«لست كما يدّعون»... بطل مأزوم يشكو همومه للمرآة

تنويعات سردية ـ سينمائية على عوالم سردية

«لست كما يدّعون»... بطل مأزوم يشكو همومه للمرآة
TT

«لست كما يدّعون»... بطل مأزوم يشكو همومه للمرآة

«لست كما يدّعون»... بطل مأزوم يشكو همومه للمرآة

رواية «لست كما يدعون» للروائي آريان صابر الداودي، الصادرة عام 2022، رواية فريدة في بابها، ذلك أنها تعتمد على لونٍ من السرد الهذياني (Delerous Narration)، إذْ تقدم الرواية بكاملها عبر بنية الرواية المونولوغية أحادية الت، بمنظور ميخائيل باختين، من خلال وعي بطلها المصاب بلون من مرض الهذيان العصابي، حيث يقدم الراوي، وهو البطل المركزي في الرواية أيضاً، رؤيته للأحداث، وهو يحاول أن يدفع عنه التهمة التي يلصقها به الآخرون كونه مجنوناً أو مصاباً بالهلوسة، ولذا نراه دائماً يؤكد لطبيبه النفسي الافتراضي أنه ليس كما يدعون، التي أصبحت لازمة سردية يختتم بها الراوي مروياته وحكايته عبر مبدأ «التنضيد السردي»، وهو ما عبر عنه عنوان الرواية بوصفه العتبة النصية الأولى التي تقدم للقارئ أفق توقع مفتوح على تأكيدات متلاحقة، يطرحها الراوي في لون من السرد الشفاهي والمرافعة القانونية على أنه يتمتع بقدرة عقلية ونفسية سليمة، وأنه، كما يقول العنوان «لست كما يدعون».
فالسرد المهيمن في الرواية، هو سرد الراوي المركزي، بطل الرواية المصاب بالهذيان، الذي يوظف فيه ضمير المتكلم (أنا)، وهو يوجه خطابه نحو آخر افتراضي، هو الطبيب النفسي الذي يعالجه، وهو ما نجده في استهلال المتن الروائي الأصلي:
«يا سيدي الطبيب، أكلمك هنا بصراحة تامة خالصة، حدق في عيني جيداً، ستجد إن كنت كما أدعي، أم كما يدعون» (ص 13).
وعبر هذا السرد الشفاهي، يقوم الراوي بسرد حكاية جديدة عن حياته وأسرته وأصدقائه وحبيباته، ويختتم كل فصل بلازمة مكررة وهو يخاطب طبيبه النفسي المتخيل:
«سأكمل لك أحاديث أخرى في وقت لاحق» (ص 52).
وسوف يفاجأ القارئ أن البطل هذا كان في الواقع يخاطب مرآة ليس إلا، وهو ما صدم والدته في الفصل الأخير عندما دخلت إلى غرفته ووجدته يخاطب المرآة، فصرخت برعب:
«حجي حسام... تعال أخذ إبنك للسيد الملا... صاير يحجي ويه روحه» (ص 154).
وكانت الأم قد فوجئت وهي تشاهدهُ وهو يضع بين كفيه مرآة يحدثها (ص 154).
ومن الطريف أن الراوي «فكر لحين قدوم والده أن يجعل صديقه الدكتور (المرآة) في مكان آمن» (ص 154).
والحقيقة أن اصطحاب الراوي إلى «السيد الملا» هنا، كما يبدو، لا يجري للمرة الأولى، إذْ وجدنا الأسرة في الصفحات الاستهلالية الأولى غير المرقمة، التي يمكن أن نعدها بمثابة عتبة نصية دالة، تصطحبه إلى «السيد الملا» الذي يقوم بطقوس تعذيب حقيقية لكي يطرد كما يعتقد «الجان» الذي دخل جسمه وعقله وهو يصرخ به: «اخرج يا ملعون».
إذْ يصور الروائي في هذا الاستهلال مشهداً يمارس فيه «السيد الملا» طقوس طرد الجان، كما يزعم وهو يداعب لحيته:
«جان بيه جني... بس آني وبفضل خبرتي بهالمجال طردته» (ص 9).
وبناءً على توصية «السيد الملا»، فقد وضع البطل في غرفة خاصة منفصلة عن الضوضاء لكي لا يرجع الجني إليه، حيث بقي وحيداً، لمدة ثلاثة أيام، مرت عليه ثقيلة وطويلة قرر بعدها أن ينفذ خطة طرأت له:
«هكذا: أمضى ثلاثة أيام، بلا نوم وحتى راودته فكرة وقرر أن يمارسها... وأصبح يردد مع نفسه: دعهم يقولون فأنا لست كما يدعون» (ص 11).
وهذا الإعلان من قبل الراوي هو الذي يفتح ملف السرد بضمير المتكلم (أنا) على امتداد فصول الرواية اللاحقة، حيث يقرر بعدها أن يخاطب طبيبه النفسي الافتراضي عبر المرآة، كما اكتشفنا في نهاية الرواية.
ويبدو الراوي وهو يقدم مروياته وحكاياته للمرآة/ الطبيب، مثل شهرزاد في «ألف ليلة وليلة» وهي تروي حكاياتها إلى الملك شهريار، لكن شهريار في هذه الرواية افتراضي ومتخيل ويطل عبر المرآة فقط.
أما زمكان الرواية فواضح تماماً، فالمكان هو مدينة كركوك، وجامعتها، والقسم الداخلي لطلبتها، حيث يقيم البطل وأصدقاؤه من طلبة الجامعة. أما الزمان، فيظهر أنه بعد الاحتلال لأن هناك أكثر من إشارة إلى أصوات الانفجارات (ص 42) وإلى نقاط التفتيش، ونشاط القوى الإرهابية، التي كانت تنصب نقاط تفتيش وهمية، يذهب ضحيتها العشرات من المواطنين، كما كان الحال بمقتل مواطن من قبل نقطة تفتيش وهمية كان البطل شاهداً عليها (ص 148). ونجد تداخلاً بين هذه البيئة الزمكانية للأحداث الروائية التي تدور داخل مدينة كركوك، وبين الأزمة النفسية الداخلية التي يعيشها البطل، والتي نطل عليها من خلال منظور بطل الرواية الطالب في كلية القانون (ص 23) في جامعة كركوك: «شارع المحافظة من شوارع كركوك الجميلة، فنادق وعمارات ومحلات تجارية، مثلجات، مطاعم، والسيارات التي تملأ شوارعها» (ص 118).
