الأستار... رحلة بالصور مع البيت العتيق

كتاب للمصور السعودي عادل القريشي في حب الكعبة

لقطة لعملية إسدال كسوة الكعبة الجديدة  -  باب الكعبة والضياء (تصوير: عادل القريشي)
لقطة لعملية إسدال كسوة الكعبة الجديدة - باب الكعبة والضياء (تصوير: عادل القريشي)
TT

الأستار... رحلة بالصور مع البيت العتيق

لقطة لعملية إسدال كسوة الكعبة الجديدة  -  باب الكعبة والضياء (تصوير: عادل القريشي)
لقطة لعملية إسدال كسوة الكعبة الجديدة - باب الكعبة والضياء (تصوير: عادل القريشي)

بشغف وحب أمضى المصور السعودي عادل القريشي أربعة أعوام يصور لقطات كتابه الثاني، ومن خلاله هامت كاميرته بالكعبة وبعناصرها. وأخيراً، نشرت صوره في كتابين من القطع الكبير تحت عنوان «أستار». تصفح الكتاب يحتاج إلى وقت وتأنٍ، فقراءة كتاب بهذا الحجم سواء من ناحية الحجم الفعلي أو من ناحية الموضوع، يحتاج إلى فسحة من التأمل والهدوء.
- البدايات
يبدأ القريشي كتابه بتتبع رحلة أستار الكعبة من ولادتها في «شِلل» من خيوط الحرير السوداء الملتفة حول بعضها، نراها في لقطة بديعة تأخذ بيدنا للبدايات ونتبع الخيوط وهي تنتظم جنباً لجنب ليخرج القماش كما نراه كاسياً ذلك العمران المقدس. تشدني لقطات «شلل» الخيوط السوداء، رغم طغيان اللون الأسود فإن هناك حركة تميز بين الخيوط بلمعة خاصة وبخيط أبيض وحيد يضم أطرافها كم تضم الشرائط ضفائر الشعر.
ننطلق من البدايات إذن، وهنا أسأل القريشي عن الكتاب وهو الثاني له بعد كتاب «الأغوات»، كيف جاءت الفكرة؟ يقول «جاءتني الفكرة بينما كنت أصور في الحرم المدني وأنا أعمل على كتاب (الأغوات). بدا بديهياً أن يكون مشروعي التصويري الثاني عن الكعبة».

الباب والمفتاح  -  عملية تغيير الكسوة في يوم عرفة (تصوير: عادل القريشي)

الكعبة موضوع ضخم جداً، ولكنه أيضاً موضوع غطته ملايين الكاميرات في العالم، يعرف أنها «أكثر مبنى صُوّر في العالم»، ولكنه قرر أن يقدم رؤيته الخاصة وأن تكون صوره مرتبطة بالبيت العتيق كرمز للوحدانية، واختار لتوقيته يوم عرفة في موسم الحج. ولهذا؛ استغرقت عملية التصوير أربعة أعوام، من يوم عرفة ليوم عرفة تدربت عدسات الكاميرا على الصبر.
يقول «الكعبة تحدٍ كبير لي كمصور، أكثر مبنى صور في التاريخ، ولم أكن أعتقد أن أستطيع إنتاج كتاب واحد عن الكعبة، ولكن في النهاية أنتجت كتابين».
وأضاف «لأن الموضوع محصور في شيء يراه الناس كل يوم، فكرت أن الناس متعودة على رؤية الكعبة والكسوة عليها مشدودة ومنسدلة بأحسن طريقة، بينما في يوم عرفة تظهر الكسوة الجديدة وكأنها متموجة فأعجبتني هذه الزاوية لأنطلق منها».
أسأله عن الفترة الطويلة التي قضاها في إعداد الكتاب وخاصة مرحلة التصوير، يجيب ببساطة «بطبيعتي أحب أن آخذ وقتي في التصوير. كنت أنتظر من عام للتالي لأحصل على اللقطات التي أريدها». ورغم أن الكتاب أيضاً يضم صوراً للمعتمرين والمصلين في أيام مختلفة يشير إلى أن جل التصوير كان في أيام عرفة «تركيزي كان على موسم الحج».
الصور تتعامل بحب وافتتان مع عملية تغيير الكسوة، مع الأستار وهي ترفع عن البناء المقدس، صوره ترينا الأستار وهو مبرومة تمسها الحبال لتسدلها بينما يرفع المصلون أكفهم بالدعاء. في لقطات أخرى نرى تفاصيل للحركة الدائبة في عملية تغيير الكسوة عبر لقطات للعمال على سطح الكعبة يخيطون أستارها. تلتقط عدسة الكاميرا التفاصيل بدقة في أحيان وفي أحيان أخرى تبدو التفاصيل غائمة كأن المصور يستخدم فرشاة الرسام، ليحول صفوف العابدين لأمواج بشرية مجتمعة في طقس واحد. في صورة فائقة الإبداع والتعبير نرى الكعبة وهي تقف شامخة مزهوة بثوبها الأغلى وتحتها ما يشبه الأمواج البشرية، غائبة الملامح الشخصية ولكنها منتظمة في الموج البشري النابض بالحب والدعاء.
في صور أخرى يتفنن المصور في استخدام الضوء للتعبير عن القدسية والروحانية، مثل صور للباب يتألق ويضيئ ملقياً ما يشبه الشعاع الذهبي على المعتمرين والمصلين، وفي صورة ثانية يبدو وكأن الضوء قد ألقى ستارة من الضوء على الأشخاص والبناء.


