خامنئي يظهر بعد فترة غياب واحتدام النقاش بشأن خلافته

أنباء عن رفض نجله بين مراجع قم... رئيسي يحافظ على حظوظه... وميول «إصلاحية» لحفيد الخميني

خامنئي لدى حضوره مراسم دينية صباح السبت (رويترز)
خامنئي لدى حضوره مراسم دينية صباح السبت (رويترز)
TT

خامنئي يظهر بعد فترة غياب واحتدام النقاش بشأن خلافته

خامنئي لدى حضوره مراسم دينية صباح السبت (رويترز)
خامنئي لدى حضوره مراسم دينية صباح السبت (رويترز)

وسط احتدام النقاش بشأن هوية المرشد الإيراني الثالث، وضع المرشد الحالي علي خامنئي، حداً لغياب دام أكثر من أسبوع، وشارك أمس في احتفال ديني، حضره أنصاره من طلاب الجامعات الإيرانية.
ونشر الموقع الرسمي لخامنئي صوراً من حضوره خلال المراسم التي حضرها حشد من طلاب الجامعات الإيرانية في حسينية الخميني التابعة لمكتب خامنئي. وأظهر التلفزيون الحكومي، خامنئي (83 عاماً) واقفاً، وهو يتحدث بصوت ثابت للحاضرين الذين افترشوا الأرض عن أهمية ذكرى الأربعين.
وهي مراسم تقام في مراسم إحياء أربعينية الإمام الحسين. واستغرقت كلمة خامنئي في المراسم سبع دقائق، حسب التسجيل الصوتي الذي نشره موقعه.
وقالت صحيفة «نيويورك تايمز»، الجمعة، نقلاً عن أربعة أشخاص مطلعين على الوضع الصحي لخامنئي، إن الزعيم الأعلى ألغى جميع الاجتماعات والمظاهر العامة الأسبوع الماضي، بعد تعرضه لوعكة صحية شديدة، مضيفة أنه طريح الفراش في الوقت الراهن ويخضع لمراقبة الأطباء.
وانتقد مقربون من مكتب خامنئي تقرير الصحيفة الأميركية. واحتج مستشار الفريق المفاوض النووي، محمد مرندي، علی تقریر الصحيفة، معتبراً ما نقتله عن مصادر إيرانية أنه «يفتقد للمصداقية». ويترأس والد مرندي الفريق الطبي الخاص بالمرشد الإيراني منذ سنوات.
في السياق نفسه، قالت «رويترز»، إن مصدرين وصفتهما بالمقربين من خامنئي، نفيا الجمعة تدهور حالته الصحية، رداً على أسئلة بشأن وضعه الصحي.
أتى ظهور خامنئي، صاحب كلمة الفصل في النظام، بعدما انشغل الإيرانيون على مدار الأسابيع الأخيرة بتقارير وتكهنات عن حالته الصحية، وسط ترقب بشأن مستقبل المحادثات المتعثرة بشأن إحياء الاتفاق النووي، ومخاوف من تفاقم الأزمة الاقتصادية والاستياء الشعبي من تدهور الوضع المعيشي.
ويعود آخر ظهور علني لخامنئي إلى 3 سبتمبر (أيلول) الحالي، حيث التقى المشاركين في مؤتمر ديني دولي نظمته السلطات الإيرانية.


المرشد الإيراني خلال مؤتمر الثالث من سبتمبر الذي غاب بعده أسبوعين عن الأنظار (موقع خامنئي)
وتداولت الوكالات الرسمية الإيرانية، الأسبوع الماضي، تقارير عن لقائه بحشد من الرياضيين، دون أن ينشر موقعه الرسمي أي صورة أو خبر من اللقاء.
وفي حدث نادر، لم يستقبل خامنئي أعضاء مجلس خبراء القيادة نهاية الأسبوع الماضي، وهو اجتماع ينعقد كل ستة أشهر بعد نهاية اجتماعات تمتد لـ48 ساعة بين رجال الدين المتنفذين في السلطة.
ومن بين مهام المجلس الذي يتكون من 88 رجل دين منخرطين في الأنشطة السياسية والدينية، تسمية خليفة للمرشد الإيراني في حال وفاته، أو تعذر ممارسة مهامه، بالإضافة إلى تقييم الأداء، وهي أدوار معطلة إلى حد بعيد، وفق كثير من المحللين. وكان لافتاً دفاع رئيس مجلس خبراء القيادة أحمد جنتي، (95 عاماً) عن أداء خامنئي على مدى ثلاثة عقود، معتبراً أن «ولاية الفقيه أنقذت البلاد من الأحداث والأزمات الكبيرة».
شغل خامنئي منصب المرشد الإيراني، بعد وفاة المرشد المؤسس (الخميني) في 1989، وكان خامئني حينذاك يشغل منصب الرئيس الإيراني. ولعب الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي كان رئيساً للبرلمان، دوراً رئيساً في ترشيح خامنئي للمنصب.

توريث خامنئي
تسبب غياب اللقاء التقليدي بين خامنئي ومجلس خبراء القيادة في دفعةٍ من السجال الدائر حول احتمال توريث أحد أبناء المرشد الحالي، تحديداً نجله الأوسط، مجتبى خامنئي (53 عاماً) الشخصية الغامضة التي تمسك بزمام الأمور في مكتب والده.
في 8 من أغسطس (آب) الماضي، حذر الزعيم الإصلاحي الإيراني مير حسين موسوي، الخاضع للإقامة الجبرية منذ فبراير (شباط) 2011، من «مؤامرة توريث» منصب المرشد.
وأشار موسوي في مدونة نشرها موقعه الرسمي إلى ما تقوله بعض الأوساط عن إمكانية تولي «أبناء قائد الشيعة بعد وفاته». وكان موسوي يشير إلى تركيز المواقع المؤيدة لخامنئي في الآونة الأخيرة على نشر الروايات حول نقل الإمامة من الآباء للأبناء لدى الشيعة الاثني عشرية.
بعد نحو ثلاثة أسابيع، أخذ تحذير موسوي منحاً جدياً، بعدما استخدم موقع حوزة قم العملية، لقب «آية الله» لأول مرة في تسمية مجتبى خامنئي. وتسمية «آية الله» لقب ديني يطلق على رجال الدين من المرتبة الأولى حسب التسلسل الهرمي في إيران، وهو ما اعتبر مؤشراً إلى احتمال توريثه منصب المرشد.
وكان استخدام التسمية بمناسبة إعلان عن فتح أبواب التسجيل أمام الطلبة الراغبين بحضور دروس مجتبى خامنئي لـ«فقه الخارج»، أي المرحلة الأخيرة في النظام الحوزي للحصول على مرتبة «الاجتهاد».

