«لست كما يدّعون»... بطل مأزوم يشكو همومه للمرآة

تنويعات سردية ـ سينمائية على عوالم سردية

«لست كما يدّعون»... بطل مأزوم يشكو همومه للمرآة
TT

«لست كما يدّعون»... بطل مأزوم يشكو همومه للمرآة

«لست كما يدّعون»... بطل مأزوم يشكو همومه للمرآة

رواية «لست كما يدعون» للروائي آريان صابر الداودي، الصادرة عام 2022، رواية فريدة في بابها، ذلك أنها تعتمد على لونٍ من السرد الهذياني (Delerous Narration)، إذْ تقدم الرواية بكاملها عبر بنية الرواية المونولوغية أحادية الت، بمنظور ميخائيل باختين، من خلال وعي بطلها المصاب بلون من مرض الهذيان العصابي، حيث يقدم الراوي، وهو البطل المركزي في الرواية أيضاً، رؤيته للأحداث، وهو يحاول أن يدفع عنه التهمة التي يلصقها به الآخرون كونه مجنوناً أو مصاباً بالهلوسة، ولذا نراه دائماً يؤكد لطبيبه النفسي الافتراضي أنه ليس كما يدعون، التي أصبحت لازمة سردية يختتم بها الراوي مروياته وحكايته عبر مبدأ «التنضيد السردي»، وهو ما عبر عنه عنوان الرواية بوصفه العتبة النصية الأولى التي تقدم للقارئ أفق توقع مفتوح على تأكيدات متلاحقة، يطرحها الراوي في لون من السرد الشفاهي والمرافعة القانونية على أنه يتمتع بقدرة عقلية ونفسية سليمة، وأنه، كما يقول العنوان «لست كما يدعون».
فالسرد المهيمن في الرواية، هو سرد الراوي المركزي، بطل الرواية المصاب بالهذيان، الذي يوظف فيه ضمير المتكلم (أنا)، وهو يوجه خطابه نحو آخر افتراضي، هو الطبيب النفسي الذي يعالجه، وهو ما نجده في استهلال المتن الروائي الأصلي:
«يا سيدي الطبيب، أكلمك هنا بصراحة تامة خالصة، حدق في عيني جيداً، ستجد إن كنت كما أدعي، أم كما يدعون» (ص 13).
وعبر هذا السرد الشفاهي، يقوم الراوي بسرد حكاية جديدة عن حياته وأسرته وأصدقائه وحبيباته، ويختتم كل فصل بلازمة مكررة وهو يخاطب طبيبه النفسي المتخيل:
«سأكمل لك أحاديث أخرى في وقت لاحق» (ص 52).
وسوف يفاجأ القارئ أن البطل هذا كان في الواقع يخاطب مرآة ليس إلا، وهو ما صدم والدته في الفصل الأخير عندما دخلت إلى غرفته ووجدته يخاطب المرآة، فصرخت برعب:
«حجي حسام... تعال أخذ إبنك للسيد الملا... صاير يحجي ويه روحه» (ص 154).
وكانت الأم قد فوجئت وهي تشاهدهُ وهو يضع بين كفيه مرآة يحدثها (ص 154).
ومن الطريف أن الراوي «فكر لحين قدوم والده أن يجعل صديقه الدكتور (المرآة) في مكان آمن» (ص 154).
والحقيقة أن اصطحاب الراوي إلى «السيد الملا» هنا، كما يبدو، لا يجري للمرة الأولى، إذْ وجدنا الأسرة في الصفحات الاستهلالية الأولى غير المرقمة، التي يمكن أن نعدها بمثابة عتبة نصية دالة، تصطحبه إلى «السيد الملا» الذي يقوم بطقوس تعذيب حقيقية لكي يطرد كما يعتقد «الجان» الذي دخل جسمه وعقله وهو يصرخ به: «اخرج يا ملعون».
إذْ يصور الروائي في هذا الاستهلال مشهداً يمارس فيه «السيد الملا» طقوس طرد الجان، كما يزعم وهو يداعب لحيته:
«جان بيه جني... بس آني وبفضل خبرتي بهالمجال طردته» (ص 9).