قماش كسوة الكعبة قبل خياطته  -  ضفائر من خيوط الحرير السوداء في مصنع الكسوة

- البداية خيط من الحرير
أعود مع القريشي للمرحلة الأولى من مشروعه الضخم، أسأله إن كان زار مصنع الكسوة في مكة المكرمة «ماذا كان في بالك والغرض من الذهاب، العاملون أم عملية الحياكة؟»، يجيب بأن هدفه من الزيارة لم يكن لتسجيل عملية الحياكة «لم أرغب في تصوير (مكننة) حياكة الكسوة؛ فذلك كان سيدخل الكتاب في روح مختلفة». هدفه كان رؤية القماش وأن يجد صيغاً جديدة لتصويره «كنت أريد الخروج بصور غير مألوفة للكسوة، أردت تصويرها وهي لفائف من القماش المطوي في طبقات متتابعة (قمت بنفسي بطي قطعة من القماش لأصل إلى صورة هامة في سرد القصة)».
تابع المصور بعدسته رحلة الخيوط الحريرية السوداء التي تتحول لتصبح «لفات» من القماش تحاك مع مثيلاتها قبل يضاف لها التطريز الذهبي في مرحلة لاحقة. تلفتني صورة لـ«رول» القماش الأسود المطبوع بالآيات القرآنية وهي مفروده على صفحتين متقابلتين، مكونة ما يشبه الطريق أو الصراط.
- وراء الكواليس
تعرض لقطات تالية الآيات المطرزة بخيوط الفضة والذهب، لقطات مقربة جداً بحيث نشعر بأننا نسمع تنفس الخطاط، هنا نرى كل خيط وكل غرزة، وأيضاً نلمح اسم «عبد الرحيم أمين» في الأسفل، وكأن اللقطة تأخذنا للشخص الذي قضى أيامه ممسكاً بالإبرة والخيط ليطرز الآيات القرآنية على القماش وهي نظرة لكواليس حياكة الكسوة.
لاسم عبد الرحيم أمين قصة يسردها لنا القريشي قائلاً «أردت التركيز على هذا الاسم من خلال اللقطة المقربة»، ويشرح «بعد جولة التصوير الأولى للكعبة قمت بتكبير الصور ووجدت اسمه، ثم عدت لصور قديمة تعود لأكثر من أربعين عاماً ووجدت الاسم موجوداً ما يعني أنه شخص كبير في السن، وراودتني رغبة في أن ألتقط صوراً لهذا الرجل قبل وفاته. وفي أول زيارة لمصنع الكسوة طلبت أن أقابل عبد الرحيم أمين، ولكن الرد جاء مفاجأة إذا اكتشفت أنه توفي منذ زمن، وتساءلت (ولكن اسمه ما زال موجوداً على الكسوة)، وهنا عرفت أن هناك أمراً ملكياً ببقاء اسم خطاط الكسوة عليها ما دام الخط المستخدم له، وقد أكرمه الله بأن جعل اسمه على الكسوة لسنوات طويلة».
تأخذنا هذه الجزئية وحرص المصور على إبراز العامل الإنساني للحديث عن صور الأشخاص المختلفين الذي توقفت عندهم عدسة القريشي، فهناك صور عديدة للمصلين وهم في وضع السجود أو وهم يبتهلون أمام باب الكعبة أو يلمسون بأيديهم الحجر الأسود. ولكن القريشي يقدم لنا أيضاً وجوهاً باسمة وقفت أمام عدسته، نساء ورجال وأطفال من جميع أنحاء العالم، وصور للعاملين في الحرم المكي. أسأله إن كان تصوير الوجوه شغفاً خاصاً عنده، ويجيب «بالفعل، هي شغفي فعلاً، أتمنى أن أصور (بورتريهات)».
أشير إلى لوحة لفتت انتباهي وهي للحجاج أمام الكعبة وهم يحملون مظلات ملونة، تبدو مثل لوحة فنية بها الكثير من الحركة والفرحة، يقول «فعلاً كأنها حديقة ورد، الصورة التقطت في أول أيام عيد الأضحى، حيث درج الحجاج على حمل المظلات المهداة لهم من الشركات التجارية المختلفة».