عرقلة من المراجع
في أعقاب إلغاء اجتماع خامنئي ومجلس خبراء القيادة، جرى تداول منشورات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، حول «عدم اكتمال نصاب» اجتماع مجلس خبراء القيادة إثر غياب 30 من أعضاء المجلس.
وحسب إحدى الروايات، فإن نجل خامنئي التقى عدداً من كبار المراجع في حوزة قم العلمية، بما في ذلك مكارم شيرازي. وتفيد المصادر بأن المراجع «شددوا على ضرورة تحول ولاية الفقيه إلى شورى القيادة، وإبعادها عن الحالة الفردية (ولاية الفقيه المطلقة)، وهو ما تسبب في صدمة كبيرة».
وأعادت هذه الرواية، اعتقال أحد المقربين من المرجع مكارم شيرازي، بتهمة «الفساد وتلقي رشوة» خلال الأسبوع الماضي، إلى «ضغوط» ضده إثر موقفه من نجل خامنئي. وقالت إن المرجع الديني «أحبط الضغوط والدعاية ضده عندما دحض أي ارتباط عائلي بينه وبين الشخص الموقوف بتهمة الفساد».
وتقول المصادر إن «جهود المراجع ومشاورات بعض أعضاء مجلس خبراء القيادة أدتا إلى مقاطعة 30 عضواً، وعرقلة الاجتماع الذي يعقد كل ستة أشهر». وقالت أيضاً إن «رسالة الدعوة لحضور الاجتماع كانت تشير إلى إعلان نتائج لجنة التحقيق التي تحمل على عاتقها انتخابات المرشح التالي لولاية الفقيه». وأضافت أن «هذا الحدث كشف عن خلاف كبير في معسكرهم».
ولم يعلق مكتب خامنئي على تحذير مير حسين موسوي، لكن وسائل الإعلام التابعة لـ«الحرس الثوري» هاجمته بشدة بسبب انتقاداته للتدخل الإيراني في الحرب الداخلية السورية، دون التطرق لقضية التوريث.
وليس من الواضح مدى جدية اهتمام بيت المرشد الإيراني بقضية التوريث، لكن من المرجح أن تلاقي الفكرة ترحيباً لدى صقور المحافظين، وكبار جنرالات «الحرس الثوري» الذين عملوا عن كثب مع نجل خامنئي.


مجتبى خامنئي وقاسم سليماني (فارس)

رجل الظل
سلطت الأضواء على دور مجتبى في مكتب والده في الانتخابات الرئاسية لعام 2005، عندما وجه الزعيم الإصلاحي مهدي كروبي، رسالة إلى خامنئي يحذر فيها من تدخل مجتبى خامنئي في الانتخابات لصالح أحد المرشحين، في إشارة إلى محمود أحمدي نجاد في تلك الانتخابات.
وفي انتخابات 2009، طرح اسم مجتبى خامنئي على نطاق أوسع، وهذه المرة واجه اتهامات بقمع المحتجين والتدخل في الانتخابات، وردد المشاركون في احتجاجات الحركة الخضراء هتافات حادة ضده.
وفي ديسمبر (كانون الأول) 2018، وجه كروبي رسالة حادة إلى خامنئي، مطالباً إياه بتحمل مسؤولية أعماله على مدى 30 عاماً، وقال فيها «طلبت أن تمنع نجلك، ولم تمنعه، ورأيت ماذا فعل في 2009 بدعمه للتيار الانقلابي، وماذا فعل بالنظام والثورة».
وفي 2012 يناير (كانون الثاني)، وجه الناشط الإصلاحي مجتبى تاج زاده، تهماً مباشرة إلى مجتبى خامنئي، مباشرة، بالوقوف وراء اعتقاله واعتقال وزوجته، وأطلق سراحه في 2016، وأعادت السلطات اعتقال تاج زاده الذي شغل منصباً أمنياً رفيعاً في حكومة محمد خاتمي، في يوليو (تموز) الماضي بتهمة التجمع والتآمر ضد الأمن القومي والدعاية ضد النظام.
درس مجتبی خامنئي في مدرسة «علوي» بمدينة قم، وهي المدرسة التي تخرج غالبية رجال الحكم في إيران من بينهم الرئيس الحالي. وهو صهر غلام علي حداد عادل، المستشار الثقافي للمرشد الإيراني.
في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على نجل خامنئي، ضمن تسعة مسؤولين من الحلقة الضيقة حول خامنئي، وشملت نجله مجتبى، بالإضافة إلى الرئيس الحالي.

نقاط تشابه
من الواضح أن فكرة التوريث خطفت اهتمام المتابعين لقضية خلافة المرشد والتكهنات عن المرشحين المحتملين لخلافته، وذلك بعدما ارتفعت حظوظ إبراهيم رئيسي لتولي منصب المرشد الثالث.
وفاز رئيسي في الانتخابات الرئاسية، العام الماضي، دون أن يزاحمه منافس حقيقي، إثر إبعاد وجوه التيار الإصلاحي من السباق. وكان منصب الرئاسة ثاني منصب يتولاه رئيسي خلال خمس سنوات بعد توليه رئاسة القضاء بمرسوم صادر من خامنئي.
وفي الواقع، دخل رئيسي قائمة المرشحين المحتملين بعدما اختاره خامنئي في نهاية 2015، رئيساً لهيئة «آستان رضوي»، التي تشرف على إدارة مرقد الإمام الثامن لدى الشيعة في مدينة مشهد التي يتحدر منها كل من خامنئي ورئيسي. وتملك الهيئة التابعة لمكتب خامنئي مجموعة من الشركات الثرية النشطة في الاقتصاد الإيراني.
وبدأت وسائل إعلام «الحرس الثوري» في استخدام لقب «آية الله» لرئيسي، كما جمع لقاء نادر في أبريل (نيسان) 2016 بين قائدي «الحرس الثوري» حينذاك محمد علي جعفري، وقاسم سليماني، وقدم القائدان تقريراً إلى رئيسي عن أنشطة «الحرس» داخلياً وإقليمياً. وفسرت الخطوة بأنها «بيعة من قادة الحرس لمرشح صاعد يتدرب على أدبيات المرشد الإيراني».
وفي الذكرى الأولى لانتخاب رئيسي، دافع خامنئي الشهر الماضي بشدة عن أداء الحكومة ضد الانتقادات الموجهة لها بتفاقم التدهور الاقتصادي وإطالة المحادثات الرامية لاستعادة الاتفاق النووي.
ويتوقع أن يتوجه رئيسي، الأسبوع المقبل، إلى نيويورك، للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. ويحاول رئيسي إعادة التذكير بخطاب خامنئي عندما كان رئيساً للبلاد في 22 سبتمبر 1987، في ذروة «حرب الناقلات» بين إيران والولايات المتحدة في الخليج.
وقال معتقلون سابقون في إيران، هذا الأسبوع، إنهم بصدد تحريك دعوى في محاكم نيويورك ضد رئيسي لدوره السابق في الجهاز القضائي الإيراني. وجاء الإعلان بعد دعوات ومناشدات للإدارة الأميركية بعدم منح رئيسي تأشيرة السفر للولايات المتحدة لدوره في «لجنة الموت» المسؤولة عن تنفيذ إعدامات 1988، بناءً على فتوى المرشد الأول (الخميني).
ورغم نقاط التشابه بين رئيسي وخامنئي قبل توليه المنصب، إلا أن بعض المحللين يعتقدون أن أداء رئيسي الحالي يمكن أن يؤدي إلى تراجع حظوظه في الوصول إلى أعلى منصب في البلاد.

