الكرملين يتوقع زيارة خادم الحرمين الشريفين إلى موسكو الخريف المقبل

سفير روسيا لدى السعودية لـ {الشرق الأوسط} : الجانبان وضعا حجر الأساس لعلاقة مستقبل نوعي

الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال جلسة المباحثات (تصوير: بندر الجلعود)
الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال جلسة المباحثات (تصوير: بندر الجلعود)
TT

الكرملين يتوقع زيارة خادم الحرمين الشريفين إلى موسكو الخريف المقبل

الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال جلسة المباحثات (تصوير: بندر الجلعود)
الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد السعودي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال جلسة المباحثات (تصوير: بندر الجلعود)

لا تزال نتائج زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد وزير الدفاع السعودي لـ«سان بطرسبرغ» ولقاؤه مع الرئيس فلاديمير بوتين تثير الكثير من التعليقات على الصعيدين الرسمي والإعلامي الروسي، في حين جدد يوري أوشاكوف مساعد الرئيس بوتين للشؤون الخارجية، التأكيد بأن زيارة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز إلى روسيا، قد تتم في الخريف المقبل.
وأضاف في تصريحات أدلى بها إلى قناة «روسيا 24» القناة الإخبارية الرسمية: «إن موعد الزيارة حدد له الخريف المقبل.. ولكن سننتظر ونرى».
وكانت الأوساط الاجتماعية والسياسية في العاصمة الروسية عادت لتذكر بالزيارة التي قام بها خادم الحرمين الشريفين لموسكو في يونيو (حزيران) عام 2006 والتي التقى خلالها الرئيس بوتين من موقعه كأمير لمنطقة الرياض، فيما استعادت ما قاله حول إن «المملكة تنظر باهتمام إلى التعاون الروسي السعودي». وقال إنه يرحب ويشجع بل ويرغب في أن يدخل رجال الأعمال الروس الأسواق السعودية وأن يشاركوا في المناقصات المطروحة بنفس قدر مشاركة رجال الأعمال السعوديين في الأسواق الروسية، مشيرا إلى أن لقاءاته مع الرئيس بوتين ورئيس الحكومة الروسية وعمدة العاصمة تناولت كل هذه القضايا.
من جانب آخر، قال أوليغ أوزيروف السفير الروسي لدى السعودية لـ«الشرق الأوسط»، إن المباحثات السعودية التي قادها الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع في بلاده، وضعت حجر الأساس لعلاقة مستقبل نوعي بين الرياض وموسكو.
وقال أوزيروف: «بلا شك هذه الزيارة مهمة جدا لتصحيح علاقات بلدينا، وبالفعل وضعت حجر أساس متين لعلاقة استراتيجية نوعية مستقبلية، تدفع بالعلاقات السعودية – الروسية إلى مستوى أعمق وأكبر، إذ لهذه العلاقات جذور تاريخية عميقة».
ويعتقد أوزيروف أنه آن الأوان لاستثمار زيارة ولي ولي العهد السعودي، ولقائه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لتصحيح العلاقة بين الرياض وموسكو وتعزيزها بشكل أفضل.
ولفت إلى ثمرة المباحثات السعودية – الروسية، بتوقيع ست اتفاقيات، تعزز التعاون النوعي في مستقبل الأيام، معتقدا أن هذه الاتفاقيات الست الجديدة المهمة برأيه، خاصة المتعلقة بمجالات الطاقة النووية السلمية وفي مجال الفضاء والإسكان ستعمق العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وستصححها على أفضل شكل طبيعي مطلوب.
وكانت مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى رحبت في تصريحاتها لـ«الشرق الأوسط» بنتائج زيارة الأمير محمد بن سلمان وأعربت عن أملها في أن تسفر الاتصالات المتبادلة بين الجانبين والزيارة المرتقبة لخادم الحرمين الشريفين لموسكو عن النتائج التي تتفق مع مكانة وقدرات البلدين.
واستشهدت بما سبق وقاله سيرغي لافروف وزير الخارجية الروسية قبيل زيارته للرياض في إطار الحوار الاستراتيجي مع مجلس التعاون الخليجي، حول أن «الاختلاف في المواقف الروسية والسعودية تجاه مجمل الموضوع السوري ليس ذلك الحد الفاصل الذي يصعب تجاوزه. ذلك لأن وجهات نظرنا تبدو متطابقة تجاه الأمر الرئيسي وهو عدم قبول استمرار المواجهة المسلحة في الجمهورية العربية السورية. كما أننا نعتبر العمل من أجل دعم وقف إراقة الدماء واقتتال الأشقاء في هذا البلد من أولوياتنا المشتركة. إن الجانبين الروسي والسعودي مهتمان بتبادل الآراء حول الأوضاع في سوريا والبحث المشترك عن سبل تسويتها خلال اتصالاتنا الدورية مع الرياض التي تجرى على الصعيدين الثنائي والمتعدد الأطراف». وكان لافروف أكد أيضا «وجود احتياطيات في علاقات البلدين لم تستغل بعد». وعن أثر العلاقات الاقتصادية واستثمارها لتصحيح العلاقات السياسية، أكد السفير الروسي لدى الرياض، أن بلاده لها مبدأ راسخ يرتكز على فصل العلاقات الاقتصادية عن السياسية، مشيرا إلى أن موسكو ضد سياسة العقوبات والعقوبات المضادة من أجل تطوير العلاقات بينها وبين عواصم العالم الأخرى.
وعن انعكاسات المباحثات والاتفاقيات السعودية الروسية الأخيرة، على حجم الاستثمارات والشراكات والتبادل التجاري بين البلدين، أكد السفير الروس أن الأعوام القليلة المقبلة ستترجم هذه العلاقات بزيادة مضطردة في هذا المنحى الاقتصادي والاستثماري والتجاري.
وقال أوزيروف: «إن حجم التبادل التجاري بين السعودية وروسيا لا يعبر عن حجم البلدين من الناحية الاقتصادية، إذ لا يزيد على ملياري دولار وهذا قليل جدا لدولتين كبيرتين لديهما إمكانيات وطاقات وقدرات أكبر بكثير عما يعبر عنه حاليا». وأضاف أوزيروف: «بعد توقيع هذه الاتفاقيات الست بين البلدين، أتوقع زيادة التبادل التجاري إلى 10 مليارات دولار خلال فترة قصيرة جدا لا تتجاوز عامين إلى ثلاثة أعوام، وسينعكس ذلك إيجابا على حجم الاستثمار المتبادل بين البلدين».
ولفت أوزيروف إلى أن الرئيس الروسي بوتين، أوضح أثناء لقائه بولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، أن حجم التبادل التجاري بين الرياض وموسكو متواضع جدا ولا يناسب حجم البلدين، متوقعا نموه بعد هذا التاريخ بوتيرة متسارعة جدا.
وعن انعكاس العلاقات الاقتصادية السعودية الروسية الحالية والمتوقعة، على الوضع السياسي في المنطقة، توقع أن تؤدي إلى شكل من أشكال التقارب السياسي خاصة في اليمن، مستندا إلى المبدأ الراسخ لدى سوريا الداعي لإعادة الشرعية لهذا البلد.
وقال أوزيروف: «روسيا تنطلق في سياساتها من مبدأ ضرورة تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة خاصة في منطقة الشرق الأوسط وهذا هو رصيد راسخ لتطوير العلاقات الروسية مع غيرها من البلاد خاصة السعودية ولذلك رؤيتنا لأزمة اليمن تنبع من هذا المبدأ».
ولفت أوزيروف إلى أن كل هذه الأزمات التي تضج بها المنطقة سواء في العراق أو سوريا أو غيرها من البلاد المضطربة، تحتاج لجهود مكثفة من قبل جميع الأطراف على الصعيد السياسي أولا، مشيرا إلى أنه يمكن الوصول إلى إعادة الشرعية لليمن، من خلال ترسيخها من خلال الحوار الوطني بين الأطراف اليمنية.
وأضاف: «المرجعية لحل الأزمة اليمنية معروفة وأكدنا ذلك أكثر من مرة وهي تعتمد على قرار 2216 الصادر من مجلس الأمن حول الحوار الوطني مع الدفع بالمبادرة الخليجية وآلية تنفيذها وفي رأينا تمثل رصيدا أساسيا للحل السلمي للأزمة اليمنية ونحن نؤيد هذا الاتجاه».
وعن الموقف الإنساني الروسي وإمكانية تقديم مساعدات إغاثية للشعب اليمني، قال أوزيروف: «بلا شك نحن نفكر في هذا الاتجاه، لكن هناك كثيرا من الأمور، منها أولا العملية السياسية ووقف إطلاق النار، لإيصال المساعدات الإنسانية إلى كل الأطراف المتأثرة ونحن جاهزون للدعم الإنساني دون تردد».
يشار إلى أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي والصندوق الروسي للاستثمار المباشر، وقعا مذكرة تفاهم التزام باستثمار مبلغ 10 مليارات دولار وذلك خلال الزيارة الأخيرة للأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع إلى روسيا الاتحادية.
ويشارك الصندوق الروسي للاستثمار المباشر، في استثمارات موازية مع أكبر الصناديق الاستثمارية بالعالم، ولديه علاقات استثماريه مع الكثير من الشركاء الاستثماريين حول العالم مثل شركه الاستثمارات الصينية.
كما لدى الصندوق الروسي شراكات مع البنك الياباني للتعاون الخارجي، ومع الصندوق الاستراتيجي الإيطالي، وشركة الاستثمارات الكورية، ومع شركه مبادلة، ومع هيئة الاستثمار القطرية وصندوق الاستثمار الكويتي.



السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.