ابحث عن مسؤولية «القطب الثالث» في فيضانات باكستان وجفاف الصين

سرعة ذوبان ثلوج «حزام» الهيمالايا تهدد سلامة البيئة والاستقرار السياسي بجنوب آسيا

ابحث عن مسؤولية «القطب الثالث» في فيضانات باكستان وجفاف الصين
TT

ابحث عن مسؤولية «القطب الثالث» في فيضانات باكستان وجفاف الصين

ابحث عن مسؤولية «القطب الثالث» في فيضانات باكستان وجفاف الصين

يرزح العالم اليوم تحت وطأة الآثار السلبية لتغير المناخ. ولقد واجهت الصين أسوأ موجة حر في تاريخها منذ 60 سنة، بينما تعرضت باكستان لأسوأ فيضانات في الذاكرة الحديثة. وبعدما عانت أوروبا هي الأخرى من موجة حر شديد، تقف اليوم الكثير من البلدان في جميع أنحاء العالم عرضة للدمار بسبب التغييرات المناخية.
ووفق المراقبين، تؤدي التغييرات المناخية إلى إحداث اضطرابات في النظام الجيو - سياسي، يخرج منها رابحون وخاسرون جدد. ولقد أثار الانهيار الأخير لمباحثات «مجموعة العشرين» بشأن المناخ في بالي (في إندونيسيا) مخاوف من «التراجع» عن تعهدات المناخ، ما يعد بمثابة مؤشر واضح على دور الجغرافيا السياسية في المناخ.
الحكومات العشرون المشاركة في المباحثات لم تتمكن من الاتفاق على بيان مشترك بشأن التغييرات المناخية. وكشفت تقارير إعلامية، عن أن وزراء المناخ والطاقة اشتبكوا حول أوكرانيا وتمويل الجهود المعنية بالمناخ والميثان والشحن ورسوم الكربون، وما إذا كان يجب أن تكون 1.5 درجة مئوية أو درجتين الحد الأقصى لارتفاع درجات الحرارة في العالم. كما طالبت دول كثيرة، خاصة الصين، بتفسير «دقيق» بالاتفاقات السابقة المعنية بالمناخ. وفي سياق متصل، تنتج موجات الحر والجفاف الشديدة التي اجتاحت الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة خلال الصيفين الماضيين صوراً مروعة ومثيرة للقلق.
لدى التطرق إلى الخلافات الدولية في موضوع المناخ، تقول آنا بريادارشيني، محررة الشؤون الخارجية في مجموعة «إنديا توداي» الإعلامية الهندية، إن «سياسة القوة تواصل إعاقة التعاون المناخي. ويبدو أن مفاوضات المناخ مسألة خلاف جيو - سياسي أكثر من كونها مشكلة تتعلق بالمنفعة المشتركة». وتوضح، أن «التغييرات المناخية أكثر عن مجرد أزمة بيئية... إنها أزمة منهجية تعمل على تغيير المشهد الجيو - سياسي، وستكون عواقبها عميقة على منطقة المحيطين الهندي والهادي، التي هي بالفعل أكثر مناطق العالم تعرضاً لمخاطر التغييرات المناخية وموطناً لأسرع نمو سكاني في العالم، والاقتصادات والتنافسات الجيوسياسية. وإذا نظرت إلى خريطة البلدان الأكثر عرضة لتأثيرات التغييرات المناخ، وقارنتها بخريطة الصراعات النشطة، ستبدو الخارطتان متطابقتين تقريباً».
في الصين، بسبب تداعيات التغييرات المناخية تظهر التماثيل البوذية المدفونة منذ فترة طويلة على ضفاف نهر اليانغتسي، في حين تنكشف سفن حربية نازية في مياه نهر الدانوب المنحسرة في أوروبا، وتطفو جثث ضحايا جرائم قتل الغوغاء في الطين الجاف الذي يشكل قاع بحيرة ميد سابقاً في ولاية نيفادا. بيد أن الأمر يتجاوز مجرد ظهور بقايا مثيرة للفضول من الماضي، وإنما تخلق هذه الأوضاع شعوراً بحدوث تغييرات بائسة غير مسبوقة.
- فيضانات باكستان... والوضع في آسيا
في آسيا، يبدو الوضع أسوأ من غيرها. وبعد الموجة الأخيرة من الكوارث، وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش منطقة جنوب آسيا بأنها «نقطة ساخنة لأزمة المناخ»، وقال، إنها منطقة معرّضة للمخاطر «ترتفع فيها احتمالات أن يموت المرء جراء التغييرات المناخية بمقدار 15 ضِعفاً». وشرح الدكتور روكسي ماثيو كول، عالم المناخ في المعهد الهندي للأرصاد الجوية المدارية، بأنه «كان موقعها الجغرافي المحاط بالمياه الاستوائية من طرف وجبال الهيمالايا في الطرف الآخر بمثابة نقطة القوة التي تنعم بها المنطقة، لكن ليس بعد الآن. اليوم، ترتفع درجات حرارة المحيط الهندي بأسرع معدلات، في وقت تذوب ثلوج جبال الهيمالايا بسرعة».
وأمام أسوأ كارثة فيضانات في تاريخها، بدأت باكستان في المطالبة بتعويضات من الدول الغنية المسؤولة بشكل أساسي عن التغييرات المناخية. وفي تصريحات عامة متكررة، قالت شيري رحمن، وزيرة شؤون التغييرات المناخية الباكستانية، إنه في حين أن بلادها لا تلعب أي دور يذكر في ظاهرة الانحباس الحراري، فإنها كانت من بين الأكثر عرضة للتغييرات المناخية.
وأشارت رحمن إلى أنه قتل أكثر عن 1300 شخص ونزح ما يقرب من مليون آخرين، وأثرت الفيضانات الأخيرة على حياة أكثر عن 30 مليون شخص، بعدما غمرت ثلث البلاد تحت الماء. جرى تقدير الخسائر في مجملها بأكثر عن 15 مليار دولار أميركي. وبالإضافة إلى ما سبق، تعرّض 4 ملايين فدان من المحاصيل للدمار ونفق 800.000 من رؤوس الماشية. ما يتوقع أن يؤدي حتماً إلى تفاقم حالة انعدام الأمن الغذائي في جميع أنحاء البلاد؛ ما سيخلف تداعيات كبرى على الاقتصاد. وللعلم، أدى تدمير أكثر عن مليون منزل في باكستان إلى تشريد العائلات وإجبارها على العيش في ظروف صعبة. وفي تعليق على الكارثة، قال أنجال براكاش، مدير شؤون الأبحاث في معهد بهارتي للسياسة العامة في الهند، إن «الفيضانات الأخيرة في باكستان واقعياً جاءت نتيجة لكارثة المناخ... التي كانت تلوح في الأفق على نحو واضح».
من ناحية أخرى، تسببت الفيضانات أيضاً بدمار واسع النطاق لأفغانستان المجاورة، خاصة الولايات الأفغانية الوسطى والشرقية. هذا، ومرت غالبية أفغانستان بفترة جفاف خطيرة، في حين لا يزال الناس هناك يتعافون من الزلزال المدمر الذي ضرب البلاد في يونيو (حزيران) والذي أودى بحياة أكثر عن 1000 شخص. وفي سياق متصل، تبقى المرتفعات المتنازع عليها في «حزام» سلاسل جبال الهيمالايا والكاراكورام والهندوكوش الممتد عبر أقاليم لاداخ وأكساي تشين وجامو وكشمير وغيلغيت - بالتستان، منطقة شديدة التأثر بالتغييرات المناخية. وتعد هذه الكتلة الجبلية الضخمة بمثابة «القطب الثالث» للكرة الأرضية؛ إذ تحتوي على ثلوج في أنهارها الجليدية أكثر عن أي مكان آخر خارج القارة القطبية الجنوبية والقطب الشمالي. وطبقاً لما ذكره بعض الخبراء، فإن ذوبان الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا قد ساهم بشكل كبير في فيضانات باكستان وكذلك الجفاف في الصين.
- مياه «القطب الثالث»
وحول هذا الجانب، صرّحت ريتويك دوتا، المحامية البيئية ومؤسس المبادرة القانونية للغابات والبيئة، بأن «سلاسل الجبال وأحواض الأنهار والتغييرات المناخية لا تلتزم الحدود الدولية. ومع ذلك، فإن تحدي الجغرافيا، حين تستخدم «الدول القومية» السيادة الإقليمية للمطالبة بالموارد الطبيعية داخل حدودها، يؤدي إلى احتمال نشوب صراع بين الدول على الموارد الطبيعية بينما تتفاقم ظاهرة الانحباس الحراري والكوارث المناخية».
ثم أردفت «يمكن أن تؤدي كتلة أو (حزام) الهيمالايا والكاراكورام والهندوكوش إلى وقوع أزمة وجودية في المنطقة خلال السنوات المقبلة. وفيما يخص آسيا بالذات، فإن ذوبان الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا يعد خبراً سيئاً؛ لأنه سيكون له تأثير شديد على دول جنوب شرقي آسيا، مثل الهند وباكستان وبوتان وبنغلاديش والصين وميانمار وغيرها، وسيأتي في شكل فيضانات مدمرة، وتزايد الانهيارات الأرضية، والطوفانات الساحلية، وفيضانات المدن، مثل تلك التي تواجهها الهند بالفعل، لكن على نطاقات أكبر بكثير». وهنا يعدّ خبراء البنك الدولي، أن الكوارث المرتبطة بالمناخ على ما يقرب من 700 مليون شخص في جميع أنحاء جنوب آسيا خلال العقد الماضي - أي ما يقرب من نصف سكان المنطقة.
في الهند، مثلاً، السؤال المطروح جدياً هو عن مدى تأثير ذوبان الأنهار الجليدية في كتلة جبال الهيمالايا على البلاد. وفي هذا الصدد، حذرت دوتا من أن «الهند ليست بمنأى عن هذا الأمر، وقد زعزع تأثير الذوبان الجليدي في جبال الهيمالايا - وهو أكثر بكثير مما قدر العلماء حتى الآن - استقرار النظام البيئي الهش الضروري للحفاظ على الغلاف الجوي للأرض، ويؤثر على دورات المياه القائمة منذ آلاف السنين».
- تأثر الجغرافيا السياسية
في هذه الأثناء، يتبادل الاتحاد الأوروبي والصين التشكيك في مدى التزام الطرف الآخر بمكافحة التغييرات المناخية، بعد فشل مباحثات المناخ خلال لقاء «مجموعة العشرين». ولقد اتهم فرانس تيمرمانز، المنسق الأوروبي المعني بالتغييرات المناخية، «أكبر جهة انبعاثات على هذا الكوكب»، في إشارة إلى الصين، بمحاولة التراجع عن اتفاقية غلاسغو للمناخ، التي توجت أسبوعين من مفاوضات الأمم المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي. وأضاف «يحاول بعض كبار اللاعبين الكبار على هذا الكوكب التراجع عما اتفقوا عليه في غلاسغو». ثم تابع ساخراً، أن البعض منهم، حتى أكبر مصادر الانبعاثات على هذا الكوكب، يحاول «الاختباء وراء البلدان النامية باستخدام الحجج التي أعتقد، في مرحلة ما، أنها لم تعد صالحة للاستخدام».
وحول هذا الموضوع، قالت الناشطة المعنية بالدفاع عن البيئة، فيريل ديساي «المباحثات بين أكبر بلدين (اقتصادياً) في العالم حول انبعاثات الغازات المسببة لظاهرة الانحباس الحراري، تحمل أهمية كبيرة لتعزيز العمل العالمي بشأن التغييرات المناخية. كما يمكن أن يهدد الخلاف الذي طال أمده بين الاثنين نجاح المناقشات في الجولة التالية من مباحثات المناخ العالمية التي تستضيفها مصر في نوفمبر المقبل».
ما يستحق الذكر هنا، أنه في أغسطس (آب)، تلقّى التعاون بين الولايات المتحدة والصين بشأن ظاهرة الانحباس الحراري ضربة قوية بعدما علّقت بكين مباحثات المناخ مع واشنطن. وجاء القرار الصيني رداً على زيارة نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأميركي لتايوان، وهي خطوة اعتبرتها بكين انتهاكاً للسيادة الصينية. وفي تحوّل رئيسي آخر عن المسار السابق، فإن الصين الآن، وليس الولايات المتحدة، هي التي تقف في قلب الجغرافيا السياسية الجديدة للتغييرات المناخية. وكانت كل فترة سابقة من الأمل بمجال العمل المناخي الطموح قائمة على استعداد واشنطن لدعم التعاون الدولي بشأن التغييرات المناخية، ونظام تنظيمي قوي لدعمه، لكن الوضع يبدو مختلفاً تماماً هذه المرة.
- جنوب شرقي آسيا بين واشنطن وبكين
كما سبقت الإشارة، فإن دول جنوب شرقي آسيا معرّضة بشكل خاص لبعض أخطر تداعيات التغييرات المناخية. وتشهد المنطقة بالفعل أنماطاً مناخية غير طبيعية، كما كشفت الفيضانات المدمرة في ماليزيا والفلبين. ثم إن المنطقة تقع في قلب التحديين الجيو - سياسيين الرئيسيين للقرن الواحد والعشرين: التغييرات المناخية وصعود الصين.
وبالفعل، تعيش المنطقة زيادة متكررة وشديدة في الفيضانات وموجات الجفاف والحرارة والأعاصير الناتجة من التغييرات المناخية. وتبعاً لـ«مركز مراقبة النزوح الداخلي»، نزح أكثر عن 32 مليون شخص في جنوب شرقي آسيا بسبب الكوارث الطبيعية المرتبطة بالطقس بين عامي 2015 و2019. ووفقاً لتقرير حديث صادر عن معهد ماكينزي العالمي، سيشهد عام 2050، كذلك، أن يعيش نحو 48 مليون شخص تحت رحمة فيضانات جراء ارتفاع المد.
وفي هذا الصدد، قالت شارون سيه، زميلة ومنسقة برنامج التغييرات المناخية في جنوب شرقي آسيا بمعهد جنوب شرقي آسيا للدراسات، إن «المخاوف المناخية تتزايد كل عام مع استمرار المنطقة في التعامل مع عواقب الطقس القاسي، لكن الحكومات والشركات وأصحاب المصلحة الآخرين غالباً ما يجري النظر إليهم باعتبارهم بطيئين وغير فاعلين في ردودهم».
وهنا يوضح أنجال براكاش، أنه «حددت العديد من البلدان في جنوب شرقي آسيا التخفيف من آثار التغييرات المناخية والتكيف معه باعتبارها أولويات قصوى، لكن هذه الجهود تبقى مقيدة بسبب سوء الإدارة والموارد المحدودة والأولويات الأخرى. ومع صعوبة أن تتولى كل دولة معالجة هذه التحديات بمفردها، تزداد هذه التحديات تعقيداً بسبب الجغرافيا السياسية المعقدة والصعبة في المنطقة».
في أي حال، تبرز منطقة جنوب شرقي آسيا اليوم كمنطقة مركزية للتنافس بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ، ومن المرجح أن يجري سحب العمل المناخي إلى نطاق تلك الديناميكية الأوسع. وتبدو دول جنوب شرقي آسيا حسّاسة بشكل خاص لمصير العلاقات بين واشنطن وبكين، مع شعور الكثير من دول المنطقة بالقلق سواءً كانت العلاقات بين العاصمتين تبدو متقاربة بشكل مفرط أو عدائية بشكل مفرط.
وأخيراً، يبقى القول، إنه داخل جنوب شرقي آسيا، تعد إندونيسيا - الغنية بالوقود الأحفوري - البلد الذي يحتاج إلى النظر في القضية بعمق. إذ يلعب الفحم دوراً مزدوجاً في الاقتصاد الإندونيسي... خاصة أن استهلاكه محلياً ويمثل أكثر عن 60 في المائة من طاقتها. واعتباراً من ديسمبر (كانون الأول) 2021، صارت إندونيسيا أكبر مصدر للفحم في العالم. وسيظل الفحم مصدراً رئيسياً للإيرادات، وكذلك مصدر للأهمية الجيو – سياسية؛ ذلك أنه لدى القوى الكبرى مثل الصين والهند سبب أكبر بكثير لتطوير علاقات ودية مع إندونيسيا لضمان الوصول إلى هذا المورد الاستراتيجي.

- إضاءة على تقرير «توقعات المناخ في جنوب شرقي آسيا»
> تقرير «توقعات المناخ في جنوب شرقي آسيا: تقرير مسح 2022»، الذي يأتي على خلفية فيضانات باكستان المدمرة - التي تركت ثلث البلاد تحت الماء - وأشد موجات الحرارة في الصين على الإطلاق، يسلط الضوء على التهديد الوجودي الذي تشكله التغييرات المناخية.
على سبيل المثال، ألزمت «اتفاقية باريس» لعام 2015 البلدان الغنية التي تتحمل انبعاثاتها مسؤولية كبيرة عن الانحباس الحراري بخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بوتيرة أسرع مع دعم البلدان النامية في أن تحذو حذوها. وبموجب اتفاق باريس، يجري تعريف الصين باعتبارها دولة نامية. لكن امتناع الدول الغنية عن تقديم تمويل المناخ الموعود أدى إلى تفاقم التوترات في مفاوضات المناخ العالمية. وللعلم، يعدّ الاتحاد الأوروبي المكوّن من 27 دولة أكبر ممول للجهود المعنية بالمناخ، تبعاً للبيانات الصادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
غير أنه، حتى لو بدأت البلدان في تنفيذ التزامات «اتفاقية باريس» بجدية، سيظل العالم يشهد زيادة في درجة الحرارة بمقدار 3.2 درجة مئوية بحلول نهاية هذا القرن. أما البلدان التي ستعاني من وطأة التغييرات المناخية، فتتصدرها الدول الجزيرية الصغيرة والبلدان ذات الكثافة السكانية العالية.
ثاني أكسيد الكربون هو أكبر غازات الاحتباس الحراري التي ينتجها الإنسان، وهو يمثل نحو 80 في المائة من الانبعاثات الكربونية، ومن ثم هو العامل الرئيس الذي يساهم في التغييرات المناخية والبيئية في جميع أنحاء العالم.
ما يحدث ببساطة أن انبعاثات الكربون تحبس الطاقة الشمسية داخل الغلاف الجوي؛ ما يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة العالمية. وتتمثل العواقب الأبرز لانبعاثات الكربون في زيادة احتمالية حدوث ظواهر الطقس المتطرفة ونقص الغذاء والماء وانعدام الأمن بسبب ارتفاع درجات الحرارة وذوبان الجليد وارتفاع مستوى سطح البحر. وتكشف الإحصاءات عن زيادة الكوارث المرتبطة بالفيضانات بنسبة 134 في المائة منذ عام 2000، مقارنة بالعقدين السابقين، وفقاً للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
راهناً، تنتج معظم دول العالم كمية من الانبعاثات الكربونية أكثر مما تستطيع امتصاصه، ما يشكل خطراً كبيراً على التغييرات المناخية العالمية. وتبعاً للتقديرات، كانت الدول الخمس الأولى التي انبعثت من الغازات المسببة للانحباس الحراري عام 2020 هي: الصين (31 في المائة من الانبعاثات العالمية)، فالولايات المتحدة (14 في المائة)، فالهند (7 في المائة) وروسيا (5 في المائة) واليابان (3 في المائة).
في المقابل، تعد مملكة بوتان، الدولة الصغيرة الواقعة في جبال الهيمالايا، أول دولة «سالبة» للكربون في العالم. وبفضل غاباتها الواسعة التي تغطي 70 في المائة من مساحتها، فإن المملكة قادرة على امتصاص كمية أكبر من ثاني أكسيد الكربون مما تنتجه. ولقد سهّلت الجهود الصارمة على صعيد حماية البيئة على بوتان التحكم في مستوى الانبعاثات الكربونية في البلاد. وبالمناسبة، ينص دستور بوتان على وجوب أن تظل نسبة 60 في المائة على الأقل من مساحة المملكة مغطاة بالغابات. وحقاً، تغطي «الغابات الوطنية» المحمية و«المحميات الطبيعية» ومناطق «حماية الحياة البرية» أكثر من نصف مساحتها. كذلك تخلق الحكومة البوتانية ظروفاً جيدة للأشخاص الذين يعيشون في المناطق المحمية؛ وذلك لحماية الغابات وحظر الصيد ومنع التعدين وتلوث الغابات، بجانب أن برامج حماية الموارد الوطنية، مثل «بهوتان النظيفة» و«بهوتان الخضراء» نشطة للغاية.


مقالات ذات صلة

«الشرق الأوسط» تزور مقر«أمازون» في الرياض وتتعرف على مزايا «أليكسا» الرمضانية

خاص تقدّم «أليكسا» تجربة فريدة لعملائها وتساعدهم على ممارسة العبادة وتقوية العلاقات الأسرية خلال رمضان (أمازون)

«الشرق الأوسط» تزور مقر«أمازون» في الرياض وتتعرف على مزايا «أليكسا» الرمضانية

تقدّم «أمازون أليكسا» ميزات مخصصة لعملائها في شهر رمضان تضمن لهم تجربة منزل ذكي متكامل، وتساعدهم على الاستمتاع بخصائص هذا الشهر المبارك.

