المقاهي الأدبية في المغرب... تجارب لكسر نخبوية الثقافة

لم تقتصر على المدن الكبيرة بل امتدت إلى القرى

مقهى المعرض الدائم الثقافي ضمن دورات مهرجان بني عمار زرهون
مقهى المعرض الدائم الثقافي ضمن دورات مهرجان بني عمار زرهون
TT

المقاهي الأدبية في المغرب... تجارب لكسر نخبوية الثقافة

مقهى المعرض الدائم الثقافي ضمن دورات مهرجان بني عمار زرهون
مقهى المعرض الدائم الثقافي ضمن دورات مهرجان بني عمار زرهون

ما الوسائل الكفيلة بتجاوز النظرة النمطية السلبية عن المقاهي بوصفها فضاء لإهدار وقتل الوقت، والنميمة الاجتماعية، وملء الكلمات المتقاطعة وأشياء أخرى؟ وكيف يمكن خلق فعل فكري ثقافي وأدبي في المقاهي؟ تساؤلات يطرحها المنشغلون بالشأن الثقافي بالمغرب، ويتقاسمها معهم المبادرون إلى تأسيس المقاهي الثقافية والأدبية منذ أواخر الألفية الماضية.
وإذا كان كثير من المقاهي على المستوى العالمي قد ارتبط بأسماء شخصيات من المفكرين والأدباء والسياسيين، مثل نجيب محفوظ في مصر (مقهى «ريش» و«الفيشاوي» بالقاهرة)، وجان بول سارتر في فرنسا («دو فلور» في باريس)، وفرانز كافكا في التشيك («مونتمارتر» في براغ)، فإن المغرب لم يخرج عن هذا السياق، فقد اعتاد عدد من المثقفين والسياسيين والفنانين ارتياد مقاهٍ معينة (مقهى «باليما» المقابل لمقر البرلمان بالرباط، و«لا كوميدي» وسط الدار البيضاء).
ورغبة في الخروج بالفعل الثقافي من القاعات المغلقة، وتغيير الصورة المتداولة السلبية اللصيقة بالمقاهي التقليدية، وأيضاً السعي إلى كسر نخبوية الثقافة، شهدنا منذ العقدين الماضيين مبادرات لتحويل بعض المقاهي إلى فضاءات ثقافية وأدبية، من أجل تجاوز عجز المؤسسات الثقافية، وتقريب مختلف ضروب الأدب والفن والسياسة والثقافة إلى الناس.

توسيع قاعدة الاستهلاك الثقافي

في عام 2015، تشكلت «شبكة المقاهي الثقافية» التي كانت تضم في بدايتها 5 مقاهٍ فقط بالرباط، لتصل حالياً إلى ما يناهز 40 مقهى ثقافياً وأدبياً بمدن وجهات مختلفة، وهي «قفزة نوعية»، كما يقول رئيس الشبكة نور الدين أقشاني لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً أن الشبكة قامت بتنظيم مجموعة من الأنشطة، منها على الخصوص لقاءات مع مفكرين وأدباء وفنانين، وقراءات وتوقيع للكتب الجديدة، فضلاً عن إصدار عدة مؤلفات في القصة والرواية.
إن إدراج الثقافة والأدب والفن بفضاءات المقاهي، كما يضيف: «يتميز بالتفاعل مع جمهورٍ غالبيته غير معتاد على زيارة المكتبات ودُور الثقافة والمسارح، وهو ما يعني إخراج الثقافة والأدب من بين جدران هذه المؤسسات وتقريبها إلى المواطن العادي والبسيط، ومن مختلف الشرائح. فالمقاهي الأدبية تسعى إلى تجاوز عجز المؤسسات الثقافية، وإخراج الفعل الثقافي من دائرة الفضاءات المغلقة، وكسر نخبوية الثقافة من خلال جعلها ممارسة شعبية، وتقريب الثقافة من الأماكن البعيدة عن المركز، وتوسيع قاعدة الاستهلاك الثقافي».