وبناءً على توصية «السيد الملا»، فقد وضع البطل في غرفة خاصة منفصلة عن الضوضاء لكي لا يرجع الجني إليه، حيث بقي وحيداً، لمدة ثلاثة أيام، مرت عليه ثقيلة وطويلة قرر بعدها أن ينفذ خطة طرأت له:
«هكذا: أمضى ثلاثة أيام، بلا نوم وحتى راودته فكرة وقرر أن يمارسها... وأصبح يردد مع نفسه: دعهم يقولون فأنا لست كما يدعون» (ص 11).
وهذا الإعلان من قبل الراوي هو الذي يفتح ملف السرد بضمير المتكلم (أنا) على امتداد فصول الرواية اللاحقة، حيث يقرر بعدها أن يخاطب طبيبه النفسي الافتراضي عبر المرآة، كما اكتشفنا في نهاية الرواية.
ويبدو الراوي وهو يقدم مروياته وحكاياته للمرآة/ الطبيب، مثل شهرزاد في «ألف ليلة وليلة» وهي تروي حكاياتها إلى الملك شهريار، لكن شهريار في هذه الرواية افتراضي ومتخيل ويطل عبر المرآة فقط.
أما زمكان الرواية فواضح تماماً، فالمكان هو مدينة كركوك، وجامعتها، والقسم الداخلي لطلبتها، حيث يقيم البطل وأصدقاؤه من طلبة الجامعة. أما الزمان، فيظهر أنه بعد الاحتلال لأن هناك أكثر من إشارة إلى أصوات الانفجارات (ص 42) وإلى نقاط التفتيش، ونشاط القوى الإرهابية، التي كانت تنصب نقاط تفتيش وهمية، يذهب ضحيتها العشرات من المواطنين، كما كان الحال بمقتل مواطن من قبل نقطة تفتيش وهمية كان البطل شاهداً عليها (ص 148). ونجد تداخلاً بين هذه البيئة الزمكانية للأحداث الروائية التي تدور داخل مدينة كركوك، وبين الأزمة النفسية الداخلية التي يعيشها البطل، والتي نطل عليها من خلال منظور بطل الرواية الطالب في كلية القانون (ص 23) في جامعة كركوك: «شارع المحافظة من شوارع كركوك الجميلة، فنادق وعمارات ومحلات تجارية، مثلجات، مطاعم، والسيارات التي تملأ شوارعها» (ص 118).
وفي مقابلة صورة المدينة العصرية هذه، التي تمثلها مدينة كركوك، نجد صورة أخرى للقرية التي جاء منها، وهي قرية بسيطة وبدائية تقع قريباً من مدينة الخالص: «آه... قريتي الجميلة، مع دخولها استنشقت الهواء الذي يعالج الأمراض. يا دكتور، حياة المدن تختلف عن حياة القرى ونحن نمارس كل شيء هنا، ونحدد حدوداً معينة» (ص 113).
ويخيل لي أن من أسباب الاضطراب النفسي لدى البطل يعود إلى اصطدام ابن القرية البدائية بمظاهر المدينة الصاخبة، كما أن مشهد قتل المواطن البريء (وهو شرطي) على أيدي الإرهابيين الذين نصبوا نقطة تفتيش وهمية سبب له، صدمة شديدة، أدت إلى تدهور حالته النفسية تدريجياً، ودخوله في حالة الهذيان والهلوسة هذه. فعندما وصل إلى قريته بعد أن شاهد مقتل الشرطي انهار جسدياً ونفسياً، وبدأ يهذي ويهلوس مما دفع بأسرته إلى نقله إلى «السيد الملا» لعلاجه، ولطرد «الجني» الذي تلبسه، كما يظنون.
لقد تحولت الرواية تدريجياً إلى التحليل السيكولوجي لشخصية البطل، خصوصاً بعد مشاهدته لمنظر قتل الشرطي على أيدي الإرهابيين: «شعرت أنني أفقد حواسي، لوهلة أصبحت أقرب إلى الموت مني إلى الحياة، شفتاي ترتجفان، وكانت ساقاي تصطكان، شعرت أن رأسي يدور» (ص 15).
لقد شعر البطل أنه قد فقد الكثير من قواه، وكأنه آلة تتحطم: «لقد هزتني المشاعر هزاً عميقاً وزعزعت كياني من الجذور» (ص 150).
