المقاهي الأدبية في المغرب... تجارب لكسر نخبوية الثقافة

لم تقتصر على المدن الكبيرة بل امتدت إلى القرى

مقهى المعرض الدائم الثقافي ضمن دورات مهرجان بني عمار زرهون
مقهى المعرض الدائم الثقافي ضمن دورات مهرجان بني عمار زرهون
TT

المقاهي الأدبية في المغرب... تجارب لكسر نخبوية الثقافة

مقهى المعرض الدائم الثقافي ضمن دورات مهرجان بني عمار زرهون
مقهى المعرض الدائم الثقافي ضمن دورات مهرجان بني عمار زرهون

ما الوسائل الكفيلة بتجاوز النظرة النمطية السلبية عن المقاهي بوصفها فضاء لإهدار وقتل الوقت، والنميمة الاجتماعية، وملء الكلمات المتقاطعة وأشياء أخرى؟ وكيف يمكن خلق فعل فكري ثقافي وأدبي في المقاهي؟ تساؤلات يطرحها المنشغلون بالشأن الثقافي بالمغرب، ويتقاسمها معهم المبادرون إلى تأسيس المقاهي الثقافية والأدبية منذ أواخر الألفية الماضية.
وإذا كان كثير من المقاهي على المستوى العالمي قد ارتبط بأسماء شخصيات من المفكرين والأدباء والسياسيين، مثل نجيب محفوظ في مصر (مقهى «ريش» و«الفيشاوي» بالقاهرة)، وجان بول سارتر في فرنسا («دو فلور» في باريس)، وفرانز كافكا في التشيك («مونتمارتر» في براغ)، فإن المغرب لم يخرج عن هذا السياق، فقد اعتاد عدد من المثقفين والسياسيين والفنانين ارتياد مقاهٍ معينة (مقهى «باليما» المقابل لمقر البرلمان بالرباط، و«لا كوميدي» وسط الدار البيضاء).
ورغبة في الخروج بالفعل الثقافي من القاعات المغلقة، وتغيير الصورة المتداولة السلبية اللصيقة بالمقاهي التقليدية، وأيضاً السعي إلى كسر نخبوية الثقافة، شهدنا منذ العقدين الماضيين مبادرات لتحويل بعض المقاهي إلى فضاءات ثقافية وأدبية، من أجل تجاوز عجز المؤسسات الثقافية، وتقريب مختلف ضروب الأدب والفن والسياسة والثقافة إلى الناس.

توسيع قاعدة الاستهلاك الثقافي

في عام 2015، تشكلت «شبكة المقاهي الثقافية» التي كانت تضم في بدايتها 5 مقاهٍ فقط بالرباط، لتصل حالياً إلى ما يناهز 40 مقهى ثقافياً وأدبياً بمدن وجهات مختلفة، وهي «قفزة نوعية»، كما يقول رئيس الشبكة نور الدين أقشاني لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً أن الشبكة قامت بتنظيم مجموعة من الأنشطة، منها على الخصوص لقاءات مع مفكرين وأدباء وفنانين، وقراءات وتوقيع للكتب الجديدة، فضلاً عن إصدار عدة مؤلفات في القصة والرواية.
إن إدراج الثقافة والأدب والفن بفضاءات المقاهي، كما يضيف: «يتميز بالتفاعل مع جمهورٍ غالبيته غير معتاد على زيارة المكتبات ودُور الثقافة والمسارح، وهو ما يعني إخراج الثقافة والأدب من بين جدران هذه المؤسسات وتقريبها إلى المواطن العادي والبسيط، ومن مختلف الشرائح. فالمقاهي الأدبية تسعى إلى تجاوز عجز المؤسسات الثقافية، وإخراج الفعل الثقافي من دائرة الفضاءات المغلقة، وكسر نخبوية الثقافة من خلال جعلها ممارسة شعبية، وتقريب الثقافة من الأماكن البعيدة عن المركز، وتوسيع قاعدة الاستهلاك الثقافي».