مقهى الشعر

ويذكر أقشاني أن شبكة المقاهي الأدبية بالمغرب التي استضافت أكثر من 150 فعالية ثقافية وفنية وسياسية ومجتمعية، في لقاءات وحوارات مباشرة مع الجمهور، طورت تجربتها بتنظيم عدد من التظاهرات الكبرى المتخصصة، كـ«المقهى الشعري»، بمناسبة «اليوم العالمي للشعر»، و«نقرأ في الطبيعة»، بمناسبة «اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف»، و«ليالي المقاهي الثقافية الرمضانية والحقوقية».
وتنفرد مدينة آسفي الواقعة على الساحل الأطلسي (325 كيلومترًا جنوب الرباط) بتجربة متميزة، تتمثل في «المقهى الأدبي والثقافي» التي تشغل مجموع مساحة الطابق الأرضي لإحدى العمارات العصرية بهذه الحاضرة المغربية.
ويسعى هذا المقهى -وفقًا لصاحبه محمد الشقوري، نقيب المحامين السابق بآسفي- إلى «تغيير الصورة السلبية المتداولة في المخيال الجمعي حول المقاهي، بوصفه ملتقى للثرثرة وإهدار الوقت»، موضحاً أن أنشطة هذا المقهى على الرغم من كونها تُمول بالكامل من طرف صاحبه، في غياب أي دعم أو منحة مالية، فقد «أصبح عنواناً معروفاً لدى المهتمين بالشأن الثقافي والأدبي؛ ليس فقط على صعيد المدينة، ولكن على المستوى الوطني».
ومنذ تأسيس المقهى في أبريل (نيسان) 2005، استضاف نخبة من المفكرين والمثقفين والفنانين والإعلاميين، وهو ما ساهم في تنشيط الحركة الثقافية في آسفي، والدفع بها قُدماً حتى تستعيد هذه الحاضرة ما كان لها من توهج وإشراق ثقافي في الماضي، وتحويلها إلى ملتقى للمثقفين والأدباء والفنانين، ومجال لتبادل الرأي حول السبل القمينة بالمساهمة في تحقيق التنمية الثقافية بالمدينة أو بمجموع الإقليم، مع الانفتاح على المؤسسات الفكرية والعلمية والجامعية.
ويقول الشقوري إن المقهى الأدبي والثقافي بآسفي يعمل جاهداً على تحبيب الثقافة، وترسيخ قيم الاختلاف والقبول بالرأي والرأي الآخر، ونشر أخلاق حسن الإنصات، وتعزيز آداب الحوار بين مكونات المشهد الثقافي. وقد احتضن منذ تأسيسه أكثر من 100 شخصية فكرية وفنية وسياسية من مختلف المشارب، وإن أنشطته المتنوعة لم تقف عند حقل ثقافي واحد؛ بل قاربت أجناساً وحقولاً وتخصصات وفروعاً معرفية مختلفة من سائر العلوم والفنون؛ من بينها الشعر والزجل والقصة والرواية والمسرح والثقافة الشعبية والنقد الأدبي والموسيقى والفن التشكيلي والفلسفة، من خلال المحاضرة والندوة تارة، والحفل الشعري والموسيقي تارة أخرى.

مقهى ثقافي بقرية نائية

ولم تقتصر تجربة المقاهي الثقافية والأدبية على المدن؛ لكنها امتدت إلى القرى؛ بفضل بعض الفعاليات الأدبية والإعلامية، منها مقهى «قصبة بني عمار زرهون» (180 كيلومتراً شرق الرباط).
وفي هذا الصدد، قال الكاتب والإعلامي محمد بلمو لـ«الشرق الأوسط»، في معرض توقفه عند هذه التجربة: «تعود بي الذاكرة إلى سنة 2001 في قصبة بني عمار زرهون، بتنظيم الدورة الأولى لـ(مهرجان بني عمار)؛ البلدة التي لا تتوفر على بنيات ثقافية، مثل دار الثقافة أو دار الشباب، ولا على بنيات استقبال كالفنادق والمطاعم. وكان لا بد لنا من فضاء خاص بحفلات توقيع الكتب واللقاءات الأدبية، فكان الحل هو استخدام أحد المقاهي التقليدية، وهو عبارة عن بناء تقليدي كأغلب مباني القصبة التي تعود إلى العهد المريني، يتميز ببرودته في فصل الصيف الحارق. وسبب اختيار هذا الفضاء هو أنه كان مناسباً للأنشطة الأدبية، وأطلقنا عليه (مقهى المعرض الدائم) الذي أبدع أصحابه في تأثيثه، حيث تم تغليف الكراسي والطاولات بصناعة الدوم المحلية المعروفة بـ(لوضيفة) مع تزيين الجدران بنماذج من المنتوجات المحلية، مما طبع فضاء هذا المقهى الثقافي الأول من نوعه بسحر خاص».
وذكر بلمو أن هذا المقهى استقبل، طيلة دورات مهرجان بنى عمار، عشرات من الأدباء والمبدعين والفنانين، بالإضافة إلى المجموعات الغنائية الشهيرة، مثل: «ناس الغيوان»، و«جيل جيلالة».
وعبر بلمو عن اعتقاده بأن ما نطلق عليه «أزمة قراءة» لا يعني غياب القراء؛ بل يعني غياب خطط وأشكال جديدة لترويج وتسويق الكتاب من طرف «الناشرين الكسالى»، كما يعبر. أما القراء فإنهم موجودون، وما علينا إلا أن نقترب منهم ونطرق أبوابهم، لا أن ننتظر منهم المجيء إلينا في أبراجنا الوهمية.
وعن الصعوبات التي تواجهها تجربة المقاهي الأدبية، فقد حددها أقشاني في «عدم رغبة عديد من أصحاب المقاهي في دخول المغامرة الثقافية، بحكم تغليب الهاجس التجاري، وغياب الوعي والقناعة بأهمية فتح فضاءاتهم للثقافة».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