شبح الإصلاحي
يهدد شبح المرشح المدعوم من التيار الإصلاحي التطلعات الحالية لتولي أحد المقربين من خامنئي، إذ يعد حفيد المرشد الإيراني الأول، حسن خميني، الذي تربطه علاقات وثيقة بصقور المعسكر الإصلاحي، مرشحاً ثالثاً لتولي المنصب.


حسن خميني وحسن روحاني في ذكرى رفسنجاني في 2019 (غيتي)
إضافة إلى المعسكر الإصلاحي، يحظى حسن خميني، بتأييد الأوساط الدينية المقربة من مؤسسة جده، خصوصاً المراجع الذين يتحفظون على أسلوب حكم خامنئي.
وحاول حسن خميني، تعزيز دوره في الأوساط الدينية عبر الترشح لانتخابات مجلس خبراء القيادة التي جرت في فبراير (شباط) 2016، لكنه استبعد من الانتخاب بدعوى عدم اكتمال أوراقه. وسعى خميني ثانية لشغل منصب سياسي من بوابة الانتخابات الرئاسية لعام 2021، لكن خامنئي أوصاه بأن ترشحه للانتخابات «لن يكون في مصلحة النظام».
ويعول أنصار نهج الخميني، بما في ذلك أنصار العودة إلى «شورى القيادة»، والتيار الإصلاحي، على ترشيح حسن خميني. ويعد الرئيس الأسبق محمد خاتمي، والرئيس السابق حسن روحاني، ونائبه إسحاق جهانغيري، أبرز وجوه هذا التوجه.
وخلال الأيام الأخيرة، زاد روحاني وجهانغيري من تحركاتهما السياسية. وبادر روحاني الشهر الماضي لتهنئة خلفه رئيسي على نهاية العام الأول من رئاسته. وذكرت صحيفة «جام جم» التابعة لهيئة التلفزيون الرسمي، أن تيار روحاني «يمهد الطريق للعودة إلى الساحة السياسية عبر التركيز على الانتخابات البرلمانية» المتوقع إجراؤها في فبراير 2023، وقالت الصحيفة، «يحاول أن يقوم بدور القادة لتيار الإصلاحيات، وطرح نفسه بديلاً لهاشمي رفسنجاني».


مقالات ذات صلة

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

المشرق العربي اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

في اليوم الثاني لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا، التقى وفداً من الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق، بحضور وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان. وأكد رئيسي، خلال اللقاء الذي عقد في القصر الرئاسي السوري أمس (الخميس)، أن بلاده «تعتبر دائماً القضية الفلسطينية أولوية في سياستها الخارجية». وأكد أن «المقاومة هي السبيل الوحيد لتقدم العالم الإسلامي ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي»، وأن «المبادرة، اليوم، في أيدي المجاهدين والمقاتلين الفلسطينيين في ساحة المواجهة».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

نددت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع علم بنما في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس التابع للبحرية الأميركية وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم الخارجية الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

قالت منظمات غير حكومية إن فرنسا احتجزت العديد من الإيرانيين في مراكز اعتقال في الأسابيع الأخيرة، معتبرة ذلك إشارة إلى أنّ الحكومة «تصر على رغبتها في ترحيلهم إلى إيران» رغم نفي وزير الداخلية جيرالد دارمانان. وكتبت منظمات العفو الدولية، و«لا سيماد»، و«إيرانيان جاستس كوليكتيف» في بيان الأربعاء: «تواصل الحكومة إبلاغ قرارات الترحيل إلى إيران مهددة حياة هؤلاء الأشخاص وكذلك حياة عائلاتهم». واعتبرت المنظمات أن «فرنسا تصرّ على رغبتها في الترحيل إلى إيران»، حيث تشن السلطات قمعاً دامياً يستهدف حركة الاحتجاج التي اندلعت إثر وفاة الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني في سبتمبر (أيلول)، أثناء احتجازها لدى شرط

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قال مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري»، إسماعيل قاآني، إن قواته انتقمت جزئيا من القوات الأميركية بطردها من المنطقة، مضيفا في الوقت نفسه «القدس ليست الهدف النهائي وإنما هدف وسط»، مشددا على ضرورة أن تجد إيران موقعها في انتقال القوة من الغرب إلى الشرق. ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن قاآني قوله خلال اجتماع الجمعية العامة لطلاب الحوزات العلمية في قم إن «أميركا وإسرائيل وحتى الناتو و... تقوم بالتعبئة لتخريب إيران». وقال قاآني «مثلما قال المرشد فإن إيران من المؤكد لن تبقى بعد 25 عاماً، وهم (الإسرائيليون) يستعجلون ذلك».