اسم خطاط الكعبة عبد الرحيم أمين على الكسوة (تصوير: عادل القريشي)

سجل المصور الكثير من الأشخاص في كتابه، ولكن غاب عن كتابه صور العاملين في مصنع الكسوة، لماذا؟ يقول «صورت بالفعل عدداً من العمال، لكن عندما انتهت مرحلة التصوير قررت أنا ومصمم الكتاب أننا لو بدأت في إدخال المكننة، سيتخذ الكتاب طريقاً مختلفة؛ لأنه كتاب روحاني أكثر، فهو ليس تأريخاً لصناعة إنما هو عن تأريخ الكسوة، كأنها لها حياة منفصلة ولم أرد إدخال ناس غير العباد».
- تصميم الكتاب
ننتقل في الحديث لعملية تصميم الكتاب وتقسيمه وتوزيع الصور. يرجع ذلك أولا للمصمم «أنا أشبّه عملي بمن ينقب في منجم، أغوص فيه وأحفر وأخرج مجوهرات، وأنا في بالي عقد ثمين. وعندما أحمل الجواهر وأعطيها للصائغ ليصنع ذلك العقد، قد أتدخل في التصميم ولكن يظل هو صاحب الصنعة».
يشير إلى أنه أراد أن يعبّر الكتاب عن طريقة عمله «عند التصوير أردت أن أفكك الكعبة إلى عناصرها، فهناك الباب، والحجر الأسود، والركن اليماني، ومقام إبراهيم، والميزاب، وحجر إسماعيل والأستار وبعدها العباد، الناس».
- السدنة والمفتاح
يفرد الكتاب الأول قسماً لمفتاح الكعبة وللسدنة من بني شيبة، تفتتح الفصل صورة بالغة التعبير ليد كبير السدنة وهي ممسكة بالمفتاح، القبضة تبدو قوية وثابته وتترك أثراً بليغاً في النفس.
يتحدث القريشي عن السدنة والمهمة التي كرموا بها بحمل مفاتيح الكعبة منذ الأزل «السدنة مثيرون للاهتمام، لهم حق ثابت بشرف السدانة، أنا عندي قناعة أن المفتاح ليس قطعة الحديد، الصورة الأولى فيها عنفوان وما أردت قوله هو (اليد هي المفتاح) وليست قطعة الحديد، التي قد تتغير ولكن السدنة لا يتغيرون، دائماً من بني شيبة».

لقطة من كتاب «الأستار»