ومن هنا نجد أهمية هذا التفاعل بين الواقع السياسي والأمني الخارجي من جهة، وبين تدهور الحالة النفسية للبطل من جهة أخرى، حتى ليمكن القول إن الواقع الخارجي هو المسؤول غير المباشر عن الأزمة النفسية والشخصية للبطل.
ومن خلال تشكل هذا النمط من الشخصية العصابية، نجح الروائي إلى حد كبير في استغوار العالم الداخلي للبطل ونوازعه السرية.
لقد انطوت رواية «لست كما يدعون» على تنويعات سردية، فقد بدأ السرد الروائي في العتبة النصية الأولى عبر «السرد كلي العلم» وعبر ضمير الغيبة (هو): «في المساء، عند الشفق، كان يرتجف كورقة في مهب الريح... بلغ به الذعر حداً لم يعرفه من قبل، يردد مع نفسه بصمت (أنا لست مجنوناً)» (ص 19).
وفي هذا السرد نجد بنية المشهد السينمائي هي التي تهيمن على السرد، حيث نجد أدق التفاصيل المتعلقة بزيارته العلاجية إلى «السيد الملا». ويعود هذا «السرد كلي العلم» بضمير الغائب في الفصل الأخير، الذي تنادي فيه الأم زوجها (حسام) للإسراع بنقل ابنهما إلى «السيد الملا»، لأنه «صاير يحجي ويه روحه» (ص 154).
وعدا هذين الفصلين اللذين يؤطران المتن الروائي، فإن السرد الروائي ينحو منحى السرد الذاتي عبر ضمير المتكلم (أنا)، حيث يسترسل بطل الرواية في تقديم مروياته وحكاياته إلى طبيبه المتخيل عبر المرآة.
لقد وفق الروائي في خلق بنية رواية السرد الذاتي الداخلي، حيث الولوج إلى العوالم السرية الدفينة اللا وعي، مما أكسب الرواية بشكل عام مظهر الرواية السيكولوجية، من خلال التركيز على التحليل النفسي غير المباشر لنفسية البطل وعالمه الداخلي.
إلى جانب هذا السرد عبر ضمير المتكلم (أنا)، نجد سرداً عبر ضمير الغيبة (هو)، لكنه هذه المرة، يختلف عن السرد كلي العلم لأنه سرد «مبّأَر»، وهو في الجوهر تحويل أو تعديل لضمير السرد، لأنه سرد على شكل مونولوغ يدور داخل أعماق الشخصية الروائية، ويسمى بـ«أنا الراوي الغائب»، كما ذهب إلى ذلك الناقد تزفيتان تودوروف، وقد يسمى أيضاً بالمونولوغ المروي (narrated monologue): «كان يحس أن الناس كانت تراقب حركاته وجلسته، أنفاسه، نظراته، كل إشارة من إشاراته، كأنه يشاهد الجميع يتكلمون عنه» (ص 158).
من الواضح أن هذا السرد مبأَر (foclized)، ويمكن بسهولة استبدال الضمير «هو» بالضمير «أنا» لنحصل على نتيجة واحدة، هي الانثيال الحر للمشاعر والأحاسيس والأفكار بعفوية وتلقائية. فالبطل هنا يبدو مصاباً بنوع من مرض عصابي هو «البارانويا» (paranoia) يشعر فيه المريض بأنه مطارد ومضطهد، وبأن الجميع يراقبه، ويضطهده، كما يبدو لنا بأنه مصاب بالكآبة «melancholy» (المالنخوليا)، خصوصاً عندما كان يصف مشاعره: «وبالنسبة للوضع الصحي يا دكتور، كنت أشعر بين حين وآخر بالدوار وضيق في التنفس، وكنت أحياناً أرغب أن أكسر كل شيء حولي» (ص 115).
رواية «لست كما يدعون» رواية متفردة، لأنها انفردت بالاشتغال على لون من شعرية السرد الهذياني المنفلت لاستغوار عالم البطل الداخلي، وكانت موفقة إلى حد كبير في تحقيق ذلك.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
TT