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)

محمد باقر ذو القدر… رجل الشبكات الصلبة في قلب «الحرس الثوري»

ذو القدر يتحدث في مقابلة صحافية مع وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» ديسمبر 2020
ذو القدر يتحدث في مقابلة صحافية مع وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» ديسمبر 2020
TT

محمد باقر ذو القدر… رجل الشبكات الصلبة في قلب «الحرس الثوري»

ذو القدر يتحدث في مقابلة صحافية مع وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» ديسمبر 2020
ذو القدر يتحدث في مقابلة صحافية مع وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» ديسمبر 2020

لم يكن محمد باقر ذو القدر اسماً طارئاً حين تولى أمانة مجلس الأمن القومي. فبعد أسبوع من مقتل علي لاريجاني، وفي ظل حرب استنزفت قسماً من الصف القيادي الأول، وقع الاختيار على شخصية خرجت من إحدى أهم حلقات الدولة العميقة التي صاغت مفاصل الحكم الصلبة في «الجمهورية الإسلامية».

وأفاد مهدي طباطبائي، نائب الرئيس الإيراني لشؤون الاتصالات، الثلاثاء، بتعيين الجنرال ذو القدر خلفاً للاريجاني. وكتب على منصة «إكس» أن المرشد الجديد مجتبى خامنئي وافق على التعيين.

ويتولى المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يرأسه رسمياً الرئيس المنتخب مسعود بزشكيان، تنسيق الشؤون الأمنية والسياسة الخارجية، ويضم كبار المسؤولين في الجيش والمخابرات والحكومة، إضافةً إلى ممثلين عن المرشد الذي يملك الكلمة الفصل في شؤون الدولة.

وبدا التعيين ترجمة مباشرةً لأولويات الدولة في زمن الخطر. ومن المتوقع أن يصدر المرشد الجديد مرسوماً ثانياً بتسمية ذو القدر ممثلاً له في المجلس، لتمكينه من التصويت وفق الدستور.

تكمن أهمية ذو القدر في أنه لا يمثل نوع السياسيين الذين يصعدون عبر المنابر أو الانتخابات أو القدرة على مخاطبة الرأي العام. إنه من طراز آخر: رجال الشبكات التي سبقت الدولة ثم دخلتها، ورجال المؤسسة الذين راكموا النفوذ بهدوء داخل الأجهزة، لا على واجهاتها.

من هنا تبدو سيرته أقل شبهاً بمسار إداري بين مناصب متعاقبة، وأكثر شبهاً بخيط متصل بين أكثر مفاصل السلطة الإيرانية صلابة.

يكتسب صعود الجنرال ذو القدر إلى أعلى منصب أمني أهمية خاصة في هذه اللحظة. فالرجل لا يُقرأ فقط من خلال المناصب التي شغلها، بل من خلال الدور الذي أدّاه داخل بنية الحكم. خرج من الحرب بخبرة في التنظيم والعمل عبر الشبكات، وترسخ في «الحرس الثوري» داخل صلب الدولة العميقة، ثم راكم أدوات نفوذ إضافية عبر الداخلية والقضاء ومجلس تشخيص مصلحة النظام.

وعليه، يحمل تعيينه معنى يتجاوز حدود المنصب، إذ يكشف عن منطق أوسع في المؤسسة الحاكمة: في لحظات الانكماش واشتداد الضيق، يتقدم رجال البنية على أصحاب الحضور العلني والواجهة.

من «منصورون» إلى الدولة

يصعب فهم ذو القدر من دون العودة إلى البيئة السياسية التي خرج منها. فهو ينتمي إلى جيل ارتبط بحلقة «منصورون»، وهي واحدة من الشبكات المبكرة التي خرجت منها لاحقاً أسماء احتفظت بمواقع نافذة داخل «الحرس الثوري»، مثل محسن رضائي وعلي شمخاني وغلام علي رشيد والأخوين محمد وأحمد فروزنده.

والأهمية هنا لا تكمن فقط في الانتماء التنظيمي المبكر، بل في نوع التكوين الذي مثّلته هذه الحلقة: شبكة عقائدية متشددة مما قبل الثورة أعادت تموضع نفسها داخل الدولة من بوابة «الحرس».

ولم يكن صعود ذو القدر تدرجاً فردياً داخل مؤسسة قائمة، بل كان نمواً داخل شبكة من العلاقات والولاءات استقرت في قلب دولة المرشد. ومن هنا لم يظهر كعسكري مهني صرف، بل بصفته واحداً من جيلٍ جمع بين الأمن والسياسة بوصفهما مجالاً واحداً لحماية النظام. وقد منحته هذه الخلفية قدرةً نادرةً على البقاء وإعادة التموضع، فظل قريباً من المركز رغم تبدل الحكومات والوجوه والمواقع.

«رمضان» والحرب

بعد سقوط الشاه، استخدم، مثل غيره من أعضاء حلقة «منصورون»، رافعة اللجان الثورية، ثم التحق بـ«الحرس الثوري»، لكن محطته الأوضح في سنوات الحرب العراقية - الإيرانية كانت قيادة «مقر رمضان». وهذه المحطة ليست تفصيلاً عسكرياً عابراً في سيرة طويلة، بل إحدى العقد الأساسية في تكوينه السياسي والأمني.

فـ«مقر رمضان» شكَّل نواة للعمل الخارجي، وارتبط بالعمل عبر الحدود، وبالتنسيق مع جماعات كردية وشيعية عراقية معارضة لصدام حسين، وبإدارة عمليات داخل العمق العراقي، قبل أن ينبثق منه لاحقاً «فيلق القدس».

من هذا الموقع تبلورت إحدى سماته الثابتة: لم يتشكل كقائد ميداني تقليدي فقط، بل كرجل يعمل عند تقاطع العسكري والاستخباري والسياسي. ففي «رمضان» لم تكن المهمة إدارة الجبهة والحرب الكلاسيكية وحدهما، بل بناء صلات وتشغيل شبكات وتوظيف الحرب في صناعة نفوذ مستدام، وهي وظيفة ستطبع مساره لاحقاً.

ولذلك لم يكن «مقر رمضان» مجرد ساحة عمليات، بل كان نموذجاً مبكراً لطريقة اشتغال ستصبح مألوفة في النظام الإيراني: تنظيم عسكري، وعمل غير مباشر، وإدارة حلفاء وجماعات وكيلة، وتحويل الصراع إلى نفوذ. وفي هذه البيئة تكرست صورة ذو القدر كرجل ترتيب وتحكم أكثر منه رجل استعراض.

