لبنان: اقتحامات البنوك تعكس استمرار «مُعاناة» لم تعد تُحتمل و«فشلاً ممنهجاً»

جنود من الجيش اللبناني يقفون في حراسة أحد المصارف ببيروت (إ.ب.أ)
جنود من الجيش اللبناني يقفون في حراسة أحد المصارف ببيروت (إ.ب.أ)
TT

لبنان: اقتحامات البنوك تعكس استمرار «مُعاناة» لم تعد تُحتمل و«فشلاً ممنهجاً»

جنود من الجيش اللبناني يقفون في حراسة أحد المصارف ببيروت (إ.ب.أ)
جنود من الجيش اللبناني يقفون في حراسة أحد المصارف ببيروت (إ.ب.أ)

الأسلوب الأسهل للتشكيك في أي ظاهرة هو اتهامها بالارتباط بجهات أجنبية والعمل ضمن جدول أعمال أمني مشبوه ومدفوع لإفشال مشاريع نبيلة وإحباط خطوات تاريخية. وهذا ما قامت به السلطة الحاكمة في لبنان رداً على اقتحام بعض المودعين لفروع مصارف تمتنع عن إعادة الأموال إلى أصحابها الشرعيين.
اتهام المودعين الذين قرروا «تحصيل الحق بالذات» أي خارج العملية القضائية، بالتحرك وفق إملاءات أجهزة استخبارات وسفارات أجنبية، كان له محبذون بين صحافيين عُرفوا بدفاعهم عن المصارف وعن المنظومة الحاكمة. وسار البعض في طريق التلميح إلى أن الأجهزة الأمنية اللبنانية تحقق في وجود خطة منسقة ومعرفة سابقة بين منفذي الاقتحامات التي جرت يوم الجمعة 16 سبتمبر (أيلول) في عدد من المناطق اللبنانية.
ممثلو السلطة في وزارة الداخلية وفي النيابة العامة التمييزية لم يفاجئوا أحداً بانحيازهم إلى أصحاب المصارف والتلويح بملاحقة المودعين الذين يستعيدون بعضاً من حقوقهم بالقوة. فمدعي عام التمييز، على سبيل المثال، يتهرب من التحقيق معه في جريمة تفجير مرفأ بيروت في أغسطس (آب) 2020، ومنع ملاحقة المصارف التي تحتجز أموال اللبنانيين من دون وجه حق. في حين أن وزير الداخلية يدين بالولاء إلى أحد كبار رموز الفساد في السلطة وهو الذي عينه في منصبه الحالي.
أما جمعية المصارف، فعادت إلى أسلوبها القديم في إخضاع اللبنانيين وتأليبهم ضد المودعين بإعلانها الإضراب عن العمل لثلاثة أيام ابتداء من يوم الاثنين 19 سبتمبر (أيلول)، ما سيؤدي إلى حرمان مئات آلاف الموظفين من القدرة على سحب الفتات القليل من رواتبهم الموطنة في المصارف. اعتماد المصارف هذا النهج في كل مرة كان يظهر ما يفضح تمسكها بالامتناع عن إصلاح نفسها والإصرار على المضي في تجاهل النتائج الكارثية لانعدام إحساسها بالمسؤولية أمام المجتمع، ما دام أن من في السلطة هم من الشركاء والمساهمين في المصارف. فالإغلاق الذي استمر أسبوعين بعد اندلاع تظاهرات أكتوبر (تشرين الأول) 2019، أتاح للمصارف ولكبار النافذين في مجالي المال والسياسة (المتداخلين والمتضافرين) إخراج مليارات عدة من الدولارات (ثمة خلاف حول حجمها) من لبنان الذي كان بدأ معاناة الاختناق. ومنعت المصارف منذ ذلك الحين، على صغار ومتوسطي المودعين استرجاع أموالهم أو تحويلها لأبنائهم الذين يدرسون في الخارج أو استخدامها حتى لعلاج أنفسهم وأقاربهم.
https://twitter.com/aawsat_News/status/1571185967087722497
والحالة الأخيرة كانت ما حمل الشابة سالي حافظ على اقتحام فرع مصرفي في بيروت بمساعدة بعض أصدقائها للحصول على كلفة علاج شقيقتها المصابة بالسرطان والتي رفض المصرف النظر في حالتها مستخدماً المماطلة والكلام الفارغ عن التضامن الإنساني.
بيد أن ما قامت به سالي حافظ هو التعبير الدقيق عن فقدان الأمل من تبلد المنظومة الحاكمة التي تشكل المصارف جزءاً رئيسياً منها، أمام مآسي صغار المودعين الذين اعتقدوا - أو خدعوا - أن المصارف ستؤمن لهم ملجأ أميناً في ساعات الشدة كمثل الإصابة بمرض مستعصٍ مثلما أصاب شقيقة سالي.
والحال أن القانون يفرض على كل مصرف إعادة كامل أموال المودع في وقت متفق عليه (إذا كانت في حساب جارٍ تعاد فوراً، وإذا كانت مجمدة يسترجعها صاحبها عند بلوغ أجلها... إلخ...). كانت المصارف ورعاتها السياسيون ينتفضون عند كل منعطف يبشر بالبدء بمحاسبتهم. تعطيلهم قرار مجلس شورى الدولة المعترض على عدم قانونية تعاميم حاكم مصرف لبنان المتلاعب بقيمة الأموال التي يحق للمودع استرجاعها، مثال صارخ.
المهم أن الموجة الأخيرة من الاقتحامات التي ترافقت مع التدهور اليومي والقياسي لسعر الليرة اللبنانية، تُعلن أن مرحلة المعاناة المستمرة منذ ثلاث سنوات لم تعد تحتمل، وأن الفشل المتعمد والممنهج والعقبات الموضوعة أمام كل الحلول المقترحة من الخبراء المحليين والدوليين، صارت نتائجها أمام كل ذي بصر، وهي لبنان الذي دخل نفق الانهيار ما زال تحت سيطرة الجماعة ذاتها التي أوصلته إلى الهاوية، والتي تحول بكل السبل ولو بالتهديد بحرب أهلية دون اتخاذ أبسط خطوات الإنقاذ. بل إن الأمور وصلت إلى حد المهزلة عن بعض من اتهم صندوق النقد الدولي بتبني ميول يسارية في مقاربته للكارثة اللبنانية، عندما رفض الصندوق السير في فضيحة التذاكي على قانون السرية المصرفية وضرورة رفعها بمفعول رجعي حتى تستقيم أي عملية إصلاحية.
تعميق الأزمة الاقتصادية - الاجتماعية التي تؤدي فيها منظومة الفساد والمصارف رقصة الموت على جثث عدد لا يحصى من المرضى والطلاب والأسر التي ألقيت إلى وهاد الفقر، يبدو متلائماً مع مسار سياسي يهدف إلى إبقاء لبنان أرضاً مستباحة لحفنة من الخارجين عن القانون ومدعي الحرص عليه في آن واحد.