دواء لعلاج الأطفال المصابين بالتقزم يثير جدلاً أخلاقياً

يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)
يأمل الآباء أن يُسهم الدواء في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة (بكسلز)

أثار دواءٌ يُساعد الأطفال المصابين بالنوع الأكثر شيوعاً من التقزم على زيادة طولهم جدلاً أخلاقياً واسعاً. ففي حين يأمل الآباء أن يُسهم هذا الدواء، إلى جانب زيادة الطول، في الوقاية من مضاعفات صحية خطيرة، يخشى المنتقدون أن يُوحي علاجٌ يركز على زيادة الطول بأنَّ التقزم حالةٌ تستدعي العلاج.

ويُستخدم دواء «فوسوريتيد»، الذي يُباع تحت اسم «فوكسزوغو»، لعلاج الأطفال المصابين بالودانة، وهي حالة وراثية تُعيق نمو العظام. وقد تمت الموافقة عليه في أوروبا عام 2021، وهو مُصرّحٌ به الآن للأطفال من عمر أربعة أشهر، في وقت لا تزال عظامهم في طور النمو.

وتُشير التجارب السريرية إلى أن «فوسوريتيد» يُسرِّع النمو. لكن يبقى من غير المؤكد ما إذا كان بإمكانه الوقاية من مضاعفات طبية خطيرة أو تحسين جودة الحياة على المدى الطويل.

ويثير هذا الأمر تساؤلات صعبة حول معايير العلاج الناجح، ومدى حقّ الأشخاص المصابين بالتقزم الغضروفي في تحديد نتائجه.

وأصبحت الأدلة على أن دواء «فوسوريتيد» يزيد النمو راسخة. ويأمل الآباء أن يُسهم العلاج أيضاً في الحدّ من بعض المضاعفات الطبية المرتبطة بالتقزم الغضروفي. وتُظهر نتائج تجربة أُجريت في عام 2026 مؤشرات أولية على أن العلاج المبكر بـ«فوسوريتيد» قد يُحسِّن نمو العمود الفقري. كما وجدت دراسة أخرى انخفاضاً في معدلات بعض المضاعفات بين الأطفال في تجارب «فوسوريتيد» مقارنة بالبيانات المنشورة عن الأشخاص الذين لم يتلقوا الدواء. هذه النتائج واعدة، لكنها لا تُثبت بعد ما إذا كان العلاج سيمنع المضاعفات الخطيرة طوال الحياة. تابعت دراسة العمود الفقري الأطفال لمدة عام واحد فقط، وشملت أعداداً قليلة نسبياً.

ووفق مقال مشترك لكل من إيرين بريتشارد، المحاضرة الأولى في دراسات الإعاقة بجامعة ليفربول هوب الإنجليزية، وسامانثا ليلي، مدرّسة الصحة والتنمية الاجتماعية بجامعة ديكين الأسترالية، نُشر، الأربعاء، على موقع «كونفيرزيشين»، تُصعّب الدراسات الصغيرة تحديد ما إذا كانت الاختلافات تعكس تأثيرات علاجية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بالمضاعفات النادرة.

ووفق المقال، توجد أيضاً أسباب تدعو إلى الحذر عند افتراض أن بدء العلاج مبكراً جداً سيمنع حدوث مضاعفات خطيرة.

أظهرت الأبحاث التي أُجريت على أشخاص مصابين بالتقزم الغضروفي أنهم قد يواجهون صعوبات تتعلق بالصحة والوظائف البدنية، إلى جانب الحواجز الاجتماعية المرتبطة بالعيش في عالم مصمم وفقاً لأجسام متوسطة الطول.

وكما أوضحت الباحثتان، فإن تجربة تلقي العلاج تستحق اهتماماً خاصاً أيضاً. يتطلب دواء «فوسوريتيد» حقناً يومية طوال سنوات النمو. ووجدت دراسة أُجريت على سبع عائلات لأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وأربع سنوات أن الحقن قد تُسبب الخوف والألم والضيق لدى الأطفال.