مقهى الشعر

ويذكر أقشاني أن شبكة المقاهي الأدبية بالمغرب التي استضافت أكثر من 150 فعالية ثقافية وفنية وسياسية ومجتمعية، في لقاءات وحوارات مباشرة مع الجمهور، طورت تجربتها بتنظيم عدد من التظاهرات الكبرى المتخصصة، كـ«المقهى الشعري»، بمناسبة «اليوم العالمي للشعر»، و«نقرأ في الطبيعة»، بمناسبة «اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف»، و«ليالي المقاهي الثقافية الرمضانية والحقوقية».
وتنفرد مدينة آسفي الواقعة على الساحل الأطلسي (325 كيلومترًا جنوب الرباط) بتجربة متميزة، تتمثل في «المقهى الأدبي والثقافي» التي تشغل مجموع مساحة الطابق الأرضي لإحدى العمارات العصرية بهذه الحاضرة المغربية.
ويسعى هذا المقهى -وفقًا لصاحبه محمد الشقوري، نقيب المحامين السابق بآسفي- إلى «تغيير الصورة السلبية المتداولة في المخيال الجمعي حول المقاهي، بوصفه ملتقى للثرثرة وإهدار الوقت»، موضحاً أن أنشطة هذا المقهى على الرغم من كونها تُمول بالكامل من طرف صاحبه، في غياب أي دعم أو منحة مالية، فقد «أصبح عنواناً معروفاً لدى المهتمين بالشأن الثقافي والأدبي؛ ليس فقط على صعيد المدينة، ولكن على المستوى الوطني».
ومنذ تأسيس المقهى في أبريل (نيسان) 2005، استضاف نخبة من المفكرين والمثقفين والفنانين والإعلاميين، وهو ما ساهم في تنشيط الحركة الثقافية في آسفي، والدفع بها قُدماً حتى تستعيد هذه الحاضرة ما كان لها من توهج وإشراق ثقافي في الماضي، وتحويلها إلى ملتقى للمثقفين والأدباء والفنانين، ومجال لتبادل الرأي حول السبل القمينة بالمساهمة في تحقيق التنمية الثقافية بالمدينة أو بمجموع الإقليم، مع الانفتاح على المؤسسات الفكرية والعلمية والجامعية.
ويقول الشقوري إن المقهى الأدبي والثقافي بآسفي يعمل جاهداً على تحبيب الثقافة، وترسيخ قيم الاختلاف والقبول بالرأي والرأي الآخر، ونشر أخلاق حسن الإنصات، وتعزيز آداب الحوار بين مكونات المشهد الثقافي. وقد احتضن منذ تأسيسه أكثر من 100 شخصية فكرية وفنية وسياسية من مختلف المشارب، وإن أنشطته المتنوعة لم تقف عند حقل ثقافي واحد؛ بل قاربت أجناساً وحقولاً وتخصصات وفروعاً معرفية مختلفة من سائر العلوم والفنون؛ من بينها الشعر والزجل والقصة والرواية والمسرح والثقافة الشعبية والنقد الأدبي والموسيقى والفن التشكيلي والفلسفة، من خلال المحاضرة والندوة تارة، والحفل الشعري والموسيقي تارة أخرى.