مقالات ذات صلة

عمال لبنان يتوعدون بـ«مواجهة»... وميقاتي عاجز عن تقديم المزيد

المشرق العربي عمال لبنان يتوعدون بـ«مواجهة»... وميقاتي عاجز عن تقديم المزيد

عمال لبنان يتوعدون بـ«مواجهة»... وميقاتي عاجز عن تقديم المزيد

أعلن رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي، أن إمكانات حكومته حتّمت أن تكون التقديمات «أفضل الممكن»، وذلك في ظل شكوى العمال من الضائقة المعيشية، والتصعيد التي تعلن عنه القطاعات العمالية احتجاجاً على تدهور قيمة العملة والرواتب، وتوعّد العمال في التحركات الميدانية لمناسبة اليوم العالمي للعمال، بـ«المواجهة». وتوجه ميقاتي للعمال بالقول «ندرك الظروف الصعبة التي تعيشونها، ونقدّر التضحيات التي تبذلونها في سبيل الحفاظ على كيان الدولة ومؤسساتها وإداراتها»، مضيفاً أن «ما اتخذته الحكومة من إجراءات أخيراً ليس سوى القليل مما تستحقونه، لكن الإمكانات التي تعرفونها حتّمت أن تكون التقديمات بأفضل الممك

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي المبعدون من لبنان... تنتظرهم حواجز النظام