عبر صور متتالية قدم القريشي صوراً لعدد من المفاتيح، منها صورة لمفتاح الكعبة الرئيسي ثم صورة أخرى لمقام إبراهيم (يفتح فقط عند التنظيف)، ومفتاح باب التوبة داخل الكعبة إضافة إلى صورة لمفتاح الكعبة الأثري القابع في متحف الحرمين بمكة المكرمة. غير أن صورة لمفتاح حديث صغير جداً تلفت انتباهي وأسأله عنه «يقول المفتاح الصغير الحديث هو مفتاح لخزانة داخل الكعبة تستخدم لحفظ القفل والمفتاح عند القيام بغسل الكعبة». ويمكن النظر لصورة المفتاح الحديث على أنها تبرز التسلسل التاريخي للمفاتيح، خاصة مع وجود صورة المفتاح الأثري الذي يعود لعهد السلطان عبد الحميد الثاني مؤرخ بعام 1309 هجرية.
في تصويره ليد كبير السدنة وهي ممسكة بالمفتاح عبر صورتين، يشير إلى أنه أراد التعبير عن مغزى معين «مغزى طريقة مسك المفتاح في الصورة الثانية أردت أن تظهر مسكة الحق، فبنو شيبة لديهم حق إلهي بحمل المفتاح يتوارثون المفاتيح كابراً عن كابر؛ ولهذا صورت أفراد العائلة وأجيالها حتى أصغر طفل، هناك أجيال من المفاتيح كما هناك أجيال من بني شيبة».
في مقدمة الكتاب يتحدث القريشي عن سهولة وبساطة العقيدة الإسلامية وهو وصف ينسحب على محتويات كتابه، إذا تميزت صوره بالبساطة وبالعمق بنظرة فلسفية يقول «هناك نقطة مهمة، أن الكعبة هي تختصر عقيدة التوحيد، (الله لا إله إلا هو) إله واحد، الرقم واحد هو قلب العقيدة الإسلامية. وبهذا المفهوم نجد أن الكعبة تمثل الوحدانية، هي مبنى واحد وله باب واحد، بمفتاح واحد، الحجرة لا تضم سوى باب واحد في الداخل، مزراب واحد لتصريف المياه، فالكعبة هي التجسيد المعماري لعقيدة التوحيد».


مقالات ذات صلة

السعودية: إيقاف «شركتَي عمرة» لمخالفة التزامات السكن للمعتمرين

الخليج وزارة الحج والعمرة السعودية أكدت أن حقوق ضيوف الرحمن أولوية قصوى وأن جودة الخدمات المقدمة تمثل خطاً أحمر لا يُسمح بتجاوزه (واس)

السعودية: إيقاف «شركتَي عمرة» لمخالفة التزامات السكن للمعتمرين

أعلنت وزارة الحج والعمرة السعودية، السبت، إيقاف شركتَي عمرة، بعد رصد مخالفة تمثلت في عدم الالتزام بتوفير خدمات السكن للمعتمرين وفق البرامج التعاقدية المعتمدة.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
الخليج مكة المكرمة (الشرق الأوسط)

السعودية: «الحج والعمرة» توقف التعاقد مع 1800 وكالة سفر خارجية لقصور الأداء

أعلنت وزارة الحج والعمرة السعودية إيقاف التعاقدات القائمة مع 1800 وكالة سفر خارجية تعمل في مجال العمرة، من أصل نحو 5800 وكالة، لقصور الأداء.

«الشرق الأوسط» (مكة المكرمة)
رياضة سعودية يتضمن برنامج رحلة المشاعر المقدسة زيارات ميدانية إلى المشاعر المقدسة (الشرق الأوسط)

«رحلة المشاعر المقدسة»... مبادرة سعودية لتعريف الشباب بمنظومة خدمة ضيوف الرحمن

انطلق الثلاثاء برنامج «رحلة المشاعر المقدسة» في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة الذي تنظمه وزارة الرياضة ويستمر حتى 29 يناير الجاري

عبد الله الزهراني (جدة)
شمال افريقيا معتمرون مصريون يتأهبون لرحلة جوية لأداء المناسك (وزارة السياحة المصرية)

ملاحقة مصرية مستمرة لـ«شركات الحج الوهمية»

تلاحق الداخلية المصرية «شركات الحج والعمرة الوهمية» في حين أكدت وزارة السياحة على أهمية الالتزام الكامل بحصول حجاج السياحة على «شهادة الاستطاعة الصحية»

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
يوميات الشرق 6 حكايات متنوّعة من قلب المشاعر المقدَّسة (لقطة من الفيلم)

«المدّ البشري»... فيلم يُوثّق رحلة الحج عبر حكايات 6 عائلات من العالم

تتكشَّف قصص ممزوجة بالخوف، والشوق، والأمل، والفقد، ليظهر مفهوم الحج بأبعاد جديدة، في رحلة تتحرّك بالروح قبل القدم...

