوب الجمهور».

وقدّمت فرقة المسرح الكوميدي، على مسرح ميامي بوسط القاهرة، عرض «ابن الأصول» من تأليف وإخراج مراد منير، وبطولة ميرنا وليد، ومصطفى شوقي، ومحمود عامر، وحسان العربي، وليلى مراد، ويوسف مراد، وحامد سعيد، ورشا فؤاد، وعبير مكاوي، ونور العزيز، ومحمود عوض.

في حين قدّمت فرقة المسرح الحديث عرضين متوازيين؛ الأول «كازينو» على مسرح السلام، من تأليف وأشعار أيمن النمر وإخراج عمرو حسان، وبطولة كريم الحسيني، ومحمد مبروك (يوركا)، ونوال سمير، ونيجار محمد، ومحمود البيطار، ولمياء الحناوي، وهاني ماهر، وأحمد محسن منصور، ومحمد دياب.

أما العرض الثاني فهو «يمين في أول شمال»، على قاعة يوسف إدريس، من تأليف محمود جمال حديني وإخراج عبد الله صابر، وبطولة إيهاب محفوظ، وأمنية حسن، وعبد الله صابر، وطارق راغب.

مسرحيات رفعت شعار كامل العدد في العيد بمصر (وزارة الثقافة المصرية)

وقدّمت فرقة مسرح الطليعة عرضين؛ الأول «سجن اختياري» على قاعة صلاح عبد الصبور، من تأليف محمود جمال الحديني وإخراج باسم كرم، وبطولة إيهاب محفوظ، ويوسف المنصوري، وأمل عبد المنعم، وبولا ماهر. أما العرض الثاني فهو «متولي وشفيقة» على قاعة زكي طليمات، من تأليف محمد علي إبراهيم وإخراج أمير اليماني، وبطولة محمد فريد، ويسرا المنسي، ومنة اليمني، ودالا حربي.

ومن إنتاج فرقة مسرح الغد، قدَّم المخرج السعيد المنسي عرض «الأداجيو... اللحن الأخير»، المأخوذ عن رواية للأديب إبراهيم عبد المجيد، وبطولة رامي الطمباري، وهبة عبد الغني، وبسمة شوقي، وجورج أشرف، وجنا عطوة، ومحمد دياب، وأحمد هشام، وأمنية محسن.

عروض مسرحية متنوعة في موسم العيد بمصر (وزارة الثقافة المصرية)

ويضيف السماحي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «الإقبال الجماهيري على المسرح خلال العيد يعود إلى أسباب عدَّة، من بينها تنوع الموضوعات، وعودة المسرح إلى الاهتمام بالأدب من خلال مسرحة رواية (الأداجيو... اللحن الأخير) للروائي الكبير إبراهيم عبد المجيد».

ويلفت إلى أن «الأهم هو أن سعر تذكرة المسرح أصبح في متناول الجميع بفضل دعم وزارة الثقافة؛ إذ بات أقل من سعر تذكرة السينما، وهو ما يفسر هذا الإقبال الكبير من الأسر المصرية على العروض المسرحية بوصفها (فسحة العيد)».

أحد العروض المسرحية بموسم عيد الفطر (وزارة الثقافة المصرية)

وقدّمت فرقة مسرح الشباب عرض «سابع سما» على مسرح أوبرا ملك برمسيس، في تجربة مسرحية تعكس حيوية الجيل الجديد وقدرته على التعبير الفني.

وللأطفال، قدَّمت فرقة مسرح القاهرة للعرائس عرض «رحلة سنوحي»، من تأليف محمد أمين عبد الصمد، وأشعار سامح العلي، وإخراج عيد مسعد، وبطولة أحمد بدير، وعفاف شعيب، وأحمد راتب، ومحمد الصاوي، ومجدي فكري، وعلي الحجار، وفاطمة عيد.