الموت يغيّب رائد الصحافة السعودية محمد علي حافظ

الناشران هشام ومحمد علي حافظ يتصفحان المطبوعات
الناشران هشام ومحمد علي حافظ يتصفحان المطبوعات
TT

الموت يغيّب رائد الصحافة السعودية محمد علي حافظ

الناشران هشام ومحمد علي حافظ يتصفحان المطبوعات
الناشران هشام ومحمد علي حافظ يتصفحان المطبوعات

غيّب الموت بعد ظهر الأحد أحد أبرز القامات الإعلامية والصحافية في السعودية والعالم العربي الناشر محمد علي حافظ الذي وافته المنية بعد مسيرة حافلة بالعطاء والريادة صاغت ملامح الصحافة الحديثة ونقلت الصوت السعودي إلى آفاق عالمية غير مسبوقة، ووضعت الراحل وشقيقه هشام علي حافظ (توفي في 26 فبراير/ شباط 2006) ضمن كبار صناعة النشر في الشرق الأوسط.

ينتمي محمد علي حافظ إلى أسرة «آل حافظ» التي ارتبط اسمها بنشوء وتطور الصحافة السعودية، وبدأت هذه الرحلة مع والده وعمه، علي وعثمان حافظ، اللذين أسسا في السابع من أبريل (نيسان) 1937 جريدة «المدينة»، التي تعتبر من أوائل الصحف السعودية، وأصبحت مرآة حقيقية تعكس تطلعات الشباب وأجيال النهضة في المملكة. وتولى علي حافظ رئاسة التحرير حتى عام 1962، وكانت «المدينة» المدرسة الصحافية التي تخرج منها الناشران هشام ومحمد علي حافظ، وجيل آخر من الصحافيين السعوديين.

الناشران هشام ومحمد علي حافظ في أوروبا لدى إطلاق «عرب نيوز»

بالنسبة لمحمد علي حافظ فقد تولى بعد أبيه رئاسة تحرير «المدينة» بعد رحلة إعلامية إلى مصر تدرّب فيها على العمل الصحافي في دار «أخبار اليوم» بإشراف صاحبها مصطفى أمين، ليصبح أصغر رئيس تحرير صحيفة سعودية، إذ كان عمره عند رئاسة التحرير 25 عاماً، واستمر فيها حتى عام 1964.

الناشران هشام ومحمد علي حافظ

وعلى منوال أبيه وعمه، شكلّ محمد مع شقيقه هشام علي حافظ، توأماً صحافياً، ساهم في تطوير صناعة الصحافة والإعلام العربي، إذ نجح الأخوان في بث روح عصرية متجددة في شرايين الصحافة، وجاء التحول التاريخي الأبرز في مسيرة الراحل عندما قرر أن يخرج بالإعلام السعودي إلى فضاءات عالمية تكسر طوق المحلية والإقليمية، وتأسيس صناعة إعلامية تضاهي كبريات المؤسسات الصحافية في العالم أجمع، وليس العالم العربي فقط، وكذلك كسر احتكار العواصم العربية للتأثير الإعلامي.