المبعدون من لبنان... تنتظرهم حواجز النظام

يتربص بالباحثين السوريين عن ملاذ آمن هرباً من الأوضاع الكارثية داخل سوريا، مهربون يتقاضون مبالغ مادية لتهريب من يريد إلى لبنان، ووفقاً لـ«المرصد السوري لحقوق الإنسان»، فإن العشرات من السوريين الذين دخلوا لبنان خلسة، تم ترحيلهم من قبل السلطات اللبنانية خلال الأيام والأسابيع القليلة الفائتة. وحسب «المرصد»، فإن أجهزة النظام الأمنية وحواجزه على الحدود السورية - اللبنانية، اعتقلت أكثر من 39 شخصاً من الذين جرى ترحيلهم من الأراضي اللبنانية منذ مطلع شهر أبريل (نيسان) الحالي، بذرائع كثيرة، غالبيتها لتحصيل إتاوات مالية بغية الإفراج عنهم. وقبل أيام معدودة، اعتقلت الأجهزة الأمنية التابعة للنظام، شابين يتح

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي انتعاش القطاع السياحي في لبنان... ونسبة الحجوزات 70 %

انتعاش القطاع السياحي في لبنان... ونسبة الحجوزات 70 %

أعلن الأمين العام لاتحاد النقابات السياحية في لبنان جان بيروتي أن «لبنان قادم على موسم صيف واعد»، وقال «نسبة الحجوزات بلغت 70 في المائة»، متوقّعاً أن يُدخل عيد الفطر 500 مليون دولار، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». ونقلت صحيفة محلية اليوم عن بيروتي قوله إن «القطاع السياحي يُناضل وحيداً وما زال يضخ الأموال إلى البلد»، مشيرا إلى أن «المطاعم تستعيد عافيتها، على عكس الفنادق».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جرحى باشتباكات بين المتظاهرين والقوى الأمنية في بيروت

جرحى باشتباكات بين المتظاهرين والقوى الأمنية في بيروت

وقعت اشتباكات في محيط السراي الحكومي بالعاصمة اللبنانية بيروت، اليوم الثلاثاء، بين المتظاهرين والقوى الأمنية وأسفرت عن سقوط جرحى. وشهدت ساحة رياض الصلح في بيروت اعتصامات نفّذها عدد من اللجان النقابية للمطالبة بتصحيح الأوضاع المالية، وذلك بالتزامن مع انعقاد جلسة لحكومة تصريف الأعمال.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لبنان يرحب بالبيان السوري - السعودي ويثمّن رغبة البلدين في عودة النازحين لوطنهم

لبنان يرحب بالبيان السوري - السعودي ويثمّن رغبة البلدين في عودة النازحين لوطنهم

رحبت وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية، في بيان اليوم (الجمعة)، بالبيان السعودي - السوري المشترك في ختام لقاء وزيري خارجية البلدين في جدة. ووفق وكالة الأنباء الألمانية، ثمّنت الوزارة في بيانها «رغبة المملكة العربية السعودية والجمهورية العربية السورية في العمل على تهيئة الظروف المناسبة والمساعدة على تحقيق عودة آمنة وكريمة للنازحين السوريين إلى وطنهم»، معلنة عن «استعدادها للتعاون من أجل إنهاء معاناة النازحين في لبنان». وأشارت إلى أن لبنان يدعم «ويشجع المساعي والجهود العربية الحميدة كافة للوصول إلى حل عربي للأزمة السورية في إطار حل سياسي يحفظ وحدة الأراضي السورية وسيادتها واستقرارها»، مضيفةً أن

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الغموض يلف دوافع جريمة في السويداء ضحاياها محامٍ ووالدته وشقيقته

مستشفى السويداء الوطني (أرشيفية)
مستشفى السويداء الوطني (أرشيفية)
TT

الغموض يلف دوافع جريمة في السويداء ضحاياها محامٍ ووالدته وشقيقته

مستشفى السويداء الوطني (أرشيفية)
مستشفى السويداء الوطني (أرشيفية)

يلفّ الغموض دوافع وهوية مرتكبي جريمة قتل، راح ضحيتها محامٍ ووالدته وشقيقته، في منزلهم بمدينة السويداء، جنوب سوريا، إحدى المناطق التي يسيطر عليها شيخ العقل حكمت الهجري وما يعرف بـ«الحرس الوطني» التابع له.