مقهى ثقافي بقرية نائية

ولم تقتصر تجربة المقاهي الثقافية والأدبية على المدن؛ لكنها امتدت إلى القرى؛ بفضل بعض الفعاليات الأدبية والإعلامية، منها مقهى «قصبة بني عمار زرهون» (180 كيلومتراً شرق الرباط).
وفي هذا الصدد، قال الكاتب والإعلامي محمد بلمو لـ«الشرق الأوسط»، في معرض توقفه عند هذه التجربة: «تعود بي الذاكرة إلى سنة 2001 في قصبة بني عمار زرهون، بتنظيم الدورة الأولى لـ(مهرجان بني عمار)؛ البلدة التي لا تتوفر على بنيات ثقافية، مثل دار الثقافة أو دار الشباب، ولا على بنيات استقبال كالفنادق والمطاعم. وكان لا بد لنا من فضاء خاص بحفلات توقيع الكتب واللقاءات الأدبية، فكان الحل هو استخدام أحد المقاهي التقليدية، وهو عبارة عن بناء تقليدي كأغلب مباني القصبة التي تعود إلى العهد المريني، يتميز ببرودته في فصل الصيف الحارق. وسبب اختيار هذا الفضاء هو أنه كان مناسباً للأنشطة الأدبية، وأطلقنا عليه (مقهى المعرض الدائم) الذي أبدع أصحابه في تأثيثه، حيث تم تغليف الكراسي والطاولات بصناعة الدوم المحلية المعروفة بـ(لوضيفة) مع تزيين الجدران بنماذج من المنتوجات المحلية، مما طبع فضاء هذا المقهى الثقافي الأول من نوعه بسحر خاص».
وذكر بلمو أن هذا المقهى استقبل، طيلة دورات مهرجان بنى عمار، عشرات من الأدباء والمبدعين والفنانين، بالإضافة إلى المجموعات الغنائية الشهيرة، مثل: «ناس الغيوان»، و«جيل جيلالة».
وعبر بلمو عن اعتقاده بأن ما نطلق عليه «أزمة قراءة» لا يعني غياب القراء؛ بل يعني غياب خطط وأشكال جديدة لترويج وتسويق الكتاب من طرف «الناشرين الكسالى»، كما يعبر. أما القراء فإنهم موجودون، وما علينا إلا أن نقترب منهم ونطرق أبوابهم، لا أن ننتظر منهم المجيء إلينا في أبراجنا الوهمية.
وعن الصعوبات التي تواجهها تجربة المقاهي الأدبية، فقد حددها أقشاني في «عدم رغبة عديد من أصحاب المقاهي في دخول المغامرة الثقافية، بحكم تغليب الهاجس التجاري، وغياب الوعي والقناعة بأهمية فتح فضاءاتهم للثقافة».


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

زينة دكّاش.. فكّت أصفاد السجناء وأصفادَها بقوّة المسرح

الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية "زينا لبست خلخالها" (صور دكّاش)
الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية "زينا لبست خلخالها" (صور دكّاش)
TT

زينة دكّاش.. فكّت أصفاد السجناء وأصفادَها بقوّة المسرح

الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية "زينا لبست خلخالها" (صور دكّاش)
الممثلان والمخرجان زينة دكّاش وكريم شبلي شريكا مسرحية "زينا لبست خلخالها" (صور دكّاش)

ليس المسرح في كل حالاته مساحةً للبهرجة والديكورات الضخمة وجحافل الممثلين على الخشبة. يمكن للمسرح أن يكون مساحة حميمة، مجرّدة من التفاصيل الكبيرة والصغيرة؛ كأن تطلّ ممثّلة بشَعرٍ مربوط، وبوَجهٍ لم يمرّ عليه قلم كحل، وبالملابس التي ترتديها في أي يومٍ عادي.

تُكلّم نفسها والجمهور وشريكها في المسرحيّة وأرواحَ من غابوا، بأريَحيّةِ مَن يبوحُ لنَفسِه في المرآة، وبكلماتٍ تشبه يوميات الناس. تروي حكاياتٍ شخصيّة يتماهى الجميع معها، لِما فيها من ندوبٍ وغصّاتٍ وابتساماتٍ متوارَثة عبر أجيالٍ من العائلات، على اختلاف الأسماء والانتماءات والأماكن.

يَحدُث أن يكونَ اسمُ تلك الممثّلة زينة دكّاش، صاحبة المسيرة غير التقليديّة على الخشبة وبعيداً عنها. فلأكثر من 20 سنة مضت، والفنانة اللبنانية منشغلة بتَفتيتِ كل ما هو خشبيّ، وبتحطيم القيود والقضبان، وبتمزيق قمصان التقييد عن أجساد أسراها.

زينة دكّاش صاحبة مسيرة غير اعتياديّة دمجت بين المسرح والعلاج بالدراما (صور دكّاش)

"كلُّنا مجرّدُ عابرين في هذه الدنيا. إذا امتلكنا موهبةً أو قدرة أو معرفة، لا يجب أن نبخل على الآخر بها". على هذه القاعدة تواصل زينة دكّاش المسير وفق ما تخبر "الشرق الأوسط". وعليها أيضاً ارتكزت لتقدّم آخر أعمالها المسرحيّة "زينا لبست خلخالها" بالاشتراك مع الممثل والمخرج كريم شبلي.