تجسد ذلك في إطلاق جريدة «الشرق الأوسط» من العاصمة البريطانية لندن، كأول صحيفة عربية دولية تطبع وتوزع في عدة عواصم عالمية في التوقيت نفسه، وهو الحدث الذي نقل الإعلام السعودي إلى مصاف المؤسسات الدولية الكبرى. وسبق إصدار «الشرق الأوسط» إطلاق جريدة «عرب نيوز» (Arab News) كأول صحيفة سعودية يومية باللغة الإنجليزية.

الأمير أحمد بن سلمان بن عبد العزيز يتوسط الناشرين هشام ومحمد علي حافظ

وتحت مظلة «المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق» (المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام حالياً)، التي ساهم في تأسيسها وعضوية مجالس إدارتها، قاد الراحل برفقة شقيقه منظومة نشر عملاقة أصدرت عشرات المطبوعات المتنوعة، تخاطب القارئ بلغات متعددة (العربية، الإنجليزية، واللغات الهندية). كما امتدت عبقريته الاستثمارية لتأسيس شركات رديفة دعمت صناعة النشر، في مجالات الطباعة والتسويق والإعلان والوسائل، والتكنولوجيا.

الأمير فيصل بن سلمان ومحمد علي حافظ والدكتور عزام الدخيل

وأصبحت «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» (SRMG) أكبر مؤسسة إعلامية عربية متكاملة وإحدى أكبر المؤسسات الإعلامية في العالم وتقدّم خدمات ومنتجات إعلامية متكاملة (نشر، بث، توزيع، طباعة، دعاية وإعلان، وإنتاج مصنفات فكرية) تستهدف الجمهور في العالم العربي ودول العالم.

ومع التوسع الكبير الذي شهدته المجموعة منذ عام 2022 أقامت المجموعة شراكات إعلامية عالمية، أبرزها مع «بلومبرغ» و«اندبندنت» مع إطلاق قناة «الشرق» للأخبار، والعديد من المنصات الرقمية في قطاعات الأخبار والرياضة، والترفيه، والتكنولوجيا وغيرها.

وقد كان الراحل صحافياً بالفطرة، وإعلامياً بالفراسة والسليقة، امتلك قدرة استثنائية على التقاط اللحظة التي تصنع الحدث، فكانت مبادرته مع شقيقه في تأسيس المطبوعات السعودية منتصف السبعينات من القرن الماضي في لندن، تلاها تكوين منظومة إعلامية متكاملة بقيت حتى اليوم واحدة من أكبر المؤسسات الإعلامية في العالم.

ورغم انشغالاته الإدارية والتأسيسية الضخمة، لم يتخلَّ محمد علي حافظ عن قلمه؛ إذ عرفه القراء كاتباً لامعاً وصاحب رأي سديد عبر عموده اليومي الشهير «صباح الخير»، الذي تنقل بين صفحات «المدينة» و«عكاظ» و«الشرق الأوسط»، و«الاقتصادية».


رحيل المستشار حسان ياسين معاصر ملوك السعودية

الراحل حسان ياسين متحدثاً في لقاء تلفزيوني (شاشة روتانا)
الراحل حسان ياسين متحدثاً في لقاء تلفزيوني (شاشة روتانا)
TT

رحيل المستشار حسان ياسين معاصر ملوك السعودية

الراحل حسان ياسين متحدثاً في لقاء تلفزيوني (شاشة روتانا)
الراحل حسان ياسين متحدثاً في لقاء تلفزيوني (شاشة روتانا)

رحل المستشار السعودي حسان بن يوسف ياسين، بعد حياة زاخرة عاصر خلالها ملوك السعودية ومراحل تطورها، وأفنى عمره في خدمة البلاد، ومثل امتداداً عائلياً يتصل بتاريخ والده الشيخ يوسف ياسين المستشار السياسي المقرب من الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود، وأحد رموز مرحلة التأسيس والدبلوماسيّة السعودية.

ولد الراحل حسان ياسين في مكة المكرمة نحو عام 1934، وعمل في بداية مسيرته مديراً لمكتب وزير البترول عبد الله الطريقي، وأسس المكتب الإعلامي السعودي في واشنطن.

جمع الراحل بين السياسة والتاريخ والإعلام، وتأثر بالشمول المعرفي الذي تميز به والده، وكان بين كتاب الرأي في «الشرق الأوسط». كما كان من أوائل السعوديين الذين تعلموا في الخارج، إذ انتظم في جامعة بروكلين الأميركية خلال الخمسينات، قبل أن يعود إلى بلاده ويعمل في إدارة البترول.