سعيد الأبيض (جدة)

صندوق النقد الدولي: على الولايات المتحدة تغيير نهجها في السياسة الاقتصادية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نائبه جي دي فانس بينما يصفق رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال خطاب «حالة الاتحاد» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نائبه جي دي فانس بينما يصفق رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال خطاب «حالة الاتحاد» (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: على الولايات المتحدة تغيير نهجها في السياسة الاقتصادية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نائبه جي دي فانس بينما يصفق رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال خطاب «حالة الاتحاد» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نائبه جي دي فانس بينما يصفق رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال خطاب «حالة الاتحاد» (رويترز)

اقترح صندوق النقد الدولي مزيجاً بديلاً من السياسات الاقتصادية لتحقيق تطلعات الإدارة الأميركية دون التسبب في ارتدادات عالمية سالبة. وفي مراجعته السنوية لعام 2026، أكد الصندوق أن اعتماد آليات ضريبية وهيكلية أكثر استدامة بدلاً من الرسوم الجمركية سيخدم الأهداف الوطنية لواشنطن ويحمي في الوقت ذاته استقرار النظام المالي الدولي من مخاطر التضخم والدين المتصاعد.

وأشار البيان إلى أن سياسات الاستقرار بدأت تؤتي ثمارها بشكل واضح، حيث اقترح الصندوق إحلال «ضريبة استهلاك مبنية على الوجهة» محل الرسوم الجمركية، والتحول نحو نظام هجرة قائم على المهارات.

وترى المديرة العامة، كريستالينا غورغييفا، أن هذا التحول سيعالج الاختلالات التجارية بفاعلية أكبر، متفادياً الآثار الجانبية للرسوم التي تسببت في ضغوط على جانب العرض وأججت تضخم السلع، مما شكل عائقاً أمام تحقيق معدلات نمو أقوى.

حماية الاستقلالية

أثنى الصندوق على النهج النقدي المتبع خلال عام 2025، معتبراً توجه الاحتياطي الفيدرالي نحو التيسير خطوة صائبة لمواجهة تباطؤ التوظيف. ويتوقع الصندوق استقرار الفائدة عند نطاق 3.25 في المائة – 3.50 في المائة بنهاية عام 2026، مما يمهد لعودة التضخم إلى مستهدفه البالغ 2 في المائة بحلول أوائل 2027.

كما شدد التقرير على ضرورة صون «استقلالية الفيدرالي» كأصل استراتيجي يحمي مصداقية السياسات النقدية بعيداً عن التجاذبات السياسية.

العجز المالي ومخاطر الدين العام

لفت الصندوق إلى أن الفجوة في المالية العامة لا تزال تمثل مخاطر حقيقية، حيث حذر من بقاء العجز المالي عند مستويات مرتفعة تتراوح بين 7 في المائة و8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. هذا المسار الصعودي، الذي قد يدفع بالدين العام إلى 140 في المائة بحلول عام 2031، يستوجب وضع خطة «ضبط مالي» واضحة لضمان استدامة الميزانية وتقليص المخاطر السيادية التي قد تمتد آثارها لتشمل الأسواق العالمية برمتها.

مرونة النمو في مواجهة التقلبات

توقع الصندوق أن يحافظ الاقتصاد الأميركي على زخم نمو صحي عند 2.4 في المائة خلال عام 2026، مع انخفاض معدلات البطالة إلى حدود 4 في المائة. ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، أكدت غورغييفا أن الصندوق يراقب بعناية التطورات القانونية المتعلقة بالرسوم الجمركية لتحليل تبعاتها في التقارير المقبلة، مشددة على أن تبني «مزيج السياسات البديل» هو الضمانة الأكيدة لنمو مستدام وشامل.


صندوق النقد الدولي يمنح الضوء الأخضر لصرف 2.3 مليار دولار لمصر

آلاف الطلاب المسلمين يفطرون خلال شهر رمضان المبارك في نقطة توزيع وجبات مجانية في الجامع الأزهر (أ.ب)
آلاف الطلاب المسلمين يفطرون خلال شهر رمضان المبارك في نقطة توزيع وجبات مجانية في الجامع الأزهر (أ.ب)
TT

صندوق النقد الدولي يمنح الضوء الأخضر لصرف 2.3 مليار دولار لمصر

آلاف الطلاب المسلمين يفطرون خلال شهر رمضان المبارك في نقطة توزيع وجبات مجانية في الجامع الأزهر (أ.ب)
آلاف الطلاب المسلمين يفطرون خلال شهر رمضان المبارك في نقطة توزيع وجبات مجانية في الجامع الأزهر (أ.ب)

أعلن المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي استكمال المراجعتين الخامسة والسادسة بموجب «تسهيل الصندوق الممدد» (EFF)، بالإضافة إلى المراجعة الأولى بموجب «تسهيل الصلابة والاستدامة» (RSF) لصالح مصر.