إذا كانت المسرحيّة تحمل الكثير من البَوح الشخصي الشافي، والمرتبط بالأب والأمّ والأخ الغائبين جسَداً والحاضرين روحاً، فهي "دعوة للمتفرّجين كذلك كي يبحثوا عن شفائهم الخاص"، تقول دكّاش. ومن المعروف عن المخرجة والممثلة أنها غاصت في عالم الـ"كثارسيس" catharsis أي العلاج النفسي بالدراما، إلى درجة أنّها شهدت على شفاء مساجين ومرضى درّبتهم لسنوات.

قبل أقلّ من عامين، وقف إلى جانبها على الخشبة سجينٌ سابق درّبته هو يوسف جول، كان قد أمضى 30 سنة خلف القضبان. على مدى عامٍ كامل، شاركَ زينة مسرحيّتها "اللي شبكنا يخلّصنا" كممثل أساسي. "يوسف نموذج على أنّ العلاج بالتمثيل والمسرح قادر فعلاً على تحقيق الشفاء. ومثلُه كثيرون حطّموا قضبانهم وتحرّروا بواسطة الفن"، توضح دكّاش.

في "اللي شبكنا يخلصنا" تشاركت دكّاش المسرح مع سجين سابق (إنستغرام)

من قلب المسرحيّة الجديدة، يصدح صوت زينة دكّاش الطالع من أسطوانةٍ سجّلتها قبل أعوامٍ كثيرة. كلمات الأغاني مثيرة للابتسام وألحانُها مثيرة للفرح. العائد بالذاكرة إلى زينة القديمة والناظر إلى تلك الواقفة على المسرح الآن، يندهش بالمسافتَين الروحيّة والفنية اللتَين قطعتهما، من دون أن تتخلّى عن خفّة ظلّ وعفويّة الشخصية التي تعرّفَ عليها الجمهور من خلالها قبل 25 سنة.

"في (زينا لبست خلخالها) تعمّدتُ أن أعانق وأحتضن كل قطعة مني وكل المراحل التي عبرتُها في حياتي"، تقول. صحيح أنّ دكّاش أنجزت الكثارسيس الخاص بها متابِعةً مشوار التفكيك النفسي منذ 25 سنة، هي التي وازنت في دراستها الأكاديمية وممارستها المهنية ما بين التمثيل وعلم النفس. لكن قبل سنوات قليلة، ومع رحيل الوالدَين، طفا على وجه الذاكرةِ والروح، ملفٌ لم يُقفَل بعد. يحمل الملفّ اسمَ "زوزو" أو جوزيف دكّاش، ذاك الأخ الذي رحلَ في الـ12 من عمره عن اعتلالٍ خلقيّ عصيّ على المداواة. كانت زينة حينها في الرابعة من عمرها ولم يتسنَّ لها منذ ذلك اليوم أن تتعمّق في ذلك الجرح إلى آخرِه.

في "زينا لبست خلخالها" تعمّدتُ أن أعانق كل قطعة مني وكل المراحل التي عبرتُها – زينة دكّاش

"قبل وفاة أمّي كان الصمتُ يلازمُ حكاية زوزو، تجنُّباً لتأثُّرها وانهيارها"، تُخبر دكّاش. لكن مع السكونِ الذي حلّ في البيت بعد غياب الوالد في 2019 والوالدة في 2023، شعرتْ وكأنّ أخاها لم يأخذ حقّه من الحكاية، ولمسَت جهوزيّةً في داخلها للبَوح ببعض تفاصيل تلك القصة العالقة في عُمق الذاكرة. وما الدموعُ التي انهمرت من عينَي زينة في ختام كل عرض، سوى "تعبيرٍ عن الامتنان لفرصة التواصل مع زوزو من خلال المسرح"، وفق تعبيرها.