وبينما ذكرت مصادر رسمية في المحافظة، أن هناك شبهات تتعلق بعناصر ومجموعات كانت تنضوي سابقاً تحت ما يُعرف بـ«عصابة راجي فلحوط الإرهابية»، تحدثت مصادر محلية في المدينة عن أن المحامي «من المقتدرين مالياً، وليس له نشاط سياسي»، في حين كشفت مصادر أخرى أنه «لم يكن على توافق مع الهجري».

وأفادت منصات إخبارية، تعني بأخبار السويداء ذات الأغلبية السكانية الدرزية، الاثنين، بالعثور على جثث كل من المحامي زاهر محمود ثابت، وشقيقته لينا محمود ثابت، ووالدتهما رضى أبو شبلي، داخل منزلهم في حي الإطفائية في مدينة السويداء.

ونقلت المنصات، عن مصادر محلية، أن «الجثث وُجدت داخل الشقة وعليها آثار قتل بأدوات حادة، فيما تحدثت بعض الروايات عن آثار تعذيب ونحر»، مشيرة إلى أنه «لم تُعرف بعد دوافع الجريمة أو هوية الجناة».

المحامي زاهر محمود ثابت وجد مقتولاً مع والدته وشقيقته في منزله بالسويداء (أرشيفية)

نفّذت الجريمة وسط حالة من الفوضى الأمنية تسود المناطق الخاضعة لنفوذ الهجري و«الحرس الوطني»، منذ سيطرتهم عليها عقب اشتباكات وقعت في يوليو (تموز) 2025 بين الدروز وعشائر تسكن المنطقة، وتدخلت فيها القوات الحكومية، وأدّت إلى اندلاع أعمال عنف.

من جانبها، أصدرت «مديرية إعلام السويداء» التابعة لمحافظة السويداء بياناً أدانت فيه بأشد العبارات الجريمة البشعة التي أودت بحياة المحامي ووالدته وشقيقته، وما تلاها من حادثة قتل بحق مدنيين أبرياء.

وذكرت أنه بحسب المعطيات الأولية، تظهر على جثامين الضحايا آثار تعذيب وتنكيل باستخدام أدوات حادة، في جريمة تشكل انتهاكاً صارخاً للقيم الإنسانية والقانونية، وتستوجب محاسبة جميع المتورطين فيها.

وتشير المعلومات إلى «وجود شبهات تتعلق بعناصر ومجموعات كانت تنضوي سابقاً تحت ما يُعرف بعصابة راجي فلحوط الإرهابية»، لافتة إلى أن المحامي المغدور تعرض لـ«حادثة اختطاف عام 2021 على يد عصابات السويداء، حيث تم دفع فدية مالية لفكّ اختطافه. علماً بأنه يعرف عن المغدور، بشهادات أهلية عديدة، سيرته الحسنة وأياديه الممدودة لمساعدة الآخرين».

يذكر أن راجي فلحوط أسّس ما يُعرف بـ«حركة قوات الفجر» خلال سنوات الحرب السورية، وكانت من أبرز المجموعات التابعة لجهاز الأمن العسكري في السويداء والجنوب السوري خلال عهد النظام السابق، ويتهمها أبناء السويداء بعمليات قتل وخطف وتجارة مخدرات لصالح نظام الأسد والميليشيات الإيرانية. وقد تمكنت «حركة رجال الكرامة» وفصائل محلية أخرى، منتصف عام 2022، من السيطرة على مقراتها والقضاء على عدد كبير من مسلحيها، فيما لم يعرف مصير زعيمها.

مقتل إياد صابر مقلد برصاص أمام منزله في مدينة السويداء الإثنين (السويداء 24)

وفي بيانها، لفتت «مديرية إعلام السويداء»، إلى أن تزايد الجرائم والانتهاكات وأعمال العنف في محافظة السويداء، خصوصاً في ظل الفراغ الأمني القائم في مناطق تخضع لسيطرة «مجموعات خارجة عن القانون»، تمارس التضييق على المدنيين، وتقيّد حرياتهم في الرأي والتعبير والعمل والتنقل تحت تهديد السلاح، يتطلب وقفة جادة من المجتمع المحلي للعودة إلى ضرورة تطبيق القانون وإيجاد التفاهم الحقيقي بعودة الدولة الضامنة لحقوق أفرادها.