صعود في هرم «الحرس»

بعد نهاية حرب الثمانينات، أمضى ذو القدر 16 عاماً في أعلى هرم القيادة داخل «الحرس الثوري»: 8 سنوات رئيساً للأركان المشتركة، ثم 8 سنوات نائباً للقائد العام. وهذه الإقامة الطويلة في القمة المؤسسية أهم من مجرد الألقاب، لأنها هي التي صنعته رجل هيكل، لا رجل مهمة واحدة.

والفارق جوهري هنا. فقيادة الأركان ثم نيابة القائد العام تعنيان التمرس في الإدارة والتنسيق والانضباط المؤسسي، لا في العمل الميداني وحده. ومن ثم، فإن قوة ذو القدر لم تتأسس على حضور شعبوي أو كاريزما خطابية، بل على موقعه داخل ماكينة «الحرس» نفسها. كان من أولئك الذين تتعزز قوتهم كلما ازداد تعقيد الجهاز الذي يعملون داخله.

ومع مضي السنوات تكرّس موقعه داخل المعسكر المحافظ الصلب. لم يكن مجرد قائد عسكري صاعد، بل شخصية ذات موضع واضح في الاصطفافات الداخلية للنظام. وقد ازداد هذا الجانب بروزاً مع وصول إيران إلى مرحلة الإصلاحات في عهد محمد خاتمي، حين لم يعد ممكناً إبقاء التوتر بين المؤسسة العسكرية والمجال السياسي داخل حدود الصمت.

«الحرس» في مواجهة الإصلاح

خلال مرحلة الإصلاحات، برز ذو القدر ضمن الوجوه العسكرية المرتبطة بالمعسكر المحافظ داخل «الحرس الثوري». حينها حاول الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، توسيع المجال السياسي وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، في مرحلة اتسمت بمواصلة مسار علي أكبر هاشمي رفسنجاني في إعادة الإعمار ورفع شعارات التنمية، بينما نظرت مراكز القوة الصلبة إلى هذا المسار بقلق متزايد.

في هذا السياق تحديداً، خرج ذو القدر من صورة القائد العسكري الإداري إلى صورة الضابط ذي الموقع السياسي الواضح. وارتبط اسمه في تلك المرحلة برسالة قادة «الحرس» الشهيرة إلى خاتمي، وهي إحدى أكثر الوقائع دلالةً على طريقة تدخل المؤسسة العسكرية في المجال السياسي حين ترى أن توازن النظام مهدَّد. كما ارتبط في سير وتحليلات متعددة بالمعسكر الذي اتخذ موقفاً متشدداً من مشروع الإصلاح، وبمناخ المواجهة مع الحركة الطلابية والاحتجاجات التي شهدتها أواخر التسعينات.

ولا تعود أهمية هذه المرحلة في مساره إلى وقائعها فقط، بل إلى معناها البنيوي. فهي تكشف عن أن ذو القدر لم يدخل السياسة بعد خروجه من «الحرس»، بل كان جزءاً من التسييس الذي عرفته المؤسسة نفسها في لحظة الصدام مع الإصلاحيين. ومن ثم بدا انتقاله لاحقاً إلى مواقع أمنية وتنفيذية داخل الدولة امتداداً طبيعياً لهذا الدور، لا انعطافة مفاجئة.

أحمدي نجاد ووزارة الداخلية

حين وصل محمود أحمدي نجاد إلى الرئاسة عام 2005، انتقل ذو القدر إلى منصب نائب وزير الداخلية للشؤون الأمنية. وكان هذا المنصب، في جوهره، أكثر من موقع إداري. فهو يقع في مركز حساس بين الأمن الداخلي، والإشراف على حكام المحافظات، وآليات إدارة الأزمات والاحتجاجات والتوترات المحلية. أي إنه يمثل انتقالاً من المؤسسة العسكرية إلى قلب الدولة التنفيذية، ولكن من زاوية أمنية خالصة.

وتكشف هذه المحطة عن جانب مهم من شخصيته الوظيفية. فالرجل خرج من «الحرس» إلى وزارة الداخلية من دون أن يغادر منطق الضبط. وبذلك انتقل من حماية النظام بالقوة الصلبة إلى حمايته عبر البيروقراطية الأمنية. وهذا النوع من الانتقال يفتح شبكة مختلفة من العلاقات داخل الدولة، ويمنح صاحبه معرفة بتوازنات المركز والأطراف، وبكيفية عمل المحافظات والأجهزة المحلية تحت المظلة الأمنية المركزية.

إعادة التموضع عبر «الباسيج»

ولم يطل بقاء ذو القدر في وزارة الداخلية، وخرج منها عام 2007 وسط روايات تحدثت عن تباينات مع أحمدي نجاد. لكن خروجه لم يكن تراجعاً فعلياً. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2007 عيّنه علي خامنئي نائباً لرئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة لشؤون «الباسيج»، في منصب استُحدث يومها.

وهذه لحظة مفصلية في سيرته، لأنها تظهر أن الرجل لم يفقد ثقة المركز بعد خروجه من الحكومة، بل أعيد تموضعه سريعاً داخل ملف يتصل بأحد أكثر مفاصل النظام حساسية. فـ«الباسيج» في التجربة الإيرانية ليس مجرد تشكيل رديف، بل أداة تجمع بين التعبئة الآيديولوجية والحضور المنظم لـ«الحرس الثوري» داخل الشارع الإيراني.

ولم يكتفِ المرسوم الذي أصدره خامنئي لتعيينه في هذا الموقع بالتسمية، بل ربط المنصب نفسه بتقوية «الباسيج» كمّاً ونوعاً وتوسيع حضوره في مجالات الحياة. وهذه الصياغة وحدها توضح طبيعة المهمة.

الأمن والقضاء

منذ 2010 انتقل ذو القدر إلى السلطة القضائية، حيث شغل أولاً منصب معاون الحماية الاجتماعية والوقاية من الجريمة، ثم صار المعاون الاستراتيجي لرئيس السلطة القضائية حتى 2020.

ولا يعد هذا الانتقال قفزة من جهاز عسكري إلى عالم القانون، إذ لا يفصل في إيران بين المجالين فصلاً حقيقياً، فالقضاء جزء من أجهزة الدولة الخاضعة مباشرةً للمرشد.

وعمّقت هذه المحطة شبكته داخل الدولة. صحيح أنها أضافت طبقة جديدة إلى مساره، لكن الوظيفة بقيت نفسها: حماية النظام عبر أدوات مختلفة.

وارث رضائي...