كان كريم شبلي خيرَ سنَدٍ في رحلة اللقاء بزوزو. وكأنه ضربَ موعداً مع زينة في قاعة المسرح، ليساعدها في تفريغ الصناديق الممتلئة بالذكريات، وفي التخفّف من الأوراق المتراكمة في الملفّات. لم يقتصر الأمر على مجرّد كيمياء بين ممثّلَين على الخشبة وكاتبَين على الورق، بل تَجاوزَه إلى صِلةٍ روحيّة تجَلّت خصوصاً في نهاية العرض. عن تلك العلاقة التي نُسِجت خلال التحضير لـ"زينا لبست خلخالها"، تقول دكّاش: "إصرار كريم شبلي وإيجابيّته دفعاني إلى الإنجاز والتنفيذ وأنقذاني من التسويف، فرحلة الكتابة كانت شاقّة لا سيّما في الأجزاء المتعلّقة بأخي".

"إصرار كريم شبلي دفعني إلى التنفيذ وأنقذني من التسويف" – زينة دكّاش

ومَن خفّف عن دكّاش شقاء الرحلة كذلك وسكبَ معها أفكاراً على الورق، سيّدة تُدعى زلفا تواصلت معها قبل شهرٍ من العرض، معرّفةً عن نفسها: "أنا مَن كنت أساعدُكم في الاعتناء بزوزو عندما كنتما صغيرَين". رأت زينة في تلك الرسالة إشارةً علويّة من شقيقها برغبةٍ لديه في أن تُبصر المسرحيّة النور، مع العلم بأنّها لم تكن قد سمعت أيَ خبرٍ عن زلفا منذ رحيل شقيقها قبل أكثر من 40 سنة.

اجتمعت العناصر كافةً كي تستكمل زينة الكثارسيس خاصّتَها لكن هذه المرة أمام عيون الناس، وبجرأةِ المتصالحين مع أرواحهم وجراحهم، غيرِ العاتبين على قدَرٍ حمّلَ أكتافَهم أكثر من طاقتها.

تُستأنَف عروض المسرحيّة خلال فترة أعياد نهاية السنة (صور دكّاش)

البَوح العلنيّ أمام الناس، لا يُقلق زينة دكّاش بِقَدْرِ ما تُربِكُها لوجستيّات المسرح؛ بما فيها من تفاصيل إنتاجيّة كالحجوزات، والإعلانات، والإضاءة وغيرها. ففي عيون الممثلة، المسرح ليس خشبةً مستطيلة وقاعة ذات مقاعد مخمليّة حمراء؛ "المسرح أوسَع وأعمَق بكثير من أن نُكبّلَه بتفاصيل الإنتاج". تستعيد دكّاش هنا تجربتها التي امتدّت 18 سنة مدرّبةً عشرات المساجين في السجون والمرضى في المصحّات العقليّة اللبنانية: "في سجن رومية كنت أحوّل غرفة صغيرة أشبَه بزنزانة إلى مسرح، وفي مستشفى الأمراض العقليّة كانت الحديقة تتحوّل إلى محترف تمثيل".

قبل أن تلبس زينة خلخالها وتتمايل به مُعلنةً موسماً جديداً من الأمل والفرح، لم تَبخل به على كل مًن عملت إلى جانبهم. بدّلت أصفاد السجن بخلخال الحرية. أدخلت الفن إلى أماكن لا تدخلها الشمس، وجعلت التمثيل بديلاً عن الحبوب المهدّئة.


ناجية من هيروشيما لـ«الشرق الأوسط»: ما زلت أتذكر وأبكي

 ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)
ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)
TT

ناجية من هيروشيما لـ«الشرق الأوسط»: ما زلت أتذكر وأبكي

 ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)
ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)

رغم مرور 81 عاماً على المأساة، تستعيد اليابانية ساداي كاساوكا (94 عاماً) لحظات نجاتها من القنبلة الذرية التي ألقتها القوات الجوية الأميركية على هيروشيما في السادس من أغسطس (آب) 1945، وتقول بتأثر لـ«الشرق الأوسط» إنها ما زالت تتذكر تلك اللحظات وأحياناً تبكي.

ومع تلك المعاناة سعت السيدة إلى نقل تجربتها للأجيال؛ إذ عملت في حكومة محافظة هيروشيما، ثم مستشارةً للناجين حتى بلغت 79 عاماً وبدأت تروي تجربتها علناً عام 2000.