ووفق المقال، تكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى تاريخ العلاجات التي تهدف إلى زيادة الطول. على سبيل المثال، لا تزال جراحة إطالة الأطراف مثيرة للجدل. فقد وجدت مراجعة منهجية أُجريت عام 2026 أنها قد تُحقق زيادات كبيرة في طول الأطراف، ولكنها تتطلب علاجاً طويل الأمد وتنطوي على مخاطر عالية لحدوث مضاعفات.

ويُولد نحو 80 في المائة من المصابين بالتقزم الغضروفي لآباء ذوي طول متوسط. وهذا ما يجعل تجارب البالغين المصابين بهذه الحالة ذات قيمة، خاصة عند تفكير العائلات في العلاج. ويتخذ الآباء عادةً قرارات بالموافقة على الرعاية الصحية لأطفالهم الصغار جداً. وهم في حاجة إلى معلومات واضحة تُفرِّق بين الفوائد المؤكدة والنتائج المرجوة أو غير المؤكدة.

لذا؛ يتجاوز النقاش الأخلاقي حول «فوسوريتيد» مجرد مسألة ما إذا كان الدواء يزيد من طول الأطفال، ليشمل أيضاً الفوائد الصحية التي تم إثباتها، وكيف يؤثر العلاج على الأطفال يومياً، ومن له الحق في تحديد مدى نجاحه.


«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
TT

«الزار»... طقس شعبي مصري يتطلع لقوائم الـ«يونيسكو»

«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)
«الزار» استخدم كطقس شعبي للعلاج النفسي ورصدته أفلام السينما والمرويات الشعبية (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

يستقر «الزار» في المرويات الشعبية كأحد الطقوس العلاجية المرتبطة بالغناء والموسيقى وربما التعاويذ القديمة، لكن تظل سمات «الزار» متفردة بأدواتها من الدفوف والبخور وحلقات الرقص المتصاعدة لتشكل طابعاً خاصاً في بيئات معينة. ومع تقلص حضور هذه الظاهرة، تسعى أبحاث علمية مصرية لتوثيقها ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي غير المادي بمنظمة «اليونيسكو».

في هذا الإطار، عرضت الدكتورة دينا سليمان، المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا» بحثاً بعنوان «الأصول الأثرية لطقوس الأداء الموسيقي الاستشفائي واستمراريتها الثقافية» ضمن مؤتمر عقده المجلس الأعلى للثقافة في مصر تحت عنوان «التراث الثقافي غير المادي إلى الأمام... الفرص والتحديات» بمناسبة اليوم العالمي للتراث.

وربط البحث بين طقوس «الزار» في الثقافة الشعبية الحديثة وامتداد ممارساته أو الأشكال الشبيهة به في الطقوس الاستشفائية والعلاجية بمصر القديمة، داعية في نهاية بحثها إلى توثيق النظم الإيقاعية والشفهية لفرائق «الزار» بمصر، وتسجيلها ضمن قاعدة بيانات التراث غير المادي. وضم هذا العنصر «الزار» الذي يمثل جزءاً من الممارسات والطقوس الشعبية لقائمة الصون العاجل للتراث غير المادي بـ«اليونيسكو».

جانب من الطقوس المصرية القديمة (البحث المقدم بمؤتمر التراث اللامادي)

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «دراسة (الزار) المعاصر في ضوء الممارسات الطقسية في مصر القديمة تفتح مجالاً مهماً لفهم جذور بعض المعتقدات الشعبية وتحولاتها عبر الزمن. فالمجتمع المصري القديم عرف طقوساً ارتبطت بالموسيقى والإيقاع والرقص والإنشاد، ولم تكن هذه العناصر مجرد وسائل للتعبير الفني، بل شاركت في سياقات دينية واحتفالية متعددة، ارتبط بعضها بعبادة الآلهة وبالتصورات المتعلقة بالحماية والتطهير والتعامل مع القوى غير المرئية».

وتتابع: «تأتي الإلهة حتحور في مقدمة الشخصيات الدينية التي تستحق التوقف عندها في هذا السياق؛ فقد ارتبطت بالموسيقى والرقص والدفوف والاحتفالات، وظهرت في مناظر ونصوص تعكس حضور هذه العناصر في الممارسات الدينية المصرية القديمة. ومن هنا يمكن طرح تساؤلات حول أوجه التشابه بين بعض هذه الممارسات وبين (الزار)، الذي تتداخل فيه الإيقاعات المتكررة والرقص الجماعي والغناء وأداء طقوس ذات دلالات اعتقادية، في إطار التعامل مع ما يُعتقد أنه تأثير للأرواح أو القوى غير المرئية».