وخلال عقدي الستينات والسبعينات ‏عاش في واشنطن، وأسس المكتب الإعلامي السعودي فيها، وطور علاقات واسعة في العاصمة الأميركية مع أعضاء في مجلسي النواب والشيوخ ومع كبار المسؤولين، واستثمر تلك العلاقات في دعم مواقف السعودية وملفاتها، وترك بصمة مهمة في الأوساط الدبلوماسية في واشنطن.

الراحل حسان يوسف ياسين (الشرق الأوسط)

تلقى حسان ياسين تعليمه في المراحل العمرية المبكرة في مدينتي مكة المكرمة والطائف، قبل أن يلتحق بكلية فيكتوريا في مصر التي تُعد من أقدم وأعرق المدارس الإنجليزية في مدينة الإسكندرية، وفيها انتظم الراحل حسان مع العاهل الأردني السابق الملك حسين في فصل دراسي واحد.

وخلال إقامته في الرياض أيام الطفولة والصبا، ارتبط بالبيئة الاجتماعية للملك عبد العزيز، نظراً لعمل والده مستشاراً لدى الملك المؤسس، وقضى شطراً من طفولته في بيوت الطين بالمربع، وكانت النزهة المتاحة خلال تلك الحقبة تتمثل في الرحلات البرية في جبل أبو مخروق الذي مثل أقدم حديقة في منطقة الرياض بارتفاعه الذي يصل نحو 50 متراً.

وبرز والده يوسف ياسين كأحد الشخصيات السياسية المؤثرة في محيط الملك عبد العزيز، وأسهم في السياسة الخارجية والداخلية، كما رافق الملك المؤسس في أولى رحلاته إلى الحجاز، وشهد معه تسلم جدة عام 1925 وشارك مع حزمة من المستشارين بإدارتها في بواكير توحيد الدولة السعودية.

وطوال هذه المسيرة الزاخرة لوالده، كان حسان ياسين يتشكل على ضوء هذه الرحلة العمرية، وعاش تفاصيل وكواليس السياسة السعودية منذ طفولته، وألم بتفاصيل اللحظات المفصلية التي أسفرت عن قيام المملكة وتطورها، وتضاعف هذا الدور والحضور خلال ارتباطه الوثيق بوزير الخارجية السعودية الأسبق الأمير سعود الفيصل، وخلال تعاطيه مع كبرى الملفات السياسية المهمة والحساسة.

وسجل الراحل ذكرياته وأحداث حياته في مذكرات طبعت باللغة الإنجليزية، دوّن فيها العديد من المواقف والمحطات التي شكلت حياته، والأحداث التي عاصرها طوال عمره الذي انطوى برحيله الأحد، وأودع بين دفتي مذكراته مسيرة عملية ووطنية حافلة بالعطاء والإنجازات.


مَن يملك هذه الأعمال الفنية المنهوبة؟

خلف كل لوحة حكاية حياة تحطمت أو تبدلت إلى الأبد (متحف أورسي)
خلف كل لوحة حكاية حياة تحطمت أو تبدلت إلى الأبد (متحف أورسي)
TT

مَن يملك هذه الأعمال الفنية المنهوبة؟

خلف كل لوحة حكاية حياة تحطمت أو تبدلت إلى الأبد (متحف أورسي)
خلف كل لوحة حكاية حياة تحطمت أو تبدلت إلى الأبد (متحف أورسي)

تضمُّ قاعة جديدة ضمن العرض الدائم في متحف «أورسي» 13 عملاً فنياً استعيدت من ألمانيا والنمسا عقب الحرب العالمية الثانية، في حين لا تزال هوية أصحابها الأصليين مجهولة حتى اليوم.

ويضمُّ المعرض، الذي افتُتح رسمياً الأسبوع الماضي داخل المتحف الباريسي، أعمالاً لفنانين بارزين من روَّاد المدرسة الانطباعية، من بينهم بيير أوغست رينوار، وإدغار ديغا، إلى جانب منحوتة للنحَّات الفرنسي الشهير أوغوست رودان. غير أن الهدف من عرض هذه الأعمال لا يقتصر على إتاحتها للجمهور، بل يتمثل أساساً في السعي إلى التوصُّل إلى مالكيها الشرعيين.