وأوضحت المديرية، أن هذا الواقع لم يعد يقتصر على القضايا الجنائية والتهديدات الأمنية، بل يمتد إلى تقويض الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين، الأمر الذي يفرض تضافر الجهود المجتمعية والقانونية لحماية المدنيين وصون كرامتهم.


احتضان دبلوماسي وعسكري للبنان في اجتماعات باريس الخميس

الرئيس اللبناني جوزيف عون (وسط) خلال الجولة التي قام بها في 12 سبتمبر بالجنوب اللبناني (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (وسط) خلال الجولة التي قام بها في 12 سبتمبر بالجنوب اللبناني (الرئاسة اللبنانية)
TT

احتضان دبلوماسي وعسكري للبنان في اجتماعات باريس الخميس

الرئيس اللبناني جوزيف عون (وسط) خلال الجولة التي قام بها في 12 سبتمبر بالجنوب اللبناني (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (وسط) خلال الجولة التي قام بها في 12 سبتمبر بالجنوب اللبناني (الرئاسة اللبنانية)

رداً على من يروّجون لغياب أي تأثير لفرنسا في الملف اللبناني، تنظر باريس إلى الاجتماع الدولي الخاص بدعم الجيش اللبناني والقوات الأمنية على أنه الدليل على قدرتها على العمل من أجل مساعدة لبنان. وجديد الاجتماع أنه وضع في إطار ما يسمى «مسار العقبة»، الذي أطلقه الأردن قبل عشر سنوات، والذي يركز أساساً على تحديات الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، من خلال حوارات لخبراء من المستوى الرفيع.

ووفق «الإليزيه»، فإن العاهل الأردني هو الجهة التي اقترحت التئام دورته الراهنة في باريس، وأن تُخصَّص للملف اللبناني، وأن الرئيس اللبناني جوزيف عون وافق على ذلك. ووفق «الإليزيه» أيضاً، فإن المناقشات تتركز على المسائل «العملياتية» والمهمات التي ستقع على عاتق الجيش اللبناني، لضمان أن تمارس الدولة سلطتها على كل الأراضي اللبنانية وبداية في الجنوب. لذا فإن البحث سيتناول النظر في حاجات الجيش اللبناني التي سيتاح له عرضها من الناحيتين المالية والقدراتية، بحيث يتمكن من القيام بالمهام المسندة إليه، لا بل أيضاً مواكبته في مهامّه. وتريد باريس أن يفهم الجميع أنه لا أحد سيمكنه الحلول محل الجيش اللبناني، مشيرة بذلك إلى مهمة حصرية السلاح التي تريد الدولة القيام بها منوطة بالجيش اللبناني، وهي ترى أنه يمكن أن يكون قادراً على القيام بها.

الرئيس جوزيف عون في النبطية بجنوب لبنان يوم 12 سبتمبر (أ.ب)

وقبل انطلاق الاجتماع «التقني»؛ أي العسكري، سيكون للرئيس ماكرون اجتماعان ثنائيان في قصر الإليزيه صباحاً مع الرئيس جوزيف عون بدايةً، ثم مع العاهل الأردني عبد الله الثاني، ثم سيحصل اجتماع ثلاثي. ومن المقرر أن يلقي كل من القادة الثلاثة كلمة افتتاحية في الاجتماع. وأفاد قصر الإليزيه بأن قيادة الجيش اللبناني ورئاسة أركان القوات الفرنسية والأردنية والبريطانية ستكون حاضرة، وأن التمثيل الأميركي العسكري سيكون مرتفعاً.

وأشارت صحيفة «لو موند»، في عددها الصادر الثلاثاء، أن الجنرال جوزيف كليرفيلد سيمثل الجيش الأميركي، وأن السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى سيحضر أيضاً الاجتماع، إلى جانب مستشارين لوزير الخارجية ماركو روبيو. وبالنسبة للتمثيل السعودي، فقد أفاد «الإليزيه» بأنه سيكون عسكرياً وسياسياً، وأن المبعوث السعودي إلى لبنان الأمير يزيد بن فرحان سيكون حاضراً، مؤكداً أن باريس تعمل «بشكل وثيق» مع السعودية في الملف اللبناني.