وأكد الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «المسرح يزدهر بشكل ملحوظ خلال العيد، نظراً لطبيعة الأعمال المقدَّمة، ومن بينها أعمال مهمة وكبيرة مثل (الملك لير) التي ترفع منذ افتتاحها شعار (كامل العدد)».

وأضاف، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن «إعادة تقديمها خلال العيد اختيار ذكي، إذ يُعرف أن المسرح من الخيارات المطروحة والمحببة لدى كثير من الأسر خلال إجازة العيد، ما ينعكس في حالة انتعاش ملحوظة، سواء في القاهرة أو الإسكندرية».

الموسم تضمن عروضاً استعراضية وأخرى للأطفال (وزارة الثقافة المصرية)

وقدّمت فرقة المسرح القومي للأطفال، برئاسة الفنانة إيناس نور، عرض «لعب ولعب» من تأليف وإخراج الدكتور حسام عطا، وبطولة جيهان قمري، وليلى عز العرب، وأحمد صادق، ومنير مكرم.

كما قدّمت فرقة مسرح الإسكندرية عرض «صفحة 45» على مسرح ليسيه الحرية، من إخراج معتز البنا وتأليف أحمد عبد الرازق، وبطولة ريهام الغرباوي، وأحمد جابر، ومحمد سعيد، وأحمد عاطف.

ويلفت سعد الدين إلى أن هذه العروض تظل مقصورة على القطاع العام، مضيفاً: «ننتظر عودة المسرح الخاص كما كان في السابق، مع فرق مثل فرقة الفنانين المتحدين، وبنجوم مثل عادل إمام وفؤاد المهندس وغيرهما، لكن ما يحدث حالياً يؤكد أن المسرح لا يزال يحتفظ بجمهوره».

Your Premium trial has ended


انتهت الخدمة العسكرية... عودة مدويَّة لـ«BTS» مع حفل ضخم وألبوم جديد

أعضاء فريق «BTS» يجتمعون من جديد والانطلاقة حفلٌ ضخم في سيول (رويترز)
أعضاء فريق «BTS» يجتمعون من جديد والانطلاقة حفلٌ ضخم في سيول (رويترز)
TT

انتهت الخدمة العسكرية... عودة مدويَّة لـ«BTS» مع حفل ضخم وألبوم جديد

أعضاء فريق «BTS» يجتمعون من جديد والانطلاقة حفلٌ ضخم في سيول (رويترز)
أعضاء فريق «BTS» يجتمعون من جديد والانطلاقة حفلٌ ضخم في سيول (رويترز)

في النصف الثاني من الكوكب، أي على بُعد آلاف الكيلومترات من الحروب والحشود العسكرية، انشغلت عاصمة كوريا الجنوبية سيول بجيشٍ من نوعٍ آخر. إنه «جيش بي تي إس» أو (BTS Army) الذي ملأ شوارع المدينة احتفاءً بعودة فريقه الغنائي المفضّل بعد غيابٍ استمرّ 4 سنوات.

كانت دوافع الانكفاء عن الفن وطنيّة بالنسبة للشبّان الـ7 الذين يتألّف منهم الفريق. ففي 2022، كان على المغنّي الأكبر سناً بينهم أن ينضمّ إلى صفوف الجيش لأداء خدمته العسكرية. وقد لحق به باقي أعضاء الفريق ما بين 2022 و2025.

مساء السبت كانت سيول على موعد مع حفل ضخم لفريق «BTS» إحياءً لعودته (أ.ف.ب)

«BTS»... ولادة ثانية

ليس «BTS» فريقاً اعتيادياً، فمنذ انطلاقته عام 2013، تحوّل إلى ظاهرة موسيقية حلّقت بالبوب الكوري K-Pop إلى الفضاءات العالمية. كما صنع لنفسه قاعدة جماهيرية تُسمّى «جيش» ويتجاوز عدد جنودها 120 مليوناً حول العالم.