الأعمال جزء من 225 قطعة سرقت أو بيعت قسراً وأُعيدت بعد الحرب (متحف أورسي)

وتُعدّ الأعمال الفنية الـ13 المعروضة جزءاً من 225 قطعة فنية سُرقت أو بيعت قسراً في فرنسا خلال الحرب العالمية الثانية، قبل أن تُستعاد من ألمانيا والنمسا مع نهاية الحرب. وقد بقيت هذه الأعمال، على مدى نحو نصف قرن، تحت وصاية المتحف.

ويعكس هذا المعرض التقدُّم الذي أحرزته فرنسا في السنوات الأخيرة في ملف إعادة الأعمال الفنية المنهوبة إلى أصحابها، بعدما واجهت سابقاً انتقادات بسبب بطء إجراءات الاسترداد. وفي هذا السياق، رأى جدعون تايلور، رئيس «المنظمة العالمية لاستعادة الممتلكات اليهودية»، أن القاعة الجديدة «تبعث برسالة قوية بشأن التزام فرنسا»، وذلك بعد 3 سنوات من إقرار قانون يتيح إعادة الممتلكات التي نُهبت من العائلات اليهودية.

من جانبه، قال ديفيد زيفي، رئيس فريق العمل الحكومي المكلّف بتنسيق إعادة الممتلكات الثقافية المنهوبة خلال الحرب، إن فكرة معرض متحف «أورسي» تقوم على أمل أن «يُزال أحد الأعمال المعروضة يوماً ما من القاعة، بعدما نتمكن من معرفة مصدره الحقيقي وصاحبه الأصلي».

وبحلول نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت فرنسا قد أعلنت فقدان نحو 100 ألف قطعة فنية. وبمساعدة وحدات الحلفاء المعروفة باسم «رجال الآثار»، أُعيد إلى فرنسا نحو 60 ألف عمل فني عُثر عليه خارج البلاد، فيما استعاد أصحابها قرابة 45 ألف قطعة بين عامي 1945 و1950. أما بقية الأعمال، فقد باعت الدولة الفرنسية معظمها، باستثناء 2200 قطعة أودعتها لدى المتاحف الوطنية. ومنذ ذلك الحين، لم يُعَد سوى أقل من 200 قطعة، بينها 15 عملاً يحتفظ بها متحف «أورسي».

وأوضح فرنسوا بلانشتيير، أمين قسم النحت بالمتحف، أن التمييز بين الأعمال المنهوبة وتلك التي اقتُنيت بصورة قانونية يُعد مهمة معقدة، مشيراً إلى أن سوق الفن ظلت نشطة خلال الحرب تحت حكم النازيين ونظام فيشي، وأن كثيراً من الأعمال انتقلت ملكيتها بشكل مشروع.

وأضاف: «نحو 90 في المائة من الأعمال الموجودة لدينا اقتناها مواطن ألماني أو نمساوي في ظروف لا تزال غير واضحة بالكامل».

ومن بين الأعمال المعروضة نسخة أعاد إدغار ديغا إنتاجها عن لوحة للفنان الألماني أدولف مينتسل، وكانت مملوكة لجامع الأعمال الفنية اليهودي فرناند أوكسيه، الذي رُحِّل وقُتل في معسكر الهولوكوست في أوشفيتز، حسب القائمين على المعرض. وأوضح بلانشتيير أن العمل انتقل لاحقاً إلى معرض فني في باريس عبر مواطن فرنسي يُدعى كوتو، ثم بيع إلى متحف في مدينة كارلسروه الألمانية قبل أن يعود إلى فرنسا عام 1948.

يمكن للزوار مشاهدة أختام وملصقات تساعد الباحثين على تتبع ملكية اللوحات (متحف أورسي)

وقال بلانشتيير: «ما لا نعرفه حتى الآن هو كيفية انتقال اللوحة من السيد أوكسيه إلى السيد كوتو: هل جرى بيعها قسراً أم لا؟ لا نعرف».

كذلك هناك لوحة أخرى تجسد جبل سانت - فيكتوار، أحد المناظر الطبيعية المفضلة لدى الرسام الفرنسي بول سيزان. وقد بيعت اللوحة عام 1942 إلى تاجر الفن الألماني هيلدبراند غورليت، الذي كان يشتري أعمالاً فنية لصالح «متحف الفوهرر» الذي خطط الزعيم النازي أدولف هتلر لإقامته في النمسا. لكن السلطات الفرنسية، عندما استعادت اللوحة، احتفظت بها، ليس للاشتباه في تعرضها للنهب، بل لاعتقادها بأنها مزيفة.