نسيم رمضان (الرياض)
تكنولوجيا تدعم «أليكسا» العديد من المزايا الرمضانية المفيدة خلال الشهر الفضيل

مساعد «أليكسا» الذكي يقدم تجارب رمضانية مخصصة خلال الشهر الفضيل

إن كنت تبحث عن مساعد ذكي مفيد يتحدث معك باللغة العربية واللهجة الخليجية، فسيعجبك الجيل الثالث من جهاز «أمازون إيكو شو 5» Amazon Echo Show 5 الذي أطلقته الشركة…

خلدون غسان سعيد (جدة)
يوميات الشرق مؤسس شركة «أمازون» جيف بيزوس (رويترز)

متجاوزاً ماسك... بيزوس يصبح مجدداً أغنى شخص في العالم

استعاد جيف بيزوس لقب أغنى شخص على وجه الأرض، متفوقا على إيلون ماسك، وفقا لمؤشر «بلومبرغ» للمليارديرات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مقر شركة «أمازون» في سياتل بواشنطن (أ.ف.ب)

جيف بيزوس يبيع أسهماً في «أمازون» بملياري دولار

باع مؤسس «أمازون» الملياردير جيف بيزوس ما قيمته نحو ملياري دولار من أسهم شركته العملاقة، وفقاً لوثيقة قُدّمت إلى السلطات التنظيمية لسوق الأوراق المالية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا المستخدمون في منطقة الشرق الأوسط الأكثر تفاعلاً في العالم مع «أليكسا» لإدارة أجهزة المنزل الذكي والعبادة والترفيه

«أمازون» تكشف عن أكثر مزايا «أليكسا» استخداماً في الشرق الأوسط

محمد عبده أكثر فنان حاز أكبر قدر من الطلبات من «أليكسا».

خلدون غسان سعيد (جدة)

لويس مونتينيغرو يرأس في البرتغال «حكومة أقلية» لإصراره على إبعاد اليمين المتطرف عن السلطة

لويس مونتينيغرو يرأس في البرتغال «حكومة أقلية» لإصراره على إبعاد اليمين المتطرف عن السلطة
TT

لويس مونتينيغرو يرأس في البرتغال «حكومة أقلية» لإصراره على إبعاد اليمين المتطرف عن السلطة

لويس مونتينيغرو يرأس في البرتغال «حكومة أقلية» لإصراره على إبعاد اليمين المتطرف عن السلطة

بعد 10 سنوات من الحكومات الاشتراكية المتعاقبة على البرتغال، التي كانت تعرف خلالها بـ«الحصن اليساري المنيع» في أوروبا، استعاد اليمين المحافظ السلطة في الانتخابات التشريعية التي أجريت أواسط الشهر الماضي بقيادة زعيم «التحالف الديمقراطي» لويس مونتينيغرو، وهو الذي لم يكن يراهن أحد منذ أشهر قليلة على قدرته وحظوظه بالفوز واستعادة السلطة بعدما خسرها حزبه في عام 2015. لقد جاء فوز «التحالف الديمقراطي» على الحزب الاشتراكي بفارق مقعدين فحسب في مجلس النواب، الأمر الذي يجعل حصوله على الغالبية البرلمانية اللازمة لتشكيل حكومة قادرة على الحكم مرهوناً بدعم الحزب اليميني المتطرف «شيغا» الذي حلّ ثالثاً... وكان المفاجأة الكبرى والفائز الحقيقي في هذه الانتخابات. غير أن مونتينيغرو، الذي كان قد تعهّد إبان الحملة الانتخابية بأنه في حال فوزه «لن يكون في حكومته أي مكان للسياسيين العنصريين أو للسياسات العنصرية»، بقي على وعده وقرّر تشكيل حكومة تدعمها أقلية في البرلمان، مراهناً بذلك على «تفاهم» مع الحزب الاشتراكي للتناوب على رئاسة مجلس النواب وتبنّي عدد من بنود برنامجه الانتخابي، مقابل الامتناع عن دعم أي طرح لسحب الثقة من الحكومة حتى نهاية الولاية التشريعية.

في شهر مايو (أيار) 2022، فاز لويس مونتينيغرو برئاسة الحزب الديمقراطي الاجتماعي البرتغالي المحافظ بنسبة زادت على 75 في المائة من الأصوات، ولكن في انتخابات غاب عنها المنافسون من الشخصيات البارزة في الحزب... الذي كان دخل مرحلة أفول طويلة بعد انتقاله إلى المعارضة.

والحقيقة أن جميع الاستطلاعات التي أجريت منذ انتخاب مونتينيغرو زعيماً للحزب - الذي كان له الدور الأساسي في المشهد السياسي البرتغالي منذ سقوط الديكتاتورية - لم تكن تسجّل له أي صعود في شعبيته أو أي حظوظ في قيادة حزبه إلى الفوز مجدداً بالانتخابات التشريعية التي كانت تبدو بعيدة نظراً للغالبية المطلقة التي كان يتمتع بها الزعيم الاشتراكي ورئيس الحكومة السابق أنطونيو كوستا في البرلمان. وإلى جانب ذلك، كان ثمّة إجماع بين المعلّقين السياسيين على أن الرجل ليس الشخص المناسب لقيادة الحزب نحو استعادة موقعه، بينما كانت تروج الإشاعات داخل حزبه حول إبدال زعامة جديدة به حال فشله في تحقيق نتائج مُرضية في الانتخابات الأوروبية المقررة مطالع يونيو (حزيران).

وبالفعل، أسماء بديلة كثيرة كانت متداولة في أوساط الحزب الذي شهد أكثر من محاولة للانشقاق أو التمرد، كان مونتينيغرو يجهد على الدوام لإخمادها معتمداً استراتيجية الحذر على الجبهة الداخلية. ولقد نجح أخيراً في التوفيق بين التيارات المتناحرة، كما تبيّن خلال الحملة الانتخابية من مشاركة رؤساء الحكومات السابقين في المهرجانات التي دعا إليها مونتينيغرو... عندما سارع فور إعلان فوزه في الانتخابات إلى استحضار هذه «الروح التوافقية» لمواجهة التحدي الكبير الذي ينتظره.

كيف لا... وليس بمقدوره إلا تشكيل «حكومة أقلية» لا تضمن تلقائياً غالبية أصوات البرلمان، لا سيما، بعدما أصرّ على الإيفاء بتعهده وإبقاء الباب موصداً أمام اليمين المتطرف، مؤكداً: «بالطبع سأبقى على وعدي من أجل حزبي وبلدي والديمقراطية».

الفرصة المفاجئة

عندما أعلن رئيس الوزراء السابق الاشتراكي أنطونيو كوستا استقالته في الخريف الماضي، إثر فضيحة الفساد التي طالت بعض معاونيه، علماً بأنه لم يكن ضالعاً فيها، وكان يتمتع بغالبية برلمانية كبيرة، لم يكن وارداً في حسابات زعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي أن تجد البرتغال نفسها مقدمة على انتخابات تشريعية لم يكن جاهزاً لها.

إلا أن ما أعطاه دفعاً معنوياً كبيراً في عزّ حملة الانتخابات التشريعية، كانت الانتخابات المسبقة التي أجريت خلال فبراير (شباط) الماضي في أرخبيل الآزور (في المحيط الأطلسي) الذاتي الحكم. إذ سقطت الحكومة المحلية التي كان يرأسها حزب «شيغا» اليميني المتطرف، وفاز بالانتخابات «التحالف الديمقراطي» الذي كان مونتينيغرو قد نجح في نسجه لخوض الانتخابات التشريعية.

وإلى جانب ذلك، كان مونتينيغرو قد بدأ بعد أشهر من فوزه بزعامة الحزب الديمقراطي الاجتماعي حملة وطنية واسعة لتلميع صورته وترويج أفكاره ضمن برنامج استمر سنتين، أمضى خلالهما أسبوعاً كاملاً في كل مقاطعة من مقاطعات البلاد، وكان يلتقي خلالها بالمواطنين ويستمع إلى همومهم ويتحاور معهم. وطوال هذه الفترة، كان يشدد في لقاءاته على أمرين أساسيين: رفضه تشكيل حكومة ما لم يكن حزبه الأول في الانتخابات، ورفض السماح لليمين المتطرف بدخول الحكومة.

ومن ثم، عندما انطلقت الحملة الانتخابية كانت الاستطلاعات تشير إلى تعادل بين الحزب الاشتراكي و«التحالف الديمقراطي»، وفي نهايتها كانت كفّة الاشتراكيين راجحة بعد المناظرة التلفزيونية بين مونتينيغرو والمرشح الاشتراكي بيدرو سانتوس التي عدّت وسائل الإعلام أن هذا الأخير كان الفائز فيها.

والواقع أن معظم الانتقادات التي كان يتعرّض لها مونتينيغرو منذ توليه زعامة «التحالف الديمقراطي»، كانت تركّز على قلة خبرته في السياسة والحكم، وتقلّبه في المواقف التي يتخذها من قضايا استراتيجية بالنسبة للبلاد، وتراجعه عن بعض القرارات التي كان حزبه قد توافق عليها مع الاشتراكيين.

من هو مونتينيغرو؟

منذ شبابه الأول، كان لويس مونتينيغرو يرافق والديه إلى مهرجانات الحزب الديمقراطي الاجتماعي الذي كان لسنوات يحتل صدارة المشهد السياسي البرتغالي بعد سقوط الديكتاتورية اليمينية. ثم انتسب إلى تنظيم شبيبة الحزب عشية دخوله كلية الحقوق في جامعة أوبورتو، قبل أن يصبح عضو مجلس بلدية مسقط رأسه، مدينة إسبينيو الصغيرة، بعد تخرجه بأشهر... وهو ما زال في الثالثة والعشرين من عمره.

وخلال تلك الفترة، بنى له منزلاً من 6 طوابق أثيرت حوله تساؤلات كثيرة، كما أثير جدل أيضاً حول العقود التي أبرمها مكتبه مع المجالس البلدية التي كان يحكمها الحزب الديمقراطي الاجتماعي، عندما كان هو رئيساً لكتلته البرلمانية خلال الفترة من عام 2011 حتى عام 2017. في هذه الفترة، شهدت البرتغال سلسلة طويلة من الاحتجاجات الاجتماعية الصاخبة ضد السياسة التقشفية التي فرضتها الحكومة التي كان يرأسها زعيم حزبه، باسوس كويلو، امتثالاً لشروط المؤسسات المالية الدولية... مقابل منح البرتغال مساعدة مقدارها 80 مليار دولار لمنع انهيار النظام المصرفي والنهوض من الأزمة. ويومذاك قال مونتينيغرو جملته الشهيرة: «حياة الناس ليست أفضل... لكن البلاد أفضل بكثير!»، التي استحضرها خصومه خلال الحملة الانتخابية للتحذير من القرارات التي قد يتخذها في حال وصوله إلى رئاسة الحكومة.تشكيله الحكومة الحالية

وبعد 5 أيام من تكليف مونتينيغرو، عاد الرئيس المكلّف إلى القصر الجمهوري ليسلّم الرئيس مارسيلو دي سوسا قائمة بأعضاء حكومته المؤلفة من 17 عضواً، منهم 7 نساء. وتضم تشكيلة الحكومة الجديدة عدداً من الأسماء البارزة في حزبه، على رأسها باولو رانجيل نائب رئيس الحزب الذي سيتولّى حقيبة «الخارجية»، وخواكيم ميراندا الناطق بلسان كتلة الحزب البرلمانية الذي سيتولى حقيبة «المال»، وميغيل بينتو النجم الصاعد في الحزب الذي سيتولى حقيبة «البُنى التحتية والإسكان» ويشرف على عدد من القرارات الأساسية في برنامج الحكومة، مثل خصخصة شركة الخطوط الجوية الوطنية، وتحديد موقع مطار العاصمة الجديد الموضوع منذ عقود على لائحة الانتظار، وكذلك إعادة هيكلة شبكة الخطوط الحديدية.

إلا أن السهولة الظاهرة التي رافقت تشكيل الحكومة بهذه السرعة لا تخفي الصعوبة التي تنتظر رئيسها في ظل استناده إلى أقلية في البرلمان، مع العلم أن أندريه فنتورا، زعيم حزب «شيغا» اليميني المتطرف، تعهّد بإسقاط الحكومة في أول فرصة تتاح له، لا سيما بعدما أوصد رئيس الوزراء الجديد بابها في وجهه، وبعد الاتفاق الذي توصل إليه الحزب الاشتراكي والحزب الديمقراطي الاجتماعي للتناوب على رئاسة مجلس النواب وتهميش «شيغا».

ومن المتوقع هذا؛ أن يزداد منسوب الخصومة بين مونتينيغرو والزعيم المتطرف فنتورا، الذي نال أكثر من مليون صوت. ويذكر أن فنتورا عازم على انتزاع تمثيل مقاطعة جزيرة ماديرا من الحزب الديمقراطي الاجتماعي في الانتخابات المُسبقة، المقرر أن تُجرى في أواخر الشهر المقبل. وكان رئيس الجمهورية قد قرّر حل البرلمان المحلي للمقاطعة، إثر الأزمة السياسية التي نشأت عن ضلوع رئيس الحكومة المحلية في فضيحة فساد، إلى جانب عدد من المسؤولين التابعين للحزب الذي يتزعمه مونتينيغرو.

وللعلم، من أبرز ملامح النزاع المتصاعد بين فنتورا ورئيس الوزراء الجديد أن الأول طالب بعد صدور نتائج الانتخابات بالدخول في حكومة مونتينيغرو، لكن هذا الأخير لم يصرّ فقط على موقفه الرافض، بل اختار التفاوض مع الاشتراكيين على بعض التعديلات في الموازنة العامة الخاصة بتحسين أجور المعلمين وأفراد الأجهزة الأمنية والقطاع الصحي الذين يطالبون منذ أشهر برفع رواتبهم بعد الفائض في موازنة العام الماضي الذي بلغ 1.2 في المائة من إجمالي الناتج القومي.

مع هذا، أعلن الزعيم الاشتراكي الجديد بيدرو سانتوس، أنه لن يترك لحزب «شيغا» التفرّد وحده بالمعارضة، إذ سيصوّت ضد مشروع موازنة العام المقبل، الأمر الذي سيضع حكومة «التحالف الديمقراطي» أمام أول اختبار عسير في البرلمان حول ديمومتها. ولذا، دعا مونتينيغرو في تصريحاته الأولى، بعد تسلمه مهامه رئيساً للحكومة الجديدة، «جميع الأطياف السياسية إلى تعزيز الحوار». وأعرب عن إدراكه صعوبة مهمته؛ إذ لا يضمن سوى 80 صوتاً من أصل 230 في البرلمان. لكنه شدد على أن حكومته عازمة على إنهاء الولاية التشريعية، بقوله: «في هذه المرحلة التي تعجز الدولة عن تلبية الخدمات الأساسية للمواطنين في قطاعات الصحة والتعليم والإسكان، ليس مسموحاً أن تتحول السياسة إلى عقبة... بدلاً من أن تكون هي الحل لكل هذه المشاكل». ومن ثم، طالب المعارضة بأن تتحلّى بالتواضع والروح الوطنية والقدرة على الحوار، وتوجّه إلى الحزب الاشتراكي قائلاً إن «عليه الاختيار بين المعارضة الديمقراطية أو التعطيل الديمقراطي»، في حين تجاهل كلياً منافسه اليميني المتطرف «شيغا».

مرحلة سمتها «انعدام الاستقرار»

من ناحية أخرى، يدرك لويس مونتينيغرو، رئيس الحكومة الجديد، أنه يدشّن مرحلة سمتها الرئيسية انعدام الاستقرار السياسي والصراع المستميت بين الأحزاب البرتغالية، لاستعادة مواقعها أو ترسيخ صعودها. ومن شأن هذا الواقع أن يفتح الباب واسعاً على كل الاحتمالات في برلمان اضطر للتصويت 4 مرات هذا الأسبوع، قبل أن ينتخب رئيساً جديداً له.

مونتينيغرو يفهم جيداً أنه في ظل المعادلة البرلمانية الراهنة سيضطر للجوء إلى المراسيم، وتحاشي المثول أمام مجلس النواب إلا في حالات الضرورة القصوى خشية المفاجآت التي قد تؤدي إلى سقوط حكومته. ولكن في المقابل، لعلّ مصدر الاطمئنان الوحيد بالنسبة له ولحظوظ حكومته بالاستمرار حتى نهاية الولاية التشريعية، هو الأسلوب السياسي الراسخ منذ سنين في البرتغال، يقوم على احترام المؤسسات والكياسة في العلاقات بين الأحزاب السياسية، خلافاً لما هو شائع في بلدان الجوار مثل إسبانيا وإيطاليا، أو حتى اليونان.

لقد أظهرت الأحزاب البرتغالية غير مرة خلال السنوات الماضية، التزامها هذا الأسلوب الراقي، الذي ربما يعود إلى النظام الجمهوري الراسخ منذ ما يزيد على مائة سنة من غير أن يشكّك أحد في صلاحه. ولا شك في أن الأجواء التي تمّت فيها عملية التسلم والتسليم بين الحزبين الاشتراكي والديمقراطي الاجتماعي... وما رافقها من تفاهمات وتصريحات هادئة، تشهد على هذه الروح التوافقية التي لا يشذّ عنها سوى حزب «شيغا» اليميني المتطرف.


الاشتراكيون والديمقراطيون الاجتماعيون هيمنوا على «برتغال ما بعد الديكتاتورية»

أنطونيو غوتيرّيش (رويترز)
أنطونيو غوتيرّيش (رويترز)
TT

الاشتراكيون والديمقراطيون الاجتماعيون هيمنوا على «برتغال ما بعد الديكتاتورية»

أنطونيو غوتيرّيش (رويترز)
أنطونيو غوتيرّيش (رويترز)

> بعد أيام تحتفل البرتغال باليوبيل الذهبي لـ«ثورة القرنفل»، التي تفجّرت يوم 25 أبريل (نيسان) 1974 وأطاحت الديكتاتورية لتستعيد الديمقراطية وتؤسس لنظام شبه رئاسي، يضع السلطة التنفيذية بيد رئيس الوزراء... فيما باتت تُعرف بـ«الجمهورية البرتغالية الثالثة».

لقد تعاقبت على هذه «الجمهورية» حتى الآن 24 حكومة، كانت أولاها «هيئة الإنقاذ الوطني»، التي تولّت رئاستَي الجمهورية والوزراء وصلاحيات البرلمان لفترة 3 أسابيع، وسلّمت بعدها الحكم لحكومة مؤقتة تعاقب عليها 4 من الشخصيات المستقلة حتى صيف عام 1976.

خوسيه مانويل بارّوسو (رويترز)

وفي يوم 23 يوليو (تموز) 1976 شكّل الزعيم الاشتراكي التاريخي، الدكتور ماريو سواريش، أول حكومة دستورية بعد سقوط الديكتاتورية استمرّت لسنتين، ثم عاد ليشكّل حكومته الثانية في عام 1983، ثم انتُخب لاحقاً رئيساً للجمهورية.

بعد حكومة ماريو سواريش الأولى تعاقب على الحكم 3 رؤساء مستقلين، كانت آخرهم ماريا لورديس بينتاسيلغو، المرأة الوحيدة التي تولت رئاسة الحكومة في البرتغال حتى الآن، ولكن حكومتها استمرت أقل من 4 أشهر.

بعدها، في عام 1980 افتتح فرنسيسكو سا كارنيرو عهد حكومات الحزب الديمقراطي الاجتماعي المحافظة، واستمر هذا العهد حتى عام 2004، تخلله فاصل اشتراكي مع حكومة ماريو سواريش الثانية، ثم الأمين العام الحالي للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي شكّل حكومتين اشتراكيتين متتاليتين بين عامي 1995 و2004. وكان أبرز الذين ترأسوا الحكومات البرتغالية من زعماء الحزب الديمقراطي الاجتماعي هنيبعل كافاكو سيلفا الذي شكّل 3 حكومات متتالية من منتصف الثمانينات حتى منتصف التسعينات، قبل أن يُنتخب أيضاً رئيساً للجمهورية.

وما يُذكر أنه بعد حكومة أنطونيو غوتيريش الثانية، تولّى الحكم الزعيم الشاب للحزب الديمقراطي الاجتماعي خوسيه مانويل بارّوسو الذي أصبح لاحقاً رئيساً للمفوضية الأوروبية. وتولّى بعده في عام 2005 الأمين العام للحزب الاشتراكي جوزيه سقراطيس تشكيل الحكومة الحادية والعشرين، التي استمرت 6 سنوات، عاد بعدها الديمقراطيون الاجتماعيون إلى الحكم لفترة 4 سنوات مع بيدرو باسوس، قبل أن يفوز الحزب الاشتراكي مجدداً بالغالبية المطلقة بقيادة أنطونيو كوستا.

مع كوستا عاد الاشتراكيون يرسّخون حضورهم ودورهم في المشهد السياسي البرتغالي، بل ويستعيدون مستويات التأييد الشعبي التي كانوا يتمتعون بها على عهد ماريو سواريش. وبالفعل، قد شكّل كوستا 3 حكومات متتالية كانت آخرها تلك التي استقال من رئاستها في خريف العام الماضي بعد سلسلة من الفضائح التي طالت عدداً من معاونيه وأعضاء حكومته. وكان قرار الاستقالة مفاجئاً بالنسبة لعديد من معاوني كوستا وخصومه السياسيين، خصوصاً أنه لم يكن ملزماً باتخاذه لأنه ما كان متورطاً في أي من الفضائح، ولاستناده إلى غالبية مطلقة في البرلمان تحُول دون سحب الثقة من حكومته. ولكن، يقال إن من بين الدوافع التي حملته على اتخاذ هذا القرار، الذي وصفه بأنه «من باب الحرص على هيبة المنصب»، تطلعه إلى تولي منصب قيادي في المؤسسات الأوروبية.

وهكذا، بعد استقالة كوستا وإجراء الانتخابات المسبقة عاد الحزب الديمقراطي الاجتماعي إلى السلطة مع زعيمه الجديد لويس مونتينيغرو، لكن ضمن «التحالف الديمقراطي» وهو تحالف واسع مع مجموعة من الأحزاب الصغيرة الوسطية والمحافظة، وبتأييد يزيد بقليل على ثلث أعضاء البرلمان.


بكين: ترمب وبايدن «وجهان لعملة واحدة»

الرئيسان جو بايدن وشي جينبينغ خلال لقائهما في سان فرانسيسكو أثناء أعمال قمة "منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا وحوض المحيط الهادئ" (رويترز)
الرئيسان جو بايدن وشي جينبينغ خلال لقائهما في سان فرانسيسكو أثناء أعمال قمة "منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا وحوض المحيط الهادئ" (رويترز)
TT

بكين: ترمب وبايدن «وجهان لعملة واحدة»

الرئيسان جو بايدن وشي جينبينغ خلال لقائهما في سان فرانسيسكو أثناء أعمال قمة "منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا وحوض المحيط الهادئ" (رويترز)
الرئيسان جو بايدن وشي جينبينغ خلال لقائهما في سان فرانسيسكو أثناء أعمال قمة "منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا وحوض المحيط الهادئ" (رويترز)

إن تاريخ الخلافات بين الصين والولايات المتحدة طويل ومتشعِّب المحاور، ولقد استمرت العلاقات الصينية - الأميركية، وهي العلاقة الثنائية الأهم في العالم، وسط التقلبات والمنعطفات. والسبب أنه بالنسبة لدولتين كبيرتين مثل الصين والولايات المتحدة ليست إدارة إحداهما ظهرهما للأخرى خياراً منطقياً. وكذلك، من غير الواقعي أن يحاول أحد الطرفين «تشكيل» الطرف الآخر. وبالتالي، أدرك الجانبان أن للصراع والمواجهة بين هذين العملاقين عواقبَ لا يمكن لأي منهما تحمّلها. لذا، منذ حقبة «الحرب الباردة» والحرب الكورية (1950 - 1953) واحتدام الاختلافات الآيديولوجية (1970 - 1950)، صمد «التعايش» الحذر خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وسط تصاعد الاختلافات بين «النموذج الاشتراكي» الصيني و«النموذج الرأسمالي» الأميركي، وعمل بكين على دعم تمدد الشيوعية، مقابل حرص واشنطن على التصدي لـ«المدّ الأحمر» منذ منتصف القرن العشرين. وهذا، بينما لا تزال تطغى على العلاقات الثنائية توترات متكرّرة بسبب قضايا مثل النقد، والتجارة، والملكية الفكرية، وسياسات التبادل التجاري والقضايا الإقليمية (مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي)، بالإضافة إلى التطورات العسكرية والاستراتيجية والقضايا البيئية والطاقة.

من أهم ملامح التعايش البراغماتي ما نراه في مجال الاقتصاد.

اقتصادا البلدين هما الاقتصادان الأكبر في عالم اليوم، إذ يمثلان معاً 40 في المائة من الناتج العالمي، وتشير الإحصائيات إلى أن التبادل التجاري الثنائي ارتفع من أقل من 2.5 مليار دولار أميركي في عام 1979 ليقترب من 760 مليار دولار أميركي في عام 2022. وأيضاً ارتفع حجم الاستثمارات المتبادلة من الصفر تقريباً إلى أكثر من 260 مليار دولار، فضلاً عن إنشاء 284 زوجاً من المقاطعات والولايات و«توأمة المدن». وحقاً، لا يبدو البلدان في وارد قطع أو تحجيم علاقاتهما الاقتصادية، ولا يريدان «الانزلاق» نحو انفصال كامل بينهما، لأن العواقب ستكون كارثية على العالم. وهذا ما أكد عليه الرئيس الصيني شي جينبينغ بقوله إنه «من المهم أن يقدّر الجانبان مبادئ كل منهما الآخر وخطوطه الحمراء، وأن يتجنّبا التقلب والاستفزاز وتجاوز الخطوط».

أسباب التوتر

بكلمات قليلة تعبّر بوضوح عن الأسباب الكامنة وراء التوترات بين واشنطن وبكين، قال الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب خلال مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، رداً على سؤال عن نهاية الحرب التجارية، إن «الاقتصاد الصيني كان سيتجاوز الأميركي لو أصبحت هيلاري كلينتون رئيسة». وأردف: «... لو حدث ذلك لكانت الصين اقتصادياً أكبر من الولايات المتحدة بحلول نهاية فترة ولايتها، والآن لن تكون قريبة». ثم شدد على أن الصين لن تحل محل الولايات المتحدة كقوة اقتصادية عظمى رائدة في العالم إبان فترة رئاسته (المقبلة)». وهذا الأمر عمل عليه ولا يزال ضمن برنامج ترشحه لولاية رئاسية ثانية.

في الواقع، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في مطلع تسعينات القرن الماضي، استشعرت الولايات المتحدة خطورة نمو الصين الاقتصادي، وما يمكن أن يشكله ذلك من تهديد لسيادتها العالم. وبناءً على ذلك، وضعت مجموعة من الخطط لاحتواء الصين على المستوى الدولي والإقليمي.

ومن ثم، تطوّرت هذه الخطط إبان عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وتبلوَرت عبر مشروعين، هما مشروع «محور آسيا» ومشروع «معاهدة التجارة الحرّة» المسمى «التجارة عبر المحيط الهادئ»، التي ضمّت كل دول شرق آسيا، باستثناء الصين، واعتمدت على توفير حوافز اقتصادية لهذه الدول لتجعل ارتباطها بأميركا أقوى من ارتباطها بالصين. وللعلم، كان ترمب قد أعلن في يناير (كانون الثاني) 2018 انسحاب بلاده من الاتفاقية المنتظرة، تنفيذاً لتعهداته الانتخابية.

ومن المجال التجاري إلى المجال الاقتصادي وغيره من المجالات، تشكو واشنطن دائماً من أن بكين تبقي عملتها دون قيمتها الحقيقية بشكل مصطنع. الأمر الذي يساعد المصدِّرين الصينيين على زيادة صادراتهم، وخاصة إلى الولايات المتحدة، بصورة «مجحفة». وكذلك تتهم القيادة الأميركية الصين بتحقيق فائض ضخم من تجارتها مع الولايات المتحدة بسبب انخفاض قيمة عملتها، ما يجعل الصادرات الصينية إلى أميركا أقل تكلفة، والواردات من أميركا أكثر تكلفة. وثمة تهم أميركية أخرى للصين، منها استمرار «قرصنة» المنتجات الأميركية، و«سرقة» الصينيين حقوق الملكية الفكرية من الشركات الأميركية التي تستثمر في الصين، والمزايا «غير العادلة» التي يتمتع بها المنافسون المحليون لتلك الشركات.

وخارج حدود البلدين، يتصاعد الصراع الأميركي الصيني، ليشمل التسابق على الحصول على المواد الأولية، وخاصة من أفريقيا وأميركا اللاتينية. وفي سياق متصل، ثمة قلق أميركي من احتمال خفض الصين الإمدادات من المعادن النادرة، التي تنتج الصين نحو 97 في المائة من عناصرها، وهي تستخدم في الإلكترونيات الاستهلاكية ذات التكنولوجيا الفائقة والعتاد العسكري وغيرهما من الصناعات الاستراتيجية.

لمن تدق أجراس المستقبل؟

الصراع، إذن، يحمل تجلّيات للتنافس بين قوة عالمية صاعدة، غدت ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأكبر مُصنّع، وأكبر تاجر بضائع، وثاني أكبر مستهلك للسلع، وثاني أكبر متلقٍ للاستثمارات المباشرة الخارجية، وأكبر حائز لاحتياطيات النقد الأجنبي.

وفي المقابل، قوة أخرى مهيمنة، لكن دورها يتقلص ببطء... يوماً بعد يوم.

أيضاً من وجوه الصراع، التنافس بين الدبلوماسية الصينية القائمة على الشمول، وتكافؤ الفرص، واحترام تنوع الثقافات والأنظمة السياسية... وبين دبلوماسية أميركية قائمة على الأحادية.

وبالفعل، ترى الصين أن ثمة «تحالفاً» قوياً ونشيطاً في واشنطن مناهضاً لبكين، يشمل إدارة الرئيس جو بايدن والكونغرس، ومراكز الفكر والمجتمع الاستراتيجي بشكل عام، حيث غدت معاداة الصين إحدى القضايا النادرة التي يتفق عليها الحزبان الرئيسيان؛ الديمقراطي والجمهوري.

مع هذا، صادف أول رأس السنة الميلادية الجديدة لعام 2024 الذكرى السنوية الـ45 لإنشاء العلاقات الدبلوماسية بين الصين والولايات المتحدة. وفي ذلك اليوم، تبادل الرئيسان شي وبايدن رسالتي تهنئة بالمناسبة التي تمثل حدثاً مهماً في تاريخ العلاقات بين البلدين والعلاقات الدولية. وقال شي، في رسالته، إن البلدين «تجاوزا العواصف وتحرّكا إلى الأمام بشكل عام، ما عزّز رفاهية شعبيهما، وساهم في تحقيق السلام والاستقرار والازدهار في العالم». وعدّ الزعيم الصيني إنشاء علاقات بين العملاقين العالميين «حدثاً كبيراً» في تاريخ العلاقات الثنائية وفي العلاقات الدولية.

رئيس الوزراء الصيني السابق الراحل تشو إن لاي يستقبل هنري كيسنجر في بكين عام 1971 (آ ف ب)

«أميركا 2024»... وسياسة بكين

على صعيد آخر، لخّص دبلوماسي صيني مرموق فلسفة الدبلوماسية الصينية بكلمات لافتة في ردّه على البعض ممّن يعتقدون أن الموقف الصيني «لا يثبت ويهتز ويتبدل ويتغير». إذ سخر من «سوء فهم» هؤلاء لمواقف الصين «بسبب جهلهم بالسياسة والقيم والأخلاق» على حد تعبيره. وأردف: «الفارق بين مواقف بلدينا فارق ثقافي. فأنتم تعتمدون على الجراحة القطعية في كل أمر، بينما بلدي الصين تعتمد طريقة علاج الوخز بالإبر».

ضمن هذا الإطار، لطالما أوضحت الصين التزامها بسياسة خارجية مستقلة «قائمة على السلام»، والتزامها بالمبادئ الخمسة للتعايش السلمي، التي هي: الاحترام المتبادل للسيادة، وسلامة الأراضي، وعدم الاعتداء، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والمنفعة المتبادلة القائمة على المساواة.

هذه المبادئ كان قدمها رئيس مجلس الدولة (الحكومة) الأسبق تشو إن لاي في عام 1954 مع كلّ من نظيريْه الهندي (جواهر لال نهرو) والبورمي (يو نو) في بيان مشترك، وجرى الاعتراف بها لاحقاً في «المؤتمر الآسيوي الأفريقي الأول» المنعقد في مدينة باندونغ الإندونيسية عام 1955م. ولذا، تُعد المبادئ الخمسة قاعدة للصين في انتهاجها «السياسة الخارجية السلمية المستقلّة» ومرشدة لتطور العلاقات الخارجية للصين، بيد أنها اليوم أضحت جزءاً من «قانون العلاقات الخارجية» الجديد الذي اعتمدته الصين عام 2023 في الاجتماع الثالث للجنة الدائمة للمجلس الوطني الرابع عشر لنواب الشعب. وهي تعدّ بناء «مجتمعِ المستقبل المشترك للبشرية» هدفاً سامياً تسعى إليه بكين، ولقد أوضحَ الرئيس شي هذا المفهوم غير مرة في المناسبات المختلفة. وبالتوازي، طرح مبادرة «الحزام والطريق» ومبادرات أخرى، منها «التنمية العالمية» و«الأمن العالمي» و«الحضارة العالمية» لدفع التنمية المشتركة والأمن الدائم وحشد جهود جميع الدول.

أما ما يتعلق بانتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة، فلا تزال بكين تتبع رسمياً سياسة حيادية، وتعدها شأناً داخلياً أميركياً. إذ قال الناطق باسم الدورة السنوية للبرلمان الصيني لو كينجيان، خلال مؤتمر صحافي رداً على سؤال حول هذا الموضوع: «لقد ذكرت الانتخابات الرئاسية الأميركية... وهي شأن داخلي للولايات المتحدة». وتابع: «بغضّ النظر عن هوية الرئيس المقبل، نأمل أن تعمل الولايات المتحدة بالاتجاه نفسه مع الصين، ومن أجل علاقات صينية - أميركية مستقرة وسليمة ومستدامة... إن تحقيق الاستقرار في العلاقات بين الصين والولايات المتحدة وتحسينها قضية يتابعها الجميع عن كثب، ويأمل حصولها».

ترمب وبايدن «وجهان لعملة واحدة»

واليوم مع ما يبدو من حصر السباق بين الرئيس الحالي جو بايدن، والسابق دونالد ترمب، ترصد بكين ما يحدث عن كثب، ولكن من دون حذر أو قلق، كونها خبرت الرجلين.

سياسات ترمب التجارية والجيوسياسية تسببت بتصاعد التوترات بين واشنطن وبكين، وتدهور الثقة المتبادلة، وأثرت سلباً على العلاقات الثنائية، وأحياناً أدت إلى اضطراب في الأسواق العالمية. ولم يشذ بايدن عن هذه السياسات تطبيقاً لاستراتيجية «الاحتواء» التي بدأها ترمب، فازداد التصعيد الأميركي ضد الصين تجارياً واقتصادياً وعسكرياً. وواصلت إدارة بايدن تطبيق التعريفات الجمركية على بعض البضائع الصينية التي بدأها ترمب، وفرض بايدن قيوداً على تصدير الرقائق الإلكترونية ومعدات تصنيعها، والبرامج التي تحتوي على التكنولوجيا الأميركية إلى الصين. وتبنّت إدارته قانون خفض التضخم، الذي يقدم مساعدات للشركات التي تستثمر في الولايات المتحدة، ولكن استُثنيت منه الشركات الصينية، ومُنعت الشركات التي تحصل على تلك المساعدات من الاستثمار في الصين.

هنا يعلّق سون تشنغهاو، زميل مركز الأمن والاستراتيجية الدولية بجامعة تسينغهوا في بكين، قائلاً: «بغضّ النظر عمن سيتولى الرئاسة، فإن ذلك لن يغيّر الاتجاه العام للمنافسة الاستراتيجية الأميركية مع الصين... ليس لدى الصين أي تفضيل إزاء من سيفوز بالانتخابات، فلديها خبرة في التعامل مع كليهما». هذا، مع أن بكين لا تستطيع إعلان تفضيلها لأي من المرشحين، فإن سياستها، عموماً، تتبنى موقفاً منفتحاً للعلاقات مع واشنطن، وستتعاون مع أي إدارة تأتي إلى السلطة، بغضّ النظر عن الحزب السياسي الذي ينتمي إليه الرئيس. ولكن يتوقع اختلاف السياسات والتفضيلات المحددة تبعاً للتحديات والفرص التي يطرحها كل من مرشحي الرئاسة الأميركية وسياسته تجاه الصين.

هنا، نشير إلى أنه يوم 20 يوليو (تموز) 2023، التقى الرئيس الصيني شي بوزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر في دار ضيافة الدولة دياويوتاي بالعاصمة بكين. وقال شي إنه «قبل 52 سنة كانت الصين والولايات المتحدة في نقطة انعطاف حاسمة، وحينذاك اتخذ الرئيس الصيني ماو تسي تونغ، ورئيس مجلس الدولة تشو إن لاي، والرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، الخيار الصحيح للتعاون الصيني الأميركي برؤية استراتيجية متميزة، ما فتح عملية تطبيع العلاقات الصينية - الأميركية التي لم تفد البلدين فحسب، بل غيّرت العالم أيضاً».

وحقاً، أثبت التاريخ أن التعاون الوثيق بين الصين والولايات المتحدة له أهمية كبيرة، ليس للبلدين فقط، ولكن للسلام والرخاء العالميين. ولذا، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الأميركية هذا العام، يرى مراقبون أن توجيه العلاقات الثنائية يتطلب كثيراً من الحكمة والبصيرة والشجاعة، مع تجنب أن تصبح العلاقات الثنائية مطية لمزايدات السياسة الحزبية الأميركية.

منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في مطلع تسعينات القرن الماضي، استشعرت الولايات المتحدة خطورة نمو الصين الاقتصادي

الصادرات الصينية تغزو العالم (رويترز)

الركائز والتعهدات الخمسة للعلاقات الصينية ــ الأميركية

> أشار الرئيس الصيني شي جينبينغ في لقائه مع نظيره الأميركي جو بايدن بمدينة سان فرنسيسكو الأميركية يوم 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 - على هامش أعمال قمة «منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا وحوض المحيط الهادئ» - إلى أنه في وجه التغيرات غير المسبوقة منذ 100 سنة في العالم، هناك خياران أمام الصين والولايات المتحدة: الأول هو تعزيز التضامن والتعاون وتضافر الجهود لمواجهة التحديات الكونية، وتدعيم الأمن والازدهار في العالم. والثاني هو التشبث بعقلية «اللعبة الصفرية»، وإثارة المجابهة بين المعسكرات، وجرّ العالم إلى الاضطرابات والانقسام. وأردف شي أن هذين الخيارين «يمثلان اتجاهين سيقرران مستقبل البشرية ومستقبل كوكب الأرض، ومن الضروري التفكير، وتخطيط العلاقات الصينية الأميركية بوصفها أهم العلاقات الثنائية في العالم».شي رأى أن مبادئ الاحترام المتبادل والتعايش السلمي والتعاون والكسب المشترك جاءت من تجربة سبق تلخيصها من مسيرة تطور العلاقات الثنائية على مدى 50 سنة، وجاءت استيحاءً من الصراعات بين الدول الكبرى في التاريخ، ويجب أن تكون اتجاهاً تبذل الصين والولايات المتحدة جهوداً مشتركة نحوه. وأثناء ذلك اللقاء دعا شي إلى توصل بكين وواشنطن إلى أفق جديد، والعمل معاً على بناء الركائز الخمس للعلاقات الصينية الأميركية. وهي:1- العمل معاً على تكوين الفهم الصحيح، عبر بناء العلاقات الصينية الأميركية المستقرة والصحية والمستدامة. وفي الوقت نفسه، لدى الصين مصالح لا بد من الحفاظ عليها ومبادئ لا بد من الدفاع عنها و«خطوط حمراء» لا بد من التمسك بها في ظل أن يكون البلدان شريكين يتبادلان الاحترام ويتعايشان بشكل سلمي.2- العمل معاً على إدارة الخلافات والسيطرة عليها بشكل فعال؛ إذ من الضروري أن يتعرف الجانبان على المبادئ و«الخطوط الحمراء» للجانب الآخر، ويمتنعا عن المناورات العبثية أو إثارة المشكلات أو تجاوز الحدود.3- العمل معاً على تدعيم التعاون المتبادل المنفعة؛ فلدى الجانبين مصالح مشتركة واسعة النطاق في مجالات كثيرة تشمل المجالات التقليدية كالاقتصاد والتجارة والزراعة، والمجالات الناشئة كتغير المناخ والذكاء الاصطناعي. والمطلوب الاستفادة الكاملة من الآليات التي استنزفت أو توافرت في مجالات الدبلوماسية والاقتصاد والمالية والتجارة والزراعة... وغيرها، وإجراء التعاون في مجالات مكافحة المخدرات والقضاء وإنفاذ القانون والذكاء الاصطناعي والعلوم والتكنولوجيا وغيرها.4- العمل معاً على تحمُّل المسؤولية بوصفهما دولتين كبريين، إذ لا يستغني حل المعضلات التي تواجه المجتمع البشري عن التعاون بين الدول الكبرى. وبالتالي يجب أن تكون بكين وواشنطن قدوة في هذا الصدد، فتعززا التنسيق والتعاون في القضايا الدولية والإقليمية، وتوفرا مزيداً من المنافع العامة للعالم. 5- العمل معاً على تعزيز التواصل الإنساني والثقافي، ومن ذلك عمل الجانبين على زيادة عدد الرحلات الجوية بينهما، ودعم التعاون السياحي، وتوسيع التبادلات بين المحليات، وتعزيز التعاون في التعليم وشؤون ذوي الإعاقة، والقليل من العوامل السلبية التي تعرقل التواصل الإنساني والثقافي.وفي المقابل، قال الرئيس بايدن: «إنني أرى دائماً أن العلاقات الأميركية الصينية هي أهم العلاقات الثنائية في العالم، والصراع بين البلدين ليس أمراً لا مفر منه. إن صيناً مستقرة ومتنامية تتفق مع مصالح الولايات المتحدة والعالم، والنمو الاقتصادي الصيني يفيد الولايات المتحدة والعالم». وأضاف أن الإبقاء على استقرار العلاقات الثنائية، والحؤول دون الصراعات، وإدارة الخلافات والسيطرة عليها، وإجراء التعاون في المجالات ذات المصالح المشتركة، أمور تساعد البلدين على معالجة مشكلاتهما بشكل أفضل. وتابع بايدن: «أود التأكيد مجدداً على التعهدات الخمسة التي قطعتها خلال لقاء جزيرة بالي، أي: لا تسعى الولايات المتحدة إلى (الحرب الباردة الجديدة)، ولا تسعى إلى تغيير النظام الصيني، ولا تسعى إلى معارضة الصين عبر تقوية التحالفات، ولا تدعم استقلال تايوان، ولا تنوي الصراع مع الصين. تعتمد الولايات المتحدة والصين على بعضهما اقتصادياً. إن الولايات المتحدة مسرورة بتنمية الصين ورخائها، ولا تسعى إلى قمع واحتواء تنمية الصين، ولا تسعى إلى فك الارتباط مع الصين. ويلتزم الجانب الأميركي بثبات بسياسة (الصين الواحدة)...».

 

 

* رئيس «معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث» (كونفوشيوس) منذ انهيار الاتحاد السوفياتي استشعرت الولايات المتحدة خطورة نمو الصين الاقتصادي


بسيرو ديوماي فاي «صديق عثمان سونكو»... الذي يسعى إلى تغيير وجه السنغال

بسيرو ديوماي فاي «صديق عثمان سونكو»... الذي يسعى إلى تغيير وجه السنغال
TT

بسيرو ديوماي فاي «صديق عثمان سونكو»... الذي يسعى إلى تغيير وجه السنغال

بسيرو ديوماي فاي «صديق عثمان سونكو»... الذي يسعى إلى تغيير وجه السنغال

عندما وقف السياسي الشاب بسيرو (بشير) ديوماي فاي، ليؤدي اليمين الدستورية رئيساً جديداً للسنغال مطلع الشهر الحالي، لم يكن يتصور أنه قبل سنة واحدة فقط كان يقف في مكان وظروف مختلفة تماماً، ففي أبريل (نيسان) من العام الماضي لم يكن فاي سوى سجين متهم بالتشهير والقيام بأعمال من شأنها «تعريض السلام العام للخطر». ولكن ما بين أبريل 2023، وأبريل 2024 جرت في نهر الحياة السياسية السنغالية مياه كثيرة، قادت سفينة مفتش الضرائب السابق، الآتي من إحدى القرى النائية بريف السنغال، إلى قصر الرئاسة، لتدور حياة فاي في بضعة أيام دورة كاملة.

قبل 10 أيام فقط من انطلاق الاقتراع في الانتخابات الرئاسية السنغالية لم يكن ذلك، بسيرو (بشير) ديوماي فاي، السياسي ابن الـ44 سنة، سوى سجين يترقب مصيره خلف الأسوار، فإذا به يخرج من السجن ليتصدر قائمة المرشحين، ويحظى بفوز حاسم من الجولة الأولى في مواجهة مرشح الائتلاف الحاكم. ولقد جاء هذا الفوز بمثابة لحظة فارقة في تاريخ السنغال، ليس بوصول أصغر رئيس في تاريخ البلاد إلى القصر الرئاسي فقط، أو لأنه آتٍ من صفوف المعارضة، بل باعتبار ما حدث تحولاً جوهرياً للإرث السياسي للبلاد الذي استقر طيلة 6 عقود.

فاي عام 1980 في قرية ندياجانياو، وهي قرية زراعية صغيرة في غرب السنغال، تتبع إقليم تييس، ثاني أكبر أقاليم البلاد، وموطن رئيسها الأول ليوبولد سيدار سونغور، في هذه المنطقة الفقيرة، عاش جزءاً من طفولته ومراهقته، قبل أن يحصل على الثانوية العامة (البكالوريا) عام 2000، بعد صعوبات تعليمية ومجموع متوسط مكّنه من الالتحاق بـ«المدرسة الوطنية للإدارة» في جامعة الشيخ أنتا جوب بالعاصمة داكار، حيث تخرّج عام 2007، حاصلاً على «المتريز» (الإجازة) في القانون. بعدها انضم إلى الإدارة العامة للضرائب والممتلكات، وعمل مفتشاً للضرائب. غير أن تلك الوظيفة شكّلت نقطة تحول حقيقية في حياة ذلك الشاب الذي لم يكن حتى تلك اللحظة لديه طموحات سياسية كبيرة، بل ربما اقتصر الأمر على رغبته في الترقي المهني.

التعرّف إلى سونكو

تمثلت نقطة التحوّل في لقاء فاي بشاب يكبره بـ5 سنوات، لكنه كان شغوفاً بالسياسة، ومفعماً بأحلام التغيير، وسيصبح لاحقاً صديق عمره وقائده في دروب العمل السياسي. ذلك الشاب هو عثمان سونكو، الذي كان يتردد على النادي الرياضي نفسه الذي كان يتردد عليه فاي. وكذلك، عمل أيضاً مفتشاً للضرائب في تلك الفترة.

وهكذا، انطلقت رحلة صعود الصديقين، سونكو وفاي، من رحم المعاناة المهنية. إذ سعى الأول إلى تأسيس نقابة للوكلاء الضريبيين والماليين، لينضم إليه الأخير ويتشاركا العمل على كشف التجاوزات وسوء الإدارة في كثير من مجالات العمل الحكومي بالبلاد. لكن يبدو أن العمل في الضرائب ما كان كافياً لإشباع تطلّعات الشابين الطامحين للتغيير، فخلال عام 2014 شارك فاي رفيق رحلة الكفاح سونكو في تأسيس «حزب الوطنيين الأفارقة السنغاليين من أجل العمل والأخلاق والأخوة» - أو «الحزب الوطني السنغالي» - في قاعة صغيرة بجامعة داكار، وهو الحزب الذي ترأسه عثمان سونكو، وأصبح فاي أمينه العام في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2022.

برزت قدرات فاي في إطار التنظيم الحزبي الجديد، عندما تحوّل إلى «العقل المدبّر» لتوسع الحزب في الخارج، ولا سيما أوروبا. في حين صار سونكو، بخطابه الراديكالي، مصدر إزعاج للسلطات الحاكمة، التي لم تحاول فقط تقليص نشاط السياسي الشاب، عبر سجنه، بل سعت إلى حرمانه من المنصة السياسية التي ينطلق منها، أي الحزب الذي يتزعمه. وهكذا، جاء قرار حلّ الحزب في يوليو (تموز) 2023 تالياً لاعتقال عدد من قياداته، ومنهم فاي يوم 14 أبريل من العام ذاته بتهم الإساءة إلى قاضٍ، والتشهير، وارتكاب أعمال من شأنها تعريض السلام العام للخطر. كل هذا، لانتقاده عبر منشور على صفحته بموقع «فيسبوك» طريقة تعامل القضاء مع قضية عثمان سونكو الذي سبقه إلى السجن، ومُنع من الترشح لانتخابات الرئاسة، فاختار فاي بديلاً له ليخوض الانتخابات التي كادت تتحول إلى نهاية للديمقراطية السنغالية.

من السجن إلى القصر

لقد تضاعفت المخاوف من أن تنجرف السنغال إلى المسار «الانقلابي» عندما أعلن الرئيس المنتهية ولايته ماكي سال، يوم 3 فبراير (شباط) الماضي، تأجيل الانتخابات التي كانت مقرّرة في 25 من الشهر ذاته. إذ انفجر الشارع السنغالي غضباً، ووقعت صدامات في الشارع راح ضحيتها قتلى ومصابون، وقاطع معظم الأحزاب السياسية والمرشحون الـ19 لتلك الانتخابات دعوات الرئيس سال للحوار.

عندها، تراجع الرئيس رغم موافقة البرلمان الذي تسيطر عليه غالبية من الائتلاف الحاكم على قرار التأجيل، لكن «المجلس الدستوري» (أعلى سلطة قانونية في السنغال) أبطل تلك القرارات، ودعا إلى إجراء الانتخابات في أسرع وقت ممكن، وهنا أيضاً اضطر الرئيس سال إلى إعلان إجراء الانتخابات في 24 مارس (آذار) الماضي.

في هذه الأثناء، كان الصديقان سونكو وفاي لا يزالان خلف أسوار السجن، وإن بدا الأخير في وضع أفضل نسبياً. إذ غاب اسم رئيس الحزب السجين عثمان سونكو عن قائمة مرشحي الرئاسة التي أعلنها «المجلس الدستوري» يوم 13 يناير (كانون الثاني) الماضي، رغم كل التقديرات التي كانت تشير إلى أنه أبرز المرشحين المؤهلين لمنافسة أمادو با، المرشح المدعوم من الرئيس ماكي سال، بينما استطاع فاي دخول القائمة، كمرشح بديل. أما السبب فهو أن سونكو المحكوم قضائياً بالسجن لمدة سنتين لا يحق له خوض الانتخابات، في حين لم يخضع فاي للمحاكمة، وبالتالي، لم يصدر ضده أي حكم قضائي.

لعبت الأقدار إذاً لعبتها، وأصبح فاي مرشحاً للانتخابات الرئاسية رغم كونه موقوفاً في سجن كاب مانويل، بضواحي العاصمة داكار، من دون محاكمة. وللعلم، لم تكن أكثر التوقعات تفاؤلاً ترشّحه للفوز من الجولة الأولى، لكن قبل 10 أيام من الانتخابات الرئاسية تبدّلت الأمور، وأطلق سراح كل من فاي وسونكو بموجب قانون عفو.

لم يكن أمام الصديقين فسحة من الوقت لتنظيم حملة انتخابية بالمعايير المعتادة، لمنافسة مرشحين ينتمون إلى أحزاب معارضة أخرى، وفي مواجهة قوى الائتلاف الحاكم، التي كان يمثلها المرشح الذي اختاره الرئيس سال ليخلفه، أي أمادو با، الذي شغل كثيراً من المناصب الوزارية ويتمتع بخبرة طويلة في دهاليز السياسة والحكم.

استفاد فاي من حالة التعاطف الشعبي التي تسببت فيها فترة سجنه لمدة سنة من دون محاكمة، إضافة إلى تركيز خطاباته على مشكلات الطبقات الهشة والمهمشة

توظيف الغضب

استعان تحالف سونكو وفاي، بما برع فيه الصديقان منذ دخولهما عالم السياسة، وهو اللعب على مشاعر الغضب والإحباط المتراكمة لدى قطاعات واسعة من الشباب السنغالي، كما استطاعا توظيف غضب المجتمع السنغالي جراء ارتفاع الأسعار، وتدني فرص التشغيل، واختلال سياسات التوازن الاقتصادي.

أيضاً، استفاد فاي من حالة التعاطف الشعبي التي تسببت فيها فترة سجنه لمدة سنة من دون محاكمة، إضافة إلى تركيز خطاباته على مشكلات الطبقات الهشة والمهمشة. ومن ناحية أخرى، استفاد من دعم المرشح المُستبعد كريم واد، نجل الرئيس السنغالي الأسبق عبد الله واد، المدعوم من عدد من الأحزاب السياسية. وبالنهاية، استطاع الشاب الذي لم يتولّ أي منصب رسمي في البلاد، الفوز في الانتخابات حاصلاً على أكثر من 54 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، مقابل 35 في المائة لمرشح الائتلاف الحاكم أمادو با ، ليغدو الرئيس الخامس في سلسلة رؤساء السنغال منذ الاستقلال، والأصغر سناً على الإطلاق.

ما يعرف عن الرئيس الجديد أنه لا يفصح بشكل علني عن تبنيه آيديولوجيا سياسية محددة، بل يركز في معظم خطبه على قضايا اجتماعية ورغبة عميقة في تأكيد الاستقلال عن الهيمنة الفرنسية، بجانب التركيز على قضايا الإصلاح والحريات. إلا أن كثيراً من التقارير تشير إلى أنه كان مقرباً خلال دراسته الجامعية من الحركات الطلابية ذات النزعة الإسلاموية والمرتبطة بجماعة «عباد الرحمن»، وهي حركة سنغالية تتبنى فكر تنظيم «الإخوان المسلمين»، وأسست في أواخر سبعينات القرن الماضي. ولعل ذلك ما دفع صحيفة «لوموند» الفرنسية إلى نشر تقرير عن «فاي» ادعت فيه أنه «امتداد لـ(الإخوان المسلمين)، وسيشكل قطيعة مع ما درج عليه النظام السياسي في السنغال». ومع أن الرئيس الجديد لم يُبد انحيازاً واضحاً لتيار سياسي محدد، نجد أن كثيرين من المراقبين يرون أن عثمان سونكو «جزء من الظاهرة الإسلاموية» التي تتمدد في السنغال.

 

وعود بإدارة «أخلاقية»

في أي حال، يراهن فاي على أنه سيقدم وجها مختلفاً للحاكم القادم من مقاعد المعارضة، إذ تعهد عقب إعلان فوزه بأن «السنغال ستكون بلد الأمل والسلام، مع نظام قضائي مستقل وديمقراطية أقوى»، كما وعد بإدارة الأمور بـ«طريقة أخلاقية» وبناء الاقتصاد.

وخلال حملته الانتخابية قال فاي أنه «مرشح تغيير النظام» و«الوحدة الإفريقية»، ووعد بمكافحة الفساد وتوزيع الثروات بصورة أفضل ومعاودة التفاوض بشأن اتفاقات المناجم والغاز والنفط المبرمة مع الشركات الأجنبية. وأيضاً، تعهد بـ«تطهير الطبقة السياسية من خلال إبعاد المفسدين من السلطة واستعادة سيادة السنغال»، وفق تعبيره.

طموحات فاي تبدو عالية السقف، فهي تتراوح من مراجعة اتفاقيات الصيد مع الدول المجاورة، حيث تتضاءل الموارد السمكية التي تدعم نحو 600 ألف أسرة سنغالية، لتصل إلى مراجعة اتفاقيات الدفاع مع فرنسا بهدف «استعادة السيادة»، وهو التعبير الذي استخدمه ما لا يقل عن 18 مرة في خطاب الفوز بالانتخابات. لكن هذه الوعود الصاخبة التي قد تستهوي الناخبين وتجتذب الأصوات، غالباً ما تخبو عندما تصطدم بحقائق الواقع، فضلاً عما يمكن أن تثيره من مخاوف ما يسمى بمؤسسات «الدولة العميقة» التي غالباً ما تنظر بقلق إلى شعارات كـ«التطهير» و«إعادة بناء المؤسسات».

ثم إن التحديات التي سيواجهها الرئيس السنغالي الجديد لا تقتصر على الإصلاح السياسي فقط. إذ إن النمو السكاني السريع في السنغال يشكل تحدياً كبيراً للحكومة، فنحو 20 في المائة من الشباب عاطلون عن العمل، ويشكل الفقر نسبة 36.6 في المائة من إجمالي تعداد السكان البالغ 18 مليون نسمة. ومع أن السنغال تمتلك أراضي زراعية شاسعة، فإنها تستورد 70 في المائة من احتياجاتها الغذائية، ولا تزال الزراعة تعتمد على الطرق البدائية، وبحسب «الأمم المتحدة»، تصنف البلاد كواحدة من أقل الدول نمواً، رغم الخطوات التي قامت بها لتحقيق التنمية الاقتصادية. وبالتالي، سيكون على فاي أن يتعامل مع تحديات اقتصادية متراكمة مع تجاوز حجم الدين الخارجي للسنغال 13.5 مليار دولار، وذهاب 36 في المائة من صادرات البلاد لسداد الديون. وأيضاً، هناك واقع اعتماد الدولة السنغالية على القروض والمنح، ما يبقيها رهينة لضغوط قوية من الشركاء الخارجيين، وقد تجد صعوبات في تمويل الوعود الانتخابية الطموحة التي أطلقها فاي خلال حملته الرئاسية.

تحديات... بالجملة

الواقع أن التحديات لا تقتصر على الداخل السنغالي، بل تمتد إلى خارج الحدود. فعدد من مواقف فاي وتصريحاته لا تبدو ودية تجاه فرنسا، المستعمر القديم للبلاد، وصاحبة النفوذ التاريخي في منطقة الغرب الأفريقي، وتعهده بإصدار عملة وطنية للبلاد بديلاً عن «الفرنك الأفريقي» لن يكون موضع ترحيب من جانب باريس، التي يتهاوى نفوذها في المنطقة، نتيجة صعود نخب شابة إلى الحكم في كثير من مستعمرات فرنسا القديمة.

ورغم اختلاف مسارات وصول «الحكام الجدد» إلى السلطة، سواء عبر انقلابات عسكرية - كحال كل من مالي وبوركينا فاسو والنيجر وغينيا والغابون - أو من خلال صناديق الاقتراع كالسنغال، فإن النخب الجديدة تتشارك عداءً واضحاً تجاه الهيمنة الفرنسية.

ولن تكون فرنسا وحدها من يترقب سياسات الرئيس السنغالي الجديد، بل سيكون على الجيران في موريتانيا أيضاً متابعة نيات فاي، وبخاصة ما يتعلق بمراجعة اتفاقيات الغاز المشترك بين البلدين، وهو المطلب الذي طالما كرّره عثمان سونكو، الذي يرى أن رؤساء السنغال تنازلوا لموريتانيا عن أراضٍ ومصالح سنغالية متعددة. هذا الأمر يثير مخاوف عميقة في نواكشوط، خاصة أن الجارين اختبرا على مدى عقود تقلبات العلاقة من الحرب إلى السلام ومن التوتر إلى التقارب، كما توجد في موريتانيا جالية سنغالية كبيرة، معظم أبنائها من الصيادين والعمال اليدويين. ولقد تسجّل 27 ألف ناخب سنغالي في نواكشوط عام 2024... صوّت منهم قرابة 10 آلاف شخص، وحصد منها فاي نسبة 55 في المائة.


ماري وعبسة... «سيدتا القصر»

الرئيس فاي بين زوجتيه ماري (إلى اليمين) وعبسة (أ.ف.ب)
الرئيس فاي بين زوجتيه ماري (إلى اليمين) وعبسة (أ.ف.ب)
TT

ماري وعبسة... «سيدتا القصر»

الرئيس فاي بين زوجتيه ماري (إلى اليمين) وعبسة (أ.ف.ب)
الرئيس فاي بين زوجتيه ماري (إلى اليمين) وعبسة (أ.ف.ب)

> من الملامح غير «التقليدية» لوصول الرئيس السنغالي الجديد بسيرو ديوماي فاي إلى القصر الرئاسي في داكار، أنه أول رئيس سنغالي يصطحب معه إلى القصر الرئاسي... زوجتين.

القصة برزت عندما أصر فاي خلال الحملة الانتخابية على اصطحاب زوجتيه في مؤتمراته الجماهيرية، وأثناء إدلائه بصوته، كما حرص على اصطحابهما عند أدائه اليمين الدستورية، مبدياً اعتزازه بأنه ربّ أسرة كبيرة، ولديه زوجتان مخلصتان، هما ماري، وعبسة، والعديد من الأطفال. وخلال الحملة الانتخابية الرئاسية قال فاي: «لديّ أطفال جميلون، لأن لدي زوجتين رائعتين، إنهما جميلتان للغاية. وأشكر الله لأنهما تقفان إلى جانبي دائماً».

تنتمي ماري خون، التي تزوجها فاي قبل 15 سنة، ولديه منها أربعة أولاد، إلى القرية ذاتها التي نشأ فيها. أما الزوجة الثانية عبسة، فتزوجها قبل أكثر من سنة بعدما لمع نجمه السياسي. ومع أن تعدّد الزوجات من الأمور المعتادة في السنغال، ويمثل جزءاً من المباهاة الاجتماعية -وبخاصة في الأقاليم الريفية-، فإن مشهد اعتلاء الرئيس فاي منصات المؤتمرات الانتخابية، ممسكاً بيدي زوجتيه، ما كان من المشاهد المألوفة في الحياة السياسية السنغالية، ولذا استقطب الأمر اهتماماً واسعاً من وسائل الإعلام.

ومع صعوبة تحديد عدد الزيجات، لأن الكثير منها غير مسجل، فإن 32.5 في المائة من السنغاليين يتبنّون تعدد الزوجات، بحسب تقرير حديث صادر عن المركز الوطني للإحصاء والتعداد السكاني. وهنا، لن تقتصر مشكلة الرئيس فاي فقط على تدبير أمر زوجتيه داخل القصر الرئاسي، بل قد يمتد الأمر إلى العديد من الاعتبارات البروتوكولية... سواءً في الاحتفالات الرسمية داخل البلاد، أو في الزيارات الخارجية، التي لا تقرّ قواعد البروتوكول فيها سوى وجود «سيدة أولى» واحدة فقط.

ثم إنه رغم أن لقب «السيدة الأولى» غير موجود في الدستور أو في أي نص قانوني سنغالي آخر، وبالتالي قد لا يواجه فاي مشكلة في منح أي من زوجتيه هذا اللقب، قد تبرز المشكلة في العديد من الدول الغربية التي سيبدو الأمر فيها مثيراً للتساؤلات عندما يزورها الرئيس السنغالي، أو يكون على قرينة الرئيس المشاركة في بعض المناسبات ذات الطابع الاجتماعي، أو الإنساني، أو عندما يلجأ مسؤولو المراسم في بعض تلك الدول إلى وضع مقعد واحد لـ«السيدة الأولى»، في مقابل نظيرتها من الجانب المستضيف.


أميركا البروتستانتية قمعت انتشار اليسار لمصلحة الليبراليين

لوحة تبدو فيها وجوه قادة حركة الحقوق المدنية وبينهم القس مارتن لوثر كينغ (شاترستوك)
لوحة تبدو فيها وجوه قادة حركة الحقوق المدنية وبينهم القس مارتن لوثر كينغ (شاترستوك)
TT

أميركا البروتستانتية قمعت انتشار اليسار لمصلحة الليبراليين

لوحة تبدو فيها وجوه قادة حركة الحقوق المدنية وبينهم القس مارتن لوثر كينغ (شاترستوك)
لوحة تبدو فيها وجوه قادة حركة الحقوق المدنية وبينهم القس مارتن لوثر كينغ (شاترستوك)

إذا كان الإيفانجيليون البروتستانت الذين بنوا الولايات المتحدة الأميركية، هم أكبر كتلة سكانية (25 في المائة)، ويُعدّون القوة التصويتية الأكبر التي تدعم الحزب الجمهوري، لكونهم «ملتزمين أكثر دينياً»، فهل هذا يعني أن تأثيرهم على الحزب الديمقراطي انحسر لمصلحة كتلة أخرى، كالتيار اليساري على سبيل المثال؟ يجيب العديد من القراءات والدراسات بما فيها تلك الصادرة عن هيئات حكومية أميركية، بأن الدين، والإيفانجيليون على وجه الخصوص، لم يلعب فقط دوراً كبيراً في تشكل الحزبين، بل دوراً محورياً في تكوين، «هوية» أميركا و«رأسماليتها»... وحتى يسارها المنضوي الآن تحت عباءة الحزب الديمقراطي الحديث.

صورة أرشيفية للرئيس فرانكلن روزفلت (أ ب)

يقول كتاب التاريخ الرسمي الأميركي، في البداية، إنه لم يكن لدى الحزبين الديمقراطي والجمهوري دائماً المُثُل نفسها التي لديهما اليوم. بل ما حصل هو أن الحزبين غيّرا و«قلبا» آيديولوجياتهما على مدى عشرات العقود منذ تأسيسهما. وبينما يُعد الحزب الديمقراطي الذي أسّس عام 1828، أقدم حزب سياسي قائم على نظام الاقتراع في العالم، وأقدم حزب سياسي في أميركا، يعود تاريخ الحزب الجمهوري إلى عام 1854.

في سنواته الأولى، كان الحزب الجمهوري، الذي يعد حزب الرأسمالية الجديدة المسيطرة على الصناعات والبنوك في المدن... ليبراليا تماماً، وفي المقابل كان الديمقراطيون، المدافعون عن المزارعين وسكان الأرياف، معروفين بمحافظتهم القوية.

عند اندلاع الحرب الأهلية، سيطر الجمهوريون على غالبية الولايات الشمالية الأكثر تصنيعاً. وسعوا إلى توسيع الولايات المتحدة، وتشجيع الاستيطان في الغرب، وساعدوا في تمويل السكك الحديدية العابرة للولايات وتأسيس الجامعات الحكومية. وإضافة إلى ذلك، وبسبب الجدل المتوتر المتزايد حول العبودية، صار العديد من الجمهوريين - وعلى رأسهم زعيمهم إبراهام لنكولن - من معارضي العبودية (الرقّ) ودعاة إلغاء عقوبة الإعدام.

في المقابل، كان الديمقراطيون يتشاركون في الالتزام بقيم المجتمع الزراعي والريفي، وينظرون إلى الحكومة المركزية وقاعدتها المدينية على أنها معادية للحرية الفردية. ولأن معظم الديمقراطيين كانوا في الولايات الجنوبية الزراعية، فقد سعوا بعناد من أجل إبقاء العبودية قانونية.

دور الحرب الأهلية

ومع اقتراب الحرب من نهايتها، سيطر الحزب الجمهوري على الحكومة، واستخدم سلطته لحماية الأشخاص المستعبدين سابقاً وضمان حقوقهم المدنية. وشمل ذلك التعديلات بعد تسوية عام 1877 التي انتهت بإعادة الإعمار، التي أكسبت الجمهوريين ولاء السكان السود في أميركا وتصويتهم، وهو ما رفضه معظم الديمقراطيين.

لكن بعد الحرب الأهلية، بدأ التغيير البنيوي في الحزب الجمهوري، مع تعاظم ثروة الصناعيين الشماليين، ودخول العديد منهم ميدان السياسة؛ إذ لم يجد هؤلاء الساسة الأثرياء الجدد أي معنى في دعم حقوق الأميركيين السود، حين كان البيض هم الغالبية. وبحلول سبعينات القرن التاسع عشر، شعر الجمهوريون أنهم فعلوا ما يكفي للمواطنين السود، وأوقفوا كل الجهود «لإصلاح» الولايات الجنوبية، التي تُركت للديمقراطيين البيض وسياساتهم القمعية تجاه المواطنين السود. ومع انتهاء عملية إعادة الإعمار، صوّت «الجنوب الصلب» لصالح المرشحين الرئاسيين الديمقراطيين للسنوات الـ44 التالية.

«الكساد الكبير» بداية التحول

بعد 52 سنة، أصبح «الكساد الكبير» الذي هز أميركا عام 1929، حافزاً لتغيير سياسي هائل. وفي حين ظل رجال الأعمال الأثرياء يهيمنون على الحزب الجمهوري، فضل هؤلاء سياسات اللا تدخل الحكومي دعماً للشركات الكبرى، التي كانت سياسة فعالة عندما كان الاقتصاد مزدهراً، لكنها أضحت كارثية مع الانهيار الاقتصادي الذي حصل.

وبالتالي، عندما تبنّى الرئيس الجمهوري هربرت هوفر سياسة اللا تدخل تعرّض لسخط الرأي العام الأميركي عليه وحزبه، وهذا بينما كان منافسه الديمقراطي فرانكلن روزفلت مؤمناً بالحاجة إلى التغيير. وبالفعل نظّم روزفلت حملته على التعهد بالتدخل الحكومي لإنقاذ الاقتصاد وتقديم المساعدة المالية والاهتمام برفاهية الناس. وبفضل هذه السياسة اكتسح روزفلت انتخابات عام 1932 بغالبية ساحقة. وكانت سياسات حملته - التي تبلورت يومذاك بما يعرف بـ«الصفقة الجديدة» - هي التي أدت إلى تحول كبير في آيديولوجيات الحزب الديمقراطي.

ولم يطل الوقت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى عاد العرق والمساواة بالعودة إلى مركز السياسة في الخمسينات والستينات.

لم يكن العرق بالضرورة ضمن وجهة نظر الحزبين في هذه المرحلة، بل كان الأمر أقرب إلى قضية تخصّ الولايات، والجنوبية تحديداً؛ إذ عارض كل من الديمقراطيين والجمهوريين الجنوبيين «حركة الحقوق المدنية» المبكّرة، بينما بدأ الديمقراطيون والجمهوريون الشماليون في دعم التشريعات مع تزايد قوة الحركة.

وفي عام 1964، وقّع الرئيس الديمقراطي ليندون جونسون على قانون الحقوق المدنية. وفي انتخابات ذلك العام، عارض المرشح الجمهوري باري غولدووتر القانون الجديد علناً بحجة أنه وسّع سلطة الحكومة الفيدرالية إلى مستوى خطير.

كان ذلك هو ما أدى إلى التحوّل النهائي والحاسم؛ إذ بعدما كان الناخبون السود موالين للحزب الجمهوري بسبب «قانون الحقوق المدنية لعام 1866»، تحوّل هؤلاء بالفعل إلى الحزب الديمقراطي عندما رأوا أنه مناصر للمساواة والعدالة، في حين كان الجمهوريون مهتمين بالحفاظ على الوضع الراهن في أميركا.

وحقاً، مع مواصلة الديمقراطيين السير بالسياسات «الإصلاحية»؛ كالحق في الإجهاض في بداية السبعينات، وإلغاء تعليم الدين في المدارس الحكومية، أخذ الديمقراطيون الجنوبيون البيض - بخلفيتهم الريفية والدينية المحافظة - يتضايقون من مدى تدخل الحزب فيما يرونه حقوق الناس. وبحلول الثمانينات، أصبح الديمقراطيون الجنوبيون البيض جمهوريين، وغالبية الجنوب جمهوريين. والآن، نرى أن الحزب الجمهوري غدا الملاذ الحصين للمحافظين، مقابل تحول الحزب الديمقراطي إلى معقل لليبراليين والراديكاليين و«اليساريين».

هوية الحزب الديمقراطي

على الرغم من أن المجموعات التي تشكل ما يسمى بائتلاف التحالف الديمقراطي، خضعت لتحولات عدة، منذ حسم الحزب الديمقراطي استدارته السياسية، يتساءل كثيرون: هل تحول الحزب بالفعل إلى حزب يساري؟

وما موقع هذا التيار ضمن الائتلاف الديمقراطي؟

وما أفكاره؟ وما مدى تأثيره اجتماعياً وسياسياً؟

في الحقيقة، لم يكن الرئيس السابق دونالد ترمب، الجمهوري الأول الذي عد حركات الاحتجاج على ممارسات النظام الأميركي، حركات تنتمي إلى «الجماعات اليسارية» الأميركية. غير أن تزايد استخدام الجمهوريين لهذه المصطلحات بهدف «شيطنة» الاحتجاجات، وبصورة غير مسبوقة منذ حركة الحقوق المدنية في ستينات القرن الماضي، كشف عن عمق الانقسام السياسي والاستقطاب الذي تعيشه البلاد اليوم.

بحسب مركز «بيو» الأميركي المرموق، هناك أربع مجموعات تشكل التحالف الديمقراطي، هي: اليسار التقدمي، والليبراليون المؤسسيون، والديمقراطيون الأساسيون، واليسار الخارجي.

هذه المجموعات متوافقة إلى حد كبير على دعم الدور القوي الذي تلعبه الحكومة وشبكة الأمان الاقتصادية والاجتماعية القوية، فضلاً عن تشككها بقوة الشركات. ولكن، مع ذلك، ثمة اختلافات ملحوظة، إزاء قضايا كالقوة العسكرية الأميركية، وإلى حد ما، العدالة الجنائية وموضوع الهجرة. ثم إن الاختلافات في العديد من مجالات القضايا الرئيسة، بما فيها السياسة البيئية، والأسلحة، والإجهاض، والمساواة العرقية وغيرها، لا تتعلق بالقضية نفسها بقدر ما تتعلق بكثافة الدعم للمواقف والسياسات الليبرالية.

يمثل «اليسار التقدمي» حصة صغيرة نسبياً من الحزب، لا تتجاوز 12 في المائة من الديمقراطيين والمستقلين ذوي الميول الديمقراطية، وغالبيتهم من جيل الشباب والطلاب الجامعيين. ومع ذلك، فإن هذه المجموعة هي الأنشط سياسياً.

في المقابل، يشكل «الليبراليون المؤسسيون» حصة أكبر بكثير، (24 في المائة)، ويصوّتون أيضاً بمعدلات عالية ويهتمون سياسياً للغاية. ومع أن لديهم آراء ليبرالية فهؤلاء يميلون إلى دعم التسويات السياسية أكثر من اليسار التقدمي واليسار الخارجي.

الفئة الثالثة، «الديمقراطيون الأساسيون»، هم أكبر مجموعة في الائتلاف الديمقراطي، (28 في المائة) ويطلقون على أنفسهم مسمى «المعتدلين سياسياً». ورغم احتفاظهم بمواقف ليبرالية بشأن الاقتصاد، فهم يختلفون بشأن قضايا الهجرة. فهؤلاء أقل ميلاً بكثير لدعم زيادة الهجرة القانونية وأكثر تقبلاً لتحديد الهجرة غير الشرعية بوصفها مشكلة في البلاد. كذلك فهؤلاء أكثر استثماراً في القوة العسكرية الأميركية. ويتركز الديمقراطيون السود بشكل خاص في هذه المجموعة (40 في المائة)، كما ينتمي إليها الأكبر سناً والاًقل احتمالاً للحصول على تعليم عالٍ.

وتبقى الفئة الرابعة، وهي «اليسار الخارجي»، وقوامها (16 في المائة)، لكن هؤلاء يعرّفون أنفسهم بأنهم مستقلون، وغالبيتهم من الشباب والتقدميين. ورغم أنهم ليسوا ليبراليين تماماً مثل «اليسار التقدمي»، فإن ليبراليتهم تظهر عندما يتعلق الأمر بالعرق والهجرة والقضايا البيئية. ولا يُعد هذا التيار موثوقاً به انتخابياً، ولكن عندما يواجه الاختيار بين مرشحين جمهوريين أو ديمقراطيين، يصوّت أفراده بغالبية ساحقة لصالح الديمقراطيين.

عندما تبنّى الرئيس الجمهوري هربرت هوفر سياسة اللا تدخل تعرّض لسخط الرأي العام الأميركي عليه وحزبه

تغير مصطلح «اليسار»

مع فشل «النماذج الاشتراكية» في دول أوروبا الشرقية، خضع مصطلح «اليسار»، الذي كان يشير في البداية إلى الفكر الاشتراكي، لتعديلات عدة في الغرب. ولقد بذلت في الماضي محاولات لجمع الاشتراكية الماركسية والرأسمالية الغربية، بهدف التوفيق بين رفض الاضطهاد والفقر والتفاوت الناجم عن السوق الحرة والرأسمالية، ورفض التأميم والاقتصادات المخططة مركزياً. وهو ما أدى إلى ولادة ما يسمى تيار «الديمقراطية الاجتماعية/الديمقراطية الاشتراكية» أو «تيار الاشتراكيين الجدد»، الذي ازدهر خصوصاً في بعض دول أميركا اللاتينية، ويمثله في الولايات المتحدة «اليسار التقدمي»... وجزئياً «اليسار الخارجي».

أيضاً، ظهر ما يسمى بتيار «الليبرالية الاجتماعية»، وهو فرع من الليبرالية، لكنه لا يدعو إلى حرية مطلقة للأفراد، بل لدور إيجابي للدولة في توفير حرية إيجابية. ويرفض هذا التيار كلاً من النماذج المتشددة من الرأسمالية والبُعد الثوري من الديمقراطية الاشتراكية. وبالتالي، فهو يؤمن بالأفكار الرأسمالية مع إدخال بعض الإصلاحات عليها، ويمثله في البلاد، «الديمقراطيون الأساسيون» و«الليبراليون المؤسسيون».

وأخيراً... لا آخراً، ظهر تيار اللاسلطوية أو «الفوضوية/الأناركية»، وهي ترجمة لمصطلح إنجليزي، ويُعد أقصى اليسار أو اليسارية الراديكالية، الكاره لأي سلطة سواءً كانت دولة أو مجتمعاً أو حتى أسرة.

 

السناتور بيرني ساندرز... حانل لواء اليسار في الحزب الديمقراطي (رويترز)

أميركا البروتستانتية... والمكارثية

عندما أسست الولايات المتحدة على أيدي البروتستانت البيض الذين فروا من أوروبا هرباً من الاضطهاد الكاثوليكي، بنى هؤلاء مجتمعاً قائماً على الرأسمالية والاقتصاد الحر. ومع تحوّل أميركا مركزاً للرأسمالية العالمية، أضفوا عليها مسحة بروتستانتية متدينة ميَّزتها عن الرأسمالية الأوروبية، الأمر الذي جعل من الصعب على اليسار الانتشار فيها.

وعلى الرغم من تأسيس الحزب الاشتراكي الأميركي عام 1905، وحزب العمال الأميركي بعده، نُبذ الحزبان وأمثالهما جماهيرياً. غير أن الفكر اليساري تغلغل في المجتمع الأميركي تدريجياً، معتمداً على عدة عوامل، أبرزها:

- أزمات الرأسمالية والانهيارات التي لازمتها، من أزمة 1929، مروراً بعقد الثلاثينات وبداية عقد الأربعينات، والأزمة المالية في عام 2008.

- التمييز العنصري ضد الأقليات عموماً، والسود خصوصاً.

- صعود اليمين المحافظ المتشدد، بتأثير من الإيفانجيليين البروتستانت.

هذه العوامل الثلاثة وعوامل أخرى دفعت كثيرين من المواطنين الأميركيين - ليس فقط من السود، ولكن أيضاً من البيض المستائين من تغوّل الرأسمالية والعنصرية وتصرفات اليمين المتشدد - للبحث عن أفكار أخرى يمكن أن تؤسس لأميركا جديدة، فكان الانتماء إلى الأفكار اليسارية طريقاً لهؤلاء.

مع هذا، حوّلت سيطرة الدين الشيوعية إلى «تهمة» يُتَّهَم بها كل صاحب فكر يساري في أميركا. وبالفعل، أُجريت المحاكمات إبان فترة الخمسينات من القرن الماضي لكل من يُتَّهَم أو يُشتَبَه في حمله لهذا الفكر. وهو ما عرف بـ«المكارثية السياسية»، نسبة إلى السيناتور اليميني المتشدد جوزيف مكارثي، الذي نظّر لقمع «الشيوعيين» في تلك الفترة.

في حينه، صارت تهمة الشيوعية ذريعة للإجهاز على المثقفين اليساريين والحركات النقابية والعمالية، التي أضعفت بنيوياً في أميركا، مقارنة بأوروبا. ويُذكر أنه اتُّهمت بـ«اليسارية» أيضاً «حركةُ الحقوق المدنية» في أميركا ضد التمييز العنصري خلال الستينات من القرن الماضي، التي قادها القس مارتن لوثر كينغ ومالكوم إكس، مع أن الخطاب الشهير الذي ألقاه كينغ، «لديّ حلم»، استخدم فيه الكثير من مراجع الإنجيل.

تيارات اليسار الأميركي

هكذا، انتظم اليسار الأميركي في جماعات وتيارات، وكان له تأثير على الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأميركية، وبعض هذه التيارات ارتبطت بقضايا معينة في وقـت معيَّن. إلا أنها عندما عجزت عن تحقيق أهدافها لم تلبث أن تلاشت أو ضعف تأثيرها، مثل حركة «احتلوا وول ستريت» التي انطلقت في سبتمبر (أيلول) 2011 من حي المال والأعمال في نيويورك، للتصدي لغياب العدالة الاقتصادية والاجتماعية، ومواجهة فسادِ فاحشي الثراء، وإيقاف سيطرة الشركات الكبرى على الحكومات. وتبنَّت الحركة شعار «نحن نسبة الـ99 في المائة»، في إشارة إلى انعدام العدالة توزيع الثروة، واستمرت الاحتجاجات نحو ثلاثة أشهر، لكنها لم تنجح.

ومن رحم تيار «احتلوا وول ستريت» خرج تيار الاشتراكية الديمقراطية الأميركية بوصفه حركة مستقلة حاولت الدفع بأعضائها إلى الأحزاب الأميركية، وخصوصاً الحزب الديمقراطي، واستطاعت توفير الدعم المالي والإعلامي لهؤلاء المرشحين.

ووفق موقع «حركة الاشتراكيين الديمقراطيين» على شبكة الإنترنت، تعمل الحركة على تقنيات الحملات وحشد كل المؤمنين بالاشتراكية الديمقراطية. وتدّعي الحركة أيضاً أنها دعمت كثيراً من أعضائها للوصول إلى الكونغرس الفيدرالي والولايات. ومع أنها بدأت نشاطها السياسي الانتخابي فعام 2016 فقط، بلغ عدد أعضائها في عام 2018 نحو 50 ألف عضو فعال.

ويرجع الإقبال المتزايد على الانضمام إلى هذا التيار إلى طلاب الجامعات الحديثي التخرج بسبب إرهاقهم بالديون الدراسية، ونجاحها في استغلال المزاج الشعبي العام بعد انتخاب دونالد ترمب، وحالة الاستقطاب الحاد التي يعيشها المجتمع الأميركي، واتجاه الإعلام الليبرالي لدعم اليسار بسبب خطاب ترمب اليميني. وحقاً، أعلنت الحركة عن جملة من الأهداف أهمها: إعادة توزيع الثروة عبر سياسات ضريبية جديدة، من خلال استراتيجية إعادة تشكيل المناخ السياسي في الولايات المتحدة عبر إصلاح الرأسمالية.

أما التيار اللاسلطوي أو «الأناركي»، فتمثله اليوم حركة «أنتيفا»، التي هاجمها ترمب وإدارته، قائلاً إنه سيصنِّفها منظمة إرهابية بعد الاحتجاجات التي أعقبت وفاة الرجل الأسود جورج فلويد. ومصطلح «أنتيفا» هذا اختصار لعبارة «مناهضة الفاشية». وكانت بدأت بتنظيم كوادرها ضد «النازيين الجدد» في الولايات المتحدة أواخر سبعينات وأوائل ثمانينات القرن الماضي، وخاصة في منطقة الغرب الأوسط. وبعدما تراجعت منذ بداية العقد الأول من القرن الحالي، ظهرت مجدداً بعد انتخاب ترمب عام 2017.

وتقوم استراتيجية «أنتيفا» على رفض اللجوء إلى الشرطة أو الدولة لوقف زحف فكرة تفوُّق البيض. وبدلاً من ذلك يدعو أعضاؤها ومناصروها إلى المعارضة الشعبية للفاشية والحركات العنصرية والنازية، على الرغم من أن الفاشية في العموم، تنتمي فكرياً إلى الحركات اللاسلطوية أو «الأناركية». كذلك مع أن خطاب «أنتيفا» الرسمي يشدّد على مناهضة العنف، يقول أعضاء في الحركة إن العنف والأسلحة ضروريان للدفاع عن النفس.

 

الحمار... شعار «الحزب الديمقراطي» الأميركي

«الحزب الديمقراطي» الأميركي... في المعايير اليسارية

> مع أن كثيرين يصنّفون الحزب الديمقراطي الأميركي بأنه حزب يساري، فإن هذا التصنيف مبسط جداً، لأن تركيبة الحزب بالغة التعقيد. فكثيرون من أعضاء الحزب يمكن تصنيفهم كيمينيين، ومنهم من يتبنى موقفاً وسطاً بين اليسار واليمين. وهذا الواقع برز في الانتخابات الديمقراطية التمهيدية الترشيحية للرئاسة عام 2016، ثم عام 2020، حين فازت هيلاري كلينتون، ثم جو بايدن بالترشيح على حساب ممثل اليسار السيناتور بيرني ساندرز، الذي عد فشله مرتين فشلاً لتيار الاشتراكيين الديمقراطيين. وأيضاً، فإن سياسات الحزب الخارجية تتشابه في حالات عديدة مع سياسات الحزب الجمهوري، وهو ما نراه اليوم في موقف إدارة بايدن من الحرب الإسرائيلية على غزة. وفق مركز «بيو»، حصل بايدن في الانتخابات العامة ضد ترمب عام 2020 على الغالبية العظمى من أصوات المجموعات الأربع ذات التوجه الديمقراطي. إذ صوّت له 92 في المائة من «الليبراليين المؤسسيين»، و94 في المائة من «اليسار الخارجي»، و98 في المائة من «الديمقراطيين الأساسيين»، و«اليسار التقدمي». من جهة أخرى، في حين يفضّل الليبراليون العيش في المدن، يفضّل المحافظون المناطق الريفية، والبلدات الصغيرة. ومع التغيير الذي طرأ على بنية الاقتصاد الأميركي، وتراجع دور التصنيع التقليدي لمصلحة التقنيات الحديثة، والصناعات الجديدة، دُفعت القاعدة العمالية التي تعيش في ضواحي المدن نحو الجمهوريين. كذلك، يميل الليبراليون أكثر من المحافظين إلى القول بأن التنوع العرقي والإثني مهمّ في المجتمع. ورغم ذلك، يقول 49 في المائة من الأميركيين إنهم لن يكونوا سعداء إذا تزوّج أحد أفراد الأسرة من شخص لا يؤمن بالله.


أمازيغ ليبيا بين شكاوى «التهميش»... وتهم «التمرّد»

الأعلام الأمازيغية مرفوعة في احتفال بعد ثورة 2011 (آ ف ب/غيتي)
الأعلام الأمازيغية مرفوعة في احتفال بعد ثورة 2011 (آ ف ب/غيتي)
TT

أمازيغ ليبيا بين شكاوى «التهميش»... وتهم «التمرّد»

الأعلام الأمازيغية مرفوعة في احتفال بعد ثورة 2011 (آ ف ب/غيتي)
الأعلام الأمازيغية مرفوعة في احتفال بعد ثورة 2011 (آ ف ب/غيتي)

دأب الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي على التعامل مع المكوّن الأمازيغي في ليبيا طوال فترة حكمه، بين 1969 و2011، باعتبارهم من قبائل «اندثرت وانتهت». إلا أنه بعد أشهر معدودة من كلامه هذا، كانوا في طليعة «الثوار» الذين أسقطوا نظامه في انتفاضة عام 2011، ومنذ ذلك التاريخ استعاد أمازيغ ليبيا «حيوية» ثقافتهم تدريجياً، وبدأوا في الدفاع عما يعدّونها «مكتسباتهم» التي حققوها، مع أنهم ظلوا يشكون من «التهميش».

تتركز الكثافة السكانية الأمازيغية في ليبيا، بدءاً من مدينة زوارة على الحدود التونسية (أقصى شمال غربي البلاد) وامتداداً إلى نالوت وجبل نفوسة وطرابلس وغدامس، مروراً بمدن غات وأوباري وسبها (جنوباً)، مع التذكير بأن الطوارق أمازيغ أيضاً، وصولاً إلى سوكنة وأوجلة نحو الشرق.

ولقد عاد اسم زوارة أخيراً إلى واجهة الأحداث على خلفية أزمة معبر رأس جدير الحدودي مع تونس، عندما وقع صدام بين قوة تابعة لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، والمجلس العسكري لمدينة زوارة الذي يتولى إدارة المعبر، وكاد يتطور إلى اشتباكات واسعة.

على الأثر، اضطرت سلطات طرابلس إلى إغلاق المعبر أمام حركة سير الأفراد والسيارات يوم 19 مارس (آذار) الحالي، ليعلن حينها وزير داخلية «الوحدة الوطنية» عماد الطرابلسي أن المعبر لن يُفتح «حتى استعادة السيطرة عليه، ولو بالقوة، وإعادته إلى حضن الدولة».

الطرابلسي توعّد باللا تراجع عن المواجهة مع ما أسماهم بـ«تجار المخدرات والمهربين مهما كلفه الأمر»، وأكد أنه «لن يُرفَع أي علم على المعبر باستثناء علم الدولة الليبية»، في تلميح إلى علم الأمازيغ.

ما يستحق التنويه أن مدينة زوارة كانت قد تقدّمت الصفوف عقب الإطاحة بنظام القذافي، واستولت قواتها العسكرية - التي تشكّلت أصلاً لمقاومته - على منطقة رأس جدير، وضمّت رسمياً المعبر الحدودي مع تونس إلى المنطقة الإدارية الواقعة تحت سيطرة بلديتها، لتتحوّل المدينة تدريجياً إلى «مركز قوة»، مع أنها بقيت اسمياً تحت سلطة الحكومات المتعاقبة.

هدوء العاصفة

ما بين عهد القذافي، وعهود تلت، شكا الأمازيغ طويلاً من «الإقصاء» و«التهميش»، وهو ما أثاره إبراهيم قرادة، رئيس «المؤتمر الليبي للأمازيغية»، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، عدّ فيه أن حادث المعبر كشف عن «استهداف معلن وصريح» للأمازيغ.

بيد أن أزمة المعبر تبدو أشبه بكرة لهب تتدحرج من حكومة إلى أخرى، وأظهرت الجزء الغاطس من الأزمة على السطح. في حين ظهرت زوارة، الممتدة جغرافيتها على شاطئ المتوسط لمسافة 60 كيلومتراً من مليتة شرقاً إلى حدود تونس غرباً، كما لو كانت قد «تمردت» على سلطة الدولة.

إذ يواصل الطرابلسي - الذي أعلن «مجلس حكماء زوارة» أنهم لا يعترفون به - وعيده. وكذلك تتواصل التحشيدات بعدما وجّه صلاح النمروش، معاون رئيس الأركان التابعة لحكومة «الوحدة الوطنية»، 7 ألوية بتجهيز آلياتها وعتادها، قبل تدخل المجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي، لانتزاع فتيل الأزمة، وهكذا هدأت العاصفة مؤقتاً بعدما كانت البلاد ماضية نحو المواجهة لإحكام السيطرة على المعبر. وحول هذا، قال قرادة: «انكشفت حدة الإقصاء والتهميش للأمازيغ في السنوات الأخيرة بشكل سافر ومستفز... وهذا ما يفسّر ردّ الفعل الأمازيغي الحازم والصارم دفاعاً عن الوجود والنفس».

وسط هذه الأجواء المضطربة أمضت ليبيا الأسبوع الماضي متخوفة من حرب بعدما عدّ المجلس البلدي لبلدية زوارة كلام الطرابلسي «عنصرية وجهوية» ضد المكوّن الأمازيغي. وتابع أن «التصرّفات الفردية والتوجهات العرقية وتصفية الحسابات يجب ألّا يكون لها مكان في سياسات الدولة»، وهو ما عدّه بعض المتابعين رسالة إلى رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة ضد وزير داخليته.

وبالتوازي، روى الهادي برقيق، رئيس «المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا»، أن الطرابلسي «دفع بقوة تتبع إنفاذ القانون بالتوجه إلى المعبر، وعندما وصلت شرعت في تجهيز بعض الأعمال، ولكننا فوجئنا بالتعدّي على الأجهزة الأمنية... وهنا تدخل المجلس البلدي في زوارة بحكم التبعية الإدارية، ولكن هذا التدخل جوبه بإطلاق النار على الأطراف التي سعت لإنهاء الأزمة». وفي نفيه لسيطرة زوارة بالكامل على المعبر، قال برقيق، في تصريح صحافي، إن العاملين فيه «خليط من كل أبناء المنطقة الغربية، وليس أبناء زوارة فقط التي يوجد المنفذ في حدودها الإدارية».

غير أن هناك من عدّ تصرف زوارة بمثابة «تمرّد وفرض هيمنة بالسلاح وتنازع سلطات الدولة». وبينما كانت مقاطع الفيديو، التي تظهر تحرك آليات عسكرية وأرتال سيارات الدفع الرباعي المُحملة بالصواريخ تنطلق من مناطق الأمازيغ باتجاه زوارة لمواجهة التحشيدات العسكرية التي أمر بها النمروش، كانت راية الأمازيغ - التي وجدت مكاناً لها بعد رحيل القذافي - ترفرف على مداخل معبر رأس جدير نكاية في الطرابلسي.

معبر راس جدير (رويترز)

الأمازيغ أيام القذافي

في الواقع، لم ينس الأمازيغ تعامل القذافي معهم، وكيف عدّهم في أحد أحاديثه قُبيل رحيله بسنة «قبائل قديمة عاشت في شمال أفريقيا، قبل أن تندثر وتنقرض مثل المشواش والليبيو والتحنو». وهنا علّق قرادة - وهو كبير مستشارين بالأمم المتحدة سابقاً - عن أن «مسألة تهميش وإقصاء أمازيغ ليبيا ليست جديدة، بل قديمة... لكن الذروة كانت اضطهادهم في عهد القذافي بشكل ممنهج». وتابع أن «نصيب المطالبين بالحق الأمازيغي على أيام القذافي كان الملاحقة الأمنية والسجون والإعدامات والتضييق السياسي... ولذا عانت مناطق الأمازيغ من تسليط وتسلّط مؤسسات وتوظيف القبلية والعقوبات التنموية على مدنهم».

دراسة لـ«الأمم المتحدة»

هذا، وفي دراسة نشرها مركز «مالكوم كير - كارنيغي للشرق الأوسط»، ورد أن سقوط القذافي وتشظي السلطة المركزية دفعا كثيراً من المجتمعات المحلية إلى التسابق للسيطرة على المواقع كي تصبح مراكز قوة تضمن لها الحصول على الموارد الاقتصادية. وبالفعل، نفخ هذا التنافس على المنافذ الحدودية في رماد التناحرات التاريخية، خاصة بين العرب وبين الأمازيغ.

ورصدت الدراسة أن القذافي استخدم التجارة الحدودية لتعزيز سطوته، واستلحق قبائل وفئات اجتماعية معيّنة وأغدق عليهم الامتيازات على حساب آخرين. و«لذا من البديهي أن تؤدي سياسة (فرّق تسد) هذه إلى بروز تظلمات في صفوف قطاعات من السكان حُرموا من كعكة المغانم. وكان الأمازيغ المجتمع المحلي الأكثر عرضة على نحو متواصل إلى هذا التمييز والحرمان».

ومضت الدراسة إلى أن السيطرة على المعابر الحدودية بعد رحيل نظام القذافي أضحت عاملاً استراتيجياً في مجال التقدم الاجتماعي والسياسي للأمازيغ. وضربت مثلاً بما جرى سابقاً في نالوت، وهي بلدة أمازيغية أخرى، عندما استولت ميليشيا محلية على معبر «ذهيبة - وازن» الحدودي القريب منها. وللعلم، رأس جدير وذهيبة - وازن هما المعبران الحدوديان الوحيدان بين تونس وليبيا، وإن كان المعبر الأول يحظى بعمليات عبور أكثر من الثاني. وبالمثل، أقامت المجموعات المسلحة الأمازيغية نقاط تفتيش على طول خطوط التهريب.

وبعد إغلاق رأس جدير اضطرت عشرات الشاحنات المصطفة على أبوابه إلى تغيير اتجاهها بإذن من السلطات التونسية حيث معبر ذهيبة - وازن، الذي شددت وزارة داخلية «الوحدة الوطنية» على أنه مفتوح ويعمل على مدار الساعة بلا توقف لتأمين حركة السير في الاتجاهين بشكل طبيعي.

أزمة شرعية

متابعون يربطون ما حدث ويحدث في معبر رأس جدير «امتداداً لحالة الفوضى الأمنية» التي تضرب ليبيا منذ إسقاط النظام السابق، لافتين إلى أن الوضع القائم «سهّل للتشكيلات المسلحة السيطرة على المنافذ، التي يفترض أن جميعها يخضع لسلطة الدولة الليبية».

ويُنظر إلى غالبية المعابر (البرية والجوية والبحرية) في عموم ليبيا، بحسب محمد عمر بعيو، رئيس «المؤسسة الليبية للإعلام» (التابعة لمجلس النواب) أنها «غير خاضعة لسيطرة الدولة وأجهزتها القانونية الرسمية»، وكان بعيو أظهر تعاطفه في تصريح سابق مع الأمازيغ في «رفضهم ومقاومتهم لممارسات حكومة الدبيبة».

لكن مسؤولاً سابقاً في وزارة سيادية بالبلاد أرجع ما يجري حول المعابر راهناً إلى «أزمة شرعية». وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «عندما تكون شرعية الدولة مهزوزة بشكل أو بآخر، تلجأ الأطراف المتحصنة بالقوة إلى شرعنة الوضع الخاطئ، والإبقاء عليه». وشدد المسؤول على أن «المعابر يجب أن تكون تحت سلطة الدولة التي تمثلها الحكومة... زوارة لا تعتد بوزير داخلية (الوحدة)، وهناك أطراف تشجع وتغدّي تلك الأزمات لأسباب تتعلق بالتهريب، وهذا الوضع نشأ بعد 2011».

لماذا المعابر؟

لا يبرّر أي من قادة الأمازيغ أسباب تمسّكهم بإدارة معبري رأس جدير وذهيبة - وازن، ولكن إزاء ما يعدّه ناشطون وساسة ليبيون «خروجاً على سلطة الحكومة» التي يخضعون لها إدارياً، ترى صحيفة «لوموند» الفرنسية أن ما يحدث في رأس جدير يعكس «صراعاً على السلطة». ولفتت الصحيفة، يوم الثلاثاء، إلى أن الطرابلسي يريد وضع يده على هذه المنطقة الاستراتيجية التي على الرغم من وجود قوات شرطية فيها تحت قيادة طرابلس، لا تزال تحت السيطرة الفعلية لما سمته «الميليشيات الأمازيغية» التابعة للمجلس العسكري لمدينة زوارة.

وبالمثل، أرجع قرادة الأزمة في جوانب منها إلى الطرابلسي، عندما ادعى أن «تصرّفاته منذ تكليفه قبل عام ونصف عام توضح استهداف حكومته للأمازيغ، بفرض تقسيمات جديدة لمديريات الأمن (بجبل نفوسة - الغربي) رفضاً لكل المناشدات». وعن المعبرين، قال إنهما «يقعان في النطاق الإداري لبلديتي زوارة ونالوت، وهما منطقتان أمازيغيتان». وتساءل: «لماذا يبدأ الطرابلسي بمناطق وجود الأمازيغ؟ أليست هناك مديريات ومنافذ مناطق أقرب إلى العاصمة طرابلس من زوارة ورأس جدير؟»... وخلص إلى القول إن الحكومة «تغفل ولا تجهل خلفيات الصراعات، حين كان وزيرها المكلف في الطرف المقابل للأمازيغ في الحروب السابقة، وخصوصاً حرب 2014».

دعاوى الانفصال

في الحقيقة، تحقّق للأمازيغ بعد رحيل القذافي ما لم يتحقق قبله، فبعد 12 سنة من مقتله عادت اللغة الأمازيغية إلى الفصول الدراسية بعد حظر ومطاردة. وفي مطلع عام 2023، افتتح الدبيبة قناة «الأمازيغية». وفي 31 يناير (كانون الثاني) الماضي، احتفلوا برأس السنة الأمازيغية 2974 وتلقوا التهاني من رأس السلطة في ليبيا.

ومع أنه لا يوجد إحصاء حديث ومعاصر لتعداد الأمازيغ في ليبيا، تقدّر الموسوعة البريطانية نسبتهم بـ6.8 في المائة من مجموع السكان، المقدّر ما بين نحو 7 ملايين و8 ملايين.

من جهة ثانية، ترافقت الأزمة الحاصلة مع اتهامات للأمازيغ بـ«التمرد» والسعي لـ«الانفصال». لكن قرادة يردّ: «العارف بالتاريخ والجغرافيا السياسية والاجتماعية للوجود الأمازيغي في ليبيا سيتيقّن أنهم ليسوا باسك إسبانيا ولا تأميل سريلانكا ولا شعوب جنوب السودان». ويضيف: «بالدليل المؤكد، إنه في حالة الحرب والانقسام وضعف الدولة لم تظهر أي مطالبة أو نشاط سياسي من الحراك الأمازيغي، يدعو أو يطالب بالاستقلال أو الانفصال».

ومع وجود اتهامات للأمازيغ بكثرة الشكوى من التهميش والنزوع نحو التميّز، أرجع أحد قادتهم ذلك إلى تمسكهم بما أسماه بـ«الحق الأمازيغي من دسترة الهوية والحقوق، وضمان التمثيل السياسي والتنموي العادل... أي أنه ضمان الكيان الليبي». وأردف: «الذين يروّجون لوجود دعوات أمازيغية للانفصال، فهذه دعوات مغرضة وذرائعية سياسية أو عنصرية عرقية قبلية، وهم قلة قليلة... ولكن لا يجب الاستهانة بتأثيرهم السلبي للتأجيج ضد الأمازيغ».

أما قرادة فعدّ «أن التعايش والتشارك الليبي العربي الأمازيغي عميق راسخ وواسع ممتد في كل مناحي الحياة، ولم تؤثر فيه الأحداث الجسام... فالعربية والأمازيغية مترافقتان، والمالكية والإباضية متآخيتان، في الأحياء والمساجد والمدارس والوظائف والأسواق»

.إفطار على بوابة المعبر

في أي حال، تنفس الليبيون الصعداء. فمع أذان مغرب يوم الأربعاء الماضي 27 مارس (آذار)، كانت أزمة معبر رأس جدير قد طُويت، مؤقتاً، بعد الاتفاق على تأمينه بقوة عسكرية مشتركة من رئاسة الأركان التابعة لـ«الوحدة»، وكتائب مدينة زوارة، وجلس أفرادها يتناولون طعام الإفطار الرمضاني معاً. وبعد أسبوع من انتظار الحرب، شدّد الدبيبة، خلال لقائه بالنمروش، على ضرورة أن «يكون الهدف الأساسي لهذه القوة بسط الأمن ببوابة رأس جدير بعيداً عن التجاذبات السياسية والقبلية، وأن تكون هذه الرسالة الأساسية لهذه القوة العسكرية».

زوارة كانت قد تقدّمت الصفوف عقب الإطاحة بنظام القذافي واستولت قواتها العسكرية على منطقة رأس جدير

عماد الطرابلسي (وزارة داخلية حكومة "الوحدة الوطنية")

«سلطة الأمر الواقع» في ليبيا... وسلطة الدولة

> بدا لبعض ساسة ليبيا أن «الأوضاع الاستثنائية» التي نشأت خلال سنوات الفوضى لبعض المناطق ولأجسام سياسية وتشكيلات مسلحة، قد تتغير بمرور الوقت، لكن بعد عقد ونيف على إسقاط النظام السابق تأكد لجُل الليبيين أن هذه الأجسام أضحت كيانات قادرة على الدفاع عن نفسها بمقتضى «سلطة الأمر الواقع». فالانفلات الأمني الذي ضرب ليبيا، وغياب دستور في البلاد منذ رحيل القذافي، أديا إلى استمرار الأجسام السياسية الحالية في عملها، سلطة تشريعية وتنفيذية، على الرغم من انتهاء مدة ولايتها. هذه الأجسام لا تقتصر على المجلس الرئاسي ومجلسه فقط، بل تصل أيضاً إلى المجلس الأعلى للدولة، ومجلس النواب في «شرق ليبيا»، بالإضافة إلى الميليشيات المسلحة، التي تنزع سلطتها بقوة السلاح في عموم البلاد، وتتغوّل على سلطة الدولة... الكل استمرأ «الوضع الاستثنائي» وأبقى عليه ليغدو بمضي الوقت «سلطة أمر واقع». ويرى محللون أنه إذا كانت الجهود التي بذلها المجلس الرئاسي الليبي أفلحت في طي صفحة النزاع على معبر رأس جدير، فإن الأزمة كشفت عن نجاح التشكيلات المسلحة في فرض كلمتها على السلطة الرسمية، ما يعد «أمراً خطيراً يقوض دعائم الدولة». وحقاً، يُنظر إلى التشكيلات المسلحة الليبية على أنها «من أكبر معوقات الاستقرار»، ولا سيما تلك التي تنتمي لبعض القبائل، وتدافع عنها، إما لفرض أجندتها وحماية مصالحها، أو لصدّ تغوّل الآخرين عليها. ولقد سبق أن حذر المجتمع الدولي في السنوات الأولى التي تلت إسقاط نظام القذافي من «نشوء مؤسسات موازية في ليبيا، أو فرضها بسياسة الأمر الواقع باستخدام القوة». وأمام كل أزمة، تتجه الأنظار إلى التشكيلات المسلحة باعتبارها «سلطة أمر واقع» فرضت نفسها مع مرور الوقت، سواء في حراسة المعابر وحقول النفط. وفي فبراير (شباط) الماضي، أجبرت المجزرة التي ارتُكبت في حي أبو سليم بالعاصمة طرابلس سلطات المدينة على الاتجاه لإخراج الميليشيات منها وإعادتها إلى مقارها وثكناتها. وأعلن عماد الطرابلسي، وزير الداخلية المكلف بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، في وقت سابق أنه بعد مشاورات ومفاوضات، امتدت لأكثر من شهر، أمكن التوصل إلى «اتفاق مع الأجهزة الأمنية لإخلاء العاصمة بالكامل خلال المدة المقبلة»، التي توقّع أن تكون بعد نهاية شهر رمضان. وكان الليبيون استيقظوا على جريمة مروعة، قبل نهاية الشهر الماضي، وقعت في حي أبو سليم، الواقع جنوب العاصمة طرابلس، راح ضحيتها 10 أشخاص في ظروف غامضة.


محمد مصطفى... التكنوقراطي المجرّب ورجل «اليوم التالي» في الحلبة الفلسطينية

من أقواله «إذا لم نتمكن من إزاحة الاحتلال فلن تتمكن أي حكومة إصلاحية أو مؤسسات من بناء نظام حكم جيد وناجح أو تطوير اقتصاد مناسب»
من أقواله «إذا لم نتمكن من إزاحة الاحتلال فلن تتمكن أي حكومة إصلاحية أو مؤسسات من بناء نظام حكم جيد وناجح أو تطوير اقتصاد مناسب»
TT

محمد مصطفى... التكنوقراطي المجرّب ورجل «اليوم التالي» في الحلبة الفلسطينية

من أقواله «إذا لم نتمكن من إزاحة الاحتلال فلن تتمكن أي حكومة إصلاحية أو مؤسسات من بناء نظام حكم جيد وناجح أو تطوير اقتصاد مناسب»
من أقواله «إذا لم نتمكن من إزاحة الاحتلال فلن تتمكن أي حكومة إصلاحية أو مؤسسات من بناء نظام حكم جيد وناجح أو تطوير اقتصاد مناسب»

لا يحتاج متصفّح السيرة الذاتية للدكتور محمد مصطفى رئيس الحكومة الفلسطينية الجديد لكثير من التدقيق والبحث ليكتشف أنه اختير بعناية فائقة فلسطينية دولية ليكون هو رجل «اليوم التالي» مع وقف إطلاق النار في غزة. ويبدو أن الاقتصادي البارز الذي لا يحمل بطاقة حزبية والذي عمل في البنك الدولي لمدة 15 سنة وكان مشرفاً أساسياً على إعادة إعمار قطاع غزة عام 2014 الرجل المناسب في المكان والزمان المناسبين فهو الذي يحظى بغطاء ودعم عربي ودولي سارع البيت الأبيض للترحيب بتعيينه مطالباً إياه بتشكيل حكومة تعمل على إجراء «إصلاحات في العمق وذات مصداقية». كذلك يأتي تعيينه بعد مناشدات عدة من مسؤولين في الإدارة الأميركية للرئيس الفلسطيني بـ«ضخ دماء جديدة في السلطة الفلسطينية لتمكينها من لعب دور أساسي في حكم غزة بعد الحرب»

لم يكن مستغرباً أن يستفزّ تعيين الدكتور محمد مصطفى، المقرّب جداً من الرئيس محمود عباس، رئيساً للحكومة الفلسطينية، كيف لا وهو مستشاره الاقتصادي لسنوات، حركة «حماس».

إذ فور الإعلان عن تعيينه، خرجت «حماس» وفصائل أخرى لتتهم «فتح» بـ«التفرّد» باختياره، وبـ«تعميق الانقسام الفلسطيني - الفلسطيني». وبطبيعة الحال، لقي استياء «حماس» لدى الطرف الإسرائيلي رحابة صدر، مع أنه لم يصدر عنه أي موقف إيجابي أو سلبي بخصوص هذا التعيين.

الدكتور سامي نادر، مدير معهد الشرق الأوسط للشؤون الاستراتيجية في العاصمة اللبنانية بيروت، قال، لـ«الشرق الأوسط»، معلقاً على هذه الخطوة إن مصطفى «هو رجل اقتصادي مقرَّب من محمود عباس وموافَق عليه أميركياً وغربياً، وحتى إسرائيلياً». ولفت إلى أنه «جرى اختياره لأنه يحظى بثقة الدول المانحة ويتخطى عقبة إسرائيل وأي اتهامات بالإرهاب أو بالانتماء إلى (حماس)».

ويضيف نادر أن «بروفايل محمد مصطفى مُشابه لبروفايل سلام فياض... وإن كان الأخير قد عاد واصطدم مع المنظومة. أما مهمته (أي مصطفى) الأساسية، اليوم، فهي إعادة إعمار غزة... وهذا الأمر يتطلب ألا يكون رئيس الحكومة بلون سياسي فاقع؛ لأن مرحلة اليوم التالي بعد الحرب تتطلّب هذا النوع من الشخصيات؛ أي بروفايل اقتصادي يتحمل أوزار إعادة الإعمار دون مواجهة عقبات بالسياسة».

ومن ثم يرد نادر اعتراض «حماس» على تعيين مصطفى «إلى كون الحركة تخوض، إلى جانب المعركة العسكرية في غزة، معركة بالسياسة... وترى أن تعييناً من هذا النوع سيؤدي إلى تقزيم دورها ويذوّب ما تعده هي انتصاراً لها».

خيار إنقاذي؟

من جهة ثانية، يرى الباحث الفلسطيني هشام دبسي أن السبب الأساسي لاختيار مصطفى لرئاسة الحكومة هو «أنه من الكوادر التكنوقراط الفلسطينيين الذين لديهم خبرة واسعة، كما أنه حائز على دكتوراه بالاقتصاد من واشنطن وعمل في البنك الدولي ويعرف كيفية التعامل مع المجتمع الدولي».

وأردف دبسي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، شارحاً أن مصطفى «كان من الوزراء الذين عملوا على إعادة إعمار غزة، وهو من نمط سلام فياض الذي يعرف أن يفصل بين الموقف السياسي والاحتياجات العملية والمباشرة للشعب». ثم تابع: «أما القول إنه قريب من الرئيس أبو مازن ويحظى بثقته فهو قول صحيح، لكنه غير كاف لتفسير الأمر... لأننا اعتدنا أن السياسيين في بلادنا يغلّبون دائماً المواقف السياسية على مصلحة الناس، لذلك فإنه لا يروق لـ(حماس) مثل هذا النمط من الحكومات؛ لأنها لا تستجيب للاحتياجات الملحّة التي فرضتها الحرب الإسرائيلية على غزة والضفة الغربية بقدر ما تستجيب لمطالب آيديولوجية».

ومن ثم يشير دبسي إلى أن «تعيين مصطفى هو استجابة للمجتمع الدولي الذي يشهد تغييرات ذات بُعد إيجابي بعد فتح الباب مرة جديدة أمام خيار الدولتين، وإن كان البعض يتعاطى بعدم ثقة مع ما يصدر عن البيت الأبيض في هذا الشأن». ويشرح أن «الحالة الفلسطينية الراهنة تشهد تحديات كبيرة داخلية وعربية ودولية، ومهمات الحكومة المقبلة شائكة وكبيرة، لكن إذا حصل إجماع عربي ودولي على إسناد السلطة الفلسطينية وتمكينها وجعلها قادرة على المساهمة الفعلية بإنتاج الحلول... فلا شك أن ذلك سيسهم بحل الإشكاليات الفلسطينية الداخلية، وسيبرهن للشعب الفلسطيني والفصائل المعترضة على أن هذا الخيار هو الخيار الصحيح، اليوم؛ لأنه خيار إنقاذي».

مهام رئيس الوزراء الجديد

كما هو معروف، الدكتور مصطفى - الملقّب بـ«السفاريني» نسبة إلى بلدة أبيه سفارين - يخلف الدكتور محمد اشتيه، رئيس الوزراء السابق وعضو حركة «فتح» التي يتزعّمها محمود عباس. وكان اشتيه قد قدّم استقالته في السادس والعشرين من فبراير (شباط) الماضي، لتمهيد الطريق أمام تشكيل حكومة وحدة وطنية.

وقد نشرت وكالة الأنباء الفلسطينية، فور إعلان تعيين مصطفى، أبرز مهام رئيس الوزراء الجديد في نصّ التكليف، وهي تشمل:

- تنسيق جهود إعمار قطاع غزة

- إعادة توحيد المؤسسات الفلسطينية

- مواصلة الإصلاح بما يفضي إلى نظام قائم على الحوكمة والشفافية ويكافح الفساد

- التحضير لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في كل المحافظات الفلسطينية، بما فيها مدينة القدس.

من محمد مصطفى؟

يبلغ محمد مصطفى، الملّقب أيضاً بـ«أبو مصعب»، من العمر 69 سنة، وهو أب لولدين هما مصعب ويزن. وقد ولد في قرية كفر صور (بلدة أمه) بمحافظة طولكرم، حيث تلقّى تعليمه الأساسي، مع أن أباه من بلدة سفارين بالمحافظة نفسها. ومع بلوغ مصطفى سن الـ15 التحق مع عائلته بأبيه الذي كان يعمل في الكويت، وهناك واصل دراسته حتى الثانوية العامة.

في عام 1972 التحق مصطفى بجامعة بغداد في العراق، حيث نال شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية والإلكترونية عام 1976.

وفي عام 1983 التحق بجامعة جورج واشنطن في العاصمة الأميركية واشنطن، حيث حصل، عام 1985، على شهادة الماجستير في الإدارة، ثم في عام 1988 على شهادة الدكتوراه في إدارة الأعمال والاقتصاد.

أبرز المراكز التي تبوأها

شغل الدكتور محمد مصطفى عدداً من المناصب العليا في البنك الدولي بواشنطن بين عاميْ 1991 و2005، إذ عمل في البنك بقسم إدارة الصناعة والطاقة لمنطقة أفريقيا، ثم في قسم أوروبا الشرقية، ثم في إدارة البنية التحتية والخصخصة لمنطقة الشرق الأوسط. وساهم، خلال هذه الفترة، في تطوير عدد من شركات الاتصالات مثل شركتيْ أورنج وفاست لينك في الأردن، وشركة الاتصالات السعودية، وشركات أخرى في مصر ولبنان وأفريقيا وبلغاريا وروسيا.

أيضاً، عمل مصطفى مستشاراً للإصلاح الاقتصادي لدى حكومة الكويت، ومستشاراً لصندوق الاستثمارات العامة في السعودية.

وفي عام 1995، عاد إلى فلسطين بشكل مؤقت عقب توقيع «اتفاقية أوسلو»، حيث أمضى سنة ونصف السنة في المساهمة بتأسيس قطاع الاتصالات في فلسطين، فكان رئيساً تنفيذياً مُؤسِساً لشركة الاتصالات الفلسطينية «بالتل» بين عاميْ 1995 و1996، ثم عاد بعد ذلك للعمل في البنك الدولي بواشنطن.

الاستقرار في فلسطين

خلال عام 2005، قرّر محمد مصطفى الإقامة بشكل دائم في فلسطين، وذلك بعدما كلفه الرئيس الفلسطيني محمود عباس بمنصب مستشار الرئيس الفلسطيني للشؤون الاقتصادية في ديوان الرئاسة الفلسطينية.

ثم في مطلع عام 2006 كلّفه عباس بمنصب الرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار الفلسطيني. ومنذ عام 2015 حتى يومنا هذا شغل منصب رئيس مجلس إدارة صندوق الاستثمار الفلسطيني.

أما على الصعيد السياسي فقد شغل مصطفى منصب نائب رئيس الوزراء الفلسطيني للشؤون الاقتصادية في غير حكومة واحدة، كما عُيّن نائب رئيس الوزراء الفلسطيني ووزير الاقتصاد الوطني الفلسطيني في الحكومة الفلسطينية السابعة عشرة «حكومة الوفاق الوطني الفلسطيني»، منذ يونيو (حزيران) 2014، وحتى تقديمه استقالته منها في مارس (آذار) 2015. وهنا تجدر الإشارة إلى أن مصطفى كان في أكتوبر (تشرين الأول) 2014 رئيساً للجنة إعادة إعمار قطاع غزة في «مؤتمر المانحين» الذي عُقد في العاصمة المصرية القاهرة بهدف إعادة إعمار القطاع عقب حرب عام 2014.

وفي فبراير 2022 أصبح عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئيساً للدائرة الاقتصادية، ثم في يناير (كانون الثاني) 2023 عيّنه الرئيس الفلسطيني بمنصب محافظ دولة فلسطين لدى الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي بدولة الكويت، كما تولى منصب محافظ دولة فلسطين لدى صندوق النقد العربي.

ووفق صندوق الاستثمار الفلسطيني، ساهم مصطفى منذ 2006 حتى تكليفه بتشكيل الحكومة في «مأسسة» الصندوق؛ ذلك أنه أسس عدة شركات كبرى؛ من أبرزها «الوطنية موبايل» (أوريدو فلسطين) عام 2008، ومجموعة عمار للاستثمار العقاري والسياحي عام 2009، وصندوق رسملة للأسهم الفلسطينية عام 2011، والإجارة الفلسطينية للتمويل الإسلامي عام 2013، وأسواق لإدارة الأصول عام 2014، ومصادر لتطوير الموارد الطبيعية ومشاريع البنية التحتية عام 2015، وعمار القدس عام 2018، وفلسطين لتوليد الطاقة، وسند للموارد الإنشائية، وغيرها.

ثم إنه عضو في عدة مؤسسات دولية ومحلية؛ من أبرزها «منتدى دافوس الاقتصادي العالمي»، ومجلس أمناء مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ومجلس أمناء مؤسسة ياسر عرفات، وغيرها.

مواقف لمصطفى

في تصريحات له، قال مصطفى إن «السلطة الفلسطينية تستطيع القيام بما هو أفضل من حيث بناء مؤسسات أكثر كفاءة وحكم أكثر رشداً، حتى نتمكن من إعادة توحيد غزة والضفة الغربية». وعدّ أنه «إذا لم نتمكن من إزاحة الاحتلال، فلن تتمكن أي حكومة إصلاحية أو مؤسسات بعد إصلاحها من بناء نظام حكم جيد وناجح أو تطوير اقتصاد مناسب».

كذلك صرّح، يوم 17 يناير الماضي، بأن إعادة بناء المنازل وحدها في غزة ستحتاج إلى 15 مليار دولار، وقال إنه سيواصل التركيز على الجهود الإنسانية على المديين القصير والمتوسط، معرباً عن أمله في فتح حدود غزة وعقد مؤتمر لإعادة الإعمار.وردّاً على سؤال عن الدور المستقبلي الذي يتوقعه لحركة «حماس»، قال مصطفى إن «أفضل طريق للمُضي قدماً هو أن تكون (العملية) شاملة قدر الإمكان»، مضيفاً أنه يود أن يتّحد الفلسطينيون حول أجندة منظمة التحرير الفلسطينية.


تعيين محمد مصطفى يعيد إشعال صراع «فتح» و«حماس»

عرفات
عرفات
TT

تعيين محمد مصطفى يعيد إشعال صراع «فتح» و«حماس»

عرفات
عرفات

> لم يرُق لحركة «حماس» قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس تعيين الدكتور محمد مصطفى رئيساً للحكومة دون التشاور معها، على حد تعبيرها. وأصدرت مع فصائل أخرى هي «الجهاد الإسلامي» و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» و«المبادرة الوطنية الفسطينية» بياناً رأت فيه أن «الأولوية الوطنية القصوى الآن هي مواجهة العدوان الإسرائيلي الهمجي، وحرب الإبادة والتجويع التي يشنها الاحتلال». وعدّت «اتخاذ القرارات الفردية، والانشغال بخطوات شكلية وفارغة من المضمون، كتشكيل حكومة جديدة دون توافق وطني، تعزيزاً لسياسة التفرد، وتعميقاً للانقسام، في لحظة تاريخية فارقة أحوج ما يكون فيها شعبنا وقضيته الوطنية إلى التوافق والوحدة، وتشكيل قيادة وطنية موحدة، تُحضّر لإجراء انتخابات حرة ديمقراطية، بمشاركة جميع مكونات الشعب الفلسطيني».

«حماس» وبقية الفصائل لفتت إلى أن «هذه الخطوات تدل على عمق الأزمة لدى قيادة السلطة، وانفصالها عن الواقع، والفجوة الكبيرة بينها وبين شعبنا وهمومه وتطلعاته، وهو ما تؤكّده آراء الغالبية العظمى من شعبنا التي عبَّرت عن فقدان ثقتها بهذه السياسات والتوجهات».

وعبّرت عن رفضها «إصرار السلطة الفلسطينية على مواصلة سياسة التفرد، والضرب عرض الحائط، بكل المساعي الوطنية للمّ الشمل الفلسطيني، والتوحّد في مواجهة العدوان على شعبنا».

كذلك قال القيادي في حركة «حماس» محمود المرداوي إن الحكومة الفلسطينية الجديدة، التي كُلف بتشكيلها محمد مصطفى، «لا تعبر عن إرادة المعركة، التى تدور في الميدان ولا يمكن لها أن تدير المعركة أو تقودها أو تفاوض باسمها». ورأى أن «هذه حكومة جاءت وفق إرادة ورغبة أميركية، ونحن نعاني في فلسطين، وعلى وجه التحديد في قطاع غزة، من الموقف الأميركي الذي يُدخل الآلة العسكرية ويدعم الإسرائيلي ويستخدم حق الفيتو في مجلس الأمن».

الحمدالله

في المقابل، ما لم تقله «فتح»، طوال الأشهر الماضية، ومنذ عملية «طوفان الأقصى»، حرصاً على وحدة الصف الفلسطيني بمواجهة حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل، قالته، في بيان، رداً على الاتهامات التي ساقتها «حماس» ضدها. إذ عدّت «فتح» أن «من تسبّب في إعادة احتلال إسرائيل لقطاع غزة، وتسبّب بوقوع النكبة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وخصوصاً في قطاع غزة، لا يحق له إملاء الأولويات الوطنية».

ورأت الحركة أن «المفصول الحقيقي عن الواقع وعن الشعب الفلسطيني هو قيادة حركة (حماس) التي لم تشعر حتى هذه اللحظة بحجم الكارثة التي يعيشها شعبنا المظلوم في قطاع غزة، وفي بقية الأراضي الفلسطينية». وأعربت عن «استغرابها واستهجانها» لكلام «حماس» عن «التفرد والانقسام». وتساءلت، في بيان: «هل شاورت (حماس) القيادة الفلسطينية أو أي طرف وطني فلسطيني عندما اتخذت قرارها القيام بمغامرة السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، والتي قادت إلى نكبة أكثر فداحة وقسوة من نكبة عام 1948؟». وواصلت: «هل شاورت (حماس) القيادة الفلسطينية وهي تفاوض، الآن، إسرائيل وتقدم لها التنازلات تلو التنازلات، وأن لا هدف لها سوى أن تتلقى قيادتها ضمانات لأمنها الشخصي، ومحاولة الاتفاق مع نتنياهو مجدداً للإبقاء على دورها الانقسامي في غزة والساحة الفلسطينية؟».

فياض

10 «رؤساء حكومات» لفلسطين منذ 1994

- ياسر عرفات (أبو عمّار) - حركة «فتح» - تولى رئاسة 5 حكومات منذ مارس (آذار) 1994 حتى أبريل (نيسان) 2003

- محمود عباس (أبو مازن) - «فتح» - تولى المنصب من 19 مارس 2003 حتى 6 سبتمبر (أيلول) 2003

- أحمد قريع (أبو علاء) - حركة «فتح» - تولى المنصب خلفاً لعرفات من 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2003 حتى 18 ديسمبر (كانون الأول) 2005

- الدكتور نبيل شعث - حركة «فتح» - تولى المنصب بالوكالة بين 18 و24 ديسمبر 2005

- أحمد قريع (أبو علاء) - حركة «فتح» - تولى المنصب مجدداً من 24 ديسمبر 2005 حتى 29 مارس 2006.

- إسماعيل هنية - «حماس» - تولى المنصب من 29 مارس 2006 حتى 14 يونيو (حزيران) 2007.

- الدكتور سلام فياض - كتلة «الطريق الثالث» - تولى المنصب في يونيو 2007 حتى أبريل 2013.

- الدكتور رامي الحمد الله - «فتح» - تولى المنصب من 3 يونيو 2013 حتى 10 مارس 2019

- الدكتور محمد أشتيه - «فتح» - تولى المنصب منذ مارس 2019 حتى مارس 2024

- الدكتور محمد مصطفى أُسند إليه المنصب في مارس (آذار) 2024

قريع


هل يعني فوز مودي المرتقَب تحوّل الهند إلى حكم الحزب الواحد؟

ناخبات أمام أحد مراكز الاقتراع في ولاية تيلانغانا بجنوب الهند ... خارج المعاقل المضمونة لبهاراتيا جاناتا (رويترز)
ناخبات أمام أحد مراكز الاقتراع في ولاية تيلانغانا بجنوب الهند ... خارج المعاقل المضمونة لبهاراتيا جاناتا (رويترز)
TT

هل يعني فوز مودي المرتقَب تحوّل الهند إلى حكم الحزب الواحد؟

ناخبات أمام أحد مراكز الاقتراع في ولاية تيلانغانا بجنوب الهند ... خارج المعاقل المضمونة لبهاراتيا جاناتا (رويترز)
ناخبات أمام أحد مراكز الاقتراع في ولاية تيلانغانا بجنوب الهند ... خارج المعاقل المضمونة لبهاراتيا جاناتا (رويترز)

من المقرّر أن تُجري الهند انتخاباتها العامة الثامنة عشرة اعتباراً من أبريل (نيسان) فصاعداً، وفيها يسعى رئيس الوزراء ناريندرا مودي، إلى الحصول على فترة ولاية ثالثة في السلطة بعدما فاز حزبه الهندوسي القومي اليميني (بهاراتيا جاناتا) بعدد مذهل من المقاعد بلغ 303 في انتخابات 2019. «بهاراتيا جاناتا» متفائل حقاً إزاء فرصه الانتخابية، وقد حدد هدفاً لانتزاع 370 مقعداً بمفرده وأكثر من 400 مع حلفائه. ويُذكر أن مودي قاد حزبه إلى السلطة للمرة الأولى عام 2014 حين فاز بـ282 مقعداً في مجلس النواب (اللوك سابها) الذي يضم 543 مقعداً، وهي الغالبية الأكبر لحزب واحد خلال 30 سنة. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه في عام 2019 سيطرت الحكومة الائتلافية على 353 مقعداً. أما اليوم فيتوقع الخبراء السياسيون مع استطلاعات الرأي أن الناخبين لا يزالون ينظرون إلى مودي على أنه زعيم شعبي (رغم أن مثل هذه الاستطلاعات غالباً ما يكون لديها سجل ضبابي من حيث الدقة)، وأن فترة ولاية ثالثة على التوالي بالنسبة إلى ناريندرا مودي في الانتخابات البرلمانية المقبلة تبدو «حتمية تقريباً».

نتيجة الانتخابات الهندية المقبلة ليست أمراً محسوماً، إلا أن معظم المحللين يتوقعون فوز حزب «بهاراتيا جاناتا» بزعامة ناريندرا مودي بخمس سنوات أخرى في الحكم. وبعد عقد من الزمان في السلطة، تشير استطلاعات الرأي إلى أن مودي، بفضل سياسته الشعبوية المتشددة قومياً ودينياً، ما زال يحظى بدعم كثرة من الهنود، بينما لا تحظى أحزاب المعارضة الرئيسة بتأييد موازٍ.

الهند، توصف تقليدياً، بأنها أكبر دولة ديمقراطية في العالم، إذ تضم مليار ناخب (969 مليون ناخب مسجَّل). وهذا يعني أن أكثر من 10 في المائة من سكان العالم (أكبر من مجموع سكان الاتحاد الأوروبي) مؤهلون لاختيار الأعضاء المنتخبين البالغ عددهم 543 عضواً في مجلس النواب (أحد مجلسَي البرلمان) في الفترة من 19 أبريل (نيسان) إلى 1 يونيو (حزيران) المقبلين. وبموجب النظام البرلماني في البلاد، يشكّل الحزب الذي يفوز بغالبية المقاعد الـ543 في مجلس النواب، الحكومة، ويُعيَّن مرشحه رئيساً للوزراء.

وبالتوازي، لدى الهند الانتخابات الأعلى تكلفة في العالم، إذ أنفقت الأحزاب السياسية أكثر من 7 مليارات دولار عام 2019، مقارنةً بـ6.5 مليارات دولار أُنفقت في الولايات المتحدة خلال انتخابات 2016. ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم في انتخابات العام الجاري.

لماذا طول المدة؟

هذه التظاهرة الأكبر من نوعها في العالم، تحتاج إلى مدة 44 يوماً قبل إعلان نتائج تصويتها يوم 4 يونيو المقبل. ويتلخص الأمر في سببين رئيسين، هما: الحجم الهائل للهند لأنها الدولة الأكثر سكاناً في العالم، ومستوى الخدمات اللوجيستية اللازمة لضمان أن كل ناخب مسجَّل يستطيع الإدلاء بصوته.

الخبراء يذكرون أن السبب المباشر للانتخابات متعددة المراحل يتعلق بالأمن؛ إذ سيشرف على تنظيم هذه التظاهرة الضخمة «جيش» مؤلّف من 15 مليون من المسؤولين وأفراد الأمن الذين سيجوبون صحاري البلاد وأدغالها وجبالها وجزرها في محاولة للوصول إلى كل ناخب. ويتولى هؤلاء الإشراف على التصويت في أكثر من مليون مركز اقتراع بمساعدة 5.5 مليون جهاز اقتراع إلكتروني. وهنا نلفت إلى أن هناك 18 مليون ناخب سيُدلون بأصواتهم للمرة الأولى، في حين يحق لـ197 مليون شاب تتراوح أعمارهم بين 20 و29 سنة الإدلاء بأصواتهم. ويتوجب على اللجنة الانتخابية المشرفة التأكد من وجود قلم اقتراع (كشك تصويت) في حدود كيلومترين (1.2 ميل) من كل ناخب.

راهول غاندي (آ ف ب)

فوز مودي المرجَّح

في المشهد السياسي الحالي في الهند، ثمة إجماع بين المحللين السياسيين على أن فوز مودي وحزب «بهاراتيا جاناتا» هو «أكثر النتائج معقولية»، وذلك لشعبية مودي بوصفه رجل سياسة قوياً، والأجندة القومية المتشددة لحزب «بهاراتيا جاناتا»، لا سيما في ولايات قلب البلاد المعروفة بولايات «الحزام الهندي».

في هذه الولايات الناطقة باللغة الهندية يحظى مودي بشعبية واسعة جداً. وتركز كل التعليقات الإعلامية فقط على ما إذا كان سيتمكن من تحسين سجله السابق لعام 2019، والحقيقة أنه حدد بنفسه هدفه المتمثل بإحراز 370 مقعداً، في حين أعرب نقاد مودي وخصومه عن أسفهم لأن انتصاره سيُثبّت مكانته ويعزز تفرّده بالسلطة.

ديمقراطية «الحزب الواحد»

وفعلاً، تصاعدت شكاوى «الديمقراطية ميتة» منذ أصبح ناريندرا مودي رئيساً للوزراء. وازداد القلق، خلال السنوات الأخيرة، بشأن اتجاه الديمقراطية في الهند، مع تساؤل كثيرين عمّا إذا كانت البلاد تتجه نحو «سيناريو» هيمنة «الحزب الواحد». ولقد أثارت هيمنة حزب «بهاراتيا جاناتا» سواء على المستوى المركزي ومستوى الولايات، إلى جانب مزاعم باستهداف أحزاب المعارضة وقادتها، وتسليح الوكالات المركزية، والتلاعب بالانتخابات، تساؤلات جدّية إزاء صحة المؤسسات الديمقراطية في الهند.

راهول غاندي، عميد حزب المؤتمر الوطني الهندي المعارض -الذي أسَّس الهند المستقلة وحكم الهند لعقود من الزمان منذ استقلالها- يشكل المنافس الرئيس لمودي، ولقد حمل شخصياً هذه الرسالة إلى الجماهير الدولية أكثر من مرة. وخلال الأسبوع الماضي، أعلن حزب المؤتمر عن تعرض حساباته المصرفية للإغلاق، وكرّر راهول غاندي القول: «إن الديمقراطية قد ماتت». وحول هذا يقول أودايان بانديوبادياي، العالم السياسي: «تحوًلت الهند، إبان حكم مودي، بالفعل، من ديمقراطية برلمانية إلى ديمقراطية غالبية، وصارت غالبية ركائز النظام الديمقراطي -السلطة التنفيذية والقضاء والإعلام- خاضعة لنفوذ الحزب الحاكم».

وفي حين أن أبرز السمات المميزة لأي ديمقراطية نابضة بالحياة هي وجود معارضة قوية تُحمّل الحزب الحاكم المسؤولية عن تصرفاته، كانت هناك حالات كثيرة استهدفت فيها حكومة حزب «بهاراتيا جاناتا» زعماء المعارضة وأحزابها. وفي هذا المجال، يطلق النقاد وزعماء المعارضة اتهامات خطيرة ضد «بهاراتيا جاناتا» بأنه كان يتلاعب بوكالات مركزية مثل «إدارة إنفاذ القانون» و«إدارة ضريبة الدخل» لاستهداف المعارضين السياسيين. وثمة مزاعم أيضاً بشأن الاستهداف الانتقائي، حيث يواجه قادة المعارضة تمحيصاً مفرطاً، في حين يُمنح مناصرو الحزب الحاكم حرية مطلقة في التحرك.

في هذا السياق، أُدين راهول غاندي العام الماضي بتهمة التشهير وحُكم عليه بالسجن لمدة سنتين في أعقاب تصريحاته ضد مودي خلال تجمع حاشد من أنصاره. وعلاوة على ذلك، أوقفت «إدارة إنفاذ القانون» هذا الأسبوع أرفيند كيريوال، رئيس وزراء دلهي، بتهمة اختلاس الأموال، ومن الواضح أن قادة المعارضة وأحزابها يُستهدَفون بطريقة تشلّ حركتهم مباشرةً قبل بدء التصويت في الانتخابات. وفي ضوء هذا علّق الأمين العام الوطني لحزب المؤتمر رانديب سينغ سورجيوالا بالقول: «حكومة مودي تدمر الديمقراطية وتعصف بدستور الهند. وهي تحاول خنق صوت المعارضة بتخويف قادتها عبر أجهزة التحقيق مثل إدارة إنفاذ القانون ومكتب التحقيقات المركزي وإدارة ضريبة الدخل». وأشار إلى كيفية اعتقال رئيس وزراء دلهي، وأردف: «إن هذه ستكون الانتخابات الأخيرة التي ستقرّر ما إذا كانت الديمقراطية ستصمد في البلاد أم لا».

هل يمكن إنقاذ الديمقراطية؟

بالمناسبة، هذه ليست المرة الأولى التي تمرّ فيها الديمقراطية الهندية بأزمة. فخلال يونيو (حزيران) 1975، في خضمّ نوبة من الاضطرابات المدنية، أعلنت إنديرا غاندي، رئيسة الوزراء وزعيمة حزب المؤتمر (آنذاك) وجدة راهول غاندي، عن بداية ما تسمى «حالة الطوارئ»، التي علّقت بموجبها مؤقتاً الحقوق والحريات الأساسية. واستمر هذا الوضع نحو سنتين، قبل أن تُرفع «حالة الطوارئ» فجأة في مارس (آذار) 1977.

في حينه، أعلنت إنديرا غاندي عن إجراء انتخابات جديدة خسرها حزب المؤتمر، وغادرت غاندي السلطة طواعية -فقط لكي تعود بعد الجولة التالية من الانتخابات. وبالتالي، انتقلت الديمقراطية الهندية بعيداً عن النظام الذي يهيمن عليه حزب المؤتمر إلى نظام أكثر صحة يقوم على التعددية الحزبية. ولكن، هل يوفّر هذا سبباً للتفاؤل بأن مودي قد يسقط بطريقة مفاجئة مماثلة؟

الخبراء الذين تحدثنا معهم أعربوا عن شكوكهم في ذلك؛ إذ رأى محمد ضياء الله خان، الكاتب المستقل، أنه «في حين كانت حالة الطوارئ تعليقاً صارخاً للديمقراطية رداً على الأحداث المباشرة، فإن الاستيلاء على السلطة في حالة مودي ينطوي على فساد أكثر دهاءً وديمومة للمؤسسات قد تكشّف على مدى سنوات. تلقت الديمقراطية في الهند صدمة قوية لدى الكثير من التصنيفات الدولية. وقد خفّض «معهد أنواع الديمقراطية» في السويد التصنيف الهندي إلى «دولة استبدادية انتخابية» العام الماضي فقط، كما وصف معهد «فريدوم هاوس» في الولايات المتحدة الهند بأنها «حرة جزئياً». وهو «ما يغذّي الاعتقاد بأن مودي يسيء بشدة إلى دستورنا، وأن الغالبية الهندوسية تدمّر التقاليد الديمقراطية العلمانية في الهند». إلا أن أميتاب تيواري، المحلل الاستراتيجي والمعلق السياسي، قال: «الهند بعيدة كل البعد عن كونها ديمقراطية الحزب الواحد. قد نشهد هيمنة حزب سياسي واحد، هو (بهاراتيا جاناتا)، لكنّ الاستدلال على أن هذا الحزب علامة على ضعف الديمقراطية يعني أنها أضعف مما ينبغي».

معارضة ضعيفة ومنقسمة

لقد تزامن تدهور حزب المؤتمر مع صعود «بهاراتيا جاناتا»، الذي هو الآن في طريقه إلى سد الفراغ الذي خلّفه الحزب القديم. ولكن، بينما قد تكون الأحزاب الوطنية تغيرت، تظل الأحزاب الإقليمية ممسكة ببعض الأرضية.

في الانتخابات الهندية الأخيرة، تعرّض حزب المؤتمر لهزيمة مريرة أمام «بهاراتيا جاناتا»، غير أنه يأمل في تشكيل تحدٍّ أكبر لنفوذ مودي من خلال التحالف والتكاتف مع الأحزاب الإقليمية. وحقاً قرر حزب المؤتمر خوض انتخابات هذا العام تحت شعار «التحالف الوطني التنموي الهندي الشامل»، المعروف باسم «تحالف إنديا»، (I.N.D.I.A)، وهو ائتلاف يضم 26 حزباً. وهنا نشير إلى أن حزب المؤتمر احتل المرتبة الثانية بفارق بلغ 52 مقعداً عام 2019. ومثّل ذلك، على الأقل، تحسناً طفيفاً مقارنةً بأسوأ أداء للحزب عندما حصل فقط على 44 مقعداً عام 2014.

في مطلق الأحوال، التحالف الذي شُكّل لمواجهة مودي يكافح الآن من أجل التماسك، ووفق الصحافي البارز بوشاب ساراف، «من دواعي السرور لحزب (بهاراتيا جاناتا) أن أحزاب المعارضة الهندية منقسمة وضعيفة. لكنهم إذا تمكنوا من توحيد قواهم ووضع دعمهم خلف مرشح واحد قوي لتحدّي (بهاراتيا جاناتا) في دوائر فردية، قد يفوزون بمزيد من المقاعد. المفاوضات من أجل ذلك أثبتت للآن أنها عسيرة. والأسوأ من ذلك، أن تحالف المعارضة الهشّ لم يُعيّن بعد مرشحاً بديلاً جديراً بالثقة لمنصب رئيس الوزراء. والواقع أن راهول غاندي، زعيم حزب المؤتمر، وعميد أسرة نهرو - غاندي التي قادت الهند بعد استقلالها، يعدّ اختياراً واضحاً، لكنّ كثيرين يرون أنه مجرد «هاوٍ» وليس محترفاً. ثم إن الساسة الإقليميين الناجحين في المنطقة لا يتمتعون إلا بقدر محدود من النفوذ خارج ولاياتهم».

في هذه الأثناء، تبقى شعبية مودي مرتفعة، ولا تزال خلفيته المتواضعة وجاذبيته الشخصية تجتذب الشباب والطموحين، لا سيما في الفئات الطبقية التي كانت تاريخياً مستبعَدة عن السلطة والثروة. وهنا يشرح سانجيف شارما، الأمين العام لجمعية العلوم السياسية الهندية، أن «محاولة راهول غاندي على امتداد البلاد فشلت في توحيد صفوف المعارضة ناهيك بالدولة التي يبلغ عدد سكانها 1.4 مليار نسمة. ويجد (تحالف إنديا) -الذي يضم حزب المؤتمر وما يقرب من 20 حزباً معارضاً آخر- صعوبة في للتغلب على الخلافات والانشقاقات بسبب الصعوبات القانونية ومشكلات التمويل الضخمة. ولذا فلحزب (بهاراتيا جاناتا) اليد الطولى نفسياً، في حين يخوض غاندي معركة خاسرة».

غير أن آخرين يناقضون هذا الرأي ويشعرون بأنه من الظلم أن يُشطب حزب المؤتمر وغاندي؛ إذ إن راهول -حفيد رئيسة الوزراء الراحلة إنديرا غاندي وابن رئيس الوزراء الراحل راجيف غاندي- يُمضي أيامه في التواصل مع الناخبين من مختلف شرائح المجتمع الهندي المتنوع. وهنا تساءل دورو آرون كومار، أستاذ علم الاجتماع في المعهد الهندي للتكنولوجيا في جامو: «كم من كبار السياسيين في الحزب الحاكم ترونه يخرج في مسيرات طويلة ويلتقي الناس ويستمع إلى مشكلات الرجل العادي؟».

تزامن تدهور حزب المؤتمر مع صعود «بهاراتيا جاناتا» الذي هو الآن في طريقه إلى سد الفراغ الذي خلَّفه الحزب القديم

مودي يحضر احتفال تدشين المعبد الهندوسي الذي شيد على انقاض المسجد البابري في آيوديا (رويترز)

المسلمون في حسابات مودي و«بهاراتيا جاناتا»

> شكلت نتائج الانتخابات في الولايات الهندية الخمس التي أجريت في ديسمبر (كانون الأول) دفعة قوية لحزب «بهاراتيا جاناتا» الذي يتزعمه رئيس الوزراء ناريندرا مودي، والذي فاز بأربع منها، بينما جاء النصر الوحيد لحزب المؤتمر المعارض في ولاية تيلانغانا بجنوب البلاد. وحسب ميلان فايشناف، الزميل البارز ومدير برنامج جنوب آسيا ومضيف نشرة «غراند تاماشا» الإذاعية في «مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي”، فإن هذه النتائج «تؤكد ما هو معروف بالفعل، ففيما يتعلق بالانتخابات البرلمانية لعام 2024، لا يزال بهاراتيا جاناتا في الصدارة. وهذه الميزة مدفوعة بالأساس بشعبية مودي الدائمة». وبالفعل، خطوة بخطوة، على مدى العقد الماضي، «عزّزت» حكومة مودي «القاعدة القومية الهندوسية» لحزب بهاراتيا جاناتا، على حساب المكوّنات الهندية الأخرى؛ إذ في عام 2019، ألغت الحكومة التعديلات الدستورية التي تقيّد حقوق نيودلهي في تحديد كيفية حكم كشمير، التي هي الولاية الهندية الوحيدة ذات الغالبية المسلمة. وفي وقت سابق من السنة الحالية، ترأس مودي شخصياً مراسم افتتاح معبد هندوسي جديد في أيوديا، في موقع المسجد البابري التاريخي الذي هدمه نشطاء قوميون هندوس عام 1992. وبعد فترة وجيزة، أعلنت الحكومة أن قانوناً جديداً مثيراً للجدل سيدخل حيّز التنفيذ ويسمح للهندوس والسيخ وغيرهم من الفارين من البلدان المجاورة ذات الغالبية المسلمة بالحصول على الجنسية الهندية، بل قد يجيز القانون أيضاً ترحيل المسلمين الذين يُعدون مهاجرين غير شرعيين. ومن ثم، يتوقّع كثيرون أن الخطوة التالية ستكون «قانوناً مدنياً موحّداً» - بخلاف رغبة المسلمين - يفرض الزواج المشترك، والنفقة، وترتيبات الحضانة على كل المواطنين الهنود بصرف النظر عن الدين. في هذا الجو، لم تتخذ المعارضة أي إجراء فعّال، حتى الآن، لإضعاف مودي رغم التوقعات الصحيحة بأنه حتى مع كل جهوده لن يحقق نتائج جيدة في الولايات الجنوبية غير الناطقة بالهندية. طبعاً، الانتخابات لم تُحسم بعد، وستعتمد نتيجتها إلى حد كبير على أداء مودي في قلب الهند وفي الولايات الغربية حيث ولايات «الحزام الهندي». وللعلم، سيسعى «تحالف إنديا» بقيادة «حزب المؤتمر» إلى مواجهة مودي في هذه المناطق. لكن الدبلوماسي السابق فيفيك كاتجو يعلّق قائلاً: «مع هذا، لا يبدو أن رسالة راهول والهند بأن مودي فشل في معالجة القضايا التي تؤثر على حياة الناس خلقت الزخم اللازم، على الرغم من جهوده الحالية لإزالة هالة مودي. ومن هنا لا يظهر أن المعارضة في الوقت الحالي قريبة على الإطلاق مما ينبغي أن يكون هدفها الأول في خلق شعور بأن مودي يمكن هزيمته. وما لم تفعل ذلك، فإن هذه الانتخابات المقبلة تكون قد حُسِمت بالفعل في الوقت المحدود للغاية المتبقي». أخيراً، بيّنت شركة «مورنينغ كونسولت» التي تتعقب معدلات التأييد الأسبوعية لأكثر من عشرين من قادة العالم المنتخبين ديمقراطياً، أن 78 في المائة من الهنود الذين شملهم الاستطلاع في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) راضون عن أداء مودي. بل إن صافي نسبة الرضا عن مودي (المحسوب حصةً من المستجيبين الراضين عن أدائه يُنقص منه غير الراضين) كان مذهلاً بأعلى من 60 نقطة. أما الزعيم الثاني الأكثر شعبية على القائمة فكان الرئيس المكسيكي أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، الذي لم يتجاوز تصنيفه الصافي 30 نقطة فأكثر فقط. ثم إن الرضا عن مودي ظل متماسكاً بشكل ملاحظ منذ أغسطس (آب) 2019، وهو التاريخ الذي كانت البيانات متاحة فيه لأول مرة.