ورصدت الباحثة أوجه التشابه بين الطقوس المصرية القديمة والمظاهر الطقسية لـ«الزار» الحديث دون أن تقطع بالتطابق بينهما ولكن لفتح الباب لمعرفة الامتدادات التاريخية لهذه الفكرة وتأثيراتها وتمثلاتها المعاصرة.

د. دينا سليمان صاحبة البحث عن «الزار» وأصوله المصرية القديمة (الشرق الأوسط)

وقالت إن «مفهوم التطهير والحماية من القوى المؤذية أو استرضائها يمثل جانباً مهماً في دراسة المعتقدات القديمة والطقوس الشعبية، فقد عرفت مصر القديمة منظومة متنوعة من الممارسات الوقائية، شملت التعاويذ والتمائم والطقوس المرتبطة بالحماية من الأخطار، وهو ما يعكس أهمية التعامل مع العالم غير المرئي في التصورات الدينية آنذاك. أما (الزار)، فتتباين تفسيراته وممارساته بحسب البيئات والتقاليد المحلية، ولذلك ينبغي دراسة عناصره في سياقها الخاص، دون افتراض تطابقها مع الطقوس المصرية القديمة».

وتوضح أن أهمية هذا الموضوع تكمن في ضرورة التمييز بين التشابه في الأداء الطقسي والاستمرارية التاريخية الفعلية. ومن ثم، «فإن البحث في العلاقة بين طقوس مصر القديمة و(الزار) لا يقتصر على المقارنة الشكلية، بل يسعى إلى فهم كيفية تشكل الممارسات الطقسية وتغير وظائفها ودلالاتها عبر العصور»، على حد تعبيرها.

مجموعة آلات فرق «الزار» التراثية بمصر (البحث المقدم لمؤتمر التراث اللامادي)

وتؤكد أن قراءة «الزار» من منظور الآثار وتاريخ الأديان تمنحنا فرصة لفهم جانب من الموروث الشعبي المصري، وتطرح أسئلة مهمة حول الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاج المعتقدات والممارسات. كما تؤكد أن دراسة الحضارة المصرية القديمة لا تقتصر على المعابد والمقابر والنصوص الدينية، بل تمتد إلى تحليل الطقوس والسلوكيات الإنسانية التي ارتبطت بالمعتقد، مع الالتزام بالفصل بين ما تثبته الأدلة ولا يزال في نطاق الفرضيات البحثية.

ونجحت مصر في سنوات سابقة في تسجيل 11 عنصراً ضمن قوائم «اليونيسكو» للتراث غير المادي، من بينها «السيرة الهلالية» و«الاحتفالات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر» و«الحناء» و«الخط العربي»، وغيرها من العناصر.


مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
TT

مدفن ابن حجر العسقلاني في مصر يظهر بحلة جديدة بعد ترميمه

ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)
ترميم مدفن ابن حجر العسقلاني (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

بعد سنوات من الإهمال أوصلته لحالة من التدهور كادت تؤدي إلى ضياعه وتهدمه تماماً عاد مدفن الإمام ابن حجر العسقلاني، الموجود في «قرافة الإمام الشافعي»، صاحب المصنفات الكثيرة وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، للظهور بحلة تليق به بعد ترميمه.

وكان قد وصف الباحث في شؤون القرافة والمدافن الإسلامية، إبراهيم طايع، تلك الأيادي التي قامت بالترميم بأنها «خبيرة وجديرة بالتصدي لمقابر تراثية أخرى للعديد من الأئمة والمحدثين وكبار العلماء والشخصيات البارزة في التاريخ الإسلامي»، مثل «مقبرة الإمام العز بن عبد السلام» التي لا تبعد خطوات من مدفن ابن حجر العسقلاني.