وفي مقابلة صورة المدينة العصرية هذه، التي تمثلها مدينة كركوك، نجد صورة أخرى للقرية التي جاء منها، وهي قرية بسيطة وبدائية تقع قريباً من مدينة الخالص: «آه... قريتي الجميلة، مع دخولها استنشقت الهواء الذي يعالج الأمراض. يا دكتور، حياة المدن تختلف عن حياة القرى ونحن نمارس كل شيء هنا، ونحدد حدوداً معينة» (ص 113).
ويخيل لي أن من أسباب الاضطراب النفسي لدى البطل يعود إلى اصطدام ابن القرية البدائية بمظاهر المدينة الصاخبة، كما أن مشهد قتل المواطن البريء (وهو شرطي) على أيدي الإرهابيين الذين نصبوا نقطة تفتيش وهمية سبب له، صدمة شديدة، أدت إلى تدهور حالته النفسية تدريجياً، ودخوله في حالة الهذيان والهلوسة هذه. فعندما وصل إلى قريته بعد أن شاهد مقتل الشرطي انهار جسدياً ونفسياً، وبدأ يهذي ويهلوس مما دفع بأسرته إلى نقله إلى «السيد الملا» لعلاجه، ولطرد «الجني» الذي تلبسه، كما يظنون.
لقد تحولت الرواية تدريجياً إلى التحليل السيكولوجي لشخصية البطل، خصوصاً بعد مشاهدته لمنظر قتل الشرطي على أيدي الإرهابيين: «شعرت أنني أفقد حواسي، لوهلة أصبحت أقرب إلى الموت مني إلى الحياة، شفتاي ترتجفان، وكانت ساقاي تصطكان، شعرت أن رأسي يدور» (ص 15).
لقد شعر البطل أنه قد فقد الكثير من قواه، وكأنه آلة تتحطم: «لقد هزتني المشاعر هزاً عميقاً وزعزعت كياني من الجذور» (ص 150).
ومن هنا نجد أهمية هذا التفاعل بين الواقع السياسي والأمني الخارجي من جهة، وبين تدهور الحالة النفسية للبطل من جهة أخرى، حتى ليمكن القول إن الواقع الخارجي هو المسؤول غير المباشر عن الأزمة النفسية والشخصية للبطل.
ومن خلال تشكل هذا النمط من الشخصية العصابية، نجح الروائي إلى حد كبير في استغوار العالم الداخلي للبطل ونوازعه السرية.
لقد انطوت رواية «لست كما يدعون» على تنويعات سردية، فقد بدأ السرد الروائي في العتبة النصية الأولى عبر «السرد كلي العلم» وعبر ضمير الغيبة (هو): «في المساء، عند الشفق، كان يرتجف كورقة في مهب الريح... بلغ به الذعر حداً لم يعرفه من قبل، يردد مع نفسه بصمت (أنا لست مجنوناً)» (ص 19).
وفي هذا السرد نجد بنية المشهد السينمائي هي التي تهيمن على السرد، حيث نجد أدق التفاصيل المتعلقة بزيارته العلاجية إلى «السيد الملا». ويعود هذا «السرد كلي العلم» بضمير الغائب في الفصل الأخير، الذي تنادي فيه الأم زوجها (حسام) للإسراع بنقل ابنهما إلى «السيد الملا»، لأنه «صاير يحجي ويه روحه» (ص 154).
وعدا هذين الفصلين اللذين يؤطران المتن الروائي، فإن السرد الروائي ينحو منحى السرد الذاتي عبر ضمير المتكلم (أنا)، حيث يسترسل بطل الرواية في تقديم مروياته وحكاياته إلى طبيبه المتخيل عبر المرآة.
لقد وفق الروائي في خلق بنية رواية السرد الذاتي الداخلي، حيث الولوج إلى العوالم السرية الدفينة اللا وعي، مما أكسب الرواية بشكل عام مظهر الرواية السيكولوجية، من خلال التركيز على التحليل النفسي غير المباشر لنفسية البطل وعالمه الداخلي.
إلى جانب هذا السرد عبر ضمير المتكلم (أنا)، نجد سرداً عبر ضمير الغيبة (هو)، لكنه هذه المرة، يختلف عن السرد كلي العلم لأنه سرد «مبّأَر»، وهو في الجوهر تحويل أو تعديل لضمير السرد، لأنه سرد على شكل مونولوغ يدور داخل أعماق الشخصية الروائية، ويسمى بـ«أنا الراوي الغائب»، كما ذهب إلى ذلك الناقد تزفيتان تودوروف، وقد يسمى أيضاً بالمونولوغ المروي (narrated monologue): «كان يحس أن الناس كانت تراقب حركاته وجلسته، أنفاسه، نظراته، كل إشارة من إشاراته، كأنه يشاهد الجميع يتكلمون عنه» (ص 158).
من الواضح أن هذا السرد مبأَر (foclized)، ويمكن بسهولة استبدال الضمير «هو» بالضمير «أنا» لنحصل على نتيجة واحدة، هي الانثيال الحر للمشاعر والأحاسيس والأفكار بعفوية وتلقائية. فالبطل هنا يبدو مصاباً بنوع من مرض عصابي هو «البارانويا» (paranoia) يشعر فيه المريض بأنه مطارد ومضطهد، وبأن الجميع يراقبه، ويضطهده، كما يبدو لنا بأنه مصاب بالكآبة «melancholy» (المالنخوليا)، خصوصاً عندما كان يصف مشاعره: «وبالنسبة للوضع الصحي يا دكتور، كنت أشعر بين حين وآخر بالدوار وضيق في التنفس، وكنت أحياناً أرغب أن أكسر كل شيء حولي» (ص 115).
رواية «لست كما يدعون» رواية متفردة، لأنها انفردت بالاشتغال على لون من شعرية السرد الهذياني المنفلت لاستغوار عالم البطل الداخلي، وكانت موفقة إلى حد كبير في تحقيق ذلك.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
TT