في سبتمبر 2021 عُيّن ذو القدر أميناً لمجلس تشخيص مصلحة النظام خلفاً لمحسن رضائي. وبدا هذا الانتقال أكثر من خطوة إدارية داخل مؤسسة عليا. فهو، من جهة، استمرار لصعود رجال الجيل نفسه من قادة الحرب و«الحرس» إلى مواقع التحكيم الاستراتيجي. وهو، من جهة ثانية، انتقال من مؤسسات التنفيذ والضبط إلى مؤسسة تُستخدم لإدارة التوازنات العليا وصوغ التسويات داخل النظام.

وأمانة المجلس ليست موقعاً بروتوكولياً صرفاً. فالأمين يدير اللجان، ويشرف على العمل البيروقراطي والخبراتي للمؤسسة، ويؤدي في كثير من الأحيان دور حلقة الوصل مع مركز القرار الأعلى. وهذا الدور يناسب ذو القدر تماماً. فهو ليس سياسياً شعبوياً ولا صاحب خطاب جماهيري، بل رجل إدارة وملفات وشبكات وممرات داخلية.

وهنا أيضاً تظهر شبكة نفوذه في بعدها العائلي - المؤسسي. فذو القدر هو والد زوجة كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية الحالي للشؤون القانونية والدولية، وأحد أبرز الوجوه ذات الخلفية الأمنية في الجهاز الدبلوماسي الإيراني وفريق التفاوض النووي.

وشغل غريب آبادي قبل ذلك مواقع حساسة، بينها نيابة رئاسة السلطة القضائية ورئاسة لجنة حقوق الإنسان، بعدما شغل منصب سفير إيران لدى المنظمات الدولية في فيينا، وفي مقدمتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وفي الأوساط الإيرانية، غالباً ما يُربط بين هذا القرب العائلي والمسار الصاعد لغريب آبادي داخل القضاء والدبلوماسية، في صورة تعكس اتساع نفوذ ذو القدر عبر أكثر من مؤسسة، لا مجرد بقائه في منصب بعينه.

من لاريجاني إلى ذو القدر

حين قُتل علي لاريجاني في الحرب الأخيرة، لم يفقد النظام شخصية سياسية تفاوضية فقط، بل خسر رجلاً كان يجيد الحركة بين مراكز القوة المختلفة والتقاطعات الدقيقة بين الأمن والسياسة والدبلوماسية. والسؤال بعد غيابه لم يكن فقط عمَّن يملأ مكانه، بل عن أي نوع من الرجال يحتاج إليه النظام في هذه المرحلة.

وقد أجاب اختيار ذو القدر عن هذا السؤال بوضوح، بعد أيام من تداول اسم الجنرال حسين دهقان ثم نفي تعيينه. وكان دهقان، بحكم صلاته الوثيقة بالرئيس الأسبق حسن روحاني، اسماً متوقعاً في ضوء توجهات الرئيس الحالي مسعود بزشكيان، المدعوم من الإصلاحيين. لكنَّ وزير الدفاع الأسبق لا يملك الوزن السياسي والمؤسسي نفسه الذي راكمه ذو القدر عبر العقود.

ولا يمثل ذو القدر امتداداً للاريجاني بقدر ما يمثل انعطافاً بعده. كان لاريجاني رجل توازنات ومفاوضات وقدرة على التحرك بين المؤسسات. أما ذو القدر فهو رجل بنية وصلابة وانضباط داخلي.

وهذه ليست مفارقة شخصية فقط، بل مفارقة مرحلة. فالحرب دفعت النظام إلى البحث عن رجل مطمْئن للشبكات الأمنية والدولة العميقة، أكثر من بحثه عن رجل مرن في التفاوض أو واسع الحركة السياسية.

ومن هذه الزاوية، لا يبدو تعيينه مفاجئاً. فمن «منصورون» إلى «رمضان»، ومن قيادة «الحرس» إلى وزارة الداخلية والقضاء ومجلس التشخيص، لم يكن ذو القدر يتنقل بين مؤسسات متباعدة، بل يصعد داخل بنية واحدة متعددة الوجوه. وهو اليوم يصل إلى مجلس الأمن القومي بوصفه ابن هذه البنية ومعبّراً عنها في آن.

كان شمخاني الشخصية الأقرب إلى مواصفات ذو القدر. وقد كان يترأس لجنة الدفاع العليا، صاحبة القرار العسكري في زمن الحرب، تحت خيمة مجلس الأمن القومي. وبعد مقتل شمخاني، أصدر المرشد الجديد، في أولى خطواته، مرسوماً بتعيين محسن رضائي مستشاراً عسكرياً له. ومع تعيين ذو القدر، يحافظ أعضاء الحلقة التي توصف أحياناً بـ«القادة الجنوبيين» على دورهم في صناعة القرار العسكري والأمني في أعلى مستوياته.

قد لا يكون ذو القدر الرجل الأكثر حضوراً في المجال العام، ولا الأكثر شهرة خارج دوائر السياسة الإيرانية، لكنه من النوع الذي تحتفظ به الأنظمة للأيام الثقيلة. فكلما دخلت الجمهورية الإسلامية مرحلة اختبار وجودي، قلّ اعتمادها على رجال الواجهات، واتسع اعتمادها على رجال العقد الداخلية. وذو القدر واحد من هؤلاء. أعادته الحرب إلى الصف الأول.


مكالمة دراماتيكية بين ويتكوف وعراقجي «غيرت كل شيء»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف (أ.ف.ب)
TT

مكالمة دراماتيكية بين ويتكوف وعراقجي «غيرت كل شيء»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف (أ.ف.ب)

أكد مسؤولون إسرائيليون وأميركيون أن عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، وستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس دونالد ترمب، أجريا، الخميس الماضي، اتصالاً وُصف بأنه «نقطة تحول» في الحرب الحالية، أفضى إلى إطلاق قناة محادثات قد تقود إلى اتفاق.

وبحسب تقرير نشره موقع «واي نت» التابع لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، الثلاثاء، وكتبه محرر الشؤون الاستراتيجية رونين بيرغمان، قال عراقجي لويتكوف خلال الاتصال: «أنا هنا بعد أن حصلنا على موافقة المرشد (مجتبى خامنئي) ومباركته لإنهاء هذه القضية في أسرع وقت ممكن، ما دامت شروطنا تُلبّى».

وقال بيرغمان إن المكالمة الهاتفية، التي قد يُنظر إليها لاحقاً بوصفها نقطة تحوّل في الحرب، ترمز كذلك إلى نجاحات وإخفاقات كل طرف في هذه المعركة.