ولم تكشف مصادر «الإليزيه» عن هويات الأطراف الأخرى المشارِكة ومستويات التمثيل العسكرية، إلا أن «الشرق الأوسط» علمت من مصادر دبلوماسية أن هناك 17 دولة وهيئة ستشارك في الاجتماع؛ ومن بينها بعثة أوروبية، وأخرى أممية، باعتبار أن ملف ما بعد «يونيفيل» سيكون مطروحاً.

حقيقة الأمر أن باريس لا تريد رفع سقف التوقعات، لذا فإن مصادر «الإليزيه» أشارت إلى أن الاجتماع «ليس لعرض أرقام الالتزامات المالية أو للائحة المقتنيات الواجب الحصول عليها». إلا أنها، بالمقابل، تضع الاجتماع ذا الطابع العسكري في إطار أوسع هو ترميم السيادة اللبنانية والتوصل إلى استقرار الأوضاع وقلب صفحة الأزمات، الأمر الذي يمر، وفق ما قالته، بالسير بمجموعة من الإصلاحات، بما فيها المالية وتوافق لبناني حول الإصلاحات والانتخابات والتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وكلها مطالب قديمة طلبت الأسرة الدولية من اللبنانيين القيام بها. بيد أن باريس تعي صعوبة الوضع الميداني في الجنوب بسبب الاحتلال الإسرائيلي لمساحات واسعة من أراضيه، وما يقوم به الجيش الإسرائيلي من ضرب البنى التحتية والتهجير، وكلها تُفاقم الصعوبات اللبنانية. وتعي باريس أيضاً أن علاقاتها المتوترة مع إسرائيل لا تسهل مهمة البحث في مرحلةِ ما بعد نهاية انتداب «يونيفيل».

ومع ذلك فإن باريس تُراهن على عنصرين؛ الأول العمل الذي تقوم به مع إيطاليا لملء الفراغ المترتب على رحيل «يونيفيل» الحالية. وإيطاليا توفر أكبر عدد حالياً لـ«يونيفيل». والثاني الالتزام الأوروبي بمساعدة لبنان من خلال آلياته المعتمَدة للمساعدات الخارجية. إلا أن الرفض المزدوج أميركياً وإسرائيلياً لـ«يونيفيل 2»، يُصعب مهمة باريس وروما، لذا فإن الرهان على الاجتماعات التي ستستضيفها الأمم المتحدة، خلال الشهر الحالي، التي يمكن أن تسهم في توضيح الصورة.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته قاعدة عسكرية في مدينة أورانج بجنوب فرنسا الثلاثاء (أ.ف.ب)

وليس سراً أن باريس تريد انتداباً دولياً يحدد مهمة القوة المطلوب منها ملء الفراغ الأمني ومساعدة الجيش اللبناني، الأمر الذي مِن شأنه تشجيع الدول الراغبة في الانخراط في هذه العملية. وفي أي حال، فإن الهدف الأعلى الذي تسعى إليه باريس يقوم على شقين: مساعدة لبنان على ترميم سيادته وسلطته، ما يستدعي نزع سلاح «حزب الله»، وهو الطلب المنصوص عليه في القرار 1701 وفي قرارات دولية أخرى. والثاني طمأنة إسرائيل لتوافر أمنها انطلاقاً من الخط الأزرق. وتعدّ فرنسا أن رئاستها مجلس الأمن الدولي، للشهر الحالي، يمكن أن تكون عاملاً مساعداً لإيجاد مَخرج للقوة البديلة في الجنوب اللبناني.

هل سيغيّر اجتماع باريس شيئاً في الوضع اللبناني؟ السؤال يمكن أن يطرح إذ إن الاجتماعات التي خُصصت لدعم الجيش اللبناني كانت كثيرة وتنقلت، في السنوات الأخيرة، بين باريس وروما، لكن المراد من اجتماع الخميس أن يكون مختلفاً عما سبقه بحيث يتناول الأمور العملية الواجب التعامل معها وفق قراءة مشتركة واضحة: من جهة، رصد لحاجات الجيش اللبناني وتحديد مهماته. ومن الجهة الثانية، الدور العربي الدولي في كيفية الاستجابة لهذه الحاجات وتلبيتها لتمكينه من القيام بدوره وليس الحلول مكانه.