97 مليون قاصد لـ«الحرمين» خلال 20 يوماً من رمضان

المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)
المسجد الحرام استقبل نحو 58 مليون مصلٍّ و16 مليون معتمر (واس)

بلغ إجمالي أعداد قاصدي وزوار الحرمين الشريفين 96 مليوناً و638 ألفاً و865 شخصاً خلال الفترة من 1 حتى 20 رمضان الحالي، الموافق من 18 فبراير (شباط) إلى 9 مارس (آذار) 2026.

وأوضحت «هيئة العناية بشؤون الحرمين الشريفين» أن هذه الإحصائية جاءت وفق مؤشرات تشغيلية تقيس إجمالي مرات الدخول للمصليات والعمرة، في مشهد يعكس المكانة الروحية والإيمانية للحرمين الشريفين، والإقبال الكبير من المسلمين لأداء العبادات في الشهر الفضيل.

وأفادت الهيئة بأن المسجد الحرام في مكة المكرمة استقبل 57 مليوناً و595 ألفاً و401 مصلٍّ أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، إضافةً إلى 15 مليوناً و605 آلاف و86 معتمراً.

وبيّنت أن المسجد النبوي في المدينة المنورة استقبل 21 مليوناً و143 ألفاً و259 مصلّياً أدّوا الصلوات الخمس وصلاة القيام، و579 ألفاً و191 في الروضة الشريفة، مضيفة أن عدد من قام بالسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه - رضي الله عنهما - بلغ مليوناً و715 ألفاً و928 زائراً.

وأكدت الهيئة أن هذه الأرقام تعكس الجاهزية التشغيلية العالية وتكامل منظومة الخدمات المقدمة لقاصدي الحرمين الشريفين خلال شهر رمضان، بما يضمن انسيابية الحركة وتهيئة بيئة تعبّدية آمنة.


حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».


حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».