وأكد مسؤولون أميركيون وإسرائيليون، لم يشاركوا في المحادثات، حدوث الاتصال، الذي حاول خلاله عراقجي إيصال رسالة واضحة مفادها أن «في إيران نظاماً قائماً ووريثاً شرعياً يبارك الاتفاق، ويغلق الملف»، بينما كانت إسرائيل خارج المفاوضات، واكتشفتها عبر طرف ثالث.

وقال مسؤول إسرائيلي رفيع: «كان من المهم لعراقجي أن يُظهر للولايات المتحدة النظام القائم في إيران، وهو عكس ما توقعته واشنطن وتل أبيب». وأضاف: «في المقابل، كان من المهم أن يعلم الأميركيون أنه جاء بتفويض رسمي من أصحاب السلطة».

صحيفة إيرانية تحمل صورة على غلافها لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف (رويترز)

لحظة دراماتيكية

وعلق بيرغمان بأنه لا يمكن المبالغة في وصف دراماتيكية اللحظة بالنسبة للطرفين؛ إذ اعترفت الولايات المتحدة فعلياً بحكم خامنئي الابن في إيران، بعدما كانت تراهن على إسقاط النظام أو إحداث تغيير جذري في قيادته. ووجدت نفسها في نهاية المطاف تتفاوض مع وزير الخارجية نفسه الذي تعثرت معه المحادثات سابقاً، لكنه يأتي هذه المرة بتفويض مباشر من المرشد.

وكان ويتكوف، الذي لا يعمل موظفاً حكومياً بدوام كامل، موجوداً في أماكن عامة في أثناء المكالمة، ووقف في أحدها لمدة طويلة إلى جانب جاريد كوشنير، أحد أقرب المقربين من ترمب، متحدثاً بصوت مرتفع، ورافعاً نبرته أحياناً، بما أتاح للمحيطين به سماع أجزاء من المحادثة.

وتشير تفاصيل تحوّلت لاحقاً إلى مسودات متبادلة بين الطرفين إلى أن الإيرانيين مستعدون لتقديم ما وافقوا عليه في جنيف خلال آخر جولة تفاوضية قبل الحرب، إضافة إلى استعدادهم لمناقشة نقل اليورانيوم عالي التخصيب إلى روسيا، لكنهم يرفضون التخلي عن برنامج الصواريخ الباليستية أو وقف التخصيب بالكامل داخل الأراضي الإيرانية.

وخلال الاتصال، احتد ويتكوف، رغم وجوده في مكان عام، وأبلغ عراقجي أن ترمب أعلن رفضه أي تخصيب على الأراضي الإيرانية، وأن هذا الملف «غير قابل للنقاش».

وأشار بيرغمان إلى أن الحوار، الذي استمر بعض الوقت، أوجد زخماً استمر حتى بعد الكشف عنه، مع تبادل مسودات وأفكار لإنهاء الحرب؛ ما أثار قلقاً في إسرائيل، الشريك في الحملة العسكرية، لكنها خارج مسار محادثات إنهائها، حيال مآلات الاتفاق المحتمل.

وبحسب بيرغمان، فإن تأجيل ترمب غارات مكثفة على منشآت الطاقة، إلى جانب عملية كوماندوز محتملة على جزيرة خرج وعمليات برية قيد النقاش، رغم ما عدته طهران مساساً بهيبته، يشير إلى الأهمية التي يوليها للحوار مع إيران.

ويتكوف يترجل من سيارة قبل مشاركته لدى وصوله إلى مقر المحادثات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخميس (أ.ف.ب)

قناة تواصل

وجاء هذا التحول رغم وجود قناة تواصل منذ اليوم الرابع للحرب، شارك فيها من الجانب الإيراني علي لاريجاني، الذي لم يتحدث مباشرة مع الأميركيين، بل أشرف على نقل الرسائل، بينما مثّل الجانب الأميركي ويتكوف وكوشنير، لكن هذه القناة بقيت مجمدة أياماً لغياب موضوعات للنقاش، قبل أن تغتال إسرائيل لاريجاني بموافقة الولايات المتحدة، في خطوة عُدت دليلاً على الرغبة في مواصلة الحرب من دون أفق واضح.

ويرى بيرغمان أن الولايات المتحدة لم تستثمر في هذه القناة في البداية؛ إذ كان هناك من يعتقد أن الحرب ستسلك مساراً مختلفاً يقود إلى سقوط سريع للنظام. وكان ترمب، وفق مصادر أميركية، آخر من تخلى عن هذا التصور.

واستند ترمب إلى تقديرات إسرائيلية رجّحت اندلاع احتجاجات واسعة بعد الحرب تنتهي بإسقاط النظام، غير أن كثيرين في إسرائيل والولايات المتحدة أساؤوا فهم خطط «الموساد»؛ إذ لم يكن مطروحاً التحريض على احتجاجات خلال الحرب، بل بعدها فقط، وفق مقربين من الجهاز.

ومع مرور الوقت، تبيّن أن رهان ترمب على تكرار «النموذج الفنزويلي» في إيران لم يتحقق، كما أن الحرب لم تحقق أهدافاً حاسمة، سواء بالاستيلاء على اليورانيوم، أو فرض الشروط الأميركية - الإسرائيلية، أو إسقاط النظام.

عزل إسرائيل

وفي موازاة ذلك، حاصرت إيران مضيق هرمز، في خطوة كانت متوقعة لدى كثير من المتابعين، لكنها فاجأت الولايات المتحدة، لا سيما قيادتها المركزية، التي لم تكن مستعدة بالكامل لهذا السيناريو.

ويؤكد بيرغمان أن الجهود الأميركية - الإيرانية تتركز حالياً على عقد اجتماع تفاوضي هذا الأسبوع، وربما اجتماعين، مع توقع تركيز إيران هجماتها على إسرائيل، بهدف تعميق الخلاف بين واشنطن وتل أبيب وعزل الأخيرة.

هل حُسم الأمر؟ وهل تم التوصل إلى اتفاق؟ الإجابة: لا. فمن الصعب تصوير 3 أطراف كفائزين في آن واحد، وهو ما يسعى إليه الجميع.