وكانت كاساوكا في الثانية عشرة من عمرها حينذاك، ولم تكن تعرف أن ذلك الصباح سيقسم حياتها إلى ما قبل القنبلة وما بعدها. وتقول: «كنت في منزل أسرتي بحي إبا، على بُعد نحو 3.5 كيلومتر من مركز الانفجار، أُنهي بعض الأعمال المنزلية البسيطة، فيما غادر والداي لمساعدة معارفنا في هدم منزل بوسط هيروشيما». وبعد نحو ثمانية عقود، لا تزال ساداي تستعيد المشهد كما لو أن الوميض البرتقالي لم ينطفئ، تروي قصتها، كما تقول، لا لتستعيد الألم وحده، بل كي لا تبقى تجربة الناجين رقماً في سجل الكارثة. لا تخفي كاساوكا أنها شعرت في السنوات التي أعقبت إلقاء القنبلة النووية التي تسميها بـ«كتلة شر» بغضب تجاه الولايات المتحدة، لكنها غيّرت نظرتها بعد أن التقت أشخاصاً كثيرين من بلدان مختلفة، ساعدوا ضحايا هيروشيما وعملوا من أجل السلام. وقالت: «لم أعد أكره شعباً؛ ما أكرهه هو القنبلة الذرية».


إطلاق «شتاء السعودية» بباقة فعاليات واسعة وأنشطة سياحية متنوعة

خيارات متنوعة يقدمها «شتاء السعودية» في وجهات الموسم (واس)
خيارات متنوعة يقدمها «شتاء السعودية» في وجهات الموسم (واس)
TT

إطلاق «شتاء السعودية» بباقة فعاليات واسعة وأنشطة سياحية متنوعة

خيارات متنوعة يقدمها «شتاء السعودية» في وجهات الموسم (واس)
خيارات متنوعة يقدمها «شتاء السعودية» في وجهات الموسم (واس)

أطلق وزير السياحة أحمد الخطيب جدول فعاليات برنامج «شتاء السعودية» لهذا العام، الذي يجمع باقة واسعة من الفعاليات والأنشطة السياحية المتنوعة في عدة وجهات شتوية داخل البلاد، بما يمنح الزوار خيارات متعددة لقضاء موسم حافل بالتجارب التي تلائم مختلف الاهتمامات والأعمار.

واستعدت مجموعة من الوجهات لاستقبال الزوار، منها الرياض والعلا والقصيم وحائل وجدة والخبر والأحساء والمدينة المنورة والبحر الأحمر، ويقدم الجدول تحت شعار «شتاء السعودية على ما تحب»، نافذة متكاملة لاستكشاف أبرز الفعاليات والأنشطة والتجارب التي تحتضنها خلال الموسم.

وتجمع الفعاليات بين الترفيه والثقافة والمغامرة والاسترخاء، بدءاً من المهرجانات والفعاليات الرياضية والعروض الحية والتجارب الثقافية والتراثية، وصولاً إلى الرحلات الطبيعية والمغامرات الصحراوية، والإقامة في المنتجعات.

ويُوفِّر الموسم خيارات متنوعة من المطاعم والمقاهي والتسوق والجلسات المطلة على البحر، بما يتيح للزوار من العائلات والأصدقاء تصميم رحلاتهم وفق اهتماماتهم، والجمع بين تجارب متعددة خلال زيارة واحدة.

ويعكس جدول فعاليات «شتاء السعودية» تنوع الخيارات التي تقدمها الوجهات الشتوية في المملكة، من الفعاليات العالمية الكبرى والتجارب الترفيهية في المدن، إلى المواقع التاريخية والمسارات الطبيعية والمغامرات الصحراوية، بما يمنح كل زائر مساحة لاختيار تجربته الخاصة، واكتشاف المزيد مما تقدمه البلاد خلال هذا الموسم.

كانت «هيئة السياحة» نظمت ورشة عمل لبرنامج «شتاء السعودية» لهذا العام، بمشاركة أكثر من 100 شريك من القطاعين العام والخاص، حيث يشمل البرنامج أكثر من 1800 منتج سياحي، إلى جانب العديد من الفعاليات والأنشطة النوعية والتجارب الثقافية والطبيعية، التي تلائم مختلف الشرائح وتعزز تنافسية الوجهات وترفع جاذبيتها خلال الموسم.