يمثل هذا الإعلان شهادة على تحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي المصري نتيجة الجهود المستمرة لتحقيق الاستقرار، وهو ما يتيح للسلطات المصرية سحب ما يعادل 2.3 مليار دولار تقريباً بشكل فوري.

وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس لتؤكد التزام الدولة بمسار الإصلاح، رغم التحديات الإقليمية والدولية القائمة.

تعافٍ ملموس وانخفاض ملحوظ في التضخم

أشار البيان إلى أن سياسات الاستقرار بدأت تؤتي ثمارها بشكل واضح، حيث شهدت مصر تحسناً في ظروفها الاقتصادية العامة. وقد قفز معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 4.4 في المائة في السنة المالية 2024-2025، في حين سجل التضخم تراجعاً كبيراً ليصل إلى 11.9 في المائة في يناير (كانون الثاني) 2026.

ويعود الفضل في ذلك إلى السياسات النقدية والمالية المتشددة ومرونة سعر الصرف التي أسهمت في استعادة استقرار السوق وتعزيز الوضع الخارجي للدولة. كما تقلص عجز الحساب الجاري إلى 4.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مدعوماً بقوة تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات السياحة، وتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، والتدفقات القياسية لغير المقيمين في أسواق الدين المحلية.

مصريون يسيرون بجانب ترام في مدينة الإسكندرية الساحلية (أ.ف.ب)

الاحتياطيات والوضع المالي

أدى تحسن المركز الخارجي ومرونة سعر الصرف إلى زيادة ملموسة في إجمالي الاحتياطيات الدولية، حيث ارتفعت من 54.9 مليار دولار في ديسمبر (كانون الأول) 2024 لتصل إلى نحو 59.2 مليار دولار بحلول ديسمبر 2025.

وعلى الصعيد المالي، تحسن الأداء العام مدعوماً بخفض الاستثمارات العامة وزيادة الإيرادات الضريبية. ومع ذلك، لفت الصندوق الانتباه إلى أن الفائض الأولي جاء دون المستهدف في البرنامج نتيجة غياب عوائد برنامج التخارج من أصول الدولة (الخصخصة) التي كان مخططاً لها.

تسهيل الصلابة والاستدامة

أشاد الصندوق بالتقدم المحرز في إطار «تسهيل الصلابة والاستدامة» الذي يدعم التحول نحو اقتصاد أخضر. وقد استكملت السلطات المصرية إجراءين إصلاحيين رئيسيين: الأول هو نشر جدول زمني لتنفيذ أهداف الطاقة المتجددة، والآخر هو إصدار توجيه يلزم البنوك بمراقبة والإبلاغ عن التعرض لمخاطر التحول المناخي. تهدف هذه الخطوات إلى تعزيز القدرة على إدارة المخاطر البيئية وجذب الاستثمارات المستدامة.

تحدي الإصلاح الهيكلي

رغم النجاح في تثبيت الاستقرار الاقتصادي، وصف الصندوق التقدم في الإصلاحات الهيكلية بأنه «غير متساوٍ». وشدد البيان على أن تسريع تنفيذ هذه الإصلاحات يعد أمراً حاسماً لضمان نمو مستدام يقوده القطاع الخاص. في حين لا يزال الدين العام المرتفع واحتياجات التمويل الإجمالية يمثلان ضغطاً على الحيز المالي وآفاق النمو على المدى المتوسط.

تتلاطم الأمواج على الصخور قرب مكان جلوس الناس على شاطئ البحر الأبيض المتوسط في محافظة كفر الشيخ بمصر (رويترز)

الأولويات

تتمثل أولوية مصر في المرحلة المقبلة، وفقاً للصندوق، في الانتقال نحو نموذج نمو أكثر استدامة. وتعد «الرواية الوطنية للتنمية الاقتصادية» إطاراً مهماً لتعزيز التنافسية، ولكن يجب تسريع الإصلاحات من خلال الحفاظ على مرونة سعر الصرف لتجنب تراكم الاختلالات الخارجية، واستكمال مسار خفض التضخم وتعزيز تعبئة الإيرادات المحلية، وتنفيذ استراتيجية شاملة لإدارة الدين مع تعزيز الإنفاق الاجتماعي لحماية الفئات الأكثر احتياجاً، وتعزيز الحوكمة في الشركات والبنوك المملوكة للدولة.