غير أن أبحاثاً حديثة لم تجد أي أدلة تدعم تلك الشكوك، حسب مسؤولي المتحف.

وتُعرض اللوحة الجبلية اليوم بين لوحين زجاجيين يتيحان للزوار مشاهدة الجهة الخلفية من إطارها الخشبي، حيث تظهر أختام وملصقات استخدمها الباحثون أدلة لتتبع تاريخ اللوحة ومسار ملكيتها.

ومن بين زوار المعرض هذا الأسبوع جان لانييل، البالغ من العمر 73 عاماً، الذي عاشت والدته أجواء الاحتلال النازي بشكل مباشر في بلدة تقع شمال باريس.

وقال لانييل: «أعتقد أن عرض هذه الأعمال على أمل أن تتمكن عائلات الضحايا من العثور عليها أو التعرف إليها خطوة رائعة».

ولسنوات طويلة، لم تبذل فرنسا جهوداً كبيرة لتسريع عمليات إعادة الأعمال المنهوبة، إلى أن عاد الاهتمام بتاريخ ملكية الأعمال الفنية في تسعينات القرن الماضي. وفي عام 1998، كانت فرنسا ضمن 44 دولة أقرت «مبادئ واشنطن» الخاصة بإعادة الأعمال الفنية التي صادرها النازيون. وفي العام التالي، أنشأت الحكومة لجنة لدراسة طلبات التعويض المقدمة من ضحايا القوانين المعادية لليهود التي فُرضت خلال الحرب.

وفي عام 2019، أُنشئ فريق عمل حكومي لتنسيق إعادة الممتلكات الثقافية التي سُرقت بين عامي 1933 و1945.

كما أعادت المتاحف الفرنسية إحياء جهودها في هذا الملف، إذ نظمت بعض المؤسسات معارض مؤقتة للأعمال غير المطالب بها من مجموعة «رجال الآثار»، في حين خصص متحف «اللوفر» عام 2018 قاعتين صغيرتين ضمن عرضه الدائم لعرض أكثر من 30 لوحة من تلك الأعمال.

وقالت آنيك لوموان، رئيسة متحف «أورسي»، إن هذا المعرض يسلط الضوء على فصل مؤلم وعنيف من تاريخ فرنسا، مضيفة: «خلف كل لوحة وكل قطعة فنية غالباً ما توجد حكايات لحيوات تحطمت أو انقلبت رأساً على عقب أو دُمّرت بالكامل».

لسنوات لم تُبذل في فرنسا جهود تُذكر لتسريع وتيرة إعادة الأعمال الفنية إلى أصحابها (متحف أورسي)

وكان صاحب فكرة المشروع المدير السابق للمتحف سيلفان أميك، الذي أبدى اهتماماً واسعاً بملف استعادة الأعمال المنهوبة، سواء تلك التي نُقلت من فرنسا إلى ألمانيا النازية أو من أفريقيا إلى فرنسا خلال الحقبة الاستعمارية. وقبل وفاته المفاجئة العام الماضي، كان يقود مشروع عرض بعض هذه الأعمال اليتيمة أمام الجمهور.

وبفضل تبرع بقيمة مليون يورو، أي ما يعادل نحو 1.2 مليون دولار، قدمته منظمة «أصدقاء متحف أورسي الأميركيون» غير الربحية، تمكن المتحف من تمويل افتتاح القاعة الجديدة، إلى جانب مشروع بحثي يمتد لعشر سنوات.

ويأمل القائمون على المشروع أيضاً أن تسهم أدوات البحث الرقمية الحديثة في التوصل إلى أصحاب هذه الأعمال أو ورثتهم الشرعيين، خصوصاً مع تراجع احتمالات وجود شهود عيان عاصروا الحرب بعد مرور 80 عاماً على نهايتها.

وفي الوقت الراهن، يعتزم المتحف تبديل الأعمال المعروضة بصورة دورية، بما يتيح للجمهور مشاهدة عدد أكبر من الأعمال الـ225 الموجودة في حوزته.

وقالت فريدا فانديغير، وهي زائرة أميركية تبلغ من العمر 70 عاماً من ولاية ديلاوير، أثناء مغادرتها القاعة: «بالتأكيد هناك الكثير من الأعمال الفنية التي فُقدت إلى الأبد، وهذا أمر مؤسف، لكن من الجميل أن يحظى هذا الجزء من التاريخ ببعض الاهتمام».

* خدمة «نيويورك تايمز»