إسرائيل تغتال قائد كتيبة في «القسام» بغزة

فلسطينيون يشيعون القيادي في كتائب «القسام» أحمد البطش بعد مقتله في غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارته في مدينة غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)
فلسطينيون يشيعون القيادي في كتائب «القسام» أحمد البطش بعد مقتله في غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارته في مدينة غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تغتال قائد كتيبة في «القسام» بغزة

فلسطينيون يشيعون القيادي في كتائب «القسام» أحمد البطش بعد مقتله في غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارته في مدينة غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)
فلسطينيون يشيعون القيادي في كتائب «القسام» أحمد البطش بعد مقتله في غارة جوية إسرائيلية استهدفت سيارته في مدينة غزة الثلاثاء (أ.ف.ب)

واصلت إسرائيل تنفيذ عمليات الاغتيال في قطاع غزة، والتي تطال نشطاء بارزين في الفصائل الفلسطينية، وخاصةً «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس».

ووقعت أحداث محاولات الاغتيال، ظهر الثلاثاء، باستهداف ناشطَين من «حماس» كانا يسيران بالقرب من مفترق الصناعة جنوب غربي مدينة غزة، ما أدى لإصابتهما بجروح، بعدما تمكنا من الابتعاد عن مكان استهدافهما بصاروخ واحد من طائرة مسيرة، بينما أصيب 7 من المارة بجروح متفاوتة ونقلوا إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج.

وبعد أيام من اغتيال محمد اليازوري، قائد لواء خان يونس جنوبي قطاع غزة، قتلت طائرة مسيرة إسرائيلية، قبيل منتصف ليل الاثنين - الثلاثاء، أحمد البطش، قائد كتيبة جباليا البلد، في لواء الشمال، التابع لـ«كتائب القسام»، وذلك إثر استهداف مركبة كان يقودها بحي الصفطاوي شمال غزة.

وقال مصدر ميداني من «حماس» إن «هناك بدائل موجودة للقيادات العسكرية التي تتعرض للاغتيال، وفق آلية (مرنة) كما كان الحال بعد الاغتيالات التي طالت القيادات التاريخية».

وتزامن اغتيال البطش مع غارة أخرى استهدفت مجموعة من الشبان في حي تل الهوى جنوب غربي مدينة غزة، ما أدى لإصابة بعضهم، قبل أن يعلن، صباح الثلاثاء، عن مقتل الناشط في «كتائب القسام»، يوسف الزعيم.

كما نفذت طائرة مسيرة إسرائيلية غارة على سطح مبنى وشقة سكنية، بجوار مجمع الشفاء الطبي بمدينة غزة، ما أدى لمقتل محمد عجور، وهو قائد سرية في «وحدة التصنيع العسكري» بـ«كتائب القسام».

وأكد بيان للجيش الإسرائيلي أن عجور ناشط في وحدة التصنيع العسكري، زاعماً أنه عمل مؤخراً على «دفع مخططات لاستهداف قواته، ولإعادة بناء قدرات (حماس)».

وسبق ذلك اغتيال رأفت أبو الزمر إثر قصف خيمة من قبل طائرة مسيرة إسرائيلية في مواصي خان يونس جنوب القطاع.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر ميداني آخر أنه أبو الزمر كان قائد سرية في قسم التدريبات العسكرية بـ«القسام»، وهو من الناشطين الميدانيين البارزين في «لواء رفح»، وكان على علاقة مباشرة مع مؤمن أبو لبدة الذي اغتيل ليلة الخميس - الجمعة بعد قصف مركبته في مدينة حمد.

وفي بيان له، قال الجيش الإسرائيلي إن «أبو الزمر قائد سرية في هيئة العمليات، وقاد تدريبات لعناصر في (حماس) قبل هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وواصل خلال الفترة الأخيرة تدريبه لعناصر أخرى، وتطوير القدرات القتالية للحركة»، على حد بيانه.

كما أصيب، ظهر الاثنين، ناشط في «القسام» إثر غارة استهدفته في خيمة بمخيم للنازحين وسط مدينة غزة، وأصيب عدد آخر من المواطنين في الهجوم.