نظرة بين التحديات والفرص

حذر الصندوق من مخاطر نزولية كبيرة مرتبطة بالتوترات الجيوسياسية الإقليمية المتزايدة وتشديد الظروف المالية العالمية، فضلاً عن التأخر المحتمل في إصلاحات قطاع الطاقة. في المقابل، تبرز عوامل إيجابية قد تدعم النمو، مثل الانتعاش السريع في نشاط قناة السويس أو زيادة إنتاج الهيدروكربونات (النفط والغاز)، بالإضافة إلى المشاريع الكبرى المدعومة من دول الخليج والتي قد ترفع توقعات الاستثمار الأجنبي المباشر.

مرونة الصرف وحوكمة البنوك

في ختام مناقشات المجلس التنفيذي، أكد نائب المديرة العامة للصندوق نايجل كلارك أن تدابير الاستقرار بدأت تؤتي ثمارها، لكنه شدد على ضرورة إحراز تقدم أعمق في قطاعات غير استراتيجية وإدارة الدين. وأوضح أن الحفاظ على نظام سعر صرف مرن، بحيث تكون التحركات مدفوعة بآليات السوق، هو أمر حيوي لمنع ظهور الاختلالات مجدداً، مع ضرورة أن يقتصر تدخل البنك المركزي على معالجة ظروف السوق غير المنظمة وبطريقة شفافة. كما شدد على ضرورة تعزيز إدارة المخاطر في البنوك المملوكة للدولة وتحسين مناخ الأعمال من خلال الرقمنة وتيسير التجارة، مؤكداً أن تأثير هذه الإجراءات سيبقى محدوداً دون تقدم ملموس في برنامج التخارج من الأصول.


«إنفيديا»: أرباح فلكية وتوقعات تتجاوز السقف... وتساؤلات حول «الفائض النقدي»

شخصان يلتقطان صوراً لشعار شركة «إنفيديا» خارج مقرها الرئيسي في سانتا كلارا بكاليفورنيا (إ.ب.أ)
شخصان يلتقطان صوراً لشعار شركة «إنفيديا» خارج مقرها الرئيسي في سانتا كلارا بكاليفورنيا (إ.ب.أ)
TT

«إنفيديا»: أرباح فلكية وتوقعات تتجاوز السقف... وتساؤلات حول «الفائض النقدي»

شخصان يلتقطان صوراً لشعار شركة «إنفيديا» خارج مقرها الرئيسي في سانتا كلارا بكاليفورنيا (إ.ب.أ)
شخصان يلتقطان صوراً لشعار شركة «إنفيديا» خارج مقرها الرئيسي في سانتا كلارا بكاليفورنيا (إ.ب.أ)

شهدت الأسواق المالية العالمية لحظة ترقب قصوى مع إعلان شركة «إنفيديا»، العملاق المهيمن على صناعة الرقائق الإلكترونية، عن نتائجها المالية للربع الأخير من عام 2026. وبينما نجحت الشركة في تحطيم تقديرات المحللين وتسجيل أرقام قياسية تعكس الطفرة غير المسبوقة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي، فإن رد فعل «وول ستريت» جاء مشوباً بنوع من الحذر والمطالبة برؤية عوائد نقدية مباشرة للمساهمين.

يضع هذا التباين بين الأداء التشغيلي المذهل وتحركات الأسهم المستقرة الشركة أمام تحدي الموازنة بين الاستثمار في مستقبل الحوسبة وتلبية طموحات المستثمرين في جني ثمار هذا النجاح التاريخي.

أداء مالي يتحدى التوقعات

نجحت «إنفيديا» في تسجيل قفزة نوعية في إيرادات الربع المنتهي في يناير (كانون الثاني)، حيث بلغت المبيعات 68.13 مليار دولار، متجاوزة التوقعات التي كانت تشير إلى 66.21 مليار دولار، وهو ما يمثل نمواً سنوياً هائلاً بنسبة 94 في المائة.

ولم يتوقف هذا الأداء عند حدود الإيرادات فحسب، بل امتد ليشمل الأرباح المعدلة التي بلغت 1.62 دولار للسهم الواحد.