ويخلص بيرغمان إلى أن «الحيلة» التي استُخدمت سابقاً للإعلان عن «نصر كامل» لم تعد قابلة للتكرار، في ظل غياب نتائج حاسمة. ويضيف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدأ فعلياً تعديل أهداف الحرب، ممهداً لاحتمال تحميل سكان إيران مسؤولية فشل الخطة.


من الشخصية الإيرانية التي تجري محادثات مع واشنطن؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

من الشخصية الإيرانية التي تجري محادثات مع واشنطن؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

تحدَّث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «شخصية من الصف الأول» في القيادة الإيرانية تحظى بـ«احترام كبير»، تجري معها بلاده محادثات من أجل التوصُّل إلى اتفاق ينهي الحرب.

وتدور تساؤلات حيال هذه الشخصية البارزة التي تبحث مع الولايات المتحدة مستقبل إيران بعد نحو 3 أسابيع على اندلاع الحرب الإسرائيلية - الأميركية ضد طهران.

وقال ترمب إن هذا الشخص ليس المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، الذي خلف والده علي خامنئي، بعد مقتل الأخير في اليوم الأول للحرب في 28 فبراير (شباط).

وبعد مقتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني بضربة إسرائيلية الأسبوع الماضي، تركَّزت الأنظار على رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف الذي يبدو أنه نجا من الحرب حتى الآن.

لكن ترمب لم يكشف عن أي أسماء قائلاً: «لا أريده أن يُقتل».

فيما يلي 5 شخصيات محتملة:

- رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف

أشار عدد من المحللين إلى قاليباف على أنَّه الزعيم الإيراني بحكم الأمر الواقع في زمن الحرب بعد مقتل خامنئي ولاريجاني، وعدم ظهور مجتبى خامنئي علناً على الإطلاق.

خلال 3 عقود قضاها في قلب منظومة الحكم الإيرانية، شغل مناصب عسكرية ومدنية، فكان قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري» وقائد شرطة طهران، ورئيس بلدية طهران، ليصبح الآن رئيس مجلس الشورى.

وترشَّح قاليباف المعروف بطموحه لمنصب الرئيس 3 مرّات، لكن دون جدوى.

وبعدما أفاد تقرير أوردته وسائل إعلام إسرائيلية بأنَّه المحاوِر مع الولايات المتحدة، أكد على «إكس»: «لم تُجرَ أي مفاوضات مع الولايات المتحدة» ووصف ما نُشرت بأنَّها «أخبار زائفة».

- الرئيس مسعود بزشكيان

يُنظَر إلى بزشكيان الذي تولى الرئاسة منذ 2024 بعد انتخابات جرت في أعقاب مقتل الرئيس السابق إبراهيم رئيسي بحادث تحطُّم مروحية كانت تقله، على أنَّه ينتمي إلى الجناح الأكثر اعتدالاً في الساحة السياسية الإيرانية.

لكن موقعه رئيساً لا يعني إطلاقاً أنَّه الرجل الأول على رأس هرم السلطة في إيران، إذ إن الكلمة الفصل في جميع المسائل الرئيسية تعود إلى المرشد الأعلى. مع ذلك، ما زالت هيكلية السلطة غير واضحة في حقبة ما بعد علي خامنئي.

وفي مسعى للترويج لنفسه على أنه رجل الشعب، نزل بزشكيان إلى الشارع في وقت سابق هذا الشهر للمشارَكة في مسيرة حاشدة مؤيِّدة للحكومة وللقضية الفلسطينية، حيث التقط صوراً مع أنصار الحكومة. وشارك لاريجاني في الحدث ذاته ليُقتَل بعد أيام.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)

- وزير الخارجية عباس عراقجي

شغل عراقجي المنصب منذ عام 2024 بعد مقتل وزير الخارجية السابق حسين أمير عبداللهيان في حادث تحطُّم المروحية ذاته الذي أودى برئيسي.

ومثّل إيران في المباحثات التي جرت الشهر الماضي مع مبعوثَي الولايات المتحدة ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في عُمان، والتي لعبت السلطنة دور الوساطة فيها، لكنها فشلت في وضع حدٍّ للحرب.

وأفادت «نيويورك تايمز»، الثلاثاء، نقلاً عن مسؤولين أميركيين وإيرانيين أن عراقجي وويتكوف أجريا «اتصالاً مباشراً» خلال الأيام الماضية لبحث، بحسب مسؤولين إيرانيين، «سبل خفض التصعيد في النزاع».

ودافع عراقجي الذي يحمل درجة الدكتوراه في الفكر السياسي من جامعة كِنت في إنجلترا، بقوة عن موقف إيران في مقابلات تلفزيونية، بما في ذلك مع وسائل إعلام أميركية. لكن منصبه وزيراً للخارجية لا يجعله «شخصاً من الصف الأول».

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ)

- قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي

يعد وزير الداخلية والدفاع السابق أحمد وحيدي ثالث قائد لـ«الحرس الثوري» في غضون أقل من عام، بعدما قُتل سلفه محمد باكبور في اليوم الأول للحرب، بينما قُتل حسين سلامي خلال حرب الأيام الـ12 الإسرائيلية ضد إيران في يونيو (حزيران) 2025.

ولهذا السبب على الأرجح، بقي وحيدي متحفّظاً خلال الحرب ولم يظهر علناً.

ولم يصدر غير بيان واحد باسمه بصفته قائداً للحرس في 19 مارس (آذار) قدَّم فيه تعازيه إثر مقتل قائد قوات التعبئة (الباسيج) غلام رضا سليماني، بضربة جويّة.

- قائد «فيلق القدس» إسماعيل قآني

أصبح قآني، وهو شخصية غامضة إلى حد كبير، قائد «فيلق القدس» الموكل العمليات الخارجية في «الحرس الثوري» بعد مقتل قاسم سليماني بضربة أميركية في العراق عام 2020.

وذكرت تقارير أن قآني قُتل في حرب يونيو 2025، لكنه ظهر علناً في وقت لاحق. وسرت تكهّنات كثيرة مذاك عن مكان وجوده ووضعه في ظلِّ تقارير أفادت بتعرّضه لضغوط نتيجة ثغرات استخباراتية مفترضة بما في ذلك قتل إسرائيل في 2024 الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله في لبنان.

وفي 20 مارس، أصدر الإعلام الرسمي الإيراني أول رسالة باسم قآني مرتبطة بالحرب، والوحيدة حتى الآن، والتي توقَّع فيها أن تشهد إيران «قريباً على الهزيمة المخزية» لأعدائها في الحرب.