وقال طايع لـ«الشرق الأوسط» إن حالة المدفن قبل خمس سنوات كانت لا تليق بشيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني، ويضيف: «كنا عندما نذهب لزيارته نراه في وضع متردٍّ. ظهر المدفن بمرور الزمن واستمرار الإهمال بلا أبواب بعد اختفائها، ودون نوافذ، كما تهالكت الجدران والسقف، وكان يمكن أن تضيع معالم المقبرة لولا بقاء الشاهد والتركيبة الحجرية المكتوب عليها اسمه، والعمامة الحمراء التي تقلدها كشيخ للإسلام، والتي تشير إلى مكانته في عصره».

وكانت الجدران المتهالكة حسب قول طايع «لا تشير إلى مقبرة شخصية بقيمة ابن حجر العسقلاني؛ فلم يكن هناك شيء يشير له من الخارج سوى كلمات مكتوبة بخط أزرق وضعها أحدهم على الحائط الخارجي للتعريف به، وكان السقف الموجود من عروق الخشب المتهالكة، وظل الحال هكذا حتى قام مجموعة من الطلبة الدارسين في الأزهر التابعين لبعض دول شرق آسيا بتنظيفه وترميمه وأعادوا له بعضاً من رونقه، وظل الأمر على حاله حتى كانت منحة معهد الدراسات الكلاسيكية بالمملكة المتحدة، بإشراف وزارة الأوقاف، وتمت إعادة بنائه وترميمه بمعرفة خبير الترميم الدكتور إسماعيل أنور الحسيني، لكن المؤسف أن المرممين طمسوا اسم الخطاط الذي كتب شاهد تعريف مقبرة الشيخ».

مدفن ابن حجر العسقلاني قبل الترميم (صفحة الباحث إبراهيم طايع على «فيسبوك»)

ولفت طايع إلى أن الزخارف التي اعتمدها المرممون جاءت مناسبة لزمن ابن حجر العسقلاني، في العصر المملوكي، وجاءت على درجة عالية من الإتقان، وقد استخدم المرممون في تنفيذها مواد بألوان قادرة على مقاومة المطر وعوامل الزمن، وهو ما منح المدفن نوعاً من البهاء وأعاده لما كان عليه حين تُوفي الإمام قبل 6 قرون، ويضيف: «لا يساوي مدفن ابن حجر العسقلاني في مظهره بعد ترميمه سوى قبة الإمام الشافعي؛ فقد تصدى لها خبراء على مستوى لائق أتقنوا مراحل الترميم، ما جعل ظهور القبة والمدفن في النهاية بما يليق بالمكانة الكبيرة للإمامين الراحلين».

وُلد الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني بمدينة الفسطاط زمن المماليك، سنة 773 هـجرية، وتُوفي في ذي القعدة سنة 852 هـجرية، وخلال حياته تولى مشيخة الحديث وتدريس الفقه بأماكن من الديار المصرية، وتولى نيابة القضاء بمصر مدة، ثم أعرض عنها، وفوّض إليه الملك المؤيد القضاء بالمملكة الشامية، فأصر على الامتناع، وفي عام 827 هـجرية فوّض إليه الملك الأشرف برسباي القضاء بالقاهرة وما معها، فأصبح قاضي القضاة الشافعية بالديار المصرية، واستمر حتى عام 852 هجرية. كما تولى الإشراف على مكتبة المدرسة المحمودية، والإفتاء لمدة 41 عاماً. وخطب في عدة أماكن بالقاهرة وخارجها، من بينها الجامع الأزهر وجامع عمرو بن العاص والقلعة. ويعد ابن حجر العسقلاني، حسب ما ذكرته دار الإفتاء المصرية على صفحتها الرسمية، من المكثرين في التصنيف، حتى إنه يصعب حصر جميع مؤلفاته، وذكر السخاوي ما يزيد على 270 عنواناً لمؤلفاته، وكان أولها «المائة العشارية» الذي ألّفه سنة 796 هـجرية وعمره ثلاث وعشرون سنة، وأشهرها «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، ثم توالت بعد ذلك كتبه التي منها «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة»، و«لسان الميزان»، و«الإصابة في تمييز الصحابة»، و«رفع الإصر عن قضاة مصر»، و«بلوغ المرام من أدلة الأحكام».