وتعكس هذه الأرقام الاعتماد الكلي لشركات التكنولوجيا الكبرى على معالجات «إنفيديا» لبناء بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي، حيث تشير التوقعات للربع المقبل إلى وصول المبيعات إلى 78 مليار دولار، وهو رقم يتخطى متوسط تقديرات المحللين البالغ 72.60 مليار دولار، مما يؤكد أن وتيرة التسارع في الطلب لا تزال في أوجها.

شعار «إنفيديا» في تولوز جنوب غربي فرنسا (أ.ف.ب)

معضلة «الفائض النقدي»

أصبحت السيولة النقدية الهائلة التي تولدها «إنفيديا» هي المحور الأساسي لنقاشات المحللين، حيث أشار تيم أركوري، من بنك «يو بي إس»، إلى أن الشركة في طريقها لتوليد نحو 100 مليار دولار من التدفقات النقدية الحرة خلال هذا العام وحده. هذا «الفائض النقدي» — وهو المال المتبقي بعد تغطية جميع المصاريف والاستثمارات — أصبح نقطة تجاذب؛ فبينما يطالب مستثمرو «وول ستريت» بإعادة جزء من هذه الأموال إليهم عبر توزيعات نقدية أو برامج إعادة شراء الأسهم لرفع قيمة استثماراتهم، تتبنى المديرة المالية كوليت كريس استراتيجية مغايرة، مؤكدة أن الشركة تفضل الاحتفاظ بهذا الفائض لتعزيز مكانتها في «نظام الذكاء الاصطناعي» وتأمين استثمارات استراتيجية طويلة الأمد.

خريطة المنافسة

تواجه «إنفيديا» مشهداً تنافسياً متغيراً يتسم بمحاولات حثيثة من المنافسين التقليديين والعملاء على حد سواء لكسر هيمنتها. فبينما تستعد شركة «إي أم دي» لإطلاق خادم ذكاء اصطناعي رائد، بدأت شركات مثل «غوغل» و«ميتا» في التوجه نحو تصميم رقائقها الخاصة (In-house chips) لتقليل الاعتماد على المورد الخارجي وتوفير التكاليف.

كما تبرز مخاطر «تركز العملاء» كأحد الهواجس المالية، حيث بات عميلان فقط يمثلان 36 في المائة من إجمالي مبيعات الشركة، ما يجعل استقرار إيرادات «إنفيديا» مرتبطاً بشكل وثيق بخطط الإنفاق الرأسمالي لعدد محدود جداً من عمالقة التكنولوجيا.

شعار شركة «إنفيديا» ورسم بياني لارتفاع سعر سهمها (رويترز)

سلاسل الإمداد

في سعيها لطمأنة الأسواق بشأن قدرتها على تلبية الطلب المتزايد، أكدت «إنفيديا» تأمينها مخزونات وقدرات تصنيعية كافية من خلال شريكتها «تي إس إم سي» لتغطية احتياجات الفصول المقبلة، مع ملاحظة أن النقص الطفيف قد يلقي بظلاله على قطاع الألعاب فقط.

أما فيما يخص السوق الصينية، فلا تزال الضغوط الجيوسياسية تلعب دوراً محورياً؛ حيث لم تتضمن توقعات الشركة إيرادات كبيرة من الصين بسبب القيود التصديرية الأميركية، رغم حصولها مؤخراً على تراخيص لشحن كميات محدودة من رقائق «إتش 200» المعدلة، وهو مسار تحاول من خلاله الشركة الحفاظ على موطئ قدم في إحدى كبرى أسواق التكنولوجيا عالمياً.

الحوسبة كبنية تحتية للمجتمع

يتبنى المدير التنفيذي جينسين هوانغ رؤية فلسفية وتقنية تتجاوز مجرد بيع الرقائق، حيث يرى أن مخرجات نماذج الذكاء الاصطناعي ستكون هي الأساس المتين لكل عمليات الحوسبة المستقبلية. وتؤمن الشركة بأننا لا نزال في المراحل الأولى من إعادة صياغة إنتاجية المجتمعات، وهو ما يبرر إصرارها على إدراج تعويضات الأسهم ضمن مقاييسها المالية لجذب أفضل المواهب الهندسية في العالم والحفاظ عليها. إن هذا الرهان على «مصانع الذكاء الاصطناعي» هو ما سيحدد ما إذا كانت القيمة السوقية للشركة، التي تقترب من 4.8 تريليون دولار، هي مجرد بداية لعصر ذهبي أم ذروة تسبق مرحلة الاستقرار.