104 آلاف من بين هؤلاء حضروا إلى ميدان غوانغهوامون التاريخي في سيول لمشاهدة حفل العودة، وفق أرقام شركة HYBE المنظّمة. أما البقيّة فأُتيحت لها المشاهدة عبر «نتفليكس» التي تولّت البثّ الحيّ للحفل في تجربة هي الأولى من نوعها، بالتوازي مع استعداد المنصة لخوض مزيدٍ من تجارب النقل المباشر، لا سيّما في قطاعَي الموسيقى والرياضة.

جانب من الحشود التي توافدت إلى حفل «BTS» (أ.ف.ب)

يُعدّ الحفل ولادة ثانية للفريق وقد شكّل مناسبةً لإطلاق ألبوم العودة، الذي حمل عنوان «أريرانغ» Arirang وهو اسم الأغنية الفولكلورية الأكثر شعبيةً في كوريا الجنوبية. تعمّد «BTS» اختيار هذا العنوان لأنّ «أريرانغ» نشيدٌ عاطفي يتحدّث عن الانتقال من المشقّة وعذاب الفراق إلى ما هو أفضل. وها هم نجوم الكي بوب، «آر إم»، و«جين»، و«شوغا»، و«جي هوب»، و«جيمين»، و«في»، و«جانكوك» يخوضون معاً نقلة نوعيّة في مسيرتهم، ويمتحنون استمراريّة شعبيّتهم.

قلق العودة وإصابة في الكاحل

وسط تصفيق الجمهور وهتافاته ودموعه، اصطفّ الشبّان السبعة على المسرح الضخم الشبيه بقَوس النصر، والذي شُيّد خصيصاً من أجل الحفل. في الخلفيّة، المعبد التاريخي والبوّابة المهيبة المؤدّية إلى القصر الملكيّ والعائدة إلى القرن الرابع عشر. الإطار فيه ما يكفي من السحر كي يتخلّى المنظّمون ومصمّمو الحفل عن البهرجة والمؤثّرات الخاصة.

تحت الأضواء البنفسجيّة، وهو اللون المعتمد للفريق، وعلى مدى ساعة من الوقت قدّموا مجموعة من أغاني الألبوم الجديد، كما استرجعوا بعضاً من قديمهم.

شكّل حفل العودة مناسبة لتقديم الألبوم الجديد للفريق (أ.ب)

بين أغنيةٍ وأخرى، توجّهوا بالحديث إلى «جيشهم» متنقّلين بين اللغتين الكوريّة والإنجليزية. لم يخفوا رهبتهم من الوقفة مجدّداً تحت الأضواء: «خلال السنوات الماضية وحتى اللحظة، واجهنا قلقاً كبيراً وتساءلنا ما إذا كان جمهورنا ما زال يتذكّرنا أم أنه قد نسيَنا»، اعترف جي هوب أمام عشرات آلاف المحتشدين في الميدان، وملايين المشاهدين عبر «نتفليكس».

للمرة الأولى منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، غنّى أعضاء «BTS» ورقصوا معاً، باستثناء «آر إم» الذي اكتفى بالغناء جلوساً معظم الوقت نظراً لإصابة في كاحله تعرَّض لها خلال التمارين للحفل.

أمضى آر إم جزءاً من الحفل جالساً بسبب إصابة في القدم أثناء التمارين (أ.ب)

التجمّع الأكبر منذ كأس العالم

22 ألفاً من بين الجماهير استطاعوا الوصول إلى أقرب مسافة ممكنة من المسرح بما أنهم فازوا بالبطاقات الذهبية المجّانية، أما الباقون فقد شاهدوا الحفل عبر الشاشات الضخمة الموزّعة في أرجاء الميدان.

وفق السلطات الكورية الجنوبية، فإنّ هذا التجمّع يُعَدّ من بين الأضخم منذ مباريات كأس العالم 2002 التي استضافتها سيول. وقد تجنّدت القوى العسكرية من أجل تنظيم الحشود وفرض القيود الأمنية. إذ انتشر 7 ألاف عنصر من الشرطة في أضخم ميادين كوريا الجنوبية، مانعين الوصول إلى عشرات المباني. كما أُقفلت 3 محطات قطار مجاورة.

يُعرف معجبو الفريق الموسيقي بجيش «BTS» (أ.ف.ب)

أما فنادق المنطقة فكانت كلها محجوزة نظراً لتوافد الكوريين من مختلف أنحاء البلد، إضافةً إلى السيّاح من حول العالم. ويُعَدّ فريق «BTS» محرّكاً أساسياً للاقتصاد الكوري الجنوبي نظراً لكثافة مبيعات كل ما يمتّ له بصِلة؛ من بطاقات الحفلات والحجوزات المرافقة لها، إلى مبيعات الألبومات، مروراً بالسِلَع التجارية الخاصة بالفريق. وكانت تقديرات «معهد الثقافة والسياحة الكوري الجنوبي» قد أشارت إلى أنّ عرضاً غنائياً واحداً لـ«BTS» يمكن أن يدرّ ما يصل إلى 842 مليون دولار.

«BTS»... ظاهرة لن تتكرر

في قطاع صناعة الترفيه، يشكّل فريق «BTS» ظاهرة فريدة من الصعب أن تتكرّر. حقّق إجماعاً عالمياً بسرعة قياسية وبلغَ الإعجاب به حدّ الهوَس. لم تقف اللغة حاجزاً بينه وبين عشرات ملايين المعجبين الذين انجذبوا إلى خصوصية الفريق، أكان على مستوى الأغاني أو الأزياء أو الحكاية الإنسانية الخاصة بكل فردٍ من أفراده.

لذلك، فإنّه من المنطقيّ أن تُكرّم سيول الفريق المعجزة، ليس بتنظيم حفل عودتهم فحسب، إنما بتعديل قانون الخدمة العسكرية خصيصاً من أجلهم.

حفل واحد لـ«BTS» كفيل بأن يدرّ أكثر من 840 مليون دولار (رويترز)

تعديل الخدمة العسكرية من أجل «BTS»

بموجب القانون الكوري الجنوبي، يجب على جميع الشباب الأصحّاء الذين تتراوح أعمارهم ما بين 18 و28 عاماً، الخدمة من 18 إلى 21 شهراً في الجيش، من دون أي استثناءات لنجوم الكي بوب. لكن بسبب نجاح فريق «BTS»، جرى تعديل ذلك القانون عام 2020. كان قد بلغ جين الـ28 في تلك السنة وبات ملزماً بأداء خدمته، فتقرّر إضافة بندٍ إلى القانون ينصّ على السماح لنجوم الكي بوب والفنانين بتأجيل خدمتهم العسكرية إلى حين بلوغهم الـ30.

مع ذهاب جين لأداء الخدمة العسكرية دخل الفريق إجازة قسرية استمرت 4 أعوام (إنستغرام)

تمديدٌ استفاد منه جين وزملاؤه سنتَين، إلى أن حلّ عام 2022 حيث ما عاد التأجيل ممكناً. ارتدى جين البزّة المرقّطة وحلق شعره، وما هي إلا أشهر حتى لحق به رفاقه الستة بعد أن خاض بعضُهم تجربة موسيقية منفردة في الأثناء. وقد ذكرت إدارة القوى العاملة العسكرية الكورية الجنوبية لوكالة «أسوشييتد برس»، أن أفراد المجموعة خضعوا للإجراءات والتدريبات والقواعد الصارمة ذاتها التي يخضع لها المجنّدون الآخرون.

نجما «BTS» جيمين وجانكوك في الخدمة العسكرية (رويترز)

جزءٌ من حياة «BTS» في المعسكر سيعرضها «وثائقي» تستعدّ «نتفليكس» لإطلاقه الأسبوع المقبل، بعنوان «بي تي إس: العودة» BTS: The Return كما يواكب «الوثائقي» استعدادات الفريق لالتئام الشمل وتفاصيل رحلتهم إلى لوس أنجليس حيث أمضوا شهرَين في تسجيل ألبومهم الجديد.