لعلّ شهر رمضان بما فيه من ذكريات وتقاليد يكاد يكون من أجمل المحطات التي أحب أن أغوص بها وأبحث في صورها في خيالي. «عالبركة» هو العنوان الذي أجده الأنسب لهذا الشهر الكريم في بيتنا. فكل شيء كان يحصل فيه أو نتلمسه ونتفانى من أجله كان يصبّ في وقع هذا الشهر المبارك علينا. فعائلتي التي كانت تتألّف من أحد عشر ولدا ومع أبي وأمي نصبح ثلاثة عشر، كانت تنتظر وصول رمضان ليحدث الانقلاب الأبيض في البيت، إذ رغم حالتنا المادية المتردّية في تلك الفترة كان يحمل لنا في جعبته الوفرة والسعادة.
أكثر ما أتذكره هو جلوسنا جميعا ساعة الإفطار على الأرض، التي تفترشها والدتي بغطاء ملوّن حول «طبلية» خشبية. فالطاولة لم تكن لتندرج من ضمن أثاث منزلنا، والـ«طبلية» كانت البديل المناسب للمّة عائلية كنا نعقدها يوميا في البيت ولا سيما في اليوم الأول من الشهر الفضيل.
صحيح أننا كنا ماديا ننتمي إلى تلك الطبقة الاجتماعية المعروفة بقول مأثور في لبنان «على قدر بساطك مدّ رجليك»، إلا أن السفرة الرمضانية التي كانت تحضّرها أمي كانت غنيّة تلغي هذه المقولة من جذورها. فالمائدة وفقط في هذا الشهر ترتدي حلّة قد لا نشاهدها في بيتنا طيلة أيام السنة.
«الفتوش» و«المعجنات» و«الشوربة» وأطباق أخرى من اللحم والدجاج كانت فجأة تظهر أمامنا على المائدة بعد أن تقف أمي «أم محمد» لساعات طويلة في المطبخ تحضّرها. ولكني أعتقد أن تقليد تبادل الأطباق بين أمي وجيراننا في العمارة التي نسكنها في منطقة المزرعة، كانت تساهم في أن تكون السفرة غنيّة بالمأكل والمشرب أكثر من أي وقت من السنة.
فإذا كانت أمي تقدّم لجاراتنا «أم فوزي» و«أم محمد» و«أم حسين»، أطباقا من الوجبات التي تحضرها لنا، كانت الجارات في المقابل لا تتوانى عن إرسال أطباق أخرى تمثّل نموذجا عن تلك التي يحضّرنها في منازلهن.
30 يوما من الشهر الفضيل كانت تمرّ علي كالحلم تماما. فالصوم كان فرضا يوميا علينا الالتزام به دون تذمّر، ومرافقة والدتي إلى السوق الواقعة وسط بيروت قرب سينما «ريفولي» يومها، لاختيار الخضراوات والفواكه اللازمة لمائدة رمضانية أصيلة، هي المهمة الموكولة إلى فأنفذها بكل طيبة خاطر.
«لا تضع إلا البندورة الحمراء.. وحاول أن تكون باقات النعناع والبقدونس طازجة يمكنك أن تلاحظ ذلك بوضوح... إياك أن تضيّع الوقت ساعدني لنكون في المنزل باكرا». هذه بعض العبارات التي ما زلت أتذكرها من والدتي أثناء مرافقتي لها إلى السوق. وعندما ننتهي من الشراء يكون الحمّال في انتظارنا، فيضع الأغراض التي اشتريناها في سلّة كبيرة من القشّ ويرافقنا إلى محطة السرفيس، فنستقل السيارة إلى موقع منزلنا في منطقة المزرعة. أحيانا كنا نغتنم الفرصة كوننا انتهينا من عملية الشراء باكرا لنعرّج على «سوق البالة»، لتختار لي أمي ولبعض من إخوتي الملابس».
كلّ شيء كان له طعم مغاير، بدءا من يومياتنا الملوّنة بالفوانيس وبصوت طبل المسحراتي الذي يصرخ بأسمائنا لنقوم على الصلاة والسحور، مرورا بأطباق الطعام الحلوة كالصفوف والنمورة، والمالحة كمسقّعة الباذنجان والسمك المشوي التي تزيّن المائدة، ووصولا إلى اللمّة الرمضانية التي لم يكن أي استثناء يمكن أن يلغيها. أحيانا كنا نتوجّه عند الأقارب لتناول الفطور. هي ذكريات محفورة في ذاكرتي ولا يمكن أن أنساها خصوصا بعدما صرت مصمم أزياء معروفًا، فهي تنقلني إلى أيام البركة والطيبة التي كانت تطبع تلك الحقبة.
وهنا استذكر جدّي - رحمه الله - الذي كان أول من يأتينا المنزل ليعيّدنا، فنصطفّ بالدور لنأخذ «العيدية». من ناحيتي وبما أنني كنت الرابع بين إخوتي كانت حصتي لا تزيد عن الـ10 أو 25 قرشا، وكانت تكفيني لتلوّن أحلامي الصغيرة. كما أنني ما زلت حتى الساعة أتذكر بدلة العيد التي أهداني إياها والدي في أحد الأيام مع حذاء بنّي من محلات «عطا الله فريج». اليوم ورغم كل الأحذية والبدلات التي أمتلكها فإن لتلك البدلة وقعها الخاص علي وما زلت حتى اليوم ينتابني شعور بالفرح عندما أستعيدها في خيالي.
* مصمم الأزياء اللبناني
ذكريات: «عالبركة» عنوان لموسم رمضان في منزلنا
https://aawsat.com/home/article/388246/%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%C2%AB%D8%B9%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B1%D9%83%D8%A9%C2%BB-%D8%B9%D9%86%D9%88%D8%A7%D9%86-%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%85-%D8%B1%D9%85%D8%B6%D8%A7%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%86%D8%B2%D9%84%D9%86%D8%A7
ذكريات: «عالبركة» عنوان لموسم رمضان في منزلنا
ذكريات: «عالبركة» عنوان لموسم رمضان في منزلنا
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

مشهد من مسلسل «ضرب نار» (أرشيفية)
بوستردعائي لمسلسل «تحت الوصاية» (أرشيفية)
مشهد من مسلسل «ستهم» (